الصفحة 117 من 122

أن من الناس حذّاقًا وعقلاء لكنهم يموتون على شركهم, ومن الناس من هم دونهم ولكنهم يموتون على التوحيد والإيمان {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} [الإسراء:20] , فلا بد من تحقيق هذا الأمر, فإذا ما رأينا بعض الحذّاق في هذه الدنيا, لا يسعون مسعى الأخيار, وإن كانوا يأخذون ببعض جوانب الحق, لا يدل أبدًا سعيهم على أن ما فعلوه هو الحق, لأن الحق لا يعرف بالعقل, وإنما يعرف بالنقل, وبالوحي قبل كل ذلك, ولكن العقل إنما يعيننا فقط على التمسك, وعندما نكون عقلاء و أذكياء وحذّاقًا على وجه الحقيقة, فإننا سنصدق هذا الوحي وسنتبعه, ولذلك حذاقة الحذّاق, وذكاء الأذكياء, في هذه الدنيا, ما لم يهتدوا به إلى الحق الذي هو"الوحي"فإنه لا يعتبر كذلك, إنما هو من باب العقل مجازًا , لا من باب الحق على وجه الحقيقة, لأن المشركين ـــ نسأل الله السلامة والعافية ـــ حتى وإن كنا نعتبرهم عقلاء وحذّاقًا, فإنهم ليسوا كذلك, بل سيعترفون بهذه الحقيقة على أنفسهم في النار, كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:10] فالميزان هو الوحي؛ لا ما يفعله الحذّاق بميزان عقول الناس, و إنما ما يفعله العقلاء والحذاق في ميزان الشريعة, الذين يتبعون شرع الله هم الحذاق, والمهتدي من هداه الله بالعمل بهذا الوحي, وهو العاقل حقيقة, أما العقلاء والأذكياء عندما نطلق هذه الصفات على بعض الناس في هذا الزمان, ممن لم يحققوا الإيمان فإن إطلاق ذلك إنما هو مجازي وليس هو حقيقيًّا كما هو معلوم, ثم قال:

وإذ معاذٌ بن عمرو بن الجموح ***أطن ساق ابن هشام الطموح

فطرح ابنه الهزبر عكرمة***عاتقه وجرّه في الملحمة

ألصق خير مرسلًا فالتصقا ***عاتقه لما عليه بصقا

ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ هاهنا يشير إلى قصة معاذ ابن عمرو ابن الجموح, ذلك لأنه لما دخل الميدان, سمع الناس يذكرون أبا جهل, ويقولون: إنه لا يقرب, ويذكرون من شجاعته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت