الصفحة 22 من 69

محك الاختلاف بين الفقه القديم والفقه الحديث هو"فقه الواقع"، ولكن يجدر الانتباه إلى أن الفقه القديم الموروث قد تطور بدوره عبر القرون مع تطور حالات التواجد بين مسلمين وغير مسلمين سواء في ظل وضع أقلية عددية (التواجد للضرورة في غير ديار الإسلام) أو في وضع أقلية عددية من حيث القوة والغلبة بعد تغلب غير المسلمين على ديار إسلام (الأندلس والبلقان) أو في وضع أكثرية عددية ولكن أقلية من حيث القوة والغلبة (الاستعمار الأوروبي للدول إسلامية) ، كل هذه الحالات (بل ابتداء من الهجرة في فترة الرسول صلى الله عليه وسلم) تعرض لها الفقه باجتهادات متنوعة لبيان حالات الضرورة أو الاختيار (كما سبق التوضيح) .

وبالمثل ألم يتغير أيضًا فقه"أهل الذمة مع التغير في أحوال المسلمين عبر أكثر من قرنين. ولذا فإن طرح د. جمال عطية -وهو عن الأقليات بصفة عامة (وفيها غير المسلمين في ديار الإسلام) إنما جاء على النحو الذي يتحرى عدم الوقوع في"المعايير المزدوجة"؛ بحيث إن ما يصدق على مسلمي أوروبا من قواعد ومبادئ وأسس يمكن أن يصدق أيضًا على رؤيتنا وفقهنا عن العلاقة مع غير المسلم في ديار الإسلام. ولكن السؤال الذي يجب أن يظل في الذهن: كيف ندرك درجة الضرورة التي يفرضها الواقع وكيف نحددها على النحو الذي لا ينال من الثوابت ويسمح في نفس الوقت بالاستجابة للمتغيرات؟ فلا يمكن أن نظل ندرك وضع استضعاف أقلية المسلمين في أوروبا، في نفس الوقت الذي توجد فيه"الدول الإسلامية أيضًا في حالة من الاستضعاف والهوان، بنفس منظار ووفق نفس قواعد وأصول ومنطلقات النظر إلى وضع استضعاف المسلمين بصفتهم أقلية، ولكن في نفس الوقت الذي كانت فيه ديار الإسلام في قوة وعزة ومنعة وحضارة وكانت تمثل مركز القوة العالمية وتشكل تفاعلاتها، ففي تلك الحالة مقارنةً بالحالة الراهنة لابد أن يختلف معنى"الضرورة"أو"الاختيار الإرادي"من عدمه للتواجد في غير ديار الإسلام.

بعبارة أخرى: إن التغير في خصائص الواقع -وخاصة من حيث ميزان القوة بين المسلمين (دولًا وأقليات) وغيرهم- لابد أن يصحبه تغير في الرؤية للواقع والرؤية للعالم تشخيصًا وتكييفًا وتقويمًا. وبالتالي؛ فإن محاكمة فقه الأقليات الجديد بقدر مخالفته للفقه القديم يحتاج لضوابط.

ومن ناحية أخرى: ما الفارق بين القرضاوي وعلواني -من حيث الخبرة الحياتية- ألا يفترض أن للعيش في الغرب أثره، ومن ثم؛ فإن عيش العلواني في الغرب واختبار تحدياته بطريقة مباشرة لابد أن يحمل جديدًا في الفقه والرؤية مقارنة بالقرضاوي الذي لم يمر بنفس خبرة التعايش المباشرة. حقيقة د. القرضاوي أعطى مساحة كبيرة -كما سبق الإشارة- إلى ضرورات الواقع، ولكن أرجع التعرف إليها إلى أصحاب الخبرة فيه، في حين أن العلواني لم يرَ أن اللجوء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت