كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
إختلاف المنظر:[في الانكليزية] Perspective parallax [ في الفرنسية] Parallaxe de perspective قد سبق في لفظ الاختلاف.
|
كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي
|
إختلاف المنظر:[في الانكليزية] Perspective parallax [ في الفرنسية] Parallaxe de perspective عندهم هو التفاوت بين الارتفاع الحقيقي والارتفاع المرئي، وهو قوس من دائرة الارتفاع من الجانب الأقل بين موقعي الخطّين المارّين بمركز الكوكب المنتهيين إلى سطح الفلك الأعلى الخارج أحدهما من مركز العالم والآخر من منظر الإبصار، والزاوية الحادثة من تقاطع الخطّين عند مركز الكوكب يسمّى زاوية إختلاف المنظر، وينعدم هذا الاختلاف عند كون مركز الكوكب على سمت الرأس، ويبلغ غاية عند كونه على الأفق الحسّي. والارتفاع المرئي ناقص عن الحقيقي بمقدار هذه الزاوية، وهذا هو إختلاف المنظر في دائرة الارتفاع. وقد يكون إختلاف المنظر في الطول والعرض لأنّا إذا أخرجنا دائرتي عرض تمرّان بطرفي الموضع المرئي والموضع الحقيقي من الكوكب في دائرة الارتفاع، فالقوس الواقعة من منطقة البروج بين تقاطعي الدائرتين العرضيتين المذكورتين من الجانب الأقل هو إختلاف المنظر في الطول، فإن اختلف القوسان الواقعتان من العرضيتين بين طرفي الخطّين المذكورين ومنطقة البروج فمجموعهما أو التفاضل بينهما على إختلاف المذهبين إختلاف المنظر في العرض. وإن شئت التوضيح فأرجع إلى تصانيف الفاضل عبد العلي البرجندي.
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر الأول: في العلوم الإسلامية
واعلم: أن العلوم المتداولة في الأعصار على صنفين: صنف طبيعي: للإنسان، يهتدي إليه بفكره، وهي: العلوم الحكمية. وصنف نقلي: يأخذه عمن وضعه، وهي: العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الوضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، لأن الخبريات الحادثة المتعاقبة، لا تندرج تحت النقل الكلي، بمجرد وضعه، فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل، وهو نقلي، فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي، الذي هو لسان الملة، وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة، لأن المكلف يجب عليه أن يعلم أحكام الله - سبحانه وتعالى - المفروضة عليه، وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص، أو بالإجماع، أو بالإلحاق، فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا، وهذا هو: علم التفسير. ثم بإسناد نقله، وروايته، إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الذي جاء به من عند الله - سبحانه وتعالى -، واختلاف روايات القراء في قراءته، وهو: علم القراءات. ثم بإسناد السنة إلى صاحبها، والكلام في الرواة الناقلين لها، ومعرفة أحوالهم، وعدالتهم، ليقع الوثوق بأخبارهم، وهذه هي: علوم الحديث. ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني، يفيدنا العلم بكيفية هذا الاستنباط، وهذا هو: أصول الفقه. وبعد هذا يحصل الثمرة، بمعرفة أحكام الله - سبحانه وتعالى - في أفعال المكلفين، وهو: الفقه. ثم إن التكاليف، منها: بدني، ومنها: قلبي، وهو المختص بالإيمان، وما يجب أن يعتقد، وهذه هي: العقائد بالذات، والصفات، والنبوات، والأخرويات، والقدر؛ والاحتجاج عن هذه الأدلة العقلية هو: علم الكلام. ثم النظر في القرآن، والحديث، لا بد أن يتقدمه العلوم العربية، لأنه متوقف عليها، وهي: علم اللغة، والنحو، والبيان، ونحو ذلك. وهذه العلوم النقلية، كلها مختصة بالملة الإسلامية، وإن كانت كل ملة لا بد فيها من مثل ذلك، فهي مشاركة لها من حيث: أنها علوم الشريعة، وأما على الخصوص، فمباينة لجميع الملل، لأنها ناسخة لها، وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة، والنظر فيها محظور، وإن كان في الكتب المنزلة غير القرآن، كما ورد النهي عن النظر في التوراة والإنجيل. ثم إن هذه العلوم الشرعية، قد نفقت أسواقها في هذه الملة، بما لا يزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى التي لا فوقها، وهذبت الاصطلاحات، ورتبت الفنون، وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه، وأوضاع يستفاد منها التعليم، واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر الثاني: في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم
وذلك من الغريب الواقع، لأن علماء الملة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية، أكثرهم العجم، إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبته، فهو أعجمي في لغته. والسبب في ذلك: أن الملة في أولها، لم يكن فيها علم، ولا صناعة، لمقتضى أحوال البداوة، وإنما أحكام الشريعة كان الرجال ينقلونها في صدورهم، وقد عرفوا مآخذها من الكتاب والسنة، بما تلقوه من صاحب الشرع، وأصحابه، والقوم يومئذ عرب، لم يعرفوا أمر التعليم، والتدوين، ولا دعتهم إليه حاجة إلى آخر عصر التابعين - كما سبق -، وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله: القراء. فهم قراء لكتاب الله - سبحانه وتعالى -، والسنة المأثورة، التي هي في غالب موارده تفسير له وشرح؛ فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد، احتيج إلى: وضع التفاسير القرآنية، وتقييد الحديث، مخافة ضياعه، ثم احتيج إلى: معرفة الأسانيد، وتعديل الرواة؛ ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة، وفسد مع ذلك اللسان، فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية، وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في: الاستنباط، والتنظير، والقياس؛ واحتاجت إلى علوم أخرى، هي وسائل لها، كقوانين العربية، وقوانين: الاستنباط، والقياس، والذب عن العقائد بالأدلة؛ فصارت هذه الأمور كلها علوما (1/ 42) محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في جملة الصنائع؛ والعرب أبعد الناس عنها، فصارت العلوم لذلك حضرية، والحضر: هم العجم، أو من في معناهم، لأن أهل الحواضر تبع للعجم في الحضارة وأحوالها، من الصنائع والحرف، لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس، فكان صاحب صناعة النحو: سيبويه، والفارسي، والزجاج، كلهم عجم في أنسابهم، اكتسبوا اللسان العربي بمخالطة العرب، وصيروه قوانين لمن بعدهم، وكذلك حملة الحديث، وحفاظه، أكثرهم: عجم، أو مستعجمون باللغة، وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما، وكذا جملة أهل الكلام، وأكثر المفسرين، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم، أما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة، وخرجوا إليها عن البداوة، فشغلهم الرياسة في الدولة العباسية، وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم، مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم، لكونه من جملة الصنائع، والرؤساء يستنكفون عن الصنائع. وأما العلوم العقلية: فلم تظهر في الملة، إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه، واستقر العلم كله صناعة، فاختصت بالعجم، وتركها العرب، فلم يحملها إلا المعربون من العجم. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر الثالث: في أن العلم من جملة الصنائع، لكنه أشرفها
واعلم: أن الحذاقة والتفنن في العلم، والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول الملكة في الإحاطة بمباديه، وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله؛ وهذه الملكة هي غير الفهم. والملكات كلها جسمانية، والجسمانيات كلها محسوسة، فتفتقر إلى التعليم، فيكون صناعيا، ولذلك كان السند فيه معتبرا، وجميع ما يسمونه علما أو صناعة، فهو عبارة عن ملكة نفسانية، يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما، من جهة ما، بحيث يؤدي إلى الغرض. فالعلم إذا ما اختص في الجنان، واللسان؛ والصناعة إذا ما احتاجت إلى عمل بالبنان، كالخياطة. وقد قيل: إن المعلومات الحاصلة لصاحب هذه الملكة، لا تخلو. إما أن تحصل على: الاستقراء والتتبع، كالنحو، وصنائع الفصاحة، والبديع. أو تحصل عن: النظر والاستدلال، كعلم الكلام. فالأول: يسمى الصناعة، والثاني: العلم. لكن الزمخشري قد عكس في أول تفسيره، فسمى المعاني والبيان: علما، وسمى الكلام: صناعة. فقال الطيبي: والحق أن كل علم مارسه الرجل حتى صار له حرفة، سمي ذلك عندهم صنعة، واستشهد عليه بما قاله الزمخشري، في قوله - سبحانه وتعالى -: (لبئس ما كانوا يصنعون) . والأَوْلى: أن يقال: إن أريد العرف الخاص فلا ينضبط، وإن أريد العرف العام المتبادر إلى الأذهان، عند الإطلاق، فالحق ما قيل أولا، إذ لا يطلق على الأساكفة أنهم علماء، ولا على صنائعهم أنها علوم؛ وإن كانت أفعالهم لا تصدر إلا عن علم العلماء، وحكمة الحكماء، فالصنائع: الحكم التي تفتقر إلى تصور الجنان، وتمرين البنان، فإن أطلقت الصناعة على ما لا وجود له في الأعيان، فبالمجاز على طريق التشبيه. وأطلقوا على العالم صانعا، للتنبيه على أنه أحكم علمه، وتفرس فيه. واعلم: أن تعليم العلم من جملة الصنائع، إذ هو صناعة اختلاف الاصطلاحات فيه، فلكل إمام اصطلاح في التعليم، يختص به، شأن الصنائع، ألا ترى إلى علم الكلام، كيف يخالف في تعليمه اصطلاح المتقدمين والمتأخرين؟ فدل على أنها صناعات في التعلم، والعلم واحد. ولما كان التعليم من جملة الصنائع، كان العلوم تكثر حيث يكثر العمران، ويكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة، بحسب الأمصار، على نسبة عمرانها في: الكثرة، والقلة، والحضارة، لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم، انصرفت إلى ما وراء المعاش، من التصرف في خاصية الإنسان، وهي: العلوم، والصنائع؛ ومن تشوق بفطرته إلى العلم، ممن نشأ في القرى، فلا يجد فيها التعليم، لا بد له من الرحلة في طلبه إلى الأمصار. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر الرابع: في أن الرحلة في الطلب مفيدة
