ألقيت نظرة على الوجوه وأنا أدخل، كان التوتر مسيطرًا على الجميع، هناك شاب يلف رأسه بخرقة قماش بيضاء تلون قسم منها بالأحمر، كان وجهه يبدو أكثر اصفرارًا من وجوه الآخرين، بينما الشرطي الجالس وراء مكتب قديم في زاوية الغرفة، وأمام الباب المؤدي إلى داخل البناية يطلب من امرأة في سن الكهولة أن تتفضل بالجلوس ريثما يحين دورها في الدخول لتقديم شكواها مكتوبة، ويفهمها أن ما تتلفظ به من كلام بصوت مرتفع لا أهمية له ما دام لا يسجله، وان عليها أن توفره لتقوله لمن سيستقبلها بعد قليل، الشرطي بدوره كان متوتر الأعصاب ولذلك خشيت إذا سألته أن يمسك بخناقي ويدفع بي في عنف إلى الخارج أو يتصرف معي تصرفًا لا يرضي، مع ذلك تشجعت وفكرت ألا فائدة من التردد وقد صرت في داخل الغرفة في مواجهة الشرطي، ترك هذه المرأة التي كانت ما تزال تلح في الشكوى وتوجه إلي يسألني ماذا أريد، أحسست أنه كان يبحث عن أية فرصة للتخلص من تلك المرأة وقد وجدها بحضوري.. قدمت له الاستدعاء الذي كان في يدي، نظر إليه في عجل ثم أشار علي بالصعود إلى الطابق الأول والتوجه إلى المكتب رقم 2، تشجعت بسبب الهدوء الذي خيل لي أنه قد عاد إليه وسألته، ماذا في الأمر، فأجابني بأنه لا يعرف، فالقضايا والمصائب كما قال لي كثيرة، وعندما تصعد إلى الطابق الأول ستعرف كل شيء..
جواب هذا الشرطي المقتضب زادني حيرة، كنت أصعد الدرج ورجلاي ترتجفان حتى إنني في منتصف السلم راودتني فكرة أن أعود على أعقابي وأؤجل المجيء إلى وقت آخر، إلا أن هذه الفكرة ظهرت لي في بعض جوانبها سخيفة، فما دام حضوري أمرًا لا مفر منه فلماذا التأجيل، إذن لاكمل بقية درجات السلم..
بمجرد صعودي وجدت المكتب رقم 2 على يميني، دققت الباب ودخلت، وجدت رجلًا آخر قد سبقني، كان يحادث الشرطي في هدوء إلى درجة أنني لم أسمع صوته قبل أن أفتح الباب، وإلا لما كنت دخلت، عندما رأيته حاولت أن أعتذر وأخرج لانتظر أن يتم مقابلته، إلا أن الشرطي كان لطيفًا فطلب مني أن أتفضل بالجلوس، كان كهلًا في حوالي الخمسين من العمر، أو ربما يتجاوزها قليلًا، نصف شعر رأسه على الأقل كان أبيض، يضع نظارة طبية على عينيه، وتبدو عليه ملامح الطيبة..