نتائج البحث عن (المتأخرون) 2 نتيجة

يختلف معنى المتقدمين والمتأخرين في عرف المحدثين بحسب الباب والسياق وغيرهما ؛ ولكن في الجملة لا يحسن أن يُعَدَّ من مات قبل انصرام المئة الرابعة متأخراً ، ولا أن يُعَد من مات بعد المئة الخامسة متقدماً.
وكذلك فإن الفصل بين العصرين اصطلاحي تقريبي أكثر من كونه تحديداً دقيقاً ، لأنه لا يُتصور أن يكون هناك يوم بعينه أو عام بعينه يكون وقتاً لانقراض قرون المتقدمين وابتداء قرون المتأخرين ، إذ لا بد من أن يكون التغير متدرجاً وأن يكون العصران متداخلين ، أي أن تكون هناك فترة انتقالية مشتركة ، ولعلها كانت المئة الخامسة الهجرية ، إذا تكلمنا على سبيل التجوز والتقريب.
قال ابن حجر العسقلاني في (النكت) (2/586) وذكرَ المتأخرين: (وهم من بعد الخمسمئة وهلم جراً) ؛ وقال في خطبة (لسان الميزان) وهو ينقل كلام الذهبي: (والحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاث مئة).
قال الشيخ حاتم العوني في بحثه (بَيَانُ الحَدّ الذي يَنْتهِي عِنْدَهُ أَهْلُ الاصطلاحِ والنَّقْد في علوم الحديث) بعد كلام له في هذا الباب(1): (ونعود بعد هذا الاستطراد إلى ما كنّا فيه: من التأريخ النظري لعلوم الحديث، والذي خلصنا منه إلى أن الزمن الذي اكتمل فيه تدوين السنة هو نفسه الذي اكتمل فيه نقد الحديث، وأنه لذلك كان منهجُ النقد الذي ينبغي أن يُرجع إليه هو ذلك المنهجَ الذي نشأ وتطوّر حتى اكتمل.
هذا ما كنّا وصلنا إليه أخيراً.
ولكن هناك بقيّةٌ لذلك العرض التاريخي النظري، لابُدّ أن نعرض له.
ذلك أن بلوغ منهج النقد درجة الاكتمال في زمنٍ ما، لاشك أنه سيعني أن بداية النقص ستبدأ من حيث اكتمل، اتّباعاً للسنة الكونية في ذلك: " لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ " ؛ فما بعد بلوغ الغاية إلا النكوص، وما بعد صعود القمة إلا الهبوط.
ولكن هذا النقص لا يصح أن يُتصَوّر أن يبلغ حدَّ الهُوِيّ في القاع، ولا القفزة الواحدة التي تعود بصاحبها إلى حيث بدأ، بل لابُدّ أن يكون نقصاً تدريجيًّا ؛ كما أنّه قد لا يشمل كل علماء ذلك العصر، فقد يبقى بعضهم على إرثه القديم محافظاً عليه.
ولذلك فقد يصح لنا نظريًّا أن نعتبر الزمن الأوّل بعد اكتمال نضج العلم، من أزمان أهل ذلك المنهج الذي يُرجع إليهم ويُحتكم إلى علمهم؛ لأنهم استطاعوا أن يكونوا امتداداً حقيقيًّا للزمن الذي اكتمل فيه المنهج، وأن لا يكونوا مجرّد وعاءٍ لذلك المنهج، بل أن يشاركوا أصحابه في تمام العلم به وكمال الأهليّة فيه.
وقد يشهد لذلك، ولمعرفة حدِّ ذلك الزمن الذي تعتبر علماءَهُ من أهل المنهج: ما لو وجدنا أولئك العلماء قد صنفوا في أصول العلم، وطبّقوا ذلك المنهج الذي ورثوه عمن سبقهم تطبيقاً يشهد لبلوغهم رتبة الاجتهاد المطلق فيه.
وسنستمر على اعتبار الزمن التالي لزمن اكتمال المنهج من عصور من يُحتجّ بمنهجه، إلى أن يبدو لنا أن ذلك النقص التدريجي قد ظهرت آثاره، وقويت ملامحُه واتّضحت؛ إلى حدِّ ظهور النقص في أهليّة علماء ذلك العصر عن رتبة الاجتهاد المطلق فيه، وإلى حدِّ إعلان علمائه أنّهم ليسوا سوى مترجمين لعلوم من سبقهم، وأنهم يتلمّسون آثار خطاهم تلمُّسَ من تخفى عليه بعض مدارجهم.
