فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 70

لم ينتظر مني أية إضافة وانتقل إلى مكتب آخر صغير عليه آلة كاتبة وأخرج من درج المكتب أربع نسخ من إحدى الاستمارات وبدأ يكتب.. تذكرت وأنا أتابع موسيقى الآلة الكاتبة يوم ذهبت لكي أعلن عن السرقة، كان الموقف شبيهًا بهذا تمامًا، وحدي أجلس أمام شرطي يكتب على آلة والألتان متشابهتان في القدم، لاحظت فقط أن هنالك فرقًا واضحًا بين عمر الشرطيين، فالشرطي الآخر كان شابًا في حوالي الخامسة والعشرين، هناك فارق آخر هام بين الموقفين، فإذا كان هذا الشرطي لم يسألني سؤالًا عدا ذلك السؤال الذي سألني إياه للتأكد من أنني أنا الذي أعلنت عن سرقة مذياعي، فإن الشرطي الآخر على العكس من ذلك تمامًا قد أشبعني أسئلة وأشبعته أجوبة، الاسم واللقب طبعًا، الوظيفة والعنوان الشخصي، وعنوان العمل والهاتف، اسم الأب واسم الأم والسيارة ونوعها ورقمها واسم الشارع، وأسئلة أخرى نسيتها الآن، وفي الأخير فقط سألني: ماذا سرقوا من سيارتك..؟

وقد طلب مني اسم المذياع وأصله وفصله، فاعلمته عن كل شيء، وأقفل المحضر على الساعة كذا والدقيقة كذا من يوم كذا وسنة كذا، وطلب مني أن أعود بعد شهر، فخرجت ولم أعد، نسيت الأمر تمامًا، ولكن يبدو أن الحكومة ذاكرتها قوية فما الذي ما زال يكتبه أخونا هذا..؟

-آه انتهينا..

سحب الشرطي الاستمارة المكونة من أربع نسخ من الآلة الكاتبة ووضعها فوق المكتب أمامي، وقدم لي قلمًا لأمضي..

أمسكت القلم بيد مرتجفة وأمضيت، لأول مرة أخط إمضاء غير سوي، فأنا ما زلت حتى الآن لا أعرف النتيجة حقًا..

سحب إحدى النسخ الأربع وقدمها لي، ألقيت عليها نظرة قبل أن أخرج، كان مكتوبًا عليها ما معناه:

إلى السيد فلان المحترم

تحية خالصة وبعد.

يؤسفنا أن نعلمكم، بعد التحريات وبعد المجهود الكبير الذي بذلناه فيما يتعلق بقضية سرقة مذياعكم- أننا لم نعثر عليه، وتقبل مرة أخرى خالص تحياتنا.

محاضرة

وأنت تركب الطائرة في اتجاه هذه المدينة النائية عن العاصمة، وقبل أن تنزل إلى شوارعها لم تكن تحمل في ذهنك أي إحساس معين، ولعله إذا كان هنالك إحساس ما فهو أنك كنت تشعر ببعض المتعة التي تنتاب الإنسان -عادة- عندما يكون في طريقه لاكتشاف بقعة جديدة من هذا العالم الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت