قلت: قد وقع التصحيف من الأئمة أهل الحفظ والإتقان، لكن شأنه شأن الوهم الذي لا يسلم منه أحد مهما كان حافظًا، ولم يقدح ذلك في ضبطهم. أما إذا كان الراوي من الضعفاء وتُكلّم فيه من جهة حفظه، وعدم ضبطه للأسانيد والمتون، وكثر منه التصحيف فإنه ـ بلا شك ـ يكون دليلًا على سوء حفظه.
ومن أمثلة العلل الواقعة بسبب التصحيف من الأئمة الثقات: ما وقع لعبد الرحمن بن مهدي من أوهام في أسماء الرجال مع إمامته، بيّن ذلك أبو زرعة الرازي فيما نقله عنه تلميذه البَرْذَعي (1) قال: «شهدتُ أبا زرعة ذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه، وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء. قال: عن شهاب بن شريفة، وإنما هو: شهاب بن شُرْنُفَة. وقال: عن سماك عن عبدالله بن ظالم، وإنما هو: مالك بن ظالم. وقال: عن هشام عن الحجاج عن عائد بن بَطّ، وإنما هو: ابن نضْلة ... وقال: عن قيس بن جُبير، وإنما هو: قيس بن حبْتَر .... » (2) .
وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: قلت ليحيى: ـ بن معين ـ إن عبيدالله القواريريّ (3) حدثنا عن ابن مهدي عن جامع بن مطر عن أبي زَوِيّة: «رأيت على أبي سعيد الخدري عمامة سوداء» . فقال: أخطأ، هذا حدّثناه غيره عن جامع بن مطر، عن أبي رؤبة، وصحّف عبيدالله، لا يُعرف من أبو زويّة (4) .
ــــــــــــــــــ
(1) ـ الحافظ الناقد أبو عثمان سعيد بن عمرو الأزدي، وبرذعة بلد من أعمال أذربيجان رحل، وسمع أبا كريب، وعبدة بن عبد الله، وأبا سعيد الأشج، وخلائق، وصحب أبا زرعة وتخرج به. حدّث عنه حفص بن عمر الأردبيلي، وأحمد بن طاهر الميانجي، وآخرون. قال ابن عقدة: مات سنة اثنتين وتسعين ومائتين رحمه الله تعالى. تذكرة الحفاظ (2/ 743) .
(2) ـ سؤالات البرذعي، أبو زرعة الرازي، تحقيق: سعد الهاشمي. الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط1/ 1982م، (1/ 326 ـ 327) .
(3) ـ عبيد الله بن عمر القواريري، أبو سعيد البصري، نزيل بغداد، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين على الأصح، وله خمس وثمانون سنة. خ م د س. التقريب (ص: 373) .
(4) ـ العلل ومعرفة الرجال (3/ 19) ، رقم (3962) .