إن هذا التدرّج في مراحل تطوّر العلوم أمرٌ طبيعي، إذ إن انتقال العلم من مرحلةٍ إلى مرحلة لا يتمُّ فجْأة، ولكن يتم بالتدريج. بأن يكون العلم في المرحلة الأولى له خصائصه التي تميّزه، ثم يبتدئ بفقدان شيءٍ من خصائصه لصالح خصائص المرحلة التالية، التي تحلُّ شيئاً فشيئاً محل الخصائص الأولى ؛ حتى يصل هذا التناقصُ التدريجي إلى درجة الانتصاف، فيكون العلم قد بلغ مرحلةً تحمل في طيّاتها نصف خصائص المرحلة الأولى ونصف خصائص المرحلة الثانية ؛ وهذه المرحلة هي المرحلة الانتقالية، التي لا يُمكن معها أن تَفْصِل مرحلةً عن مرحلة(2)
؛ ثم بعد ذلك تبتدئ كفة المرحلة الجديدة بالرجحان، وتتضح خصائصها بصورة أكبر، حتى تصلَ درجةَ الاتّضاح الكامل ؛ والتي بوضوحها هذا تيقّنّا من مرور ذلك العلم بمراحل، وبوضوحها هذا استطعنا أن نعرف خصائص كل مرحلة التي تميّزها عن غيرها، وبوضوحها هذا (أخيراً) استطعنا أن نؤرّخ لذلك العلم(3).
وبعد هذا البيان الطويل، الذي أعتذر من جفافه، أدخل في بيان التحديد الزمني لتلك المراحل، ليكون لذلك العرض الثمرة المنشودة)(4) ؛ انتهى ؛ وانظر (تدوين السنة) فقد أوردت تحته تتمة كلامه هذا بنوع من الاختصار.
(5) أرّخ للسنة كثيرٌ من العلماء والباحثين قديماً وحديثاً، ولذلك فسأكتفي هنا بعرض مختصر، محيلاً إلى الدراسات في ذلك الإحالة الإجمالية التالية، إلا ما رأيت ضرورة الاستشهاد له.
فانظر: ذمّ الكلام وأهله للهروي (3/148 - 150)، وجامع الأصول لابن الأثير (1/39 - 43)، وشرح علل الترمذي لابن رجب (1/35 - 43)، وهدي الساري لابن حجر (8 - 9)، والسنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب، ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي، وغيرها، ومنها كتابي المنهج المقترح (13 - 65).
__________
(1) وهو من منشورات الندوة الحديثية الدولية الأولى المنعقدة في رحاب كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي ، في (6 - 8 صفر 1424هـ ) ، بعنوان (علوم الحديث: واقع وآفاق ).
(2) لقد ابتدع الأدباء لأصحاب هذه المرحلة الانتقالية اسمَ المخضرمين، الذين جمعوا في خصائص شعرهم بين خصائص زمنين، كالشعراء الذين عاصروا الدولتين الأمويّة والعباسيّة.
(3) وهنا أنبّهُ إلى أنه من الخطأ البيِّن أن نجعل من عدم وضوح ملامح المرحلة الانتقاليّة، أو من تَأَرْجُح علمائها بين مرحلتين دليلاً على عدم مرور ذلك العلم بمراحل مختلفة ؛ لأن هذا لا يختص بعلم دون علم، فالمرور بهذه المرحلة لا يخلو منه علم. فلم يكن ذلك بقاضٍ على حقيقة مرور تلك العلوم بمراحل، ولا منع ذلك من وضع حدود زمانيّة لتلك المراحل، ولم يفهم أحدٌ منها أنها حدودٌ فاصلة، وإنما هي حدود تقريبيّة.
فلئن اشتبهَ عندي إلحاقُ بعض أصحاب المرحلة الانتقاليّة بإحدى المرحلتين، وكان لإلحاق هذا البعض أثرٌ وأهميّة (افتراضاً) فلن يشتبه عندي إلحاقُ أقوامٍ آخرين بإحدى المرحلتين، ولا أشك فيهم أدنى شك.
فلمَ الشَّغبُ بالقليل النادر قليلِ الثمرة أو عديمِها، على الأصل الغالِب عظيمِ الثمرةِ واضحِها؟!!!
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت