الصفحة 135 من 164

مثاله: الطمأنينة إلى القدر واثباته به يقتضي الطمأنينة إلى مواضع الأقدار التي لم يؤمر العبد بدفعها ولا قدروة له على دفعها، فليسلم لها، ويرضى بها، ولايسخط، ولايشكو، ولايضطرب، فلا ييأس على ما فاته، ولايفرح بما أتاه، لأن المصيبة فيه مقدرة قبل أن تصل إليه وقبل أن يخلق، كما قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌلِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى ما فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ، وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) .

قال غير واحد من السلف، هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فهذه طمأنينة إلى أحكام الصفات وموجباتها واثاهرها في العالم وهي قدر زائد على الطمأنينة بمجرد العلم بها واعتقادها، وكذلك سائر الصفات واثارها ومتعلقاتها: كالسمع، والبصر، والعلم، والرضا، والغضب، والمحبة، فهذه طمأنينة الايمان وبذلك تصبح النفس مطمئنة.

ومايقابلها النفس الأمارة وفيها يقول ابن القيم: وقد انتصبت الأمارة في مقابل المطمئنة ومن أعجب أمرها أن تسحر القلب والعقل فتأتي إلى أشرف الأشياء وأفضلها وأجلها فتخرجه في صورة مذمومة وتريه صورة الصدق مع الله وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم، وأنه يعرضه نفسه من البلاء لما لايطيق وأنه يصير غرضا لسهام الطاغين، وأمثال ذلك من الشبهة التي تقيما النفس السحارة والخيالات التي تخيلها، ويريه حقيقة الجهاد في صورة تقتل فيها النفس، وتنكح المرأة ويقسم المال.

ب) الرض بالقضاء:

ومن طمأنينة الدعاة إلى صفات الله يتحقق الرضى بقضائه سبحانه وتعالى ومن هنا كانت المقارنة التي عقدها ابن تيمية بين الرضى والجهاد فقال: الرضى من أعمال القلوب نظير الجهاد من أعمال الجوارح، فإن كلا منهما ذروة سنام الايمان، قال ابو الدرداء: ذروة سنام الايمان الصبر للحكم، والرضى بالقدر، ومن حيث أثار الجهاد يواصل ابن القيم الربط بين الجهاد والرضى فيقول: وكراهة النفس لاتنافي الرضى كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا المجاهد مما يحصل له في سبيل الله من ألم وجرح.

كما يفسر ابن القيم العلاقة بين الرضى واحساس الالم والمكاره فيقول: وليس شرطا الا يحس بالألم والمكاره، بل الا يعترض على الحكم ولا يسخط هذا في مدارج السالكين.

ويقول في الداء والدواء: وان يعلم أن تمام عبوديته في جريان ما يكرهه من الأحكام عليه.

وإذا علمنا شروط الرضى وجدناها شروط الدعاة. وإذا تتبعنا طريق الرضا وجدناه طريق الدعوة. وإذا رأينا علامات الرضى وجدناها علامات هذا الطريق.

ويقول ابن القيم: وشروط الرضى أن يكون الله عز وجل أحب الأشياء إلى العبد، وأولي الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة.

وطريق الرضى همة عالية ونفس زكية وتوطين النفس على ما يرد عليها من الله، وعلامات الرضا ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء وهيجان الحب في حشو البلاء.

وفي النهاية فالرضى هو سكون القلب إلى قديم اختيار الله للعبد.

والرضى بالقدر هو الرضى بالأسماء والصفات، لقول ابن القيم: جميع ما في الكون أوجبته مشئة الله وحكمته وملكه، فهو موجب أسمائه وصفاته، فمن لم يرضى بما رضي الله به لم يرض بأسمائه وصفاته ولم يرضى به ربا، والرضى هو تفويض الأمر إليه، وهذا التفويض هو الموقف القدري الصحيح للدعاة كما قال صاحب سورة غافر: (فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت