-البقاء: لا بد لصحة العبودية من التنزل عن عالم الجمع إِلى عالم التفرقة، ويقال لهذا: (البقاء) (1) .
* ملحوظة: يلاحظ القارىء هنا أن الألغاز تفسر بالألغاز، ويُشرح الغموض بالغموض؟! وذلك لأننا الآن وجهًا لوجه أمام السر الذي يكتمونه.
ويقول أيضًا (أبو طالب المكي) :
...وقال الجنيد: (وهؤلاء -أي: الصوفية- هم المدلون على الله تبارك وتعالى، والمستأنسون بالله تعالى، هم جلساء الله تعالى، قد رفع الحشمة بينه وبينهم، وزالت الوحشة بينهم وبينه، فهم يتكلمون أشياء هي عند العامة كفر بالله تعالى، لما قد علموا أن الله تعالى يحبهم، وأن لهم عند الله جاهًا ومنزلة، ثم قال عن بعض العلماء: أما أهل الأنس بالله تعالى فليس إلى معرفتهم سبيل) .. هذا من كلام الجنيد ونحو معناه، حدثني به الخاقاني المقري، ولولا أنا روينا عنه ما ذكرناه، ما كنا نشرح حال هؤلاء إِشفاقًا على الألباب (2) ...
-يوهم أبو طالب المكي القارئ أنه لا يشرح حال هؤلاء القوم الذين يتكلمون بأشياء هي الكفر عند العامة- أي: عند أهل الشريعة- إشفاقًا على الألباب، وهذا غير صحيح، فهو لا يشرح خوفًا من السيف، وليس شيئًا آخر.
نعود إِلى ما مر من مصطلحاتهم وألغازهم، ولا بأس من وضع بعض الصور الصغيرة التي قد تساعد على فهم هذه الألغاز، على أن توضيحها الكامل سيأتي في ما يأتي إِن شاء الله.
فالفناء: ويسمى أيضًا: المحو، والسكر، والغيبة، والطي، والحضور بالحق، والجلوة، والإحسان، والجمع.. وكلها أسماء لمسمى واحد، وهو مقام الجمع (وهناك بعض الاختلاف بين مدلول الكلمات) ، فالجمع هو الفناء، وضم تعريفيهما إِلى بعضهما يساعد- بعض الشيء- على فهم السر والألغاز.
(1) حاشية العروسي: (2/61) .
(2) قوت القلوب: (2/77) .