الصفحة 116 من 122

وكفرت هفوته الشهادة *** يوم اليمامة لها أرادة

وإذ رآه المصطفى تضجرا *** من جر عتبةٍ أبيه اعتذرا

بأنه كان يرى أن أباه *** يمنعه عن ميتةِ السوء حجاه

فكان أبو حذيفة ـــ رضي الله عنه ــــ لمّا رأى أباه"عتبة بن ربيعة"يُجر ميتًا في ذلك اليوم, تضجر وكأنه أُصيب بنوع حزن, فكلمه النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في ذلك, فقال له: إنه قد عرف من جميل صنع أبيه, ومن يُمن نقيبته, ومن جزالة رأيه, ومن حذاقته ما قد يدخل به الإسلام, فلّما مات على شركه ولم ينتفع بذلك, حزن لما كان يظن, ولما كان يرجو من أبيه, فوقع في مثل ذلك من الحزن, ومن المعلوم أنه لا ينبغي للمرء أن يحزن على موت الكافرين, ولا أن يُصاب بأي أسى, ولا أن يستغفر لهم, ولا أن يترحم عليهم, وإنما موتهم على الكفر بعدما أقام الله عليهم الحجة, فأظهر لهم البينات, هو مما يستدعي بغضهم, ومما يستدعي البراءة منهم, لكنه قد يقع المرء في الحزن, عندما يكون يرجّي أمرًا, ثم لا يقع ذلك الأمر, وكأنه قد خاب رجاؤه فيقع نوع حزنٍ جراء ذلك, لا جراء أنه وقع وأُصيب بالحزن, بسبب أن أباه قد مات, أو أنه كان يحب أباه, فالصحابة أجلُ وأفضلُ وأكرمُ عند الله سبحانه وتعالى من أن يحبوا المشركين أو أن يوالوهم, لا سيما أبو حذيفة من المعلوم أنه كان يقاتل قومه, وكان يقاتل عشيرته, بل إنه مر بنا قبل قليل, أن كان يقول: (نقتل آباءنا وأبناءنا وعشيرتنا, ونترك عم النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ــ العباس, والله لا يكون ذلك) , فدلَّ هذا على أنه لا يحبه, وإنما يبغضه, وإنما كان يُرجّي بسبب ما يعلم فيه من الحذاقة وجزالة الرأي, ما يدخل به الإسلام, فلّما لم يدخل الإسلام وقع منه ذلك, والله تعالى أعلم.

والحجا: تقال للعقل, كان يرى أن أباه أنه يمنعه من ميتة السوء حجاه, ولكن من المعلوم أن الأمر إنما هو هداية {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} , فلا بد من إدراك هذا الأمر, ولذلك نجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت