خرجت الحافلة من المطار، وكنت لا تغفل لحظة عن متابعة المناظر الطبيعية الجميلة، كلما رأيت هذه المناظر أحيت في نفسك ذكريات رائعة من أيام الطفولة الجميلة، عجيب أنت لا تشبع أبدًا من حب الطبيعة والإعجاب بها، وخاصة الطبيعة الربيعية مثل هذه التي تبدل أمامك ألوانها في كل لحظة، كنت تحاول أحيانًا أن تركز نظرك على شجرة معينة وتحاول أن تتفحص أوراقها، أو تحاول أن تركز على مجموعة من الأزهار، ولكن الحافلة التي تسرع لم تكن تسمح لك بذلك، وتمنيت لحظتها لو تتوقف هذه الحافلة لتخرج منها، وتهيم وحدك بين الأشجار والأزهار وتغيب بعيدًا مع الصمت، لكن هيهات، فها هي الحافلة قد وصلت إلى طيف المدينة، وبعد لحظات كنت تنزل منها وتسأل عن الفندق الذي وجدته دون كبير عناء:
عندما سلموك المفتاح صعدت إلى الدرج الثاني فقط لتتعرف على غرفتك، وتضع فيها حقيبتك، إذ أنك لم تكن تشعر بأي تعب من السفر على الرغم من أنه استغرق منذ خروجك من بيتك في العاصمة حتى الآن عدة ساعات، ولكنك تعودت ألا تتعب أبدًا عندما تسافر إلى مكان تراه لأول مرة مهما كان الجهد الذي تبذله، لذلك فإنك بعدما تمددت على السرير حوالي خمس دقائق قررت أن تخرج لكي تتعرف على المدينة، فالساعة ما تزال الرابعة والمحاضرة لن تكون إلا في الثامنة، وأنت ستعود إلى العاصمة غدًا صباحًا، هذه أحسن فرصة إذن لكي تتعرف على المدينة.
قبل خروجك بلحظات توقفت قليلًا لتفكر مع نفسك بأنك ربما ذهبت من هناك مباشرة بعد جولتك إلى قاعة المحاضرة، ولذلك فكرت بأنك من الأفضل لو حملت معك محفظتك، فالمحفظة تحمل المحاضرة التي ستلقيها: (الثورة التحريرية في القصة الجزائرية المعاصرة) .
فكرة حسنة إذن أن تحمل معك المحفظة والمحاضرة، وخاصة أن مثل هذه المحاضرة يصعب ارتجالها وذلك لسببين:
-الأول لاحتياجك للإكثار من الأمثلة.
-والثاني، وهو الأهم، لضعف ذاكرتك المعروف لدى الجميع:
وفكرت بعدما خرجت من الفندق أن تحاول أولًا التعرف على مديرية الثقافة في المدينة، فكان عليك أن تتجه إلى مقر الولاية، ولم تجد صعوبة في التعرف عليه، فالولاية في أية مدينة يعرفها جميع الناس، كبارًا وصغارًا رجالًا ونساء، فهي المقر الأعلى للحكومة في عاصمة الولاية، أو هي الحكومة المصغرة.