ويثبت القرآن وجود النفس وأنها شئ غير البدن يقول تعالى: ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ) [الأنعام 93] ويقول تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحى) [الحجر29] ، فالإنسان مركب من أمرين النفس والجسد وهما حقيقة الإنسان معا ، فالجسد أعماله ظاهرة ، والنفس أعمالها باطنة لكنها بالرغم من ذلك هى سبب أعمال الجسد ، فالنفس إذن غير الجسد .
فالفكر والإدراك والإحساس والحركة من آثار النفس ونتيجة أفعالها ، ويؤكد ذلك سكون الجسم بعد مفارقتها للبدن ، فلو كانت الحركة والوجود بسبب الجسد ما حدث له سكون بعد الموت ، لكن حدوث السكون أمر مشاهد ، فالحركة إذن من خارج الجسد وهى النفس .
طبيعة النفس:
اختلف الفلاسفة والمتكلمون في طبيعة النفس ، فذهب الفلاسفة إلى أنها جوهر مجرد عن الجسمية والمادية .
فذهب الكندي إلى أن النفس جوهر بسيط إلهى روحانى وأنها نور من نور البارئ فهو إذن أفلاطونى النزعة لأنه متأثر به [1] فالنفس إذن جوهر مجرد لأنها جوهر إلهى ومن نور البارئ ومادام كذلك فلابد أن يكون جوهرًا مجردًا عن الجسمية .
بينما يرى الفارابى أن الإنسان مكون من عنصرين أحدهما من عالم الأمر أى العالم الإلهى ، والآخر من العالم الحسى ، فالنفس من عالم الأمر المفارق للعالم الحسى المادى فهى جوهر الإنسان ، وذلك انطلاقا من قوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف54] فالخلق إشارة إلى العالم الحسى والأمر إشارة إلى العالم الإلهى والروحانى المجرد عن المادة ، فهى في جملة الجواهر المفارقة للمادة [2] .
(1) راجع د. خليل الجر: تاريخ الفلسفة العربية ، ج2 / 76 ، 77.
(2) راجع الفارابى / فصوص الحكم ، حيدر أباد الهند 1345هـ ، ص 95 ، أهل المدينة الفاضلة ، دار العراق . بيروت 1955م، ص69 ، 70 .