لكن يلاحظ أن كثيرا من الفقهاء قد بنوا إطلاق الحل لذيبحة الكتابي ونكاح الكتابية باعتبار أنهم ينزهون الله عن الشريك والولد، فأفتوا بمطلق الحل باعتبار أن النصارى من أهل زمانهم يصرحون بالتنزيه والتوحيد 0
قال البابرتي: وقد قيل إن القائل بذلك طائفتان من اليهود والنصارى انقرضوا لاكلهم، ويهود ديارنا يصرحون بالتنزيه عن ذلك والتوحيد وأما النصارى فلم أر إلا من يصرح بالإبنية قبحهم الله [1] 0
ثم قال: لكن هذا يوجب نصرة المذهب المفصل في أهل الكتاب أما من أطلق الحل فهو يقول إن لفظ المشرك إذا ذكر في لسان الشرع فلا ينصرف إلى أهل الكتاب وإن صح لغة في طائفة أو طوائف 0
وأطلق لفظ الفعل (يشركون) على فعلهم كما أن من راءى بعمله من المسلمين فلم يعمل إلا لأجل زيد يصح في حقه أنه مشرك لغة، ولا يتبادر عند إطلاق الشرع لفظ المشرك إرادته لما عهد في الشرع إرادته بمن عبد مع الله غيره ممن لا يدعي اتباع نبي ولا كتاب ولهذا عطفهم عليه في قوله {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} [2] ونص على حلهم في قوله {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [3] 0
استدل الشافعية على قصر أهل الكتاب الذين يحل نكاح نسائهم على أهل التوارة والإنجيل من بني إسرائيل بما يلي، قوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [4] أي قبل نزول القرآن فهذا يدل على أن من دان منهم بالكتاب بعد نزول القرآن خرج عن حكم أهل الكتاب [5] 0
ولهذا قالوا الكتابية يهودية أو نصرانية، الأولى مشتق اسمها من يهود ابن يعقوب، والثانية من ناصرة قرية بالشام كان مبدأ دين النصارى بها فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية، أي لم تكن من بني إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام بل كانت من الروم ونحوه فلا يحل نكاحها للمسلم إلا إذا علم دخول آبائها في ذلك الدين (دين موسى) قبل نسخه وتحريفه،
(1) شرح فتح القدير جـ 3 ص 229
(2) سورة البينة آية 1
(3) سورة المائدة جزء من آية 5 ويراجع شرح فتح القدير جـ 3 ص 229
(4) سورة المائدة أية 5
(5) الرازي جـ 10 ص 577