ويقرن أ. مدحت هذا النمط من التراوح بين ما أسماه اتجاه محافظ واتجاه أكثر تحررًا، بنمط العلاقة بين فقه الواقع وفقه النص كما أدركها أ. مدحت لدى كل من الأساتذة الفقهاء الأربعة. وذلك على ضوء فهمه هو لما يجب أن تكون عليه هذه العلاقة؛ فهو يقول [1] "أكاد أجزم أنه اتفق القدماء والمحدثون على ضرورة فقه الواقع جنبًا إلى جنب مع"فقه النص"سيما لمن عُني بالتطبيق .. إلا أن المطروح اليوم في"تجديد الفقه وأصوله"بعامة، وفي بناء أصول فقه الأقليات فيما يخص هذه الدراسة، هو تحديدًا"فقه النص بفقه الواقع". ولا ضير أن يحسّن الفقيه والمفتي فهمهما للنص بعد استيفاء"علوم الفهم"؛ من الرجوع لفهم السلف، وفهم قواعد علم الدلالة وعلوم العربية ومعهودات النصوص من معهود السُّنة ومعهود السلف وقضايا التعريفات والاصطلاحات والتطورات التاريخية للدلالات .. لا ضير -بل هو مطلوب- أن يُكمّل ذلك بفهم الواقع سيما عند تنزيل النص على معنيات الواقع. يقول الشيخ القرضاوي:"
"ولا يستطيع هذا الاجتهاد المعاصر المرجوّ أن يؤدي مهمته، ويحقق غايته، ويؤتي ثمرته، إلا إذا ضم إلى فقه النصوص والأدلة: فقه الواقع المعيش، فالفقيه أشبه بالطبيب ..."."ومن واجب هذا الفقه الواقعي، أو هذا الاجتهاد المعاصر: أن يعرف حقيقة الأقلية المسلمة التي يفتي لها".
هذا الطرح لا غُبار عليه سيما حين يميل إلى مخاطبة المفتي المجتهد في استخراج"حكم بفتوى أو فتوى بحكم"، ومثله القاضي والسياسي القائد، أما الفقيه (المجتهد لاستبناط الحكم النظري) فينبغي أن يشدَّد على فقهه للنص بأدواته، الأمر الذي سوف تتضح أهميته في تنظير"الأقليات"لموضوع المرأة، حيث نجد المتفقهة منهم لا يقفون موقفَ مَن يُفتي بحكم في واقعة، إنما ينطلقون في تقرير أحكام عامة هي من مستوى التجديد الفقهي الذي يعم وقائع وحالات عدة لا يمكن أن تقف على"فقه الواقع"، بل هي الأولى"بفقه النص"بأدواته وقواعده التي دوّنها علم أصول الفقه ولما يجدّد بعدُ في مادتها المجددون، إنما راحوا يقللون من شأن بعض المرجعيات ويحاولون تقييدها.
ففقه الواقع عند فضيلة الدكتور العلواني -حين دمجه مع قراءة الوحي باسم (الجمع بين القراءتين) - صار أصلًا مكافئًا لفقه النص، أصلًا في فهم النص وليس في توجيهه أو تحسين فهمه. فالدكتور العلواني يؤسس منهج البحث والاكتشاف على تقابل وتكامل كتابي الوحي المقروء والكون المتحرك، وذلك في معرض تأصيل فقهي أو كما سماه فضيلته"بناء أصول فقه أقليات"؛ ولأن"فقه الواقع"لا يقدم بذاته أدوات ضابطة فإن مآل دعوة الدكتور العلواني هي الجمع بين علوم الشريعة وبين ما يسمى بالعلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة ذات المصدر الأوربي أو الغربي (التي يعبرون عنها بأنها ذات مصدر إنساني) :
(1) المرجع السابق، ص 26 - 27.