تأكدت أخيرًا من أن لا أحد جاء لاستقبالك، وفكرت في نفسك بأن هذا ربما كان أفضل، فأولًا أنت بطبيعتك لا تحب الاستقبالات والمجاملات الكثيرة، وثانيًا فإنك تريد أن تتمتع في صمت بالمناظر الطبيعية الجميلة وأنت في طريقك من المطار إلى المدينة، مع العلم أن المسافة بينهما لا تقل عن ثلاثين كيلو مترًا كما قيل لك.
اتجهت إلى باب القاعة الواسع والمؤدي إلى الشارع فوجدت الحافلة التي تربط بين المطار والمدينة ما تزال متوقفة، فاتجهت إليها بسرعة حتى لا تفوقك فتضطر إلى دفع أجرة الركوب مضاعفة في إحدى سيارات الأجرة مع العلم أن أصحاب هذه السيارات ما زالوا يغازلونك لعلك ترضى أخيرًا، وخاصة أنهم رأوك تلبس بذلة زرقاء جديدة وقميصًا أبيض ناصعًا مع ربطة عنق تجمع بين اللونين الأسود والأحمر وحذاء بني اللون لبسته اليوم فقط، وتحمل في يدك محفظة دبلوماسية كبيرة توحي إلى جانب صلعتك التي كانت تمثل بالنسبة إلى بقية مساحة رأسك ما تمثله صحراء بلادنا بالنسبة إلى بقية أجزائها، كانت هيئتك بهذا كله توحي بأنك قد تكون على الأقل مدير مؤسسة، أو شركة أو رجل أعمال ناجحًا.
أقلعت الحافلة.. جلست كعادتك بجانب إحدى النوافذ حتى تستطيع التفرج على الطبيعة التي تحبها كثيرًا منذ صغرك، كنت تحس براحة كبيرة إذ لم يأت من يستقبلك ويقلقك، ثم لماذا الاستقبال وأنت تعرف عنوان النزل الذي ستسكن فيه فلجنة (الحفلات) في العاصمة سلمتك كل المعلومات، مع العلم أنه النزل السياحي الوحيد في هذه المدينة، كما سلمتك ورقة تحمل مصاريف الإقامة، وما عليك حين تصل إلا أن تقدم لهم هذه الورقة فتصبح من أهل الفندق، يا إلهي ما أروع النظام.. فلماذا إذن الاستقبالات والمجاملات والمتاعب؟ وخاصة أنني لا أحمل معي سوى محفظتي الدبلوماسية هذه، أنا دائمًا أفضل عندما أسافر لمدة قصيرة أن أحمل هذه المحفظة حتى أحس براحة السفر أكثر.