الصفحة 27 من 69

المشتركة والتواد الإنساني، الأمر الذي تعالت رنتّه مع بزوغ حزمة مفاهيم تعارف الحضارات وحوارها وتعايشها وتزاوجها وما إلى ذلك.

إذن الحقيقة التي نصل إليها -في هذا الأمر الأول- أن"فقه الأقليات"المعاصر ليس جديدًا في موضوع اهتمامه، ولكنه مختلف اختلافًا كثيرًا في أصوله ومنطلقاته، بما يحمله من نظرة مباينة تمامًا لنظرة القدماء إلى"العالم"ودياره، ولطبيعة الإيمان والكفر (بين الاقتضاء الضروري للصراع حتى القتال، وبين عدم الاقتضاء الضروري لذلك) ، وبين إبراز مسألة التحاكم للشريعة وبين إغفالها، وبين أصل الإقامة: من حرمتها إلا لضرورة، ومن ضرورة الإقامة -كما يقول كثير من المعاصرين- لمصالح عدة، وبما يحمله هذا التجديد من أصول تشريعية مختلفة في الاجتهاد لهذه الأقليات"."

2)واستكمالًا على هذه المقارنة التي قدمها التحليل السابق، نسترجع بعض ما سبق ذكره من ملاحظات عن ضوابط فقه الواقع مقارنة بفقه النص، وكيف يجب أن تقود إلى التمييز بين درجات من الفقه الجديد ومستويات له تتباين من حيث (الجزئية- الكلية) ، فإن ما سبق يمكن دعمه واستكماله بالانتقال إلى دوافع ومبررات الحاجة لفقه جديد لوضع الأقليات المسلمة لدى الفقهاء المحدثين (من التحديات للفرص) .

فنجد أن د. القرضاوي [1] وهو يتناول القواعد الفقهية الكلية التي يجب مراعاتها عند الاجتهاد في شئون الأقليات قد أتى في معظمها على قواعد تتعلق بالضرورات والضرر والمفاسد والمشاق والضيق، وهو الأمر الذي يعني مدى إدراكه حاجة فقه الأقليات إلى التيسير ومراعاة حالات الحرج والمشقة والضرورة، على أساس أن المسلم في المجتمع غير المسلم يكون أضعف من أخيه في مجتمع مسلم؛ مما يلزم معه احتياجه للتخفيف والتيسير عليه أكثر من غيره.

أما الدكتور النجار [2] ، فهو يقع في موقع وسط من القرضاوي والعلواني على هذا الصعيد، ذلك لأن د. النجار يبدأ من وضع المغلوبية الحضارية لأمم أخرى والذي يتسم به وضع الأمة الإسلامية الراهن والذي ينعكس بدوره على ضرورة مراعاة خصوصية الوضع الذي يعيشه المسلمون بالبلاد الأوروبية، ورؤيته عن التحديات لا تنفصل عن رؤيته عن الفرص بل وعن نمط الوجود المسلم، وهو يجمع بين هذه العناصر الثلاثة للإطار المقارن لقراءتي تحت عنوان"المبادئ الموجهة لتأصيل فقه الأقليات"؛ وهي خمسة مبادئ.

(1) د. يوسف القرضاوي: مرجع سابق، ص 42 - 43.

(2) د. عبد المجيد النجار: مرجع سابق، ص12 - 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت