أيها المواطنون الكرام، إليكم هذا البلاغ الهام: (بمناسبة إحياء يوم العلم، في ذكرى المغفور له المرحوم الإمام ابن باديس سينظم مساء هذا اليوم في قاعة الحفلات حفل ساهر متنوع، ابتداء من الساعة الثامنة، ولعلمكم فإن الدخول سيكون مجانًا، فهلموا جميعًا لحضور هذا الحفل) .
يتوقف الصوت الجهوري، لتعود الموسيقى الصاخبة من جديد..
هكذا إذن، أنت ضمن هذا الحفل الساهر..
وفيما أنت واقف في وسط ساحة البلدية تفكر في العودة إلى النزل ملغيًا بذلك المحاضرة إذا بأحد الشبان يقف بجانبك مسلمًا:
-عفوًا، أنت الأستاذ المحاضر؟
ودارت في ذهنك أفكار سريعة متناقضة، ولكنك كبتها، ووجدت نفسك تجيب بكل هدوء:
-نعم
-أهلًا بك، الجماعة يبحثون عنك، الرجاء أن تذهب معي إلى مقر البلدية.
عند ذلك إزددت تأكدًا أنك بهيئتك ومحفظتك كنت تظهر غريبًا في هذه المدينة، فهذا الشاب لم يسبق لك أن رأيته أو تعرفت عليه، ومع ذلك تعرف عليك بسهولة، وتبعته إلى مقر البلدية بدون مناقشة، قدمك أولًا إلى موظف في أحد المكاتب، ثم رافقك هذا إلى رئيس البلدية، تعرف كل منكما على الآخر، ثم بدأتما تتحدثان عن المناسبة، وعندما سألك عن موضوع محاضرتك وجدت نفسك محرجًا، وترددت قليلًا قبل أن تقول له بأنها تبحث موضوع الثورة التحريرية في القصة الجزائرية، ورأيته ينظر إليك وعلامة استفهام واضحة على جبهته إذ يبدو أنه فهم الجزء الأول من العنوان (الثورة التحريرية) ، ولم يستطع استيعاب الجزء الثاني (القصة الجزائرية) .
-يعني تاريخ الثورة التحريرية؟
قال لك ذلك متسائلًا وبعدما بذل كثيرًا من الجهد حسبما يبدو في البحث عن محاولة للفهم، وتهربًا من الدخول في مناقشة قد تكون بيزنطية وعقيمة، أجبته بأنك بالفعل ستركز على تاريخ الثورة التحريرية، ونظرًا إلى أنه كان من قدماء المجاهدين بدليل الوسام الصغير الذي كان معلقًا في الجانب الأيسر من سترته، فقد تحمس للموضوع كثيرًا، وشكرك على حسن الاختيار، وإن كان أحد الحاضرين قد فضل لو أن المحاضرة كانت في موضوع الإصلاح، أو عن الإمام عبد الحميد ابن باديس بالذات، وأنقذك من مناقشة لا مخرج منها مدير الثقافة، الذي أشار إلى أن على الجميع الاتجاه إلى قاعة الحفلات لأن الوقت قد حان:
كيف تسير معهم وأنت في غاية الصمت، بينما كانت الموسيقى الصاخبة تتوقف بين حين وآخر ليتم الإعلان من جديد عن الحفل الساهر.