الصفحة 140 من 164

وجماع الأمر في ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله في الظاهر والباطن؛ فتكون حركات نفسه وجسمه كلها في محبوبات الله. وكمال عبودية العبد موافقته لربه في محبة ما أحبه وبذل الجهد في فعله، وموافقته في كراهة ما كرهه، وبذل الجهد في تركه. وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة لا الأمارة ولا اللوامة فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل. وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرته منفتحة في معرفة الاسماء والصفات والأفعال له شهود خاص فيها مطابق لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالسير إلى الله طريق الأسماء والصفات شأنه عجب وفتحه عجب صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعب ولامكدود ثم نأتي إلى الحكمة وايثار رضى الله تعالى وهما ثمرة المرحلة الأولى والعنصران الأساسيان في كمال الدعاة.

الحكمة:

ومن حيث الابتداء فقد ارتبط مفهوم الكمال الانساني بواقع الدعوة من خلال حقيقة الحكمة، ذلك أنه بالحكمة تكون الدعوة ويكون الكمال من له ميراث كامل من أبيه، ونصف الرجل كالمرأة له نصف ميراث، والتفاوت في ذلك لايحصيه الا الله تعالى، واكمل الخق في هذا الرسل صلوات الله عليهم، وأكملهم أولو العزم، وأكملهم محمد عليه الصلاة والسلام.

ثم تكون ثانية الثمار للكمال الانساني في واقع الدعوة وهي إيثار رضى الله عنه.

الإيثار:

إيثار رضا الله تعالى على رضا غيره وان عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن ضعف عن الطول ةالبدن، وايثار رضا الله عز وجل على غيره هو ان يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق، وهي درجة الأنبياء، واعلاها لنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه قاوم العلم كله، وتجرد للدعوة إلى الله واحتمل عداوة البعيد والقريب في الله تعالى، واثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولم يأخذ في إيثار رضاه لومة لائم، بل كان همة وعزمه وسعيه كل مقصورا على ايثار مرضاة الله، وتبليغ رسالاته واعلاء كلماته، وجهاد أعدائه، حتى ظهر دينه على كل دين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمته على المؤمنين، فبلغ الرسالة، وأدي الامانة، ونصح الامة وجاهد في الله حق جهاده ما نال صلوات الله وسلامه عليه.

أما قوله: وان عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن فإن المحنة تعظم فيه اولا ليتأخر من ليس من أهله. فان احتملها وتقدم انقلبت تلك المحن منحا وصارت تلك المؤن عونا، وهذا معروف بالتجربة الخاصة والعامة فإنه ما اثر عبد مرضاة الله عز وجل على مرضاة الخلق، وتحمل ثقل ذلك ومؤنته، وصبر على محنته الا أنشأ الله من تلك المحنة والمؤؤنة نعمة ومسرة ومعونة بقدر ما تحمل من مرضاته فانقلبت مخاوفا أمانا، وعطبة نجاة، وتعبة راحة، ومؤنثة معونة، وبليته نعمة، ومحنته محنة، وسخطه رضا.

فيا خيبة المتخلفين، وياذلة المتهيبين.

وبعد مرحلة الكمال الأولي وهي تحقق الاطمئنان إلى صفات الله والرضى بقضائه وتحقق الإرادة والبصيرة وهي مرحلة كمال الدعاة، وتحقق ثمرة هذه المرحلة وهي الحكمة وايثار رضى الله تأتي المرحلة الثانية.

مرحلة الكمال الثانية وهي الإمامة في الدين:

الصبر واليقين:

والصبر واليقين هما شرط الامامة في الدين ولهذا قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) .

ففيها يقول ابن تيمية: أخذو برأس الأمر فجعلهم رؤساء)، وقال الامام ابن القيم: بالصبر واليقين تنال الامامة في الدين فالصبر واليقين هما مادة جميع المقامات والحامل عليها وهذا تفسير أنهما رأس الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت