شكرته على نصائحه الذكية، وواصلت، كان المكتب المقابل للمتحف هو بالفعل مديرية الثقافة وكان متواضعًا جدًا، تمامًا مثل تواضع الثقافة في هذه المدينة، بناية أرضية قديمة وصغيرة، متآكلة الجدران، باب صغير أيضًا، والمهم فقد كان مثل أي بيت متواضع في هذه المدينة. بعد اجتيازك الباب الخارجي وجدت نفسك في صحن مربع الشكل، وفي إحدى جهاته الأربع هناك باب يؤدي إلى مكتب.
دخلت المكتب فوجدت كاتبتين، عرفت من خلال اهتمامهما واحترامهما الزائد لك أنهما عرفتا من أول نظرة إليك أنك لست من أهل المدينة، وفكرت في البداية أن هذا الاحترام الزائد لا بد كان بسبب كونهما يعرفان أنك الأستاذ المحاضر المنتظر، ولكن خاب ظنك بعدما قدمت نفسك إذ اكتشفت أنهما لا تعرفان عنك ولا عن موضوع المحاضرة شيئًا، صحيح هو يوم العلم وصحيح أن الناس جميعًا يعرفون أنه يوم العلم، وصحيح أن هناك برنامجًا حافلًا غنيًا هذا المساء، وستحضر هذا البرنامج السلطات المحلية كلها، لكن المحاضرة وموضوعها، هذا موضوع آخر، على كل حال قالت لي إحدى الكاتبتين، إن مدير الثقافة موجود، ولا بد أنه يعرف عن الموضوع أكثر مما نعرف، واتجهت إلى باب يفصل بين مكتب الكاتبتين ومكتب آخر فدقته دقًا لطيفًا وطلبت لي الإذن بالدخول، ودخلت مكتب مدير الثقافة فوجدت شابًا لطيفًا ومؤدبًا ومتواضعًا، كما عرفت منه أنهم اتصلوا به من العاصمة فيما يخص المحاضرة، ثم أضاف بعد لحظة تفكير أن هذه أول محاضرة في المدينة، ومع ذلك لا يهم كما قال، فالمحاضرة مبرمجة ضمن النشاط الحافل لهذه الأمسية، وبعد الاتفاق على موعد اللقاء مساء قبل المحاضرة خرجت لمزيد من التعرف على المدينة.