الصفحة 21 من 69

"إن فقه الإقليات فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعي بظروف الجماعة، وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة، قد يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناوله -إضافة إلى العلم الشرعي- إلى ثقافة واطّلاع في بعض العلوم الاجتماعية، خصوصًا علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعلاقات الدولية".

والخلاصة عند أ. مدحت أن فقهاء الأقليات يؤصلون لفقه أقليات جديد بأصول فهم للنص تتراوح بين الانتقاء من الأصول القديمة، وبين إنشاء أصول جديدة إنما هي راجعة إلى مقولة فهم أو فقه الواقع، التي تستدر قواعدها من الثقافة المسوّدة عالميًا، والتي تنقلها وسائل التعليم والإعلام الحديثة وتشيعها مضامين ورؤى ومنهجيات العلوم الاجتماعية المعاصرة، وأغلبها مصدره -كما قال القدماء- آراء الرجال وعقولهم، بغير اشتراط هدًى ولا كتابٍ منير.

وهكذا -وبعد أن يغوص أ. مدحت في تفاصيل المقارنة -في المضمون- يعود في نهاية دراسته ليختمها بعبارة تلخص موقفه من قضية العلاقة بين فقه النص وفقه الواقع، التي ترواحت أنماطها على نحو أنتج مواقف فقهية جديدة مقارنة بالتراث الفقهي القديم في موضوع الأقليات. وهذه المقولة هي [1] :

"وأخيرًا، فثمة مهام ضرورية في الطريق: فإذا كان القدماء قد أصّلوا لفقه النص بما نضج حتى احترق، فإن المجدّدين والمجتهدين المعاصرين، في موضوع الأقليات المسلمة وفي موضوع المرأة، بل ربما في كل مجالات الحياة الإسلامية، منوط بهم أن يضعوا أصول فقه للواقع وضبطه، وألا يكلوا الأمر إلى دعوة بالاستعانة بالعلوم الحديثة، فإن السؤال الأكثر جدوى -في تصور الباحث- والذي لا تجيب عنه العلوم الإنسانية الحديثة هو:"

ماذا يقدم النص الشرعي من ضوابط في عملية إدراك الواقع وتوصيفه والبناء عليه في عمليات التجديد الراهنة حتى يكون إدراك الواقع شرعيًا على مراد الله تعالى؟!

إن العرض المقارن السابق -ليس غاية في حد ذاته بقدر ما هو وسيلة للتهميد لفهم خصائص مواقف مدرسة فقه الأقليات من ناحية ولفهم مساحة الاختلافات بين اتجاهاتها حول أمور أربعة أساسية هي من صميم"الأصول السياسية"الكبرى للفقه السياسي للأقليات المسلمة في أوروبا -والغرب بصفة عامة، وهذا هو موضوع المحور الثاني من هذه الجزئية، وقبل الانتقال إليها يجدر التوقف عند بعض الملاحظات المنهاجية التي أثارتها أطروحات أ. مدحت، وعلى ضوء قراءتي أيضًا -بصفتي أستاذ علاقات دولية- لبعض النصوص التي أشار إليها من تأليف كل من د. القرضاوي، ود. النجار، ود. العلواني بصفة خاصة؛ فبالرغم من عدم التخصص في العلم الشرعي إلا أن الأمر لا يمنع من تقديم التعليقات التالية حول

(1) المرجع السابق، ص 52 - 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت