نتائج البحث عن (تسعين) 50 نتيجة

التِّسْعينالجذر: ت س ع

مثال: قَدَّمَ إليه الهدية التسعينالرأي: مرفوضةالسبب: لاستعمال لفظ العقد «تسعين» وصفًا للمفرد، وهو استعمال لا يُعْرَف له وجه فيما نصت عليه اللغة.

الصواب والرتبة: -قَدَّمَ إليه الهدية المكملة للتسعين [فصيحة]-قَدَّمَ إليه الهدية التسعين [صحيحة] التعليق: استخدم هذا الأسلوب جماعة من قدامى العلماء، ومنه قولهم: الجزء العشرون، والورقة العشرون على معنى تمام العشرين، فتحذف كلمة التمام وتقام العشرون مقامها، وقد أقره مجمع اللغة المصري.
تِسْعيناتالجذر: ت س ع

مثال: كَرَّمته الدولة في التِّسْعِيناتالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجمع لفظ العقد دون إلحاق ياء النسب به.

الصواب والرتبة: -كَرَّمته الدولة في التسعينيّات [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري جمع ألفاظ العقود بالألف والتاء إذا ألحقت بها ياء النسب، فيقال: تسعينيّات للأعوام من التسعين إلى التاسع والتسعين، ومنع أن يقال في هذا المعنى: تسعينات بغير ياء النسب؛ لأن لها معنى آخر، وهو: عدة وحدات، كل منها يتكون من تسعين عنصرًا.
تِسْعين جنديٍّالجذر: ت س ع

مثال: هَاجَم العدوَّ في تِسْعِين جنديٍّالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: لجر التمييز «جندي»، وهو مخالف للقاعدة.

الصواب والرتبة: -هاجم العدوَّ في تسعين جنديًّا [فصيحة] التعليق: توجب القاعدة أن يكون تمييز ألفاظ العقود منصوبًا دائمًا.
تِسْعِينيّالجذر: ت س ع

مثال: العيد التسعينيّالرأي: مرفوضةالسبب: للنسب إلى لفظ العقد دون رده إلى المفرد.

الصواب والرتبة: -العيد التسعينيّ [فصيحة] التعليق: أجاز مجمع اللغة المصري النسب إلى ألفاظ العقود، دون ردها إلى مفردها، كما أجاز أن يلزم لفظ العقد «الياء» مع اختلاف الموقع الإعرابي، وجعل الإعراب بحركات ظاهرة على ياء النسب. وقد وردت النسبة إلى ألفاظ العقود على لفظها في مفردات ابن البيطار وغيره.
كَهْلٌ في التسعينالجذر: ك هـ ل

مثال: كَهْلٌ في التسعين من عُمْرهالرأي: مرفوضة عند بعضهمالسبب: للخطأ في استعمال كلمة «كَهْل».

الصواب والرتبة: -شيخٌ في التسعين من عُمْره [فصيحة] التعليق: «الشَّيْخُ» مَنْ اسْتَبانَت فيه السِّنُّ وظَهَرَ عليه الشَّيب، أو هو من بلغ الخمسين فما فوقها. أما «الكَهْلُ» فهو الذي جاوز الثلاثين، وقيل: من الثلاثين إلى الخمسين. قال تعالى: {{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ}} آل عمران/46. وقال ثعلب: يَنْزل عيسى إلى الأرض كهلاً ابن ثلاثين سنة.
-سَنَةَ تِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ الْمِصْرِيُّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن المسور الزهري، وأبو ظبيان الجنبي، ويزيد بْنُ رَبَاحٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْمِصْرِيَّانِ.
وَقَالَ أَبُو خَلَدَةَ: تُوُفِّيَ فِيهَا - فِي شَوَّالٍ - أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ: تُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ سَنَةَ تِسْعِينَ.
وَقَالَ شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ: تُوُفِّيَ فِيهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِيهَا مَسْعُودُ بْنُ الْحَكَمِ الزرقي.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم وردان خداه الْغَزْوَةَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَصْرَخَ عَلَى قُتَيْبَةَ بِالتُّرْكِ، فَالْتَقَاهُمْ قُتَيْبَةُ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَفَضَّ جَمْعَهُمْ. -[922]-
وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَلَغَ الأرزق ثُمَّ رَجَعَ.
وَفِيهَا أَوْقَعَ قُتَيْبَةُ بِأَهْلِ الطَّالِقَانِ بِخُرَاسَانَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَصَلَبَ مِنْهُمْ سماطين طُولَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، وَسَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَهَا غَدَرَ وَنَكَثَ، وَأَعَانَ نَيْزَكَ طَرْخَانَ عَلَى خَلْعِ قُتَيْبَةَ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ.
وَفِيهَا سَارَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ عَلَى الْبَرِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الأَوَّلِ، عِوَضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أعلم.
-سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: سَهْلُ بْنُ سعد، والسائب بن يزيد، والسائب بن خلاد الأنصاري، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فِي قَوْلِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَا فِي سَهْلٍ وَالَّذِي بَعْدَهُ خِلَافٌ.
وفيها محمد أَمِيرِ الْيَمَنِ أَخُو الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ خَالِدٍ الْفَهْمِيُّ الْمَصْرِيُّ نَائِبُ قُرَّةَ بْنِ شَرِيكٍ عَلَى مِصْرَ.
وَفِيهَا سَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، فَهَرَبَ مَرْزُبَانُهَا، فَصَلَبَ قُتَيْبَةُ وَلَدَيْهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الطَّالِقَانِ، فَلَمْ يُحَارِبْهُ صَاحِبُهَا، فَكَفَّ قُتَيْبَةُ عَنْهُ، وَقَتَلَ لُصُوصًا كَثِيرَةً بِهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ مُسْلِمٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَنْ وَصَلَ الْفَارِيَابَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا سَامِعًا مُطِيعًا، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ، ثُمَّ دَخَلَ بَلْخَ، وَأَقَامَ بِهَا يَوْمًا، فَأَقْبَلَ نِيزَكُ، فَعَسْكَرَ بِبَغْلانَ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَقُتَيْبَةُ أَيَّامًا، ثُمَّ أَعْمَلَ قُتَيْبَةَ الْحِيَلَ عَلَى نِيزَكَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنْ خَدَعَهُ، حَتَّى جَاءَ بِرِجْلَيْهِ إِلَى قُتَيْبَةَ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ، فَجَاءَ مُعْتَذِرًا إِلَيْهِ مِنْ خلعه، فتركه أياما ثم قتله، وقتل سبع مائة مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَوَلاهَا أَخَاهُ مُسْلِمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَغَزَا مُسْلِمَةُ فِي هَذَا الْعَامِ إِلَى أَنْ بَلَغَ الْبَابَ مِنْ بَحْرِ أَذْرَبَيْجَانَ، فَافْتَتَحَ مَدَائِنَ وَحُصُونًا، وَدَانَ لَهُ مَنْ وَرَاءَ الْبَابِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ قُتَيْبَةُ أَمِيرَ خراسان شومان، وكش، وَنَسْفَ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ فِرْيَابَ، فَأَحْرَقَهَا، وَجَهَّزَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ إِلَى السُّغْدِ إِلَى طَرَخُونَ مَلِكِ تِلْكَ الدِّيَارِ، فَجَرَتْ لَهُ حُرُوبٌ وَمَوَاقِفُ، وَصَالَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَعْطَاهُ طَرَخُونَ أَمْوَالا، وَتَقَهْقَرَ إِلَى أَخِيهِ إِلَى بُخَارَى، فَانْصَرَفُوا حَتَّى قَدِمُوا مَرْوَ، فَقَالَتِ السُّغْدُ لِطَرَخُونَ: إِنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بِالذُّلِّ -[1038]- وَأَدَّيْتَ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتَ شيخٌ كَبِيرٌ، فَلا حَاجَةَ لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك، فَقَتَلَ طَرَخُونُ نَفْسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوْا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ.
وَفِيهَا حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَتَبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُتَوَلِّي الْمَدِينَةِ أَنْ يَهْدِمَ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُوَسِّعُ بِهَا الْمَسْجِدَ.
فَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ عَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ مِنَ الشَّعْرِ، ذَرَعْتُ السَّتْرَ فَوَجَدْتُهُ ثَلاثَةَ أذرعٍ فِي ذِرَاعٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتَنِي فِي مجلسٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ حِينَ قُرِئَ الْكِتَابُ بِهَدْمِهَا، فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: لَيْتَهَا تُرِكَتْ حَتَّى يَقْصُرَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْبِنَاءِ، وَيَرَوْنَ مَا رَضِيَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا بِيَدِهِ.
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ، وَخَبِيبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَطُوَيْسُ الْمُغَنِّي صَاحِبُ الأَلْحَانِ.
وَفِيهَا وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ عِيَاضُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَاجِذٍ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ الثَّقَفِيُّ مَدِينَةَ أرمائيل صلحا ومدينة قيربون.
وَسَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى رُتْبِيلَ فَصَالَحَهُ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَافْتَتَحَ إِقْلِيمَ الأَنْدَلُسِ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ عَظِيمَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِبَرِّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَالْبَحْرِ الْكَبِيرِ مِنْ غَرْبِيِّهَا وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ بَحْرُ الرُّومِ مِنْ جَنُوبِيِّهَا، ثُمَّ دَارَ إِلَى شَرْقِيِّهَا، ثُمَّ اسْتَدَارَ إِلَى شَمَالِيِّهَا قَلِيلا، وَهِيَ جَزِيرَةٌ مُثَلَّثَةُ الشَّكْلِ، افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَهَا فِي رَمَضَانَ مِنْهَا عَلَى يَدِ طَارِقٍ أَمِيرِ طَنْجَةَ، مِنْ قِبَلِ مَوْلَاهُ أَمِيرِ الْمَغْرِبِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَطَنْجَةُ هِيَ أَقْصَى الْمَغْرِبِ، فَرَكِبَ طَارِقٌ الْبَحْرَ، وَعَدَّى مِنَ الزُّقَاقِ لِكَوْنِ الْفِرَنْجِ اقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاشْتَغَلُوا، فانتهز الفرصة. -[1039]-
وَقِيلَ: بَلْ عَبَرَ بِمُكَاتَبَةِ صَاحِبِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، فَدَخَلَ طَارِقٌ وَاسْتَظْهَرَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأَمْعَنَ فِي بِلادِ الأَنْدَلُسِ، وَافْتَتَحَ قُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ مَلِكَهَا لُذَرِيقَ، وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْفَتْحِ، فَحَسَدَهُ مُوسَى عَلَى الانْفِرَادِ بِهَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُبَشِّرُهُ بِالْفَتْحِ وَيَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى طَارِقٍ يَتَوَعَّدُهُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، وَسَارَ مُسْرِعًا بِجُيُوشِهِ، وَدَخَلَ الأَنْدَلُسَ وَمَعَهُ حَبِيبُ بن أبي عبيدة الفهري، فتلقها طَارِقٌ وَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا مَوْلاكَ، وَهَذَا الْفَتْحُ لَكَ.
وَأَقَامَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ غَازِيًا وَجَامِعًا لِلأَمْوَالِ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَقَبَضَ عَلَى طَارِقٍ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَى الأَنْدَلُسِ وَلَدَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُوسَى، وَرَجَعَ بأموالٍ عَظِيمَةٍ، وَسَارَ بِتُحَفِ الْغَنَائِمِ إِلَى الْوَلِيدِ.
وَمِمَّا وَجَدَ بِطُلَيْطِلَةَ لَمَّا افْتَتَحَهَا: مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَهِيَ مِنْ ذهبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى طَبَرِيَّةَ بَلَغَهُ مَوْتُ الْوَلِيدِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سُلَيْمَانَ أَخَاهُ، فَقَدَّمَ لِسُلَيْمَانَ مَا مَعَهُ.
وَقِيلَ: بَلْ لَحِقَ الْوَلِيدَ وَقَدَّمَ مَا مَعَهُ إِلَيْهِ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْمَائِدَةَ كَانَتْ حِمْلَ جَمَلٍ.
وَتَتَابَعَ فَتْحُ مَدَائِنِ الأَنْدَلُسِ. وَفِي هَذَا الْحِينِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِلادَ التُّرْكِ وَغَيْرَهَا، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَكَانَ أَكْثَرَ جُنْدِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ الْبَرْبَرُ، وهم قوم موصفون بِالشَّهَامَةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَفِيهِمْ صدقٌ وَوَفَاءٌ، وَلَهُمْ هممٌ عَالِيَةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَبِهِمْ مَلِكُ الْبِلادِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ، وَبَنُو عُبَيْدٍ، وَتاشَفِينُ، وَابْنُهُ يُوسُفَ، وَابْنُ تُومَرْتَ، وَعَبْدُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُلْكُ فِيهِمْ إِلَى الْيَوْمِ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ طائفةٌ مِنْ عَسْكَرِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَةَ، فَأَخَذُوهَا وَغَنِمُوا، وَلَكِنَّهُمْ غَلُّوا فَلَمَّا عَادُوا سَمِعُوا قَائِلا يَقُولُ: اللَّهُمَّ غَرِّقْ بِهِمْ، فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْفِرَنْجُ.
وقد غزاها مجاهد العامري سنة ست وأربع مائة، ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا الْفِرَنْجُ فِي الْعَامِ كَمَا -[1040]- سَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الْعَوْنُ.
-سَنَةَ ثلاثٍ وَتِسْعِينَ
تُوُفِّيَ فِيهَا: أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةَ الرِّيَاحِيُّ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى الْبَصْرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَبِلَالُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيُّ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيُّ الدَّيْبُلَ وَغَيْرَهَا، وَلاهُ الْحَجَّاجُ ابْنُ عَمِّهِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَفِيهِ يَقُولُ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ:
إِنَّ الشَّجَاعَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى ... لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
قَادَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً ... يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ
قَالَ كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ: كُنْتُ معه، فجاءنا الملك داهر في جمعٍ كبير ومعه سبعة وَعِشْرُونَ فِيلا، فَعَبَرْنَا إِلَيْهِمْ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَهَرَبَ دَاهِرٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلِ أَقْبَلَ دَاهِرٌ ومعه جمعٌ كبير مُصْلِتِينَ، فَقُتِلَ دَاهِرٌ وَعَامَّةُ أُولَئِكَ، وَتَبِعْنَا مَنِ انْهَزَمَ، ثُمَّ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ فَافْتَتَحَ الكيرخ وَبَرَّهُمَا.
قَالَ عَوَانَةُ بْنُ الْحَكَمِ: وَفِي أَوَّلِهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ، فَأَتَى طَنْجَةَ، ثُمَّ سَارَ لا يَأْتِي عَلَى مدينةٍ فَيَبْرَحُ حَتَّى يفتحها، أو ينزلوا على حكمه، ثم ساروا إِلَى قُرْطُبَةَ، ثُمَّ غَرَّبَ وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ بَاجَةَ وَمَدِينَةَ الْبَيْضَاءِ، وَجَهَّزَ الْبُعُوثَ، فَجَعَلُوا يَفْتَتِحُونَ وَيَغْنِمُونَ.
قَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ خوارزمٍ، فَصَالَحُوهُ عَلَى عَشَرَةِ آلافِ رَأْسٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالا شَدِيدًا، وَحَاصَرَهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَعَلَى أَنْ يُعْطُوهُ تِلْكَ السَّنَةَ ثَلاثِينَ أَلْفِ رَأْسٍ.
قَالَ: وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ حِصْنًا.
وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَافْتَتَحَ مَا بَيْنَ الْحِصْنِ الْجَدِيدِ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ.
وَغَزَا مَرْوَانُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدَ فبلغ -[1041]- خَنْجَرَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: سَارَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى سَمَرْقَنْدَ بَغْتَةً فِي جيشٍ عَظِيمٍ، فَنَازَلَهَا، فَاسْتَنْجَدَ أَهْلُهَا بِمَلِكِ الشَّاشِ وَفَرْغَانَةَ، فَأَنْجَدُوهُمْ، فَنَهَضُوا لِيُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ، فَعَلِمَ قُتَيْبَةُ، فَانْتَخَبَ فُرْسَانًا مَعَ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ وَأَكْمَنَهُمْ عَلَى جَنْبَتَيْ طَرِيقِ التُّرْكِ، فَأَتَوْا نِصْفَ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَفْلِتْ مِنَ التُّرْكِ إِلا الْيَسِيرُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَسَرْنَا طَائِفَةً فَسَأَلْنَاهُمْ، فَقَالُوا: مَا قَتَلْتُمْ مِنَّا إِلا ابْنَ مَلِكٍ، أو بطلا، أو عظيما، فاحتززنا الرؤوس، وَحَوَيْنَا السَّلَبَ، وَالأَمْتِعَةَ الْعَظِيمَةَ، وَأَصْبَحْنَا إِلَى قُتَيْبَةَ، فنفلنا ذلك كله، ثم نصب الْمَجَانِيقَ عَلَى أَهْلِ السُّغْدِ، وَجَدَّ فِي قِتَالِهِمْ حَتَّى قَارَبَ الْفَتْحَ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ، وَبَنَى بِهَا الْجَامِعَ وَالْمِنْبَرَ.
قَالَ: وَأَمَّا الْبَاهِلِيُّونَ فَيَقُولُونَ: صَالَحَهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، وَبُيُوتِ النِّيرَانِ، وَحِلْيَةِ الأَصْنَامِ، فَسُلِبَتْ ثُمَّ أُحْضِرَتْ إِلَى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَانَتْ كَالْقَصْرِ الْعَظِيمِ - يَعْنِي: الأَصْنَامَ - فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهَا، فَقَالُوا: مَنْ حَرَّقَهَا هَلَكَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: أَنَا أحرقها بيدي، فجاء الملك غورك، فَقَالَ: إِنَّ شُكْرَكَ عَلَيَّ واجبٌ، لا تَعْرِضَنَّ لِهَذِهِ الأَصْنَامِ، فَدَعَا قُتَيْبَةُ بِالنَّارِ وَكَبَّرَ، وَأَشْعَلَ فِيهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ أُضْرِمَتْ، فَوَجَدُوا بَعْدَ الْحَرِيقِ مِنْ بَقَايَا مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَسَامِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خَمْسِينَ أَلْفِ مِثْقَالٍ.
ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ أَخَاهُ، وَخَلَّفَ عِنْدَهُ جَيْشًا كَثِيفًا، وَقَالَ: لا تَدَعْنَ مُشْرِكًا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ إِلا وَيَدُهُ مَخْتُومَةٌ، وَمَنْ وَجَدْتَ مَعَهُ حَدِيدَةً أَوْ سِكِّينًا فَاقْتُلْهُ، وَلا تَدَعَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يَبِيتُ فِيهَا، وَانْصَرَفَ قُتَيْبَةُ إِلَى مَرْوَ.
-سَنَةَ أربعٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ السُّلَمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ -[1042]- عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ، وَتَمِيمُ بْنُ طُرْفَةَ، وَفِي بَعْضِهِمْ خِلَافٌ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بَلَدَ كَابُلَ وحاصرها حَتَّى افْتَتَحَهَا، ثُمَّ غَزَا فَرْغَانَةَ، فَحَصَرَهَا وَافْتَتَحَهَا عُنْوَةً، وَبَعَثَ جَيْشًا فَافْتَتَحُوا الشَّاشَ، وَفِيهَا قَتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيُّ صَصَّةَ بْنَ دَاهِرٍ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُسْلِمَةُ سَنْدَرَةً مِنْ أَرْضِ الرُّومِ.
وَغَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ فَافْتَتَحَ مَدِينَتَيْنِ مِنَ السَّاحِلِ.
وَغَزَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى بَلَغَ غَزَالَةَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الأَمِيرُ مُسْلِمَةُ.
وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الإِسْلامِ فُتُوحًا عَظِيمَةً فِي دَوْلَةِ الْوَلِيدِ، وَعَادَ الْجِهَادُ شَبِيهًا بِأَيَّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي شَعْبَانَ عُزِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوَلِيَهَا عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الْمُرِّيُّ بَعْدَهُ سَنَتَيْنِ وَشَهْرًا حَتَّى عَزَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَعَظَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَصْحَابُهُ نَفَرًا فِي شيءٍ، وكان فيهم مولى لابن حيان، فبعث إلى ابن الْمُنْكَدِرِ وَأَصْحَابَهُ فَضَرَبَهُمْ لِكَلامِهِمْ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: تَتَكَلَّمُونَ فِي مِثْلِ هَذَا!
قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَظْلَمُ مِنِّي مَنْ وَلَّى عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْحِجَازَ، يَنْطِقُ بِالأَشْعَارِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو ولى قرة بن شريك مصر، أَعْرَابِيٌّ جافٍ أَظْهَرَ فِيهَا الْمَعَازِفَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
-سَنَةَ خمسٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ شَهِيدًا، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَخُوهُ حُمَيْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ قَاضِي مِصْرَ.
وَفِيهَا أَوْ فِي سَنَةِ سِتٍّ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، وَفِيهَا الْحَجَّاجُ.
وَفِيهَا قَالَ خَلِيفَةُ: افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمُولْتَانَ.
وَقَفَلَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْوَلِيدِ، وَحَمَلَ الأَمْوَالَ عَلَى الْعَجَلِ، وَمَعَهُ ثَلاثُونَ -[1043]- أَلْفَ رَأْسٍ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ مُسْلِمَةُ مَدِينَةَ الْبَابِ مِنْ أَرْمِينِيَةَ وَخَرَّبَهَا، ثُمَّ بَنَاهَا مُسْلِمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتِسْعِ سِنِينَ. وَحَدَّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ رجلٍ مِنْ بِاهِلَةَ حَضَرَ مُسْلِمَةَ، قَالَ: نَزَلَ مُسْلِمَةُ عَلَى مَدِينَةِ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى عَوْرَةِ الْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ، ونذر بِهِمُ الْعَدُوُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السَّحَرِ كَبَّرَ شَيْخٌ وَقَالَ: الظَّفْرُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ مُسْلِمَةَ.
وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ الشَّاشَ ثَانِيًا، فَأَتَتْهُ وَفَاةُ الْحَجَّاجِ، فَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ.
وَيُقَالُ: فِيهَا تُوُفِّيَ صِلَةُ بْنُ أُشَيْمٍ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، وَسَعِيدُ بن المسيب، والحسن بن محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو تَمِيمَةَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ الْهُجَيْمِيُّ، وَالْفَضْلُ بْنُ زَيْدٍ الرَّقَاشِيُّ أَبُو سِنَانٍ، أَحَدُ الْعَابِدِينَ.
-سَنَةَ ستٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقُتِلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ: مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ - فِي قَوْلٍ -، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانٍ، وَقُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ الْقَيْسِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَآخَرُونَ بخلافٍ فِيهِمْ.
وَفِيهَا اسْتُخْلِفَ سُلَيْمَانُ، فَأَغْزَى الصَّائِفَةَ أَخَاهُ مُسْلِمَةَ.
وَغَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَافْتَتَحَ طُوبَسَ وَالْمَرْزُبَانِينَ، وَأُصِيبَ جِدَارُ الْعُذْرِيِّ الشَّامِيِّ وَمَنْ مَعَهُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ لأُمِّهِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ.
-سَنَةَ سبعٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، أَوْ فِي سَنَةِ ثمانٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ الْمَصْرِيُّ، وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ فِي قَوْلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ خَبَّابٍ، وَفِي بَعْضِهِمْ خلفٌ يَأْتِي فِي تَرَاجِمِهِمْ، وَمُوسَى بن نصير. -[1044]-
وَفِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ جُرْجَانَ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: غَزَاهَا وَلَمْ تَكُنْ يومئذٍ مَدِينَةً، إِنَّمَا هِيَ جبالٌ محيطةٌ بِهَا، وَتَحَوَّلَ صَوْلُ الْمَلِكِ إلى النجيرة جَزِيرَةً فِي الْبَحْرِ، وَكَانَ يَزِيدُ فِي ثَلاثِينَ أَلْفًا، فَدَخَلَهَا يَزِيدُ، فَأَصَابَ أَمْوَالا، ثُمَّ خَرَجَ إلى النجيرة، فحاصره، فَكَانَ يَخْرُجُ فَيُقَاتِلُ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ أَشْهُرًا، ثُمَّ انْصَرَفَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ.
وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ هشام أن يزيد صالحهم على خمس مائة أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي الْعَامِ.
وَرَوَى حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ مَعَ يَزِيدَ، قَالَ: صَالَحَهُمْ عَلَى خمس مائة أَلْفٍ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ بثِيَابٍ وَطَيَالِسَةٍ وَأَلْفِ رَأْسٍ.
وَقَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَرْجَمَةَ، وَحِصْنَ ابْنِ عَوْفٍ، وَافْتَتَحَ أَيْضًا حصن الحديد، وسردا، وَشَتَّى بِنَوَاحِي الرُّومِ.
وَأَقَامَ الْحَجَّ الْخَلِيفَةُ سُلَيْمَانُ.
وَفِيهَا بَعَثَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَغْرِبِ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ مَوْلَى قُرَيْشٍ، فَوَلِيَ سَنَتَيْنِ فَعَدَلَ، وَلَكِنَّهُ عَسَفَ بِآلِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَقَبَضَ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَسَجَنَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ الْبَرِيدُ بِأَنْ يَقْتُلَهُ، فولي قتل عبد الله خالد بن ضباب، وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُوسَى عَلَى الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ ثَارُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ فِي سَنَةِ تسعٍ وَتِسْعِينَ؛ لِكَوْنِهِ خَلَعَ طَاعَةَ سُلَيْمَانَ، قَتَلَهُ وَهُوَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْفِهْرِيُّ.
-سَنَةَ ثمانٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عباس، وعبد الله بن محمد ابن الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ -[1045]- الأَسْوَدِ النَّخَعِيُّ، وَعَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ الْفَقِيهُ، وَآخَرُونَ مختلفٌ فِيهِمْ.
وَفِيهَا غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ طَبَرِسْتَانَ، فَسَأَلَهُ الأصفهبذ الصُّلْحَ، فَأَبَى، فَاسْتَعَانَ بِأَهْلِ الْجِبَالِ وَالدَّيْلَمِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَصَافٌّ كَبِيرٌ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، ثُمَّ هزم الله المشركين، ثم صولح الأصفهبذ على سبع مائة ألف، وقيل: خمس مائة فِي السَّنَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَتَاعِ وَالرَّقِيقِ.
وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: غَدَرَ أَهْلُ جُرْجَانَ بِمَنْ خَلَّفَ يزيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صُلْحِ طَبَرِسْتَانَ سَارَ إِلَيْهِمْ، فَتَحَصَّنُوا، فَقَاتَلَهُمْ يَزِيدُ أَشْهُرًا، ثُمَّ أَعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ، ونزلوا على حكمه، فقتل الْمُقَاتِلَةَ، وَصَلَبَ مِنْهُمْ فَرْسَخَيْنِ، وَقَادَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفَ نفسٍ إِلَى وَادِي جُرْجَانَ فَقَتَلَهُمْ، وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي الْوَادِي عَلَى الدَّمِ، وَعَلَيْهِ أَرْحَاءُ تَطْحَنُ بِدِمَائِهِمْ، فَطَحَنَ وَاخْتَبَزَ وَأَكَلَ، وَكَانَ قَدْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا شَتَّى مُسْلِمَةُ بِضَوَاحِي الرُّومِ، وَشَتَّى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْبَحْرِ، فَسَارَ مُسْلِمَةُ مِنْ مَشْتَاهُ حَتَّى صَارَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، إِلَى أَنْ جَاوَزَ الْخَلِيجَ، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ الصَّقَالِبَةِ، وَأَغَارَتْ خَيْلُ بُرْجَانَ عَلَى مُسْلِمَةَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وخرب مسلمة ما بين الخليج وقسطنطينية.
وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ ثمانٍ وَتِسْعِينَ نَزَلَ بِدَابِقٍ، وَكَانَ مُسْلِمَةُ عَلَى حِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وقال زيد بن الحباب: حدثنا الوليد بن المغيرة، عن عبيد بْنِ بِشْرٍ الْغَنَوِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَتُفتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ وَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا " فَدَعَانِي مُسْلِمَةُ، فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَغَزَاهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: رَاوِيهِ مَجْهُولٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَخْبَرَنِي مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ أَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ هَمَّ بِالإِقَامَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَمَعَ النَّاسَ وَالأَمْوَالَ بِهَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَمُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ -[1046]- إِذْ جَاءَهُ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّومَ خَرَجَتْ عَلَى سَاحِلِ حِمْصَ فَسَبَتْ جَمَاعَةً فِيهِمُ امْرَأَةٌ لَهَا ذِكْرٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا هُوَ إِلا هَذَا، نَغْزُوهُمْ وَيَغْزُونَا، وَاللَّهِ لأَغْزُوَنَّهُمْ غَزْوَةً أَفْتَحُ فِيهَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ أَوْ أَمُوتَ دُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلى مسلمة وموسى بن نصير، فقال: أشيرا عَلَيَّ. فَقَالَ مُوسَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ فَسِرْ سِيرَةَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا فَتَحُوهُ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَمِنَ الْعِرَاقِ إلى خراسان، كُلَّمَا فَتَحُوا مَدِينَةً اتَّخَذُوهَا دَارًا وَحَازَوْهَا لِلإِسْلامِ، فَابْدَأْ بِالدُّرُوبِ فَافْتَحْ مَا فِيهَا مِنَ الْحُصُونِ وَالْمَطَامِيرِ وَالْمَسَالِحِ، حَتَّى تَبْلُغَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَقَدْ هُدِّمَتْ حُصُونُهَا وَأُوهِيَتْ قُوَّتُهَا، فَإِنَّهُمْ سَيُعْطُونَ بِأَيْدِيهِمْ، فَالْتَفَتَ إِلَى مُسْلِمَةَ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: هَذَا الرَّأْيُ إِنْ طَالَ عمرٌ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ الذي يبني على رأيك، ولا ينقضه، رَأَيْتُ أَنْ تَعْمَلَ مِنْهُ مَا عَمِلْتَ وَلا يَأْتِي عَلَى مَا قَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تغزي جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَيُحَاصِرُونَهَا، فَإِنَّهُمْ مَا دَامَ عَلَيْهِمُ الْبَلاءُ أَعْطُوا الْجِزْيَةَ أَوْ فَتَحُوهَا عُنْوَةً، وَمَتَى مَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا دُونَهَا مِنَ الْحُصُونِ بِيَدِكَ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا الرَّأْيُ، فَأَغْزَى جَمَاعَةَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ فِي البر في نحو من عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَغْزَى أَهْلَ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ فِي الْبَحْرِ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ، عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ، وَعَلَى الْكُلِّ مُسْلِمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَأَخْبَرَنِي غَيْرُ واحدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ أَخْرَجَ لَهُمُ الأَعْطِيَةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَالإِقَامَةِ عَلَيْهَا، فَاقْدِرُوا لِذَلِكَ قَدْرَهُ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَصَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَكَلَّمَ النَّاسَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِيَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا مِنْ حِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَانْفِرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تعالى، وعليكم بتقوى الله ثم الصبر الصَّبْرِ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دَابِقًا، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَرَحَلَ مُسْلِمَةُ.
