وقال أيضًا (وقد أورده الغزالي في إحياء علوم الدين) :
..أهل الأنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياء هي كفر عند العامة (1) .
وقال مرة: لو سمعها العموم لكفروهم، وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك، وذلك يحتمل منهم ويليق بهم (2) .
وقد كان الجنيد ينشد أبياتًا يشير بها إلى أسرار أحوال العارفين، وإن كان ذلك لا يجوز إِظهاره، وهي هذه الأبيات (3) :
سرت بأُناس في الغيوب قلوبهم ... ... فحلّو بقرب الماجد المتفضل (4)
عراصًا بقرب الله في ظل قدسه ... ... تجول بها أرواحهم وتنهل
مواردهم فيها على العز والنهي ... ... ومصدرهم فيها لما هو أكمل
تروح بعز مفرد من صفاته ... ... وما كتمه أولى لدين وأعدل
سأكتم من علمي به ما يصونه ... ... وأبذل منه ما أرى الحق يبذل
وأعطي عباد الله منه حقوقهم ... ... وأمنع منه ما أرى المنع يفصل)
على أن للرحمن سرًا يصونه ... ... إلى أهله في السر والصون أجمل
وقال سهل التستري (5) : (للعالم ثلاثة علوم، علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر، وعلم باطن لا يسعه إظهاره إلا لأهله، وعلم هو بينه وبين الله تعالى لا يظهره أحد) (6) .
-أما العلم الظاهر، فقد عرفناه، إنه علم الشريعة. فما هو علم الباطن؟! ولم هو باطن؟!
وبقول الحلاّج (7) : «المنكر في دائرة البراني، وأنكر حالي حين لم يران، (...وبالزندقة) .. حملني...وبالسوء رماني» (8) .
-يعني بدائرة البراني: ما هو خارج دائرة الصوفية.
(1) إحياء علوم الدين: (4/292) ، ولعل الفقرة (وهم يجدون المزيد.. إلخ) هي من تعليق الغزالي.
(2) إحياء علوم الدين: (4/292) ، ولعل الفقرة (وهم يجدون المزيد.. إلخ) هي من تعليق الغزالي.
(3) إحياء علوم الدين: (4/288) .
(4) في البيت إقواء.
(5) سهل التستري، من تستر، بلد من الأهواز، من أئمة القوم، توفي عام: (283هـ) أو (273هـ) .
(6) إحياء علوم الدين: (1/89) .
(7) قتل صلبًا عام: (309هـ) .
(8) الطواسين، طايسين النقطة.