وعلل الحنفية عدم حل زواج الكافرة للمسلم بقولهم: إن الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة، لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يُحَصِّل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح، إلا أنه جوَّز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها؛ لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة وإنما نقصت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أُخبِرت عن الأمر على خلاف حقيقته؛ فالظاهر أنها متى تنبهت تأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة، فهذا هو حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى والطبع، والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها، فجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة بخلاف المشركة فإنها في اختيارها الشرك ليس عن دليل وإنما على التقليد بوجود الآباء على ذلك من غير أن ينتهي ذلك الخبر إلى من يجب قبول قوله وإتباعه وهو الرسول فهي لذلك لا تنظر في الأمر ولا تلتفت إلى الحجة عند الدعوة إلى الإسلام فيبقى ازدواج الكافر مع العداوة الدينية المانعة عن السكن والازدواج والمودة خاليا عن العاقبة الحميدة فلم يَجُز نكاحها [1] 0
فالسبب في تحريم الزواج بالكافرة أو المشركة أن تباين العقيدة يسبب تنافرًا بين الزوجين فلا تستقيم الحياة الزوجية التي يجب أن تكون على المودة والرحمة، كما أن عدم الإيمان بدين يسهل على المرأة الخيانة الزوجية والفساد فلا تؤمن على حرمة النسل والبيت وكيف وهي لا دين يردعها ولا إيمان يهذب سلوكها ولا ترقى إلى حمل رسالة الأمومة لذرية مسلمة0
وقد وافق ابن حزم الفقهاء في أنه لا يحل نكاح المشركة غير الكتابية حيث قال: وأما نكاح الكافرة غير الكتابية فلا يخالفنا الحاضرون في أنه لا يحل وطؤهن بزواج ولا ملك يمين 0 لكنه يختلف في معنى الكتابية حيث يشمل عنده اليهود والنصارى والمجوس" [2] 0"
الفرق بين الكتابية والمشركة
يجتمع أهل الكتاب والمشركون في أن كل منهما لا يؤمن بوحدانية الله إيمانًا صحيحًا ولا يؤمن بما لله من صفات الكمال والتنزيه، فكل منهما
(1) البدائع جـ 2 ص 270 حاشية العدوى وبهامشة شرح رسالة أبي زيد جـ 2 ص 53 0
(2) المحلى لابن حزم جـ 9 ص 448 0