ومن هذه الأحكام الحذر من التقييم المادي للعلامة ولنضرب لذلك الحذر مثلا يوضحه فمن علامات ظهور الدجال جفاف بحيرة طبرية فإذا نظرنا إلى بحيرة طبرية الآن وجدناها تكاد تجف فننظر إلى العلامة مادية فنقيس الباقي من الزمن اللازم لجفاف البحيرة إلى الفترة الزمنية التي بدأ فيها جفاف البحيرة أصلا وإذا نظرنا هذه النظرة نقول أن المتبقي من الزمن اللازم لجفاف البحيرة قليل جدا لأن الباقي من مياة البحيرة قليل جدا وهذا خطأ لأن الباقي من البحيرة هو المانع من تحقق علامة الجفاف وهو أمر قدري غير مرهون بالمعدل الزمني الذي بدأ فيه جفاف البحيرة.
وبصفة عامة ... فإن تقدير الزمان اللازم لتحديد منهج الدعوة بتصور العلامات يقابله ارتباط الحركة الجاهلية بحقائق العلامات بالصورة المضادة للحركة الإسلامية وأساس الارتباط هو التدخل المادي في محاولة القضاء على أي علامة تمثل أثر إيجابيا للحركة الإسلامية ومثال ذلك هدم النصارى للمارتين اللتين ينزل بينهما عيسى عليه السلام وكذلك الحرص على أي علامة تمثل أثرا إيجابيا للحركة الجاهلية ومثال ذلك زراعة اليهود - الآن - لشجر الغرقد الذي سيخفي اليهود آخر الزمان دون أن يقول يا مسلم ورائي يهودي تعالى فاقتله وهذا التصرف المادي وإن كان ساذجا وغير مؤثر إلا أنه يدل دلالة قاطعة على إدراك الجاهلية للعلامات وقيمتها في الصراع بين الجاهلية والإسلام وأن هذا الإدراك يبلغ درجة قد لا يصل إليها المسلمون أنفسهم وفي هذا نقص كبير يحب معالجته.
2)العلاقة بين النص التكليفي والإخباري:
والنص الشرعي أما أن يكون تكليفيا أو إخباريا، لذا لزم تحديد العلاقة بين هذين النوعين في إطار مهمة التحديد المنهجي للدعوة وهذه العلاقة هي أهم حقائق المقتضي المنهجي للتصور القدري.
وتفسير هذه الحقيقة هي أن النصوص التكليفية هي مدار التحديد المنهجي للدعوة، وهي المحققة للالتزام الشرعي بصورته المباشرة. أما النصوص الإخبارية فقيمتها دائرة بين الاستشهاد بها على علم الله المحيط والاستدلال على قدرة الله المطلقة.
ونبدأ التفصيل بحديث يوضح العلاقة بين المر التكليفي والإخباري في نص واحد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أن بيد أحدكم فسيلة [1] وعلم أن القيامة غدا فليغرسها) [2] [رواه مسلم] . فتضمن الحديث الأمر بغرس الفسيلة في وقت اليقين أن القيامة غدا، وأن الفسيلة لن تخرج، وعلى هذا كان غرس الفسيلة هو التكليف، وكان عدم خروجها هو الخبر، وأن الخبر لا يمنع الالتزام بالتكليف.
وعلى ضوء هذا النص تناقش قضايا الدعوة الإسلامية فلا يمنع خبر (عودة الإسلام غريبا) تكليف الدعوة والجهاد، ولا يمنع خبر (تفرق الأمة) تكليف الجماعة الواحدة والتآلف، وبذلك يكون النص التكليفي هو أساس التحديد المنهجي للدعوة.
وكما ينفصل الأمر التكليفي عن الإخباري في بعض النصوص مثل حديث الأمر بزرع الفسيلة وحديث الأمر بالتآلف رغم خبر الفرقة، فإنه تأتي نصوص يكون فيه الأمر التكليفي لازم الخبر، مثال قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن القرآن والسلطان سيفترقان) ، وهذا هو الجزء الخبري: (فدوروا مع القرآن حيث دار) ، وهذا هو الجزء التكليفي اللازم للخبري.
(1) الفسيلة: هي النخلة الصغيرة.
(2) أخرجه أحمد في المسند (184، 191/ 3) ، والبراز (81/ 2 كشف) من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن زيد عن أنس قال البزار: (لا نعلم رواه عن هشام) .