إنها فرصة رائعة بدون شك أن تسافر في الطائرة داخل وطنك، أنت تحمل في نفسك إحساسًا قويًا بالعزة والكرامة، ذلك لأنك تسافر في طائرة بلادك، وعلى حساب الدولة، كما أنك ستقيم في النزل الراقي وتتناول طعامك في المطعم الفخم دون أن تمد يدك إلى جيبك ولو مرة واحدة، والقضية هنا بالتأكيد ليست قضية اقتصادية، ولكن كون الدولة هي التي تتكفل بدعوتك ودفع كل تكاليف رحلتك وإقامتك معناه أنك ذو قيمة وأهمية كبيرتين وهو ما لم تكن أبدًا توليه اهتمامًا، من هنا جاء إحساسك بالمتعة وأنت تركب الطائرة متجهًا نحو هذه المدينة النائبة لإلقاء محاضرتك.
حين نزلت من الطائرة كنت تلتفت إلى كل جهة، وتتفحص الوجوه لعل هناك من ينتظرك. أنت لا تعرف أحدًا من رجال سلطة هذه المدينة، أو المكلفين بأمر الثقافة فيها، ولكن، ومهما يكن فلا بد أن هنالك من سيستقبلك، فقد ظهر اسمك في الجريدة وإلى جانبه عنوان المحاضرة التي ستلقيها، بالإضافة إلى تاريخ اليوم والساعة، ومكان المحاضرة. كل شيء واضح إذن، وبما أن تاريخ إلقاء محاضرتك هو مساء اليوم بالذات، وبما أن هنالك رحلة جوية واحدة في اليوم إلى هذه المدينة فإنهم لا بد سينتظرونك، فأنت ضيفهم قبل كل شيء، لذلك كنت تتفحص وجوه المستقبلين وخاصة أولئك الذين تبدو عليهم مظاهر المسؤولية، وحتى لو لم يستقبلك أحد المسؤولين، فإنهم سيرسلون على الأقل سائقًا لاستقبالك، ترى كيف يكون هذا السائق؟ وكيف أستطيع التعرف عليه؟ لا بد أنه سيصعب التعرف عليه بسهولة، والذي أتمناه هو أن يكون سائقًا متزنًا، فسائقو سيارات الدولة هؤلاء معظمهم متهورون يريدون أن يحولوا السيارة إلى طائرة حربية أو صاروخ.
خرجت إلى قاعة المطار الواسعة، ما زلت تفتش عن وجه ضائع بين الوجوه، هل هنالك وجه يفتش مثلك بين الوجوه، أم أنك الوحيد الذي يبحث بدون جدوى.
لاحظت بعد قليل أن القبلات والمصافحات قد انتهت وإن القاعة الواسعة التي كانت مكتظة بالمسافرين قبل قليل قد صارت شبه خالية وإن الباقين القلائل إما أنهم عمال في المطار، وهم معروفون بألبستهم المتميزة، أو بعض أصحاب السيارات الذين أتعبوك بالسؤال عما إذا كنت تريد تاكسي، وإلى أين تريد أن تذهب.