عندما أخرج الشرطي ملفي من بقية الملفات، ووضعه أمامه على المكتب كانت عيناي لا تفارقان الشرطي والملف، كنت أركز نظري في الملف لعلني أستطيع التوصل إلى استنتاج ما، ولكن لا فائدة فأوراقه كثيرة، ولعل حجمه لا يقل عن حجم ملف أية قضية كبيرة في الأمم المتحدة، ثم إن كتابته كانت بالنسبة إلي مقلوبة لا أستطيع قراءتها وأترك بعد ذلك الملف وأنقل نظري إلى وجه الشرطي، لعلني عن طريقه أستطيع أن أتعرف على ما يدعو إلى التفاؤل أو العكس، إلا أن وجه الشرطي على الرغم من لطافته كان من تلك الوجوه التي يصعب أن تمنحك انطباعًا معينًا واضحًا..
ساد الصمت، وعشت لحظات ثقيلة في انتظار ما سيدلي به الشرطي في أمري بعد تفحصه للملف، إذ يبدو أنه بدوره وبسبب كثرة هذه الملفات لا يعرف ما تحتويه من مصائب إلا بعد أن يراجعها مع أصحابها..
أخيرًا رفع رأسه ونظر إلي مبتسمًا، وعلى الرغم من هذه الإبتسامة فإنني لم أكن أبدًا أتوقع ما يسر..
-أنت تعرف القضية التي استدعيت من أجلها؟
-لا طبعًا..
كنت أريد أن أضيف أنني مندهش، فأنا لم أستدع يومًا إلى مركز الشرطة، وإنني لم أدخل هذا المركز في حياتي سوى مرتين، وكنت أريد أن أتحدث له عن هاتين المرتين اللتين دخلت فيهما هذا المركز، إلا أنه لم يترك لي المجال لكثرة الكلام، فقال لي وهو ينظر في الملف:
-أنت أعلنت لأحد مراكز الشرطة أن اللصوص سرقوا مذياعًا من سيارتك..
نسيت هذا الأمر تمامًا، كان ذلك قبل حوالي ستة شهور، كنت أعرف أن المذياع لن يعود إلي، ولكن فكرت أن من واجبي أن أعلم أقرب مركز للشرطة على الأقل لكي يعرفوا الشارع الذي سرق فيه مذياعي، وقد علمت فيما بعد أن هذا الشارع مشهور بكثرة السرقات، وأن لصوصه مختصون في سرقة المذياعات، لهذا فقط أعلمتهم، ثم نسيت الأمر تمامًا، وعندما ذكر لي الشرطي قضية سرقة المذياع أحسست كأن أحدًا قد أفرغ فوق رأسي دلوًا من الماء المثلج، وفغرت فمي مندهشًا وأنا أفكر مستغربًا، هل وجدوه..؟
لم أسأل الشرطي هذا السؤال، واكتفيت بأن أجيبه بأنني فعلًا أعلنت في أحد مراكز الشرطة بأنه سرق مني مذياع، وأضفت بأن ذلك كان قبل حوالي ستة أشهر..