وهكذا شأن العبد يزهد في كل شيء لم يقدر له في اللوح، فما أعطي، علم أنه قد كان قدر له في اللوح، فقبله، وما منع، [علم] أنه لم يكن قدر له في اللوح، فرفع باله وذكره عن ذلك.
فهذا عبد قد أبرز صدق العبادة، فهو متعبد، قد تعبد الله بالتشبه بالعبيد؛ فإن من شأن العبد: أن لا يمد يده إلى شيء حتى يعطى، وهذا ينظر إلى ما قدر له في اللوح من بين العبيد، وهو شيء لم يتدبره، ولم يتكلفه، ولم يعلم به، دبره له مولاه العليم بما يصلحه، وإنما مدح الزاهد: بأنه تهاون بالدنيا، فلم يلحظ إليها، فهذا منه صدق إيمانٍ، وتحقيقٌ؛ لأنه لما أيقن بالآخرة، فنظر بنور اليقين إلى آخرته، تلاشت الدنيا في عينه في جنب ما أعد الله في الآخرة، فصغرت عنده.
والزهد في اللغة: هو الشيء القليل.
وإذا قل الشيء في عين المرء، تهاون به، على هذا ركب وطبع، رأوا قلة الدنيا بنور الإيمان التي أبصروا بها كثرة الآخرة، وعظمها، فبهذين نبلوا وشرفوا، فأعرضوا عن جمعها، إلا ما قدر لهم في اللوح، فعظموا ذلك القدر الذي أوصل إليهم؛ لأنه لما توصل إليهم، علموا: أن هذا تدبيره، وصنعه، وعطفه، ورحمته، فعظم شأن ذلك عندهم، ففرحوا، واستبشروا، وحمدوا ربهم، وتوسعوا في ذلك، فمن بلغك عن أحد من المنتبهين من السلف، أنه فرح بشيءٍ مما أوتي، أو عظم، فإنما عظمه من