ثانيًا: إن الوقت الذي تزوج فيه حذيفة وغيرة من الكتابيات إنما كان لأجل عدم وجود مسلمات أو تعذرهن، ولهذا طلب عمر منهن بعد ذلك أن يطلقوهن، يؤيد ذلك ما ذكره الطبري لما كانت القادسية ولم يجد الناس نساء مسلمات تزوجوا نساء أهل الكتاب فلما كثر المسلمات بعث عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى حذيفة بن اليمان بعدما ولاه المدائن وكان قد تزوج من كتابية وطلب منه أن يطلقها فقال ولماذا أطلقها؟ لا أفعل حتى تخبرني أحلال هي أم حرام؟
فكتب عمر إليه لا يا حذيفة هذا الزواج حلال ولكن في نساء الأعاجم خِلابة وخداع، فإن أقبلتم عليهن غلبتكم على نسائكم0 فقال حذيفة الآن أطلقها [1] وفي كتاب الآثار لمحمد بن الحسن أن عمر عزم عليه ألا يضع كتابه حتى يخلى سبيلها قائلا إني أخاف أن يقتدي بك المسلمون فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن وتكون بذلك فتنة لنساء المسلمين 0
قال محمد وبه نأخذ، لا نراه حراما ولكنا نرى أن يختار عليهن نساء المسلمين [2] 0
فعمر رضى الله عنه لم ير هذا الزواج حراما ولكنه كان يكرهه لمصلحة اجتماعية وهي الخوف على المسلمين أن يُفتنوا بالكتابيات فيتزوجوا المومسات مأخوذين بجمالهن ويترتب على ذلك غمط المسلمة التي ليست في جمال الكتابية أو عزوفه عنها 0
كما تبين من نص الطبري أن ما فعله الصحابة إنما كان بسبب قلة المسلمات أو عدمهن في ذلك الوقت، الأمر الذي لا ينكره أحد فالكتابية لا تكون حلالا إلا عند عدم تضرر المسلمة مع اشتراط عدم الخوف على الولد أي تكون بموطن لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يُجبر على الكفر [3] 0
وعدم الإضرار بالمسلمات حرصًا على المصالح الاجتماعية في المجتمع المسلم 0
ثالثًا: إن وصف المُحصنات يطلق على الحرائر وعلى العفيفات وهو شرط استحسان لا شرط صحة فالكتابية الحرة العفيفة أولى من غيرها فإذا أبيح تخطي المسلمة إلى غيرها، فليكن لأوصاف تلطف من كفرهن مثل
(1) تاريخ الطبري جـ 6 ص 147
(2) الآثار لمحمد بن الحسن ص 75 تاريخ الفقه الإسلامي محمد يوسف موسى ص 87 - حاشية الدسوقي جـ 2 ص 267 الأسرة تحت رعاية الإسلام عطية صقر ص 310 - 311
(3) حاشية العدوى جـ 2 ص 53