وبالنظر رأسيًا -نستطيع أن نكوّن عامودين كل منهما يتكون من ثلاث مفردات ويعبر عن مستوى من مستويين لإشكالية"العلاقة بين النص والواقع"وبين"الاجتهاد والتجديد".
الأول- اجتهاد (جزئي) ، فتوى (فرد) ، فقه واقع (ابتداء) ... = فقه النص بفقه الواقع.
والثاني- تجديد (كلي) ، حكم عام (جماعة) ، فقه نص (ابتداء) = دور النص في فقه الواقع.
وإذا كانت هاتان المجموعتان (العامودان) تنبنيان على النظر للشريعة باعتبارها أحكامًا بالأساس، إلا أن للشريعة مستوى آخر هو القيم والمبادئ والأسس التي تكون رؤية منتسبة للإسلام، وهذا يفسح المجال لمجموعة ثالثة لا تقدم فتوى محددة أو تخلص إلى حكم عام ولكنها تقدم رؤية إسلامية للواقع أي فقه واقع من منظور إسلامي، تمييزًا لها عن العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة التي تتعامل مع الواقع -ولكن من منظورات غربية (مادية وعلمانية أساسًا) .
ولذا؛ فإن الأمر يتطلب النظر في مسار ثالث يتلخص في الآتي: ليس المناط هو حديث عن العلاقة بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية؛ لأن الأخيرة هي علوم حديثة ذات مصادر مرجعية أخرى، ولذا فالمطلوب هو فقه للواقع من منظور إسلامي؛ أي منظور إسلامي للعلوم الاجتماعية ينطلق من مرجعية مغايرة. وهذا المنظور الإسلامي (قيمي) بقدر ما ينبني على الأحكام -الخاصة بالظاهرة محل الاهتمام- فهو ينبي أيضًا على القيم والسنن والمقاصد بوصفها مدخلا منهاجيًّا وإطارًا مرجعيًّا. وعلى نحو يفسح المجال لمساهمة عالم الاجتماعيات والإنسانيات (من منظور إسلامي) ، وإن كان غير المتمكن من ناحية العلوم الشرعية وغير القادر على الولوج في الأدلة الشرعية بنفس قدرة المتخصص. إذن المقصود بانضباط فهم الواقع بفهم النص لا يقتصر على فهم الأحكام وأدلتها -أي الفقه الشرعي وأصوله فقط.
ولكن يمكن أن ينضبط الواقع برؤية إسلامية تنطلق من القيم والسنن والمقاصد، وبدون هذا المسار لن يصبح فقه الواقع ممكنًا إلا على الشرعي؛ فهل يجب أن نكون جميعنا شرعيين أم يمكن أن يكون لنا أدلتنا الأخرى من فقه الواقع المنضبط بالمعنى الواسع -ليس بفقه النص- ولكن بفقه الشريعة؟
إذن هناك فارق بين منهج النظر ومنهج التدبر من ناحية، وبين منهج الفتوى والحكم من ناحية أخرى. ومن هنا مغزى تقسيم هذه الدراسة إلى جزءين: أحدهما- وهو الذي نتحدث على صعيده الآن- خاص بالفقهاء ذوي الصلة بالعلم الشرعي، والثاني خاص بأصحاب فقه الواقع -من رؤى منتسبة للإسلام- وغيرها.
ومن ناحية رابعة: وبالنظر أيضًا إلى مؤتمر جامع -في نفس الموضوع (فقه الأقليات- شارك فيه شرعيون ومتخصصو علوم اجتماعية، وتعاون في تنظيمه المعهد العالمي للفكر