وسبب ذلك: أن البشر يأخذون معارفهم، وأخلاقهم، وما ينتحلونه من المذاهب تارة: علما، وتعليما، وإلقاء، وتارة: محاكاة، وتلقينا بالمباشرة؛ إلا أن حصول الملكات على المباشرة (1/ 44) والتلقين، أشد استحكاما، وأقوى رسوخا، فعلى قدر كثرة الشيوخ، يكون حصول الملكة، ورسوخها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مغلطة على المتعلم، حتى ظن كثير منهم أنها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك، إلا بمباشرته، لاختلاف الطرق فيها من المعلمين، فلقاء أهل العلم، وتعدد المشايخ، يفيده تمييز الاصطلاحات، بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم أنها أنحاء تعليم، وتنهض قواه إلى الرسوخ، والاستحكام في الملكات؛ فالرحلة لا بد منها في طالب العلم، لاكتساب الفوائد، والكمال بلقاء المشايخ، ومباشرة الرجال. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر الخامس: في موانع العلوم، وعوائقها، وفيه: فتوحات
|
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر السادس: في أن الحفظ، غير الملكة العلمية
اعلم أن من كان عنايته بالحفظ، أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة، لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم، ولذلك ترى من حصل الحفظ، لا يحسن شيئا من الفن، وتجد ملكته قاصرة في علمه، إن فاوض، أو ناظر، ومن ظن أنه المقصود من الملكة العلمية، فقد أخطأ، وإنما المقصود هو: ملكة الاستخراج، والاستنباط، وسرعة الانتقال من الدوال إلى المدلولات، ومن اللازم إلى الملزوم، وبالعكس. فإن انضم إليها ملكة الاستحضار، فنعم المطلوب، وهذا لا يتم بمجرد الحفظ، بل الحفظ من أسباب الاستحضار، وهو راجع إلى جودة القوة الحافظة، وضعفها، وذلك من أحوال الأمزجة الخلقية، وإن كان مما يقبل العلاج. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
المنظر التاسع: فيما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم
قال الفقيه، أبو الليث - رحمه الله تعالى -: يراد من العلماء عشرة أشياء: الخشية، والنصيحة، والشفقة، والاحتمال، والصبر، والحلم، والتواضع، والعفة عن أموال الناس، والدوام على النظر في الكتب، وقلة الحجاب، وأن لا ينازع أحدا ولا يخاصمه، وعليه أن يشتغل بمصالح نفسه، لا بقهر عدوه. قيل: من أراد أن يرغم أنف عدوه، فليحصل العلم. وأن لا يترفه في المطعم والملبس، ولا يتجمل بالأثاث والمسكن، بل يؤثر الاقتصاد في جمع الأمور، ويتشبه بالسلف الصالح، وكلما ازداد إلى جانب القلة ميله، ازداد قربه من الله - سبحانه وتعالى -، لأن التزين بالمباح، وإن لم يكن حراما، لكن الخوض فيه يوجب الأنس به، حتى يشق تركه، فالحزم: اجتناب ذلك، لأن من خاض في الدنيا، لا يسلم منها البتة، مع أنها مزرعة الآخرة، ففيها الخير النافع، والسم الناقع. ففي تمييز الأول من الثاني أحوال: منها: معرفة رتبة المال، فنعم الصالح منه للصالح، إذا جعله خادما، لا مخدوما، وهو مطلوب لتقوية البدن بالمطاعم، والملابس، والتقوية لكسب العلم، والمعارف، الذي هو القصد الأقصى. ومنها: مراعاة جهة الدخل، فمن قدر على كسب الحلال الطيب، فليترك المشتبه، وإن لم يقدر يأخذ منه قدر الحاجة، وإن قدر عليه، لكن بالتعب، واستغراق الوقت، فعلى العامل العامي أن يختار التعب، وإن كان من الأهل، فإن كان ما فاته من العلم والحال، أكثر من الثواب الحاصل في طلب الحلال، فله أن يختار الحلال الغير طيب، كمن غص بلقمة يسيغها بالخمر، لكن يخفيه من الجاهل مهما أمكن، كيلا يحرك سلسلة الضلال. ومنها: المقدار المأخوذ منه، وهو قدر الحاجة في المسكن، والمطعم، والملبس، والمنكح، إن جاوز من الأدنى، لا يجوز التجاوز عن الوسط. ومنها: الخروج، والإنفاق، فالمحمود منه: الصدقة المفروضة، والإنفاق على العيال، وقد اختلف في الأخذ والإنفاق على الوجه المشروع أولى؟ أم تركه رأسا مع الإنفاق؟ على أن الإقبال على الدنيا بالكلية مذموم، فالمقبلون على الآخرة، والصارفون للدنيا في محله، فهم الأفضلون من التارك بالكلية، ومنهم: عامة الأنبياء - عليهم السلام -. ومنها: أن تكون نيته صالحة في الأخذ، والإنفاق، فينوي بالأخذ أن يستعين به على العبادة، ويأكل ليتقوى به على العبادة. |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون