ونحن وإن سلمنا لهم جدلًا بأنه قد يعتذر الجمع في المتن بين الزيادة والأصل ، فكيف يتعذر الجمع في الإسناد ، على طريقة الجمع بين العموم والخصوص ،والمطلق والمقيد ،ونحو ذلك ؟
وقد أجاب الحافظ - رحمه الله - في"النكت" ( 2 / 654 ) على بعض الإيرادات على ابن الصلاح ، وفي جوابه ما يشير إلى ما سبق الجواب به عن اشتراط المحدثين نفي الشذوذ في تعريفهم الصحيح ، حيث قال:"ويمكن أن يُجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة: إنما يقوله المحدِّثون ، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال ، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك" [1] .
ويُضاف إلى ذلك: أن هذا تعريف المحدثين على أصولهم وقواعدهم ، فلا يرد عليهم كونهم خالفوا قواعد وأصول الفقهاء والأصوليين"اهـ ، والله أعلم ."
ومعلوم أن الشذوذ يقع في الإسناد وفي المتن .
المبحث الثالث من مباحث اشتراط نفي الشذوذ:
فإن قيل: إن اشتراط وجود الضبط يُغني عن اشتراط انتفاء الشذوذ ، لأن الشذوذ خلل في الضبط !!
فالجواب: معلوم أن الرجل وإن كان غاية في الضبط فقد يهم ويخالف في بعض الروايات ، ولا يزحزحه ذلك عن مرتبة الضبط والإتقان في الجملة ، فاشتراط الضبط اشتراط لشرط عام ، ولا يلزم من وجود الضبط في الجملة نفي الشذوذ في هذا الحديث بعينه .
وعلى ذلك فهما شرطان: أحدهما: عام في الراوي ، وهو الضبط .
والثاني: خاص بالرواية التي يُراد الحكم عليها بالصحة ، وهو نفي الشذوذ .
فيثبت بذلك أنهما شرطان أصليّان في التعريف ، وهذا بخلاف من ذهب إلى أن المراد بشرط نفي الشذوذ مجرد البيان أو التصريح بالمنطوق [2] ، والله أعلم .
فإن قيل: إن نفي الشذوذ يلزم منه وجود الضبط ، فإن الراوي إذا شذَّ اختل ضبطه !!
(1) انظر كتابي"إتحاف النبيل" ( 1 / 107 ) السؤال ( 17 ) .
(2) انظر"النكت"للزركشي ( 1 / 102 ) و"التدريب" (1/ 64 ) .