وأما قول عمر رضي الله عنه"نعمت البدعة هذه"، فإنه لم يقصد مدح البدعة التي ورد النهي عنها في الأحاديث والآثار ، وحاشا عمر الفاروق أن يعارض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخالف هديه ، وإنما قصد المعنى اللغوي للبدعة ، والبدعة من حيث اللغة تشمل القسمين ، الممدوح والمذموم ، بخلاف البدعة في الشرع فإنها كلها مذمومة .
قال ابن رجب " وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع ، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية ، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد"نعمت البدعة هذه"، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت ، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه .. " انتهى باختصار . انظر جامع العلوم والحكم [ 399 ] .
* وأما الأذان الثالث الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه ، فإنه كان بسبب كثرة الناس في زمانه وبعدهم عن المسجد النبوي ، وربما كان بعضهم في السوق فلا يبلغه أذان المؤذن يوم الجمعة ، وهو وقت خروج الإمام للناس وجلوسه على المنبر ، فيفوت عليهم الخطبة أو جزء منها ، فرأى عثمان رضي الله عنه أن يرسل من يؤذن للناس في السوق قبل وقت الخطبة وكان له دار بالسوق اسمها"الزوراء"، فكان يؤذن له عليها .
انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني [ 2/394 ] .
ففعل عثمان رضي الله عنه هو من قبيل المصالح المرسلة ، لأن حضور الناس من أول الخطبة وعدم فوات شيء منها أو من الصلاة هو من مصالح الدين التي دلت عليها النصوص ، ولهذا نهي عن البيع والشراء وقت النداء للجمعة ، ولم يقصد عثمان رضي الله عنه أن يحدث للناس عبادة تقربهم إلى الله تعالى ، كما يفعل أهل البدع .
* يبين ذلك ويؤكده أن عثمان رضي الله عنه ، وغيره من الصحابة ، لم يسنوا للناس أذانًا لصلاة العيد والاستسقاء ، لعدم الحاجة إلى ذلك ، بل أبقوا الأمر على ما كان عليه من قبل .