وَفِيهَا ثَارَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ النَّابِغَةِ التَّمِيمِيُّ بِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ مُتَوَلِّي الأَنْدَلُسِ، فَقَتَلُوهُ وَأَمَّرُوا عَلَى الأَنْدَلُسِ أَيُّوبَ ابْنَ أُخْتِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ.
ثُمَّ الأُمُورُ مَا زَالَتْ مُخْتَلِفَةٌ بِالأَنْدَلُسِ زَمَانًا -[1047]- لا يَجْمَعُهُمْ والٍ، إِلَى أَنْ وَلِيَ السَّمْحُ بْنُ مَالِكٍ الْخَوْلانِيُّ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مُسْلِمَةُ فَسَارَ بِالْجُيُوشِ، وَأَخَذَ مَعَهُ إِلْيُونَ الرُّومِيَّ الْمَرْعَشِيَّ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْعَوَارِ، وَأَخَذَ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ وَالْوَفَاءِ، إِلَى أَنْ عَبَرُوا الْخَلِيجَ وَحَاصَرُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، إِلَى أَنْ بَرَحَ بِهِمُ الْحِصَارُ، وَعَرَضَ أَهْلُهَا الْفِدْيَةَ عَلَى مُسْلِمَةَ، فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَهَا إِلا عُنْوَةً، قَالُوا: فَابْعَثْ إِلَيْنَا إِلْيُونَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِنَّا وَيَفْهَمُ كَلامَنَا مُشَافَهَةً، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، فَسَأَلُوهُ عَنْ وَجْهِ الْحِيلَةِ، فَقَالَ: إِنْ مَلَّكْتُمُونِي عَلَيْكُمْ لَمْ أَفْتَحَهَا لِمُسْلِمَةَ، فَمَلَّكُوهُ، فَخَرَجَ وَقَالَ لِمُسْلِمَةَ: قَدْ أَجَابُونِي أَنَّهُمْ يَفْتَحُونَهَا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَفْتَحُونَهَا مَا لَمْ تُنَحِّ عَنْهُمْ، قَالَ: أَخْشَى غَدْرَكَ، فحلف لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ كُلَّ مَا فِيهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَدِيبَاجٍ وَسَبْيٍ، وَانْتَقَلَ عَنْهَا مُسْلِمَةُ، فَدَخَلَ إِلْيُونُ فَلَبِسَ التَّاجَ، وَقَعَدَ عَلَى السَّرِيرِ، وَأَمَرَ بِنَقْلِ الطَّعَامِ وَالْعُلُوفَاتِ مِنْ خَارِجٍ، فَمَلَأُوا الأَهْرَاءَ وَشَحَنُوا الْمَطَامِيرَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ مُسْلِمَةَ، فَكَرَّ رَاجِعًا، فَأَدْرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّعَامِ، فَغَلَّقُوا الأَبْوَابَ دُونَهُ، وَبَعَثَ إِلَى إِلْيُونَ يُنَاشِدُهُ وَفَاءَ الْعَهْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِلْيُونُ يَقُولُ: مَلِكُ الرُّومِ لا يباع بِالْوَفَاءِ، وَنَزَلَ مُسْلِمَةُ بِفَنَائِهِمْ ثَلاثِينَ شَهْرًا، حَتَّى أَكَلَ النَّاسُ فِي الْعَسْكَرِ الْمَيْتَةَ، وَقُتِلَ خَلْقٌ، ثُمَّ تَرَحَّلَ.
-سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ: الْخَلِيفَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وأبو ساسان حضين بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيَّ، وَمَحْمُودُ بْنُ الربيع، على الصحيح، وآخرون بخلاف.
وفيها أَغَارَتِ الْخَزَرُ عَلَى أَرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَمِيرُ تِلْكَ الْبِلادِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمٍ الْبَاهِلِيُّ، فَكَانَتْ وَقْعَةً قَتَلَ اللَّهُ فِيهَا عَامَّةَ الْخَزَرِ، وَكَتَبَ بِالنَّصْرِ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبَاهِلِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوَّلُ مَا وَلِيَ الْخِلافَةَ.
وَكَانَتْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدَابِقَ غَازِيًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، عَاشِرَ صَفَرٍ. -[1048]-
وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِحَمْلِ الطَّعَامِ وَالدَّوَابِّ إِلَى مُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَمَرَ مَنْ كَانَ لَهُ حميمٌ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ، فَأَغَاثَ النَّاسَ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْقُفُولِ مِنْ غَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
وَفِيهَا قَدِمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَمَا قَطَعَ الْجِسْرَ إِلا وَهُوَ مَعْزُولٌ، وَقَدِمَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَتَى يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَدِيٌّ وَقَيَّدَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ.
وَبَعَثَ عُمَرُ الجَّراحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ عَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، وَقَالَ لَهُ: لا تَغْزُوا، وَتَمَسَّكُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ.
وَعَزَلَ عُمَرُ عَنْ إِمْرَةِ مِصْرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ رِفَاعَةَ بِأَيُّوبَ بْنِ شُرَحْبِيلَ.
وَاسْتَقْضَى عَلَى الْكُوفَةِ الشَّعْبِيَّ.
وَجَعَلَ الْفُتْيَا بِمِصْرَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَعُبَيْدُ اللَّه بْن أَبِي جَعْفَرٍ.
وَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: حدثنا بقية، قال: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ قَالَ: غَزَوْنَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَجُعْنَا حَتَّى هَلَكَ ناسٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخْرُجُ إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالآخَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغَ أَقْبَلَ ذَاكَ إِلَى رَجِيعِهِ فَأَكَلَهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخْرُجُ إِلَى الْمَخْرَجِ فَيُؤْخَذُ فَيُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ، وَإِنَّ الأَهْرَاءَ مِنَ الطَّعَامِ كَالتِّلالِ لا نَصِلُ إِلَيْهَا، يُكَايِدُ بِهَا أَهْلُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ خَلِيفَةُ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْقُدُومِ.
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلاهُمْ، فَوَصَلَ إِلَيْهَا سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْلَمَ خلقٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فِي وِلَايَتِهِ.
-سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا توفي: أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ الْفَقِيهُ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسْطَنْطِينَ مُقْرِئُ مَكَّةَ فِي قَوْلٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ سِنَانٍ الْبَاهِلِيُّ الْقُرَبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ الْحِمَّانِيُّ، وَشُجَاعُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْبَلْخِيُّ الْمُقْرِئُ، وَعَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ بَيَّاعُ الْهَرَوِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ قَاضِي إِفْرِيقْيَةَ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَوِيُّ الْمَدَنِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بن كعب بْنِ عَلْقَمَةَ الْمَصْرِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ اللاحِقِيُّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكُوفِيُّ الْحَذَّاءُ، وَعَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَلَبِيُّ الْخَفَّافُ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ المقدمي، ومحمد بن بشر الْمَعَافِرِيُّ بِحَلَبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ، وَمَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَمَسْلَمَهُ بْنُ عُلَيٍّ -[793]- الْجُهَنِيُّ، وَمَيْمُونُ بْنُ يَحْيَى مِصْرِيٌّ، وَوَهْبُ بْنُ وَاضِحٍ أَبُو الأَخْرِيطَ مُقْرِئُ مَكَّةَ، وَيَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ مَحْبُوسًا، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْغَسَّانِيُّ بِوَاسِطٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَيْمُونَ الْبَغْدَادِيُّ التَّمَّارُ، وَأَبُو بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ.
وفيها خلع الطاعة رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ بِسَمَرْقَنْدَ، فَوَجَّهَ ابْنُ مَاهَانَ لِحَرْبِهِ ابْنَهُ عِيسَى، فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ عِيسَى.
وَفِيهَا أَسْلَمَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْمَجُوسِيُّ عَلَى يَدِ الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا افْتَتَحَ الرَّشِيدُ مَدِينَةَ هِرَقْلَةَ، وَبَثَّ جُيُوشَهُ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، وخمسة وثلاثين ألفا سِوَى الْمُطَّوَّعَةِ، وَجَالَ فِي أَرْضِ الْكُفْرِ الأَمِيرُ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى فِي سَبْعِينَ أَلْفًا.
وَافْتَتَحَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ حِصْنَ الصَّقَالِبَةِ.
وَافْتَتَحَ يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الصَّفْصَافَ، وفلقونية.
وَكَانَ فَتْحُ هِرَقْلَةَ فِي شَوَّالٍ، فَأَخْرَبَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا، وَكَانَ الْحِصَارُ ثَلاثِينَ يَوْمًا.
وَوُلِّيَ إِمْرَةَ سَوَاحِلِ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ حُمَيْدُ بْنُ مَعْيُوفٍ، فَسَارَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ فَهَدَمَ وَحَرَّقَ، وَسَبَى مِنْ أَهْلِهَا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأُبِيعُوا بالرقة، وَبَلَغَ ثَمَنُ أُسْقُفِ قُبْرُسَ أَلْفَيْ دِينَارٍ.
وَاتَّخَذَ الرَّشِيدُ قَلَنْسُوَةً كَانَ يَلْبَسُهَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِالرُّقَمِ " غَازٍ حَاجٌّ "، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْمُعَلَّى الْكِلابِيُّ، وَكَانَ شُخُوصُ الرَّشِيدِ إِلَى الرُّومِ فِي رَجَبٍ:
فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ ... فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ
فَفِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى طمر ... وفي أرض البرية فَوْقَ كُورِ
وَفِيهَا بَعَثَ نِقْفُورُ إِلَى الرَّشِيدِ بالحمل، وبالجزية عن رأسه أربعة دنانير.
وَكَتَبَ: لِعَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ نِقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً لا تَضُرُّكَ فِي دِينِكَ وَلا دُنياك، أَنْ تَهَبَ لابْنِي جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ مَدِينَةِ هِرَقْلَةَ قَدْ كُنْتُ خَطَبْتُهَا عَلَى ابْنِي، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُسْعِفَنِي بِهَا فَعَلْتَ، وَالسَّلامُ.
وَاسْتَهْدَاهُ أَيْضًا سُرَادِقًا وَطِيبًا، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ فأحضرت الجارية فحليت -[794]- وزينت، وبعث معها مَا سَأَلَ مِنَ الْعِطْرِ، وَالطُّرَفِ، والسُّرَادَقِ، فَوَهَبَ نقفور للرسول خمسين ألفا وثلاث مائة ثوب، واثني عشر بازا، وأربعة أكلب، وثلاثة بَرَاذِينَ، وَطَلَبَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ لا يُخَرِّبَ حِصْنَ ذِي الْكَلاعِ، وَلا صَمْلَهْ، وَلا حِصْنَ سِنَانٍ، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ أَنْ لا يُعَمِّرَ هرقلة، وأن يحمل إليه ثلاث مائة ألف دينار.
وفيها نقض أهل قبرص، فَغَزَاهُمْ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى، فَقَتَلَ وَسَبَى.

-سنة إحدى وتسعين ومائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ
وَمَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا
خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ الرَّقِّيُّ الْخَرَّازُ، سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الأَبْرَشُ بِالرَّيِّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ، عِيسَى بْنُ يُونُسَ، فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ وَابْنِ سَعْدٍ، الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ الْفَقِيهُ، مخلد بن الحسين الْمُهَلَّبِيُّ بِالْمِصِّيصَةِ، مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ، مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ النَّخَعِيُّ الرَّقِّيُّ. وَتُوُفِّيَ فِيهَا جماعة مختلف فيهم، سيذكرون.
وَفِيهَا خَرَجَ ثَرْوَانُ بْنُ سَيْفٍ بَحَوْلايَا، فَسَارَ إِلَيْهِ طَوْقُ بْنُ مَالِكٍ؛ فَهَزَمَهُ طَوْقٌ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَهَرَبَ مَجْرُوحًا.
وَفِيهَا خَرَجَ أَبُو النِّدَاءِ بِالشَّامِ، فَتَوَجَّهَ لِقِتَالِهِ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ.
وَفِيهَا غَلُظَ أَمْرُ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بِسَمَرْقَنْدَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ نَسَفَ بِالطَّاعَةِ، وَأَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَوَجَّهَ صَاحِبَ الشَّاشِ فِي أَتْرَاكِهِ وَقَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ، فَأَحْدَقُوا بِعِيسَى وَلَدِ عَلِيٍّ وقتلوه في ذي القعدة.
وفيها ولى الرشيد حمويه الخادم خراسان.
وفيها غزا يزيد بن خالد الرُّومَ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَأَخَذَتِ الرُّومُ عَلَيْهِ الْمَضِيقَ، فَقُتِلَ بِقُرْبِ طَرَسُوسَ، وَقُتِلَ مَعَهُ سَبْعُونَ رجلا، فَوَلَّى الرَّشِيدُ غَزْوَ الصَّائِفَةِ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ ثَلاثِينَ أَلْفًا مِنْ جُنْدِ خُرَاسَانَ وَمَعَهُ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ إِلَيْهِ النَّفَقَاتُ وَجَمِيعُ الأَمْرِ خلا الرياسة.
وَمَضَى الرَّشِيدُ إِلَى دَرْبِ الْحَدَثِ فَرَتَّبَ الأُمُورَ، ثُمَّ انْصَرَفَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي رَمَضَانَ، فنزل الرقة، وأمر بهدم الكنائس بالثغور.
وعزل علي بن عيسى بن مَاهَانَ عَنْ خُرَاسَانَ بَهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ هَلاكِ وَلَدِهِ عِيسَى، فَلَمَّا قُتِلَ وَلَدُهُ خَرَجَ عَنْ بَلْخَ فَأَتَى مَرْوَ خَوْفًا مِنْ رَافِعٍ أَنْ يَأْتِيَ مَرْوَ فَيَمْلِكُهَا. وَكَانَ ابْنُهُ دَفَنَ فِي بُسْتَانِ دَارِهِ أَمْوَالا، نَحْوَ ثلاثين ألف -[1028]- أَلْفٍ، وَلَمْ يَدْرِ بِهَا عَلِيٌّ، فَأَعْلَمَتْ جَارِيَةٌ لِعِيسَى بَعْضَ الْخَدَمِ، وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ، فَاجْتَمَعَ أعيان البلد وأنهبوا الْمَالَ هُمْ وَالعَامَّةُ، فَعَلِمَ الرَّشِيدُ فَغَضِبَ، وَعَزَلَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، فَبَلَغَتْ ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفٍ. وَكَانَ علي بن عيسى قد عتى وَتَجَبَّرَ عَلَى الْقُوَّادِ، وَكَانَتْ كُتُبٌ قَدْ وَرَدَتْ على الرشيد أن رافعا لَمْ يَخْلَعْ، وَلا نَزَعَ السَّوَادَ، وَلا مَنْ شَايَعَهُ، وَأَنَّ غَايَتَهُمْ عَزْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الَّذِي قَدْ سَامَهُمُ الْمَكْرُوهَ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ أَمِيرُ مَكَّةَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ إِلَى سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
-سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: صَعْصَعَةُ بْنُ سَلامٍ خَطِيبُ قُرْطُبَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ الأَوْدِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمِصْرِيُّ، عَرْعَرَةُ بن البرند السامي الْبَصْرِيُّ، عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ، الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ، تُوُفِّيَ مَسْجُونًا، يَحْيَى بْنُ كريب الرعيني المصري، يوسف ابن الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ.
وَفِيهَا شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فِي الظَّاهِرِ أَمْوَالا وَخُلَعًا وَسِلاحًا، فَلَمَّا نَزَلَ نَيْسَابُورَ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ فَخَلا بِكُلٍّ مِنْهُمْ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ يَكْتُمَ أَمْرَهُ، وَوَلَّى كُلَّ رَجُلٍ بَلَدًا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ عَهْدَهُ، وَجَهَّزَهُ سِرًّا إِلَى بَلَدِهِ، فَعَلَ هَذَا خَوْفًا مِنْ ثَوْرَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ من مرو دعا ثقاتا من أَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ أَسْمَاءَ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَدَفَع إِلَى كُلِّ رَجُلٍ رُقْعَةً بِاسْمِ مَنْ وَكَّلَهُ بِحِفْظِهِ إِذَا دَخَلَ مَرْوَ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى عَلِيٍّ: إِنْ أَحَبَّ الأَمِيرُ أن يوجهه ثِقَاتِهِ لِقَبْضِ مَا مَعِي فَعَلَ، فَإِنَّهُ إِذَا تَقَدَّمَتِ الأَمْوَالُ أَمَامَ دُخُولِي كَانَ أَقْوَى لِلأَمِيرِ وَأَفَتَّ فِي عَضُدِ أَعْدَائِهِ، فَوَجَّهَ عَلِيٌّ جَمَاعَةً لِقَبْضِ الأَمْوَالِ؛ فَقَالَ هَرْثَمَةُ: اشْغِلُوهُمُ اللَّيْلَةَ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوَ، فَلَمَّا صَارَ مِنْهَا عَلَى مِيلَيْنِ تَلَقَّاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَوَلَدُهُ وَقُوَّادُهُ؛ فَلَمَّا وَقَعَتْ عَيْنُ هَرْثَمَةَ عَلَيْهِ ثَنَى رِجْلَهُ لِيَنْزِلَ، فَصَاحَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ لَئِنْ نَزَلْتَ لأنزلن. فثبت ودنا، فاعتنقا، ثم سارا إِلَى قَنْطَرَةٍ لا يَجُوزُهَا إِلا فَارِسٌ. فَحَبَسَ هَرْثَمَةُ لِجَامَ الْفَرَسِ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: سِرْ، فَقَالَ: لا وَاللَّهِ. فَقَالَ هَرْثَمَةُ: لا وَاللَّهِ، أَنْتَ -[1029]- أميرنا، ثم نزل منزل عَلِيٍّ، وَأَكَلا مِنَ السِّمَاطِ، ثُمَّ دَفَعَ الْخَادِمُ كِتَابَ الرَّشِيدِ إِلَى عَلِيٍّ، فَلَمَّا رَأَى أَوَّلَ حرف مِنْهُ سُقِطَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَ هَرْثَمَةُ بِتَقْيِيدِهِ وَتَقْيِيدِ وَلَدِهِ وَعُمَّالِهِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْجَامِعِ فَخَطَبَ وَبَسَطَ مِنْ آمَالِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الرَّشِيدَ وَلاهُ ثُغُورَهُمْ بِمَا بَلَغَهُ مِنْ سُوءِ سِيرَةِ الْفَاسِقِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَإِنِّي مُنْصِفُكُمْ مِنْهُ، فَأَظْهَرُوا السُّرُورَ وَضَجُّوا بِالدُّعَاءِ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَدَعَا بِعَلِيٍّ وَآلِهِ فَقَالَ: أَعْفُونِي مِنَ الإِقْدَامِ بِالْمَكْرُوهِ عَلَيْكُمْ. وَنُودِيَ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ من رجل عنده لعلي وآله وَدِيعَةٌ فَأَخْفَاهَا، فَأَحْضَرَ النَّاسُ شَيْئًا كَثِيرًا إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاسْتَصْفَى هَرْثَمَةُ حَتَّى حُلِيِّ النِّسَاءِ وَالثِّيَابِ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَامَهُمْ لِمَظَالِمِ النَّاسِ وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ حَمَلَ عَلِيًّا إِلَى الرَّشِيدِ.
