واشتراط عدم غمز الإمام في السماع ، مع وجود الإدراك البين؛ سببه: أنه قد يدركه ولا يسمع منه، كأن يكون الراوي لم يُبَكِّر في طلب الحديث- وإن كان كبير السن- حتى مات الشيخ ولم يسمع منه، وقد يلقى الراوي الشيخَ حال امتناعه عن التحديث, أو يلقاه حال اشتغاله بأمر عارض يمنعه من التحديث ,ونحو ذلك.
فإن قيل: إن مسلمًا - رحمه الله - يرى أن الاتصال يَثْبُتُ إذا كان اللقاء ممكنًا , مع البراءة من وصْمة التدليس!!.
فالجواب: أن هذا الكلام صحيح ومقبول من مسلم ومن غيره,لكن بشرط ألا يغمز أحد من الأئمة في سماع الراوي من شيخه, فإنْ غَمَزَ أحدٌ من الأئمة في ذلك السماع؛ فعند ذلك لا نقبل دعوى الاتصال, وهذا هو الذي عليه المحققون ,انظر"شرح علل الترمذي"لابن رجب و"النكت على ابن الصلاح"للحافظ ابن حجر.
وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في مبحث الحديث المعنعن -إن شاء الله تعالى-.
والذي جعلني أرجح تقييد كلام مسلم بالشرط السابق: أن مسلمًا - رحمه الله - إنما يحمل عنعنة من أمكن لقاؤه بشيخه مع براءته من التدليس على الاتصال, ولم يصرح بأن هذا اتصال صريح, وإنما هو محمول عنده على الاتصال, فإذا طعن إمام في الاتصال؛ فطعْنُه صريح، والصريح يقدم على المحتمل .
وهل يُلْحَق بالطعن الصريح في السماع ما إذا قال الإمام منهم في الراوي:"لا أعلمه سمع من فلان؟"أو:"ما أُراه سمع منه؟"أو:"ما أدري أسمع أم لا؟"ونحو ذلك؟.
والجواب: أن النفس تميل إلى إلحاق هذا بذاك أيضًا؛ لأن الأمر إذا كان محتملًا في نفي السماع وإثباته ؛ فالأصل عدم الإثبات ؛صيانة للسنة من أن يدخل فيها ما ليس منها، والله أعلم.
فإن قيل: نسلِّم بما ذكرتَ في حق الأئمة، باستثناء ابن المديني والبخاري ، فإنهما لا يؤخذ بغمزهما في رد المذهب الذي ذهب إليه مسلم ؛ لأنهما يشترطان في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة واحدة.