ستبدأ أولًا فتتحدث قليلًا عن البدايات الأولى للقصة الجزائرية، ثم تحدثهم عن فنيات القصة القصيرة وتطورها مع ظهور الثورة التحريرية، ثم تحدثهم عن الدور الذي قامت به القصة في الثورة التحريرية، وتقيم بعض الموازنة بين كاتب وآخر مركزًا على الجوانب الفنية عند كتاب القصة المعروفين، ستتحدث عن الأبطال، وعن لغة القصة والحوار، وعن عقدة القصة وتطور حدثها وعن خاتمتها، الخ..
وفي جانب من إحدى الساحات لفتت انتباهك مجموعة من الشبان يكونون حلقة ويتابعون في صمت رجلًا يقف في وسط الحلقة بلباسه التقليدي وهويغني بصوت جميل قصة شعبية لعلها من قصص بني هلال أو لعلها قصة عنترة العبسي، أو الإمام علي، كان يجلس بالقرب منه على الأرض رجل آخر يحمل في يده قصبة ينفخ فيها أنغامًا جميلة يرافق بها كلمات المغني وبجانب الرجل الجالس طفل لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة يدق على بندير دقات متوازنة مع صوت القصبة، وقفت دقائق تتفرج على المنظر وتسمع الأنغام الجميلة المنسجمة وقد أعجبك اندماج المتفرجين اندماجًا كاملًا في جو القصة التي كان المغني يجمع في أدائها بين الحكاية والغناء في كثير من الإتقان والانسجام، ثم تركت هذا الجمع الجميل لتواصل السير في اتجاه الساحة الكبيرة للمدينة. أين يوجد مقر البلدية، كنت تتعرف على طريقك إلى هذه الساحة عن طريق نغمات الموسيقى القوية المنبعثة من مكبرات الصوْت التي نصبت هنا وهناك في أطراف الساحة..
اقتربت أكثر من الساحة، وقد عدت من جديد تفكر في محاضرتك، القصة؟ وماذا ستقول عن القصة؟ يبدو أن الناس هنا سعداء بحياتهم، منهم من يلعب (الدومينو) أو (الضامة) أو (الورق) ، ومنهم من يجري في كل اتجاه، وفكرت أنك ربما جئت لتفسد عليهم راحتهم وسعادتهم، ثم على الأقل لو اخترت موضوعًا آخر، كان عليك أن تحدثهم عن الأمير عبد القادر أو ابن باديس- كما جرت العادة- أو تقدم لهم حديثًا دينيًا، مثلًا، كل هذه الأمور يمكنهم أن يفهموها وينسجموا معها وأما القصة.. آه، لقد أخطأت فعلًا عندما قررت المجيء في هذه المهمة، ولكن ما العمل؟ لقد جئت فعلًا وكل شيء دفع لك من طرف الدولة، تذكرة السفر ذهابًا وإيابًا، وأجرة الإقامة في نزل فخم، عليك إذن أن تؤدي واجبك كاملًا حتى النهاية..
كنت مستغرقًا في التفكير عندما توقفت الموسيقى المنبعثة من مكبرات الصوت، وانطلق صوت قوي يعلن: