فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 302

المقصود من ذلك: أن يكون الراوي صاحب صيانة وتَحَرُّزٍ من الأمور التي عُرِفتْ عمن ليس من أهل هذا الشأن: أهل التحرز، والتوقِّي، والسمت الحسن، لأن الراوي إذا لم يكن كذلك؛ فَيُخْشَى منه أن يكون صاحب مجازفة، وتوسُّعٍ غير مرضيٍّ، ويُلْقي الكلام دون مبالاة، فيقول على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - مالم يَقُلْ، أو لايتورع إذا شك في الوجه الذي تَحَمَّل به الحديث ؛ فيرويه على الوجه المخالف للاحتياط والورع، بخلاف صاحب المروءة والتحرز: فإنه إذا ترفَّع عن النقائص العرفية - وإن كانت مباحة شرعًا - فلن يتجرأ على حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بل سيكون أكثر ترفعا وتحرُّزًا، والله أعلم .

الرابع: هل اشتراط السلامة من خوارم المروءة في العدل شرط نظري وعملي، أم هو شرط نظري فقط ؟

الذي يظهر لي أن الطعن في الرواة بسبب الوقوع في شئ من خوارم المروءة أمر قليل جدا، ومع كونه كذلك: فالإعلال به أقل من القليل، فإني لا أعرف رجلا جمع شروط العدالة: من الإسلام، والعقل، والبلوغ، والسلامة من أسباب الفسق؛ ومع ذلك ضُعِّفَ، ورُدَّتْ روايته بسبب خوارم المروءة ،نعم قد يُتَكَلَّم في الرجل بسبب خوارم المروءة؛ دون أن يفضي هذا الكلام إلى رَدِّ حديثه عند الأئمة، كما جاء عن شعبة أنه قال: قلت للحكم: مالك لم تَحْمِل عن زاذان - يعني زاذان الكندي-؟ قال: كان كثير الكلام اهـ [1] ومع ذلك فقد وثقه غير واحد .

وكذا ترك شعبة حديث رجل بسبب أنه رآه يركض على برذون [2] ،باعتبار أن هذا الفعل يخدش في مروءته ، ولكن هذا الطعن لايؤثر في الرجل ، والله أعلم .

المسألة الثانية في شرط العدالة: كيف تُعْرَف عدالة الراوي عند المحدثين ؟

يُعْرَف ذلك عندهم بطرق ، منها المقبول، ومنها المردود، وهي:

(1) "يهذيب التهذيب" ( 3 / 269 ) .

(2) "الكفاية" ( ص 182 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت