الصفحة 29 من 69

الذي تحمله هذه الأقلية إن بصفة ظاهرة معبرة عن نفسها أو بصفة مضمرة مختزنة، وفي كل الصور يحصل من ذلك تدافع بين الثقافتين، وينتهي هذا التدافع في الغالب إما إلى الانسلاخ من الثقافة الأصل والذوبان في الثقافة المغايرة، أو إلى التقوقع والانزواء اعتصاما بذلك من الابتلاع الثقافي، أو إلى رد الفعل العنيف على هذه السطوة الثقافية يجد له تعبيرات مختلفة من جيل الشباب على وجه الخصوص.

ومهما يكن من رد فعل على هذه السطوة الثقافية فإنها تُحدث في نفوس الأقلية المسلمة -وبالأخص في نفوس الشباب منها- ضربا من الاضطراب والقلق في الضمير الفردي والجماعي على حد سواء، وهو ما يصبغ الحياة العامة للأقلية بصبغة التأرجح التي ينتفي معها وضع الاستقرار النفسي والجماعي، فلا هذه الأقلية اندمجت في جسم المجتمع الذي تعيش فيه حتى صارت خيوطا من نسيجه، ولا هي كونت هيكلا متجانسا يتفاعل مع المجتمع من منطلق تلك الهيكلية المتماسكة فيما بينها كما هو شأن الأقليات في بعض البلاد الآسيوية مثل الهند، وهو وضع يكتسب من معنى الخصوصية ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في التأصيل الفقهي [1] .

أما الدكتور العلواني [2] : فلقد اقترن اتجاهه الكبير لتجديد أصول الفقه -كما سبق التوضيح- باعتراف واضح بمدى التغير الذي أصاب واقع الأمة برمتها برافديها من الدول والأقليات؛ وهو الأمر الذي يحتاج فقها جديدا مستقلا للأقليات، وليس مجرد اجتهاد من داخل الفقه العام؛ فهو يقول:"فقه الأقليات فقه نوعي يراعي ارتباط الحكم الشرعي بظروف الجماعة وبالمكان الذي تعيش فيه، فهو فقه جماعة محصورة لها ظروف خاصة، يصلح لها ما لا يصلح لغيرها، ويحتاج متناوله إلى ثقافة في بعض العلوم الاجتماعية، خصوصًا علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية والعلوم الدولية".

كما يقول د. علواني إنه ليس"فقه جزئيات"يرد على أسئلة جزئية بل يجب معالجته"في ضوء رؤية شاملة تستصحب القواعد الشرعية الكلية، والمبادئ القرآنية الضابطة، وتراعي غايات الإسلام في الانتشار والتمكين على المدى البعيد .."، فإن الفقيه الواعي بعالمية الإسلام وشهادة أمته على الناس، وبالتداخل في الحياة الدولية المعاصرة (يجب أن ينتقل بالأسئلة) من منطق الرفض السلبي إلى منطق الوجوب والإيجابية انسجامًا مع ما يعرفه من كليات الشرع وخصائص الأمة والرسالة.

بعبارة أخرى، يدعو د. العلواني إلى"نظرة جديدة كلية تتجاوز القضايا التقليدية ذات الطابع الفردي .. إلى قضايا أكبر دلالة وأعمق أثرًا ذات صلة بالهوية الإسلامية"

(1) المرجع السابق.

(2) (( د. طه العلوامي نظرات تأسيسية ..(2) (ضرورة الاجتهاد وتجاوز الفقه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت