نعم , إذا عُلم أن الإمام منهم يعْدل عمدًا عن قوله:"حديث صحيح"إلى قوله:"إسناد صحيح"فإن ذلك يورث ريبة في نسبة تصحيح الحديث إلى ذلك الإمام .
وكذا إذا عُلِمَ من صنيع إمام منهم أنه يُفرِّق بين العبارتين في الحكم على الحديث ؛ فيؤخذ بما عُلِم من صنيعه , وإلا فالأصل ما قدمته في حقه وحق أمثاله, وقد أشار إلى ذلك ملخصًا ابن الصلاح , حيث قال:"غير أن المصنِّف المعتمد منهم ؛ إذا اقتصر على قوله: إنه صحيح الإسناد , ولم يذكر علة , ولم يقدح فيه؛ فالظاهر منه: الحكم له بأنه صحيح في نفسه , لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر , والله أعلم"أ.هـ [1] .
وقد فهم بعضهم كلام ابن الصلاح على غير وجهه؛ فانتقدوه ,مع أن كلام ابن الصلاح فيه عدة قيود , وهي:
أ- أنه لم يطلق أن الأصل عدم العلة والقادح في حق كل أحد , إنما قيَّد ذلك بالمصنف المعتمد , والمصنف هو الذي يؤلف في الأبواب , فيذكر حديثًا تحت باب , في مقام الاحتجاج به على الباب , ويصرح بأن إسناده صحيح , وهو رجل معتمد في هذا الفن , فيستبعد أن يجازف في هذا الحكم , إلا بعد أن يحول بفكره في كل معلوماته عن هذا الحديث، كما سبق .
ب - لم يجزم ابن الصلاح بأن الإمام يصحح الحديث بهذا القول، وإنما استظهر ذلك .
ج - لم يجعل ابن الصلاح الحكم بالصحة عامًّا عند المحدثين ؛ بل جعله مقصورًا على القائل:"إسناده صحيح"والعالم لا يلزمه أن يقلِّد العالم , لكن العامي أو العاجز عن الاجتهاد مطلقًا , أو في بعض الحالات ؛ له أن يأخذ بقول العدل بهذه الضوابط , والله أعلم .
فان قيل: فإذا ثبتت عدالة الراوي وضبطه ؛كان الأصل:أن يحفظ ما روى ,حتى يتبين خلافه اهـ [2] .
(1) انظر"المقدمة"مع"التقييد والإيضاح" ( ص 58 ) .
(2) قاله السيوطي في"التدريب" ( 1 / 66 ) .