كنت وأنت تسير وحيدًا في الشوارع والساحات تركز نظرك خاصة على وجوه الناس وملامحهم لعلك تستنتج شيئًا من وراء هذه النظرات الضائعة القلقة، ترى ما هي اهتمامات هؤلاء الناس الذين يمرون بالقرب منك، يحملون في أيديهم بعض الحاجيات، وكان كثير منهم يرتدون ألبسة تقليدية، ويحملون في أيديهم عصيًا كعادة أهل هذه المنطقة، لاحظت أن ما يكثر في هذه المدينة هو المتاجر والمقاهي، وإذا كانت بعض المتاجر تنتظم أمام أبوابها طوابير طويلة فإن معظم المقاهي كانت تجري فيها معارك كبرى لا بداية لها ولا نهاية، هي معارك (الضامة) (والد ومينو) و (الروندة) ، لقد كانت المقاهي مكتظة إلى درجة أن الإنسان لا يكاد يجد فيها مكانًا واحدًا للجلوس وعلى الرغم من كثرتها، وعندما دخلت إحداها لتشرب شايًا فإنك اضطررت لشربه واقفًا، وربما كان ذلك أفضل إذ لم يكن في وسعك المكوث في هذا المقهى أكثر من خمس دقائق لكثرة الضوضاء التي لا يحتملها إلا المستغرق في اللعب.
خرجت من المقهى تتمشى في الطرقات والساحات. كنت تسير وحيدًا مع أفكارك ببذلتك الزرقاء وحقيبتك الدبلوماسية، كنت تلاحظ أن المارة كثيرًا ما يلتفتون إليك يتفحصونك وهم يمرون بجانبك. ماذا هنالك؟ لا بد أن هيئتك وشكلك وأنت تحمل هذه المحفظة الملعونة، لا بد أن كل هذا جعلك تبدو متميزًا عن الآخرين، وملفتًا للنظر، وصرت تمشي وأنت تشعر بكثير من الحرج، كما شعرت بأنك غريب في هذه المدينة، خاصة وأنك لم تر حتى الآن فردًا واحدًا يحمل في يده جريدة أو مجلة أو كتابًا، ترى ما هي هموم هؤلاء الناس، واهتماماتهم؟ وأوشكت أن تلقي على بعضهم هذا السؤال، ولكنك خشيت لو أنك فعلت ذلك لازددت غربة أو لربما اعتبرت في نظرهم متكبرًا، المهم، بدأت فعلًا تحس هذه الغربة، وبدأت تفكر في موضوع المحاضرة، ترى ماذا ستقول في هذه المحاضرة؟: (موضوع الثورة التحريرية في القصة الجزائرية المعاصرة) لماذا اخترت هذا الموضوع؟ ولكن المسؤولين عن الثقافة هم الذين اتفقوا معك عليه، إذن هو موضوع صالح للإلقاء، على كل حال الثورة التحريرية معروفة ومفهومة، ولكن القصة ما دخل القصة؟