وَفِيهَا تَوَجَّهَ الرَّشِيدُ نَحْوَ خُرَاسَانَ لِحَرْبِ رَافِعٍ، فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ أَبَاهُ شَيَّعَ الرَّشِيدَ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَجَعَلَ يُحَادِثُهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى أَنْ قَالَ: يَا صَبَّاحُ، لا أَحْسَبُكَ تَرَانِي بَعْدَهَا، فَقُلْتُ: بَلْ يَرُدُّكَ اللَّهُ سَالِمًا، ثُمَّ قَالَ: وَلا أَحْسَبُكَ تَدْرِي مَا أَجِدُ، فَقُلْتُ: لا، وَاللَّهِ، فقال: تعالى حَتَّى أُرِيَكَ، وَانْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَوْمَأَ إِلَى الْخَوَاصِّ فَتَنَحَّوْا، ثُمَّ قَالَ: أَمَانَةَ اللَّهِ يَا صَبَّاحُ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيَّ، وَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فإذا عصابة حرير حوالي بَطْنِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ عِلَّةٌ أَكْتُمُهَا النَّاسَ كُلَّهُمْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَلَدِي عَلَيَّ رَقِيبٌ، فَمَسْرُورٌ رَقِيبُ الْمَأْمُونِ، وَجِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ رَقِيبُ الأَمِينِ، وَنَسِيتُ الثَّالِثَ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا وَهُوَ يُحْصِي أَنْفَاسِي وَيَعُدُّ أَيَّامِي وَيَسْتَطِيلُ دَهْرِي، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ ذَلِكَ فَالسَّاعَةَ أَدْعُو بِبِرْذَوْنَ، فَيَجِيئُونَ بِهِ أعْجَفَ لِيَزِيدَ فِي عِلَّتِي، ثُمَّ دعا ببرذون، فجاؤوا بِهِ كَمَا وَصَفَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ ثُمَّ رَكِبَهُ وودعني.
وَفِيهَا تَحَرُّكُ الْخُرَّمِيَّةِ بِبِلادِ أَذْرَبَيْجَانَ، فَسَارَ لِحَرْبِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، فَأَسَرَ وَسَبَى.
وَفِيهَا قَدِمَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الرَّشِيدِ معه أبو النداء أسيرا فَقَتَلَهُ.
وَفِيهَا تَحَرُّكُ ثَرْوَانَ الْحَرُورِيِّ فَقَتَلَ عَامِلَ الطَّفِّ.
وَقُدِمَ بِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بَغْدَادَ، فَحُبِسَ فِي داره.
وقتل فيها الرشيد هيصما الْيَمَانِيَّ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ.
-سنة ثلاث وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ، زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَبَطُونُ، سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ، الْعَبَّاسُ بْنُ الأحنف الشاعر المشهور، العباس بن الحسن الْعَلَوِيُّ الشَّاعِرُ، الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَاجِبُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَيْبٍ الْمُرَادِيُّ بِمِصْرَ، عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْعُودِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَصْرِيُّ غُنْدَرٌ، مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَرَّانِيُّ، مروان بن معاوية الفزاري نزيل دمشق، نصر بن باب الخراساني بها، هارون الرشيد أبو جعفر بطوس، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ الْمُقْرِئُ بِالْكُوفَةِ.
وَفِيهَا وَافَى الرَّشِيدُ جُرْجَانَ، فَأَتَتْهُ بِهَا خَزَائِنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ رَحَلَ مِنْهَا فِي صَفَرٍ، وَهُوَ عَلِيلٌ إِلَى طُوسَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.
وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ هَرْثَمَةَ، وَأَصْحَابِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ، فَانْتَصَرَ هَرْثَمَةُ، وَأَسَرَ أَخَا رَافِعٍ، وَمَلَكَ بُخَارَى، وَقَدِمَ بِأَخِي رَافِعٍ عَلَى الرَّشِيدِ، فَسَبَّهُ، وَدَعَا بِقَصَّابٍ، وَقَالَ: فَصِّلْ أَعْضَاءَهُ، فَفَصَّلَهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ جِبْرِيلَ بْنَ بَخْتَيْشُوعَ غَلِطَ عَلَى الرَّشِيدِ فِي عِلَّتِهِ فِي عِلاجٍ عَالَجَهُ بِهِ كَانَ سَبَبَ مَنِيَّتِهِ، فَهَمَّ الرَّشِيدُ بِأَنْ يُفَصِّلَهُ كَمَا فَعَلَ بِأَخِي رَافِعٍ، وَدَعَا بِهِ فقال: أنظرني إِلَى غَدٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّكَ تُصْبِحُ فِي عَافِيَةٍ، فَمَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ رَأَى مَنَامًا أَنَّهُ يَؤُمُّ بِطُوسَ فَبَكَى، وقال: احفروا لي قبرا. فحفر له، ثُمَّ حُمِلَ فِي قُبَّةٍ عَلَى جَمَلٍ وَسِيقَ به حتى نظر إلى القبر، فقال: يا ابن آدَمَ تَصِيرُ إِلَى هَذَا؟ وَأَمَرَ قَوْمًا فَنَزَلُوا فَخَتَمُوا فِيهِ خَتْمَةً، وَهُوَ فِي مِحَفَّةٍ عَلَى شفير القبر.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ يَقْتَفِي أَخْلاقَ الْمَنْصُورِ، وَيَطْلُبُ الْعَمَلَ بِهَا، إِلا فِي بَذْلِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ خَلِيفَةٌ قَبْلَهُ أَعْطَى مِنْهُ لولي، وَكَانَ يُحِبُّ الشِّعْرَ، -[1031]- وَيَمِيلُ إِلَى أَهْلِ الأَدَبِ وَالْفِقْهِ، وَيَكْرَهُ الْمِرَاءَ فِي الدِّينِ، وَيَقُولُ: هُوَ شَيْءٌ لا نَتِيجَةَ لَهُ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ ثَوَابٌ، وكان يحب المديح ويشتريه بأغلى ثمن، أَجَازَ مَرَّةً مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ عَلَى قَصِيدَةٍ خَمْسَةَ آلافِ دِينَارٍ، وَخُلْعَةً، وَعَشَرَةً مِنْ رَقِيقِ الرُّومِ، وَفَرَسًا مِنْ مَرَاكِبِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَ الرَّشِيدِ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ، وَكَانَ مُضْحِكًا فَكِهًا إِخْبَارِيًّا، فَكَانَ الرَّشِيدُ لا يَصْبِرُ عَنْهُ وَلا يَمَلُّ مِنْهُ لِحُسْنِ نَوَادِرِهِ وَمُجُونِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ السَّمَّاكِ دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى، فَأُتِيَ بِكُوزٍ، فَلَمَّا أَخَذَهُ قَالَ: عَلَى رِسْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ مُنِعْتَ هَذِهِ الشَّرْبَةَ بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِيهَا؟ قَالَ: بِنِصْفِ مُلْكِي، قَالَ: اشْرَبْ هَنَّاكَ اللَّهُ، فَلَمَّا شَرِبَهَا قَالَ: أَسْأَلُكَ لَوْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا مِنْ بَدَنِكَ، بِمَاذَا كُنْتَ تَشْتَرِي خُرُوجَهَا؟ قَالَ: بِجَمِيعِ مُلْكِي، فَقَالَ: إِنَّ مُلْكًا قِيمَتُهُ شَرْبَةُ مَاءٍ لَجَدِيرٌ أَنْ لا يُنافَسَ فِيهِ، قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ الرَّشِيدَ فِي الأَسْمَاءِ أَيْضًا.
وَبُويِعَ لابْنِهِ الأَمِينِ مُحَمَّدٍ فِي الْعَسْكَرِ صَبِيحَةَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الرَّشِيدُ. وَكَانَ الْمَأْمُونُ حِينَئِذٍ بِمَرْوَ، وَالأَمِينُ بِبَغْدَادَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَخَطَبَ، وَنَعَى الرَّشِيدَ إِلَى النَّاسِ وَبَايَعَهُ الناس، فأمر لِلْجُنْدِ بِرِزْقِ سَنَتَيْنِ.
وَأَخَذَ رَجَاءٌ الْخَادِمُ الْبُرْدَ والقضيب والخاتم، وسار عَلَى الْبَرِيدِ فِي اثْنَى عَشَرَ يَوْمًا مِنْ مرو حتى قدم بغداد فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الأَمِينِ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَأْمُونَ فَبَايَعَ لِأَخِيهِ ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَأَعْطَى الْجُنْدَ عَطَاءَ سَنَةٍ، وَأَخَذَ يَتَأَلَّفُ أُمَرَاءَهُ وَقُوَّادَهُ، وَيُظْهِرُ الْعَدْلَ، فَأَحَبُّوا الْمَأْمُونَ.
وَأَمَّا الأَمِينُ فَإِنَّهُ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِيَوْمٍ أَمَرَ بِبِنَاءِ ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة، ثُمَّ قَدِمَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةُ فِي شَعْبَانَ، فَتَلَقَّاهَا ابْنُهَا الأَمِينُ، قَدِمَتْ مِنَ الرَّقَّةِ وَمَعَهَا جميع الخزائن. وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ عَلَى خُرَاسَانَ وَإِمْرَتِهَا، وَأَهْدَى لِلأَمِينِ تُحَفًا وَنَفَائِسَ.
وَفِيهَا دَخَلَ هَرْثَمَةُ حَائِطَ سَمَرْقَنْدَ، فَلَجَأَ رَافِعٌ إِلَى الْمَدِينَةِ الدَّاخِلَةِ، وَرَاسَلَ -[1032]- رَافِعٌ التُّرْكَ فَوَافَوْهُ، فَصَارَ هَرْثَمَةُ فِي الْوَسَطِ، ثُمَّ لَطَفَ اللَّهُ بِهِ وَرَدَّ التُّرْكَ، فَضَعُفَ أَمْرُ رَافِعٍ.
وَفِيهَا قُتِلَ نِقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ فِي حَرْبِ بُرْجَانَ، وَبَقِيَ فِي الْمَمْلَكَةِ تِسْعَ سِنِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِسْتَبْرَاقُ شَهْرَيْنِ وَهَلَكَ، فَمَلَكَ مِيخَائِيلُ بْنُ جِرْجِسَ زَوْجُ أُخْتِهِ.
-سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ
توفي فيها: حفص بن غياث النَّخَعِيُّ فِي آخِرِهَا، الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ الْبَلْخِيُّ الْعَابِدُ ضَعِيفٌ، سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي بَعْلَبَكَّ. شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ الزَّاهِدُ، عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَهْدِيِّ محمد ابن الْمَنْصُورِ، عُمَرُ بْنُ هَارُونَ الْبَلْخِيُّ أَبُو حَفْصٍ، مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْخَوْلانِيُّ الأَبْرَشُ، مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانٍ الأُمَوِيُّ الْكُوفِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ، يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانٍ الأُمَوِيُّ أَخُو مُحَمَّدٍ، الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ.
