المطلب الرابع: حكم رواية المختلط
إنّ حكم الأئمة النقاد على رواية المختلط لم يأت جزافًا، أو عن هوى، وإنما جاء بعد فحص وبحث ومتابعة؛ لذلك لا مجال للطعن، أو حتى التشكيك في أحكام الأئمة على رواية المختلط. وقلت: أحكام؛ لأن الحكم ليس واحدًا في رواية من اختلط وإنما القول الفصل في ذلك: التفصيل بين ما روى قبل الاختلاط، ومن سمع منه وبين ما روى بعد الاختلاط، ومن أخذ عنه، وبين ماعَسُر تمييزه وفصله، فلم يعرف: هل حدث به قبل الاختلاط، أو بعده.
وللأئمة في هذا كلام جميل أورده في هذا المقام مبتدئًا بقول أبي بكر الحازمي ـ رحمه الله تعالى ـ حيث يقول: «وأما من زال عقله بأمر طارىء كالاختلاط وتغيّب الذهن فلا يعتدّ بحديثه، ولكن يلزم الطالبَ البحثُ عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طُرِح حديثه بالكلية؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين، والحفاظ المشهورين، فإذا تميّز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحته جاز له الرواية عنه، وصحّ العمل بها» (1) .
يقول الشيخ ابن الصلاح: «والحكم فيهم ـ المختلطين ـ أن يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يُدْرَ هل أُخِذَ عنهم قبل الاختلاط، أو بعده (2) .
وقال الحافظ ابن حجر: «والحكم فيه ـ أي في المختلط، أو حديثه ـ أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قُبل، وإذا لم يتميز توقف فيه ـ أي في حديثه بأن لا يُقبل ولا يُردّ ـ وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يُعرف ذلك ـ أي ما ذكر من الاختلاط والتمييز والاشتباه ـ باعتبار الآخذين عنه» (3) .
قلت: بيّن الحافظ ابن حجر في كلامه هذا الواسطة التي تمكننا من معرفة حديث المختلط قبل الاختلاط، أو بعده، أو حديثه المشكل؛ وهي: الرواة الآخذون ....
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ شروط الأئمة الستة، أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، عناية: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر، بيروت، ط2/ 2005م، (ص: 146) .
(2) ـ علوم الحديث (ص: 392) .
(3) ـ شرح شرح النخبة (ص: 537 ـ 538) .