الصفحة 139 من 164

ويقول الفخري الرازي في تفسير: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) . أن من مراتب العباد اثنان: التام، وفوق التام، أما التام فهو ان يكتسب من الصفات الفاضلة والتي لأجلها يصير كاملا في ذاته، فإذا فرغ من هذه الدرجة اشتغل بعدها بتكميل الناقصين. وهو فوق التام، وفي تفسير قول الله عز وجل: (وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) .

في سورة الكهف ان هداهم تعداهم إلى غيرهم فصاروا دعاة.

وقد مر سفيان الثوري: أول العلم الاستماع ثم الانصات ثم الحفظ ثم العمل ثم النشر [1] .

والواقع ان ارتباط حياة الانسان بالدعوة أمر طبيعي لأن الله سبحانه خلق الانسان صاحب دعوة، وأودع فيها خصائص والقدرة على تحمل تكاليفها.

ولأجل أن خصائص الدعوة لكل أنسان أمرا طبيعيا فإنها أن لم تستوعب في الدعوة إلى دين الله، فإنها ستبدد في غيرها.

ومن عبادته وطاعة أمره: الأمر بالمعروف والنهي بالمنكر بحسب الامكان، والجهاد في سبيله لأهل لأهل الكفر والنفاق، فيجتهدون في إقامة دينه مستعنين به دافعين مزيلين بذلك ما قدر من السيئات، دافعين ما قد يخاف من ذلك، كما يزيل الإنسان الجوع الحاضر بالأكل، ويدفع به الجوع المستقبل، وكذلك إذا زال البرد ودفعه باللباس وكذلك كل مطلوب يدفع به مكروه كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أتابيت الأدوية فتداوي بها ورقي تسترقي بها وتقاه ننقيها هل ترد من قدر الله شيئا، قال: هي من قدر الله.

ولذلك يقول ابن تيمية [2] : إذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني ادم فإن لم يأمربالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينهي عن المنكر الذي نهي الله عنه ورسوله، ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينهي عن المنكر الذي نهي الله عنه ورسوله، والا فلا بن ان يامر وينهي إما بعد يضاد ذلك وإما يشرك فيه الحق، الذي أنزله الله بالباطل الذي لم ينزله الله، وإذا تنخذ ذلك دينا مبتدعا، وهذا كما أ، كل بشر فإنه متحرك بل في إدارته همام وحارث.

وهذا هو المعنى الأساسي للكمال الانساني في واقع الدعوة.

يتبعه معنى اخر ان يكون حياة الانسان كلها للدعوة، ويفسر ابن القيم معنى ان تكون حياة الانسان للدعوة فنجده يلخص ذلك في ان تكون الدعوة بالنسبة للانسان قضية حياته، وهدف عمره وغاية امكانيته، فتبين أن أي قوة أو حال، أو وقت او امكانية او مكانة او ذكاء مسخرة للدعوة في سبيل الله فهذا منه من الله على العبد والا فهي حجة عليه فيقول:

فكل علم صحبع عمل يرضى الله سبحانه وتعالى والا فهو حجة عليه، وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأمره فهي منة والا فهي حجة، وكل حال صحبه تأثير في نصرة دينه والدعوة اليه فهو منه والا فهو حجة، وكل حال اقترن به انفاق في سبيل الله وطاعته لا لطلب الجزاء ولا الشكور فهو منة من الله عليه والافهو الحجة وكل فراغ اقترن به اشتغال بما يريد الرب من عبده فهو منة عليه والا فهو حجة، وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة له اتصل به خضوع للرب وذل وانكسار ومعرفة بعيب النفس والعمل وبذل النصيحة للخلق فهو منه وإلا فهو حجة، وكل بصيرة وموعظة وتذكير وتعريف من تعريفات الحق سبحانه إلى العبد اتصل به عبودية ومزيد في العقل ومعرفة في الإيمان فهو منة وإلا فهو حجة وكل حال مع الله تعالى أو مقام اتصل بالسير إلى الله وإيثار مراده على مراد العبد فهو منة من الله وإن صحبة الوقوف عند غيره [3] ، والرضا به، وإيثار مقتضاه. من لذة النفس، وطمأنينتها، وركونها إليه حجة من الله عليه فليتأمل العبد هذا الموضوع العظيم الخطر.

(1) فتح الباري ص 317

(2) الحسبة لابن تييمية

(3) أي غير الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت