ج- تقريره وتأكيده على وجود الظاهر والباطن، والسر والعلن، وان هذا لا ينكره إلا من عميت بصيرته! فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى البصيرة عندما قال لنا: {قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك...} (1) .
د- ما هي غاية (حجة الإسلام) من تعريضه بـ (الذين تلقفوا في أوائل الصبا شيئًا وجمدوا عليه..) ، وماذا يعني بكلمة (شيئًا) التي تفيد التعميم بكونها اسمًا نكرة؟! طبعًا إن من هذا الشيء الذي تلقفوه هو علوم القرآن والسنة (الشريعة) .
ويقول أبضًا:
..فإن فلت:.. فإن الباطن إن كان مناقصًا للظاهر ففيه إِبطال الشرع، وهو قول من قال: (إِن الحقيقة خلاف الشريعة، وهو كفر؛ لأن الشريعة عبارة عن الظاهر، والحقيقة عبارة عن الباطن، وإِن كان لا يناقضه ولا يخالفه فهو هو، فيزول به الانقسام، ولا يكون للشرع سر لا يفشى، بل يكون الحفي والجلي واحدًا؟ فاعلم أن هذا السؤال يحرك خطبًا عظيمًا، وينجر إِلى علوم المكاشفة، ويخرج عن مقصود علم المعاملة، وهو غرض هذه الكتب، فإن العقائد التي ذكرناها من أعمال القلب، وقد تعبدنا بتلقينها(2) بالقبول والتصديق بعقد القلب عليها، لا بأَن يُتوصل إِلى أن ينكشف لنا حقائقها، فإِن ذلك لم يكلف به كافة الخلق...وإِنما الكشف الحقيقي هو صفة سر القلب وباطنه، ولكن إِذا أبحر الكلام إِلى تحريك خيال في مناقضة الظاهر الباطن، فلا بد من كلام وجيز في حله، فمن قال: إِن الحقيقة تخالف الشريعة، أَو الباطن يناقض الظاهر، فهو إِلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان! بل الأسرار التي يختص بها المقربون يدركها ولا يشاركهم الأكثرون في علمها، ويمتنعون عن إِفشائها إليهم، ترجع إِلى خمسة أقسام:
(1) سنن ابن ماجة، المقدمة، حديث: (43) .
(2) بتلقينها، هكذا في الِإحياء، ولعلها غلطة في النسخ أو الطباعة، ولعل الصحيح هو (بتلقيها) .