وَفِيهَا ثَارَ أَهْلُ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ إِسْحَاقَ بْنِ سليمان، فبرح إِلَى سَلَمْيَةَ، فَوَلَّى عَلَيْهِمُ الأَمِينَ عَبْدَ اللَّهِ بن سعيد الخرشي، فَحَبَسَ عِدَّةً مِنْ وُجُوهِهِمْ وَقَتَلَ عِدَّةً، وَضَرَبَ النَّارَ فِي نَوَاحِي حِمْصَ، فَسَأَلُوهُ الأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وسكنوا، ثم هاجوا فقتل طائفة منهم.
وَفِيهَا عَزَلَ الأَمِينُ أَخَاهُ الْقَاسِمَ عَنْ مَا كَانَ الرَّشِيدُ وَلاهُ، وَذَلِكَ إِمْرَةُ الشَّامِ وَقِنَّسْرِينَ وَالثُّغُورِ، وَوَلَّى مَكَانَهُ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ.
وَفِيهَا أَمَرَ الأَمِينُ بِالدُّعَاءِ لابْنِهِ مُوسَى عَلَى الْمَنَابِرِ بِالإِمْرَةِ، بَعْدَ ذِكْرِ الْمَأْمُونِ وَالْقَاسِمِ.
وَتَنَكَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ لِصَاحِبِهِ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ بَيْنَهُمَا. فَقِيلَ: إِنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ عَلِمَ أَنَّ الْخِلافَةَ إِذَا أَفْضَتْ إِلَى الْمَأْمُونِ لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِ، فأغرى الأَمِينُ بِهِ، وَحَثَّهُ عَلَى خَلْعِهِ، وَأَنْ يُوَلِّيَ الْعَهْدَ لابْنِهِ مُوسَى، وَأَعَانَهُ عَلَى رَأْيِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَالسِّنْدِيُّ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونُ عَزْلُ أَخِيهِ الْقَاسِمِ عَنِ الشَّامِ قَطَعَ الْبَرِيدِيَّةَ عَنِ الأَمِينِ، وَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنَ الطَّرْزِ وَالضَّرْبِ.
وَكَانَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ لَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ حُسْنُ سِيرَةِ الْمَأْمُونِ -[1033]- فِي عَمَلِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى الْجَيْشِ، بَعَثَ فِي طلب الأمان لِنَفْسِهِ، فَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ هَرْثَمَةُ وَلَحِقَ رَافِعٌ بِالْمَأْمُونِ فَأَكْرَمَهُ.
وَقَدِمَ هَرْثَمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ مِنْ سَمَرْقَنْدَ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَكَانَ مَعَهُ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَتَلَقَّاهُ الْمَأْمُونُ، وَوَلاهُ حَرَسَهُ.
ثم إن الأمين أرسل وجوها إلى المأمون يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَدِّمَ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ، وَيَذْكُرَ أَنَّهُ قَدْ سَمَّاهُ: النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، فَردَّ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ وَأَبَاهُ، وَكَانَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَبَايَعَ الْمَأْمُونَ بِالْخِلافَةِ سِرًّا، ثُمَّ كَانَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِالأَخْبَارِ، وَيُنَاصِحُهُ مِنَ العراق، ورجع فأخبر الأَمِينَ بِامْتِنَاعِ الْمَأْمُونِ، فَأَسْقَطَ اسْمَهُ مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ، وَطَلَبَ الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ الرَّشِيدُ، وَجَعَلَهُ بالكعبة لعبد الله المأمون على الأمين فأحضروه فَمَزَّقَهُ وَقَوِيَتِ الْوَحْشَةُ، وَأَحْضَرَ الْمَأْمُونُ رُسُلَ الأَمِينِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيَّ فِي أَمْرٍ كَتَبْتُ إليه جوابه، فأبلغوه الكتاب، وَاعْلَمُوا أَنِّي لا أَزَالُ عَلَى طَاعَتِهِ حَتَّى يَضْطَرَّنِي بِتَرْكِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ إِلَى مُخَالَفَتِهِ فَخَرَجُوا وَقَدْ رَأَوْا جِدًّا غَيْرَ مَشُوبٍ بِهَزْلٍ.
وَنَصَحَ الأَمِينَ أُولُو الرَّأْيِ فَلَمْ يَنْتَصِحْ، وَأَخَذَ يَسْتَمِيلُ القواد بالعطاء، فقال لَهُ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَنْ يَنْصَحَكَ مَنْ كَذَبَكَ، وَلَنْ يَغُشُّكَ مَنْ صَدَقَكَ، لا تُجَرِّئِ الْقُوَّادَ عَلَى الْخَلْعِ فَيَخْلَعُوكَ، وَلا تَحْمِلْهُمْ عَلَى نَكْثِ الْعَهْدِ فَيَنْكُثُوا بَيْعَتَكَ وَعَهْدَكَ، فَإِنَّ الْغَادِرَ مَغْلُولٌ، وَالنَّاكِثَ مَخْذُولٌ.
وَفِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ بَايَعَ الأَمِينُ بِوِلايَةِ الْعَهْدِ لابْنِهِ مُوسَى، وَلَقَّبَهُ: النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، وَجَعَلَ وَزِيرَهُ عَلِيَّ بن عيسى بن ماهان.
وفيها وثبت الرُّومُ عَلَى مِيخَائِيلَ صَاحِبِ الرُّومِ فَهَرَبَ وَتَرَهَّبَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَنَتَيْنِ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ لِيُونَ الْقَائِدَ.
-سنة خمس وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ وَاسِطِيٌّ، بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ الْوَاعِظُ بِمَكَّةَ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ الْكُوفِيُّ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ المهدي فيها في قول، عثام بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ، مُؤَرِّجُ بْنُ عَمْرٍو السَّدُوسِيُّ -[1034]- النَّحْوِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ الضَّبِّيُّ الْكُوفِيُّ، الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِهَا بِذِي الْمَرْوَةِ، يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ بِمَكَّةَ، أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ.
وَفِيهَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِيمَا جَرَى مِنْ وِلايَةِ الْعَهْدِ لِمُوسَى وَهُوَ طِفْلٌ وَذَلِكَ بِرَأْيِ الفضل وبكر بْنِ الْمُعْتَمِرِ.
أَضَاعَ الْخِلافَةَ غِشُّ الْوَزِيرِ ... وَفِسْقُ الأَمِيرِ وَجَهْلُ الْمُشِيرْ
فَفَضْلٌ وَزِيرٌ وَبَكْرٌ مُشِيرٌ ... يُرِيدَانِ مَا فِيهِ حَتْفُ الأَمِيرْ
لِوَاطُ الْخَلِيفَةِ أُعْجُوبَةٌ ... وَأَعْجَبُ مِنْهُ خِلاقُ الْوَزِيرْ
فَهَذَا يَدُوسُ وهذا يداس ... كذاك لعمري خلاف الأمور
فلو يستعفان هَذَا بِذَاكَ
لَكَانَا بِعُرْضَةِ آمْرٍ سَتِيرْ ... وَأَعْجَبُ مِنْ ذَا وَذَا أَنَّنَا
نُبَايِعُ لِلطِّفْلِ فِينَا الصَّغِيرْ ... وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ غَسْلَ أَسْتِهِ
وَمَنْ لَمْ يَخْلُ مِنْ بَوْلِهِ حِجْرُ ظِيرْ
في أبيات.
وَلَمَّا تَيَقَّنَ الْمَأْمُونُ خَلْعَهُ تَسَمَّى بِإِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُوتِبَ بِذَلِكَ.
وَفِي رَبِيعٍ الآخَرِ عَقَدَ الأَمِينُ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَلَى بلد الجبال: همذان، ونهاوند، وقم، وأصبهان، وأمر له - فِيمَا قِيلَ - بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْطَى لِجُنْدِهِ مَالا عَظِيمًا.
وَلَمَّا جَمَعَ الأَمِينُ الْمَلأَ لِقِرَاءَةِ العهد لابنه، قال: يا معشر أهل خُرَاسَانَ - يَعْنِي الَّذِينَ بِبَغْدَادَ - إِنَّ الأَمِيرَ مُوسَى قَدْ أَمَرَ لَكُمْ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ بِثَلاثَةِ آلافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
وَشَخَصَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي نِصْفِ جُمَادَى الآخِرَةِ مِنْ بَغْدَادَ، وَأَخَذَ مَعَهُ قَيْدَ فِضَّةٍ لِيُقَيِّدَ بِهِ الْمَأْمُونَ بِزَعْمِهِ، وَسَارَ مَعَهُ الأَمِينُ إِلَى النَّهْرَوَانِ، فَعَرَضَ بِهَا الْجُنْدَ الَّذِينَ جَهَّزَهُمْ مع علي، فسار حتى نزل همذان، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قحطبة، ثُمَّ شَخَصَ عَلِيٌّ مِنْهَا حَتَّى بَلَغَ الرَّيَّ، وَهُوَ عَلَى أُهْبَةِ الْحَرْبِ، فَلَقِيَهُ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافٍ، كان قَدْ جَهَّزَهُ الْمَأْمُونُ فَأَشْرَفَ عَلَى جَيْشِ عَلِيٍّ وَهُمْ يَلْبَسُونَ السِّلاحَ، وامتلأت بهم الصحراء -[1035]- بياضا وصفرة من السلاح المذهب، فَقَالَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذَا مَا لا قِبَلَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنْ نَجْعَلُهَا خَارِجِيَّةً، نَقْصِدُ الْقَلْبَ، فَهَيَّأَ سَبْعَمِائَةٍ مِنَ الْخَوَارِزْمِيَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ الأَمِيرُ: فَقُلْنَا لِطَاهِرٍ: تذكر عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْبَيْعَةَ الَّتِي كَانَتْ، وَالْبَيْعَةَ الَّتِي أَخَذَهَا هُوَ لِلْمَأْمُونِ عَلَيْنَا مَعْشَرَ أَهْلِ خُرَاسَانَ. قَالَ: نَعَمْ، فَعَلَّقْنَاهُمَا عَلَى رُمْحَيْنِ، وَقُمْتُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقُلْتُ: الأَمَانَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا عَلِيُّ بْنَ عِيسَى أَلا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَيْسَ هَذِهِ نُسْخَةَ الْبَيْعَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا أَنْتَ خَاصَّةً؟ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَدْ بَلَغْتَ بَابَ قَبْرِكَ، قَالَ: من أنت؟ قلت: أحمد بن هشام - وقد كان عَلِيٌّ ضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ - فَصَاحَ عَلِيٌّ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ، مَنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ أَلْفُ درهم، وكان معنا قوم بخارية، فرموه وزنوه، وَقَالُوا: نَقْتُلُكَ وَنَأْخُذُ مَالَكَ.
