أما البقاء: ويسمى أَيضًا: الفرق الثاني، أو الجمع في التفرقة، أو الفرق في الجمع، أو صحو الجمع، أو الِإطلاق.. فهو مقام أعلى من مقام الجمع، يجتمع فيه الفناء مع الصحو، أو الجمع مع الفرق، والاستغراق في مقام البقاء يسمى (جمع الجمع) ، وبيت من تائية ابن الفارض قد يلقي أمام القارىء بعض النور، يقول:
ومن (أنا إِياها) إِلى (حيث لا إِلى) ... ... عرجت وعطرت الوجود برجعتي
في هذا البيت يخبرنا ابن الفارض أَنه بدأ عروجه إِلى الله (سبحانه وتعالى علوًّا كبيرًا) من (أنا إِياها) الذي هو مقام الفناء، أو الجمع.. إِلخ، حتى وصل إِلى (حيث لا إِلى) ويكني بذلك عن مقام جمع الجمع.
-الرجاء من القارىء أن ينتبه إِلى كل عبارة، وخاصة (أنا إِياها) ، وماذا يعني بـ (إِياها) .
ويقول أبو حيان التوحيدي (1) في (رسالة:1) :
يا هذا! إِن كنت ثاكلًا فنح على ما أصبت به، وإن كنت مكروبًا بالسر فبح، فلعلك تشفي غليلك فيه (2) .
* ملحوظة: في هذه الفقرة يذكر التوحيدي أحد الأسباب التي تدفع العارف بالسر إلى إفشائه.
ويقول أيضًا (رسالة كد) :
...يا هذا! تجمع عن تفرقك، وتفرق في تجمعك! أتدري ما تفسير هذا اللغز؟
أي: احضر عن غيبتك، وتغيب عن حضورك، هذا أيضًا لغز آخر! أنا أكشف لك بما هو أبين، فتحل منه بما هو أزين؛ معنى ذلك: انف عن سرك الهموم كلها، حتى تنقى من كل دنس يكون في الإنس، ثم اخطب مجلسك من حضرة الحق بقبول ما يجود به لك (3) .
(1) علي بن محمد بن العباس، نزيل فارس، بقي إلى سنة: (400هـ) ويمكن أن تكون وفاته سنة: (407هـ) .
(2) الإشارات الإلهية، (ص:48) .
(3) الإشارات الإلهية، (ص:195) .