فهذه أفضل العبادة وهذا دأب صاحبها في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، .. حر مجرد دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر أني توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه يأنس به كل محق ويستوحش منه كل مبطل؛ كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها وكلها منفعة حتى شوكها. وهو موضع الغلظة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انتهكت محارم الله فهو: لله وبالله، ومع الله.
البصيرة:
ولها مقدمات وهي اليقظة؛ وتعني انزعاج القلب من رقدة الغافلين، ثم العزم وهو العقد الجازم على السير ومفارقة كل معوق، ومرافقة كل معين. والعزم يكون بحسب اليقظة، فإذا استيقظ وجبت الفكرة وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي استعد له مجملا ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه فغذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة وهي نور القلب يرى به الحق وهي ثلاث درجات:
بصيرة في الأسماء والصفات: وهي أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه.
بصيرة في الأمر والنهي: وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوي؛ فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه، ولا شهوة تمنع تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص.
بصيرة في الوعد: وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا.
ومقتضي البصيرة أن تؤدي ما أمرت منه سبحانه من غير شك ولا شكوي وأن تغضب على من يخالف ذلك غيره عليه سبحانه أن يضيع حقه ويهمل جانبه.
أما الفراسة فهي من آثر البصيرة تفجر المعرفة، وتثبت الإشارة؛ فإنه بهذه البصيرة تنفجر من قلب صاحبها ينابيع من المعارف التي لا تنال بكسب ولا دراسة إن هو إلا فهم يؤتيه الله في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه. يعني أن البصيرة تنبت في القلب الفراسة الصادقة وهي نور يقذفه الله في القلب يفرق به بين الحق والباطل والصادق والكاذب.
وبتمام مرحلة الكمال الأولى يتحقق مفهوم كمال الدعوة وهو الوارد في تفسير قول الله تعالى: (أولوا الأيدي والأبصار) [1] .
إذ يقول ابن القيم: الكمال الإنساني مداره على أصلين: معرفة الحق والباطل وإيثاره عليه. وما تفاوت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين وهما اللذان أثني بهما الله سبحانه على أنبيائه وهما في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) . فالأيدي القوية في تنفيذ الحق. والأبصار والبصائر في الدين فوصفهم بكمال إدراك الحق. وكمال تنفيذه فهؤلاء أشرف الأقسام من خلق وأكرمهم على الله تعالى.
الثاني: بعكس هؤلاء من لابصيرة له في الدين، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولايستفاد بصحبتهم الا العار والشنار.
الثالث: من له بصيرة بالحق ومعرفة به لكنه لاقوة له على تنفيذه ولا الدعوة اليه، وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.
الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة ولكنه ضعيف البصيرة بالدين ولايكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وليس هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين ولاهو موضع لها سوي القسم الأول [2]
(1) ص: 45
(2) الداء والدواء ص 174