وَخَرَجَ مِنْ عَسْكَرِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسُ بْنُ اللَّيْثِ وَرَجُلٌ آخَرُ، فَشَدَّ عليه طاهر فضربه قتله، وَشَدَّ دَاوُدُ سِيَاهٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فَصَرَعَهُ وَهُوَ لا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ طَاهِرُ بْنُ الناجي: أَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ! وَظَنَّ أَنَّهُ يُهَابُ فَلا يَقْدِمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فشَدَّ عليه فذبحه بِالسَّيْفِ، ثُمَّ انْهَزَمَ جَيْشُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: فَتَبِعْنَاهُمْ فرسخين، وواقفونا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً؛ كُلُّ ذَلِكَ نَهْزِمُهُمْ، فَلَحِقَنِي طاهر بن الناجي وَمَعَهُ رَأْسُ عَلِيٍّ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا، وَوَجَدْنَا فِي عَسْكَرِهِ سَبْعَمِائَةِ كِيسٍ، فِي كُلِّ كِيسٍ ألف درهم، ووجدنا عدة بغال عليها له خَمْرٌ سَوَادِيٌّ، فَظَنَّتِ الْبُخَارِيَّةُ أَنَّهُ مَالٌ، فَكَسَرُوا تِلْكَ الصَّنَادِيقَ فَرَأَوْهُ خَمْرًا، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: عَمِلْنَا الْعَمَلَ حَتَّى نَشْرَبَ. وَأَعْتَقَ طَاهِرٌ مَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ غِلْمَانِهِ شُكْرًا. فَلَمَّا وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى الْمَأْمُونِ سَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلافَةِ، وَطِيفَ بِالرَّأْسِ فِي خُرَاسَانَ.
وَجَاءَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ إِلَى الأَمِينِ وَهُوَ يَتَصَيَّدُ السَّمَكَ، فَقَالَ لِلَّذِي أَخْبَرَهُ: وَيْلَكَ دَعْنِي، فَإِنَّ كَوْثَرًا قَدْ صَادَ سَمَكَتَيْنِ وَأَنَا مَا صِدْتُ شَيْئًا بَعْدُ.
وَقَالَ شاعر من أصحاب علي:
لَقِينَا اللَّيْثَ مُفْتَرِشًا يَدَيْهِ ... وَكُنَّا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ
نَخُوضُ الْمَوْتَ وَالْغَمَرَاتِ قِدْمًا ... إِذَا مَا كَرَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ -[1036]-
فَضَعْضَعَ رُكْنَنَا لَمَّا الْتَقَيْنَا
وَرَاحَ الْمَوْتُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ ... وَأَوْدَى كَبْشَنَا وَالرَّأْسَ مِنَّا
كَأَنَّ بِكَفِّهِ كَانَ الْقَضَاءُ
ثُمَّ وَجَّهَ الأَمِينُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَبَلَةَ الأبناوي أمير الدينور بالعدة والقوة، فسار حتى نزل همذان.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يُرِيدُ مُحَمَّدُ إِزَالَةَ الْجِبَالِ، وَفَلَّ الْعَسَاكِرِ بِالْفَضْلِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَيْهَاتَ، وَهُوَ - وَاللَّهِ - كَمَا قِيلَ: قَدْ ضَيَّعَ اللَّهُ ذَوْدًا أَنْتَ رَاعِيهَا.
وَقِيلَ: إِنَّ الجيش الذين كَانُوا مَعَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى أَرْبَعُونَ أَلْفًا في هيئة لَمْ يُرَ مِثْلُهَا.
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَالِدٍ أَنَّ الْوَقْعَةَ اشْتَدَّ فِيهَا الْقِتَالُ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى قُتِلَ بِسَهْمٍ جَاءَهُ، وَأَنَّ طَاهِرًا بَعَثَ بِالأَسْرَى والرؤوس إِلَى الْمَأْمُونِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْجَرْمِيُّ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا قُتِلَ أَرْجَفَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ إِرْجَافًا شَدِيدًا، وَنَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى خَلْعِهِ أَخَاهُ، وَطَمِعَ الأُمَرَاءُ فِيهِ، وَشَغَّبُوا جُنْدَهُمْ بِطَلَبِ الأَرْزَاقِ مِنَ الأمين، وازدحموا بالجسر يَطْلُبُونَ الأَرْزَاقَ وَالْجَوَائِزَ؛ فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ قُوَّادِ الأَعْرَابِ فتراموا بالنشاب واقتتلوا، فسمع الأمين الضجة فأرسل يأمر ابن خازم بالانصراف، وأمر لهم بِأَرْزَاقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَزَادَ فِي عَطَائِهِمْ، وَأَمَر لِلْقُوَّادِ بِالْجَوَائِزِ، وَجَهَّزَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيُّ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فسار إلى همذان وَضَبَطَ طُرُقَهَا، وَحَصَّنَ سُورَهَا، وَجَمَعَ فِيهَا الأَقْوَاتَ، وَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَةِ طَاهِرٍ.
وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ أَقَامَ بين الري وهمذان، فَكَانَ لا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُنْكَسِرِينَ إِلا حَبَسَهُ عِنْدَهُ بِنَاءً مِنْهُ أَنَّ الأَمِينَ يُوَلِّيهِ مَكَانَ أَبِيهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الأَمِينُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيِّ، فَلَمَّا سَارَ يحيى إلى قرب همذان تَفَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا طَاهِرٌ فَقَصَدَ مَدِينَةَ همذان، فأشرف عَلَيْهِا، فَالْتَقَى الْجَيْشَانِ وَصَبرَ الْفَرِيقَانِ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيَّ تَقَهْقَرَ وَدَخَلَ مدينة همذان فأقام بها يلم شعث أصحابه، ثُمَّ زَحَفَ إِلَى طَاهِرٍ، وَقَدْ خَنْدَقَ طَاهِرٌ على عسكره، فَاقْتَتَلُوا قِتَالا شَدِيدًا، وَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ وَيُقَاتِلُ بِيَدِهِ، وَحَمَلَ حَمَلاتٍ مُنْكَرَةً مَا مِنْهَا حَمْلَةٌ إِلا وَهُوَ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِي -[1037]- أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَشَدَّ رَجُلٌ عَلَى صَاحِبِ عَلَمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ أَصْحَابُ طَاهِرٍ حَمْلَةً صادقة حتى ألجأوهم إلى مدينة همذان، ونزل طاهر محاصرا لها، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ فَيُقَاتِلُ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَتَضَرَّرَ بِهِمْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَجُهِدُوا، فَطَلَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ طَاهِرٍ الأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ وَوَفَى لَهُ.
وَفِيهَا ظَهَرَ بِدِمَشْقَ السُّفْيَانِيُّ أَبُو الْعُمَيْطِرِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَطَرَدَ عَنْهَا سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ بَعْدَ حَصْرِهِ إِيَّاهُ بِالْبَلَدِ، وَكَانَ عَامِلَ الأَمِينِ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُ إِلا بَعْدَ الْيَأْسِ، فَوَجَّهَ الأَمِينُ لِحَرْبِهِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَلَمْ يَنْفُذْ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الرَّقَّةِ فَأَقَامَ بِهَا.
وَعَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَيْهَسٍ، قَالَ: ضَبَطَ أَبُو الْعُمَيْطِرِ دِمَشْقَ وَانْضَمَّتْ إِلَيْهِ الْيَمَانِيَّةُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْغُوطَةِ وَالسَّاحِلِ وَحِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ، وَاسْتَقَامَ لَهُ الأَمْرُ، إِلا أَنَّ قَيْسًا لَمْ تُبَايِعْهُ وَهَرَبُوا مِنْ دِمَشْقَ.
وَجَاءَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَنْظَلَةَ: عِنْدَكَ مِنْ عِظَامِ أَبِي الْعُمَيْطِرِ شَيْءٌ؟ قَالَ: هُوَ أَقَلُّ عِنْدَنَا مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ هَرَبَ إِلَيْنَا، وَخَلَعَ نَفْسَهُ فَسَتَرْنَاهُ.
وَغَلَبَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى قَزْوِينَ وَطَرَدَ عَنْهَا عَامِلَ الأَمِينِ، وَغَلَبَ عَلَى سَائِرِ كُوَرِ الْجِبَالِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ الأَمِينَ لَمَّا وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأبناوي إلى همذان أتبعه بعبد الله وأحمد ابني الخرسي فِي جَيْشٍ مَدَدًا لَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ بِالأَمَانِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، أَقَامَ يُرِي طَاهِرًا وَجُنْدَهُ أَنَّهُ لَهُمْ مُسَالِمٌ رَاضٍ بِعُهُودِهِمْ، ثُمَّ اغْتَرَّهُمْ وَهُمْ آمنون فركب في أصحابه، فلم يَشْعُرْ طَاهِرٌ وَأَصْحَابُهُ بِهِمْ إِلا وَقَدْ هَجَمُوا عليهم فوضعوا فيهم السيف، فقاتلوهم وردت عنهم بالأترسة رجالتهم حتى أخذت الفرسان عددها وَصَدَقُوهُمُ الْقِتَالَ حَتَّى تَقَطَّعَتِ السُّيُوفُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
ثُمَّ هَرَبَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَتَرَجَّلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمَةُ إِلَى عسكر ابني الخرسي، فَدَاخَلَهُمُ الرُّعْبُ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ حَتَّى أَتَوْا بَغْدَادَ. -[1038]-
وَسَارَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَقَدْ خَلَتْ لَهُ الْبِلادُ حَتَّى قَارَبَ حُلْوَانَ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَخَنْدَقَ على جنده.
-سنة ست وتسعين
تُوُفِّيَ فِيