الصفحة 134 من 164

وأبرز أمثلة هذا الموقف في واقع الدعوة هو الأمر بالتسليم للقتل في حال الفتنة، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر أرايت ان قتل الناس بعضهم بعضا حتى تغرق حجارة الزيت في الدماء كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: اقعد في بيتك واغلق عليك بابك. قلت: فإن لم اترك أأخذ سلاحي؟ قال: إذ تشاركهم فيما هم فيه ولكن ان خشيت ان يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك [1] .

الدفع: ذلك أن الأحكام القدرية نوعان: حكم كوني قدري فيه للعبد كسب واختيار وإرادة فهذا حقه شرعا أن ينازع ويدافع بكل ممكن، مثل دفع قدر الجوع بقر الأكل. زلكن النوع الثاني هو الحكم القدري الكوني الذي يبذل فيه جهده في المدافعة والمنازعة ثم يقع، فهذا حقه أن يتلقي بالاستسلام، وعليه أن يشهد عزة الحكم في حكمه وعدله وقضائه، ومثال ذلك قدر البلاء.

التخيير: وهو الذي يخير فيه العبد بين حكمين قدريين فيختار أحدهما مثلما خير الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة التي كانت تصرع عندما طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بأن يشفيها الله فقال لها: (إن شئت دعوت الله لكي فشفاكي وإن شئت صبرت ولكي الجنة) ، فقالت: (أصبر ولكني أتكشف فأدعو الله لي أن لا أتكشف) . فدعا الله لها أن لاتتكشف [2] . ومثل أن يقع الانسان بين حكم: أن يكون مظلوما أو ظالما، فيختار أن يكون مظلوما، ودليل ذلك حديث الطفل الذي تكلم في المهد [3] .

رابعا: التصور القدري لمنهج التربية:

واذا كان منهج التربية يهدف بالاعتبار العقيدي إلى تكوين (العبد الرباني) لتحقيق التجريد.

ويهدف بالاعتبار الاخلاقي إلى تكوين المثال الأنساني لتحقيق الدعوة وبهدف بالاعتبار المادي إلى تكوين الامكانية البشرية لاستخلاص الطاقة فإن منهج التربية يهدف بأعتبار القدري إلى تكوين (أداة الخير لتحقيق الهداية) .

وبهذا الأعتبار يكون منهج التربية هو أسلوب تكوين تلك الأداة، ليكون المسلم صاحب دعوة ورسالة، وذلك من خلال سنن النفس البشرية كما أوجدها الله.

مرتكزا على الخصائص التي أودعها الله في تلك النفس، مستفيدا بالفاعلية القدرية للنفس البشرية في الواقع الكوني بالصفة العامة والفردية، مستحدثا بهذا المنهج أثر هائلا في النفس وبهذه النفس اثر هائلا في الدعوة وبهذه الدعوة أثر هائل في الوجود.

والتصور القدري لمنهج التربية له عدة مراحل الكمالات:

1)مرحلة الكمال الأولى وهي المرحلة المحققة للشروط الواجبة في الداعية وهي:

أ) الاطمئنان إلى صفات الله لتحقيق صفة النفس المطمئنة.

ب) والرضا بالقضاء لتحقيق التفويض، وسلامة القلب، والتجرد من حظ النفس.

ج) والارداة من خلال حب الله واللالتزام بالجماعة والعلم.

د) والبصيرة لتحقيق اليقظة والعلم.

أ) الطمأنينة إلى صفات الله:

فالتصور القدري لتربية الدعاة وتكوينهم يبدأ الطمأنينة إلى صفات الله سبحانه، وهذا يقول ابن القيم: والطمأنينة إلى صفات الرب تعالى نوعان: طمأنينة إلى الأيمان بها وإثباتها واعتقادها، وطمأنينة إلى ما تقتضيه وتوجيه من أثار العبودية.

(1) أخرجه أبو داود (4261) ، وابن ماجة (3958) - وغيرهما - من حديث عبدالله بن الصامت عن أبي ذر، وسنده صحيح على اختلاف في إسناده.

(2) متفق عليه: البخاري في المرضى 114/ 10 ومسلم في البر والصلة 2567 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) وفيه أن غلاما في المهد تكلم عندما مر على أمه وهي ترضعه رجل جبار ظالم فدعا الله الا يكون مثله ومر على أمه أمرأة مظلومة فدعا ان يكون مثلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت