وإذا كان القلب هو مناط الاظهار لآثار أسماء الله وصفاته، وهو لب الداعية وجوهر واقع الدعوة، فإن الرضى هو الذي يفتح للعبد أبواب السلامة، فيجعل قلبه سليما، فهو الذي يخرج الهوي من القلب، وهو الذي يحقق للقلب راحته وطمأنينته ومن ملأ قلبه بالرضى ملأه الله قناعة وغني وأمنا.
واذا كان التجرد من حظ النفس أمرا لازما للداعية، فإن الرضا هو محقق التجرد، إذ ان الرضى هو الا يريد العبد مصلحة نفسه من كل وجه، وأن ينتفي عنه الحرص، وأن يعلم أن حقيقة حظه هي الرضا بالمقدور.
واذا كان اليقين هو شرط الامامة في الدين والقيادة في الدعوة، فإن اليقين هو قرين الرضا، ذلك أن السخط يفتح على العبد باب الشك في الله. فإن الرضى واليقين قرينان، والشك والسخط قرينان، وإذا حدث الشك كان التلون، وذلك السخط يوجب تلون العبد وعدم ثباته مع الله.
ومن الطمأنينة إلى صفات الله والرضى بقضائه تكون الارادة والبصيرة.
ج) الإرادة:
والارادة بالتصور القدري، لها منبع أساسي هو معرفة الله، لأن معرفة الله تحقيق محبته، ومحبته تحقق الإرادة ذلك أن محبته لله تتحقق الأنس به سبحانه، والانسان في أول الأمر يجد تعب التكليف، ومشقة العمل، لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس زال عنه تعب التكليف والمشاق فصارت له قوة ولذه تصير الصلاة قرة عينه بعد ان كانت عملا عليه: وليستريح بها بعد أن كان يطلب الراحة منها فله ميراث من قوله صلى الله عليه وسلم: أرحنا بالصلاة يا بلال [1] ، وجعلت قرة عيني في الصلاة [2] بحسب إرادته ومحبته وانسه بالله تعالى ووحشته مما سواه.
ومن سنن النفس البشرية أن يعمل الانسان وفق ما يحبه، وهذا تفسير قوله الله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) ، فإن معنى الآية قل كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به، فالفاجر يعمل على ما يليق به، وكذلك الكافر والمنافق، ومريد الدنيا وجيفتها عامل على ما يناسبه ولايليق به سواه، والمحب لله يعمل ما هو اللائق به والمناسب، فهويعمل على شاكلته وإرادته وماهو الاليق والأنسب.
ومن سنن النفس البشرية والداخلة في معنى الآية ان يعمل الانسان على شاكلة من يحبهم من الشر، ولاريب أن كل من تعلق بأنفاس قوم انخرط في مسلكهم ودخل في جماعتهم، ومن هنا تصبح الجماعة والماعيشة من أهم منابع الإرادة بعد حب الله عز وجل.
وتعريف الإرادة أنها ترك العادة، لأن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة، وأجابة داعي الشهوة الاخلاد إلى أرض الطبيعة.
وترك العادة يكون بالعلم، فإنه النور الذي يعرف العبد به مواقع ما ينبغي إيثار طلبه وما ينبغي إيثار تركه، فمن لم يصحبه العلم لن تصح له إرادة، ومن هذا كان الانتفاع بالعلم من علامات الإرادة، فكان قولهم إنه سمع شيئا فعمل به صار حكمه في قلبه أخر عمره ينتفع به، وإذا تكلم انتفع به من يسمعه.
وبذلك ينضم العلم إلى منابع الإرادة فتكون هي: حب الله ... والالتزام بالجماعة ... والعلم.
ويقول سفيان الثوري: أول العلم الاستماع ثم الانصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر [3] وبذلك يتحقق الارتباط الطبيعي بين العلم والدعوة.
صفات صاحب الإرادة:
والملاحظة الأساسية في هذه الصفات أنها مقتضى حب الله والصبر على طاعته. وهي:
التحبب إلى الله بالنوافل، تقابلا مع المعاناة في أداء الفرائض. والأخلاص في النصيحة، تقابلا، لمن لاتتجاوز إرادته حدود نفسه، بل تقل عن تلك الحدود.
(1) أخرجه أبو داود في الأدب (4985) ، و (4986) من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد وسنده صحيح.
(2) الطبراني في الكبير عن المغيرة بن شعبة وهو عند غيره وسنده صحيح
(3) فتح الباري ص317