الصفحة 33 من 69

(1) لم يعتد المسلمون في تاريخهم -بعد عصر الرسالة- على اللجوء إلى بلاد غير إسلامية طلبًا لحق مهدر أو هربًا من ظلم مفروض؛ بل كانت البلاد الإسلامية في الغالب أرض عزة ومنعة، ولم تكن تفصل بينها حدود سياسية مانعة؛ فكلما ضاقت بمسلم أرض، أو انسدت عليه سبيل، تحول إلى ناحية أخرى من الإمبراطورية الإسلامية الفسيحة، دون أن يحس بغربة، أو تعتريه مذلة.

(2) لم تكن فكرة المواطنة -كما نفهمها اليوم- موجودة في العالم الذي عاش فيه فقهاؤنا الأقدمون، وإنما كان هناك نوع من الانتماء الثقافي لحضارة معينة، أو الانتماء السياسي إلى إمبراطورية معينة يعتمد المعيار العقائدي، ويتعامل مع المخالفين في المعتقد بشيء من التحفظ، مع اختلاف في درجة التسامح: من محاكم التفتيش الأسبانية إلى الذمة الإسلامية.

(3) لم تكن الإقامة في بلد غير البلد الأصلي تكسب حق المواطنة بناء على معايير ثابتة، مثل الميلاد في البلد المضيف، أو مد الإقامة، أو الزواج .. وإنما كان الوافد يتحول تلقائيًّا إلى مواطن إذا كان يشارك أهل البلد معتقدهم وثقافتهم، أو يظل غريبًًا -مهما استقر به المقام- إذا كان مخالفًا لهم في ذلك.

(4) لم يكن العالم القديم يعرف شيئًا اسمه القانون الدولي أو العلاقات الدبلوماسية، اللذان يحتِّمان على كل دولة حماية رعايا الدول الأخرى المقيمين على أرضها، ومعاملتهم بنفس معاملة الرعايا الأصليين، إلاَّ في بعض الأمور الخاصة التي تقتضي حقوق المواطنة التميز فيها.

(5) كان منطق القوة هو الغالب على العلاقة بين الإمبراطوريات القديمة -بما فيها الإمبراطورية الإسلامية- فكانت كل منها تعتبر أرض الأخرى"دار حرب"يجوز غزوها وضمها كليًّا أو جزئيًّا إلى الدولة الغالبة؛ إذ من طبيعة الإمبراطوريات أنها لا تعرف حدودًا إلا حيث تتعسر على جيوشها مواصلة الزحف.

(6) لم يعش فقهاؤنا الوحدة الأرضية الاتصالية التي نعيشها اليوم؛ حيث تتداخل الثقافات، وتعيش الأمم في مكان واحد. وإنما عاشوا في عالم من جزر منفصلة، لا تعايش بينها ولا تفاهم. فكان"فقه الحرب"طاغيًا بحكم مقتضيات الواقع يومذاك. وما نحتاجه اليوم هو"فقه التعايش"في واقع مختلف كمًّا ونوعًا.

(7) كان بعض الفقهاء الأقدمين والمتأخرين يعبرون بفتاواهم عن نوع من المقاومة وردة الفعل على واقع مخصوص يختلف عن واقعنا، وفي هذا الإطار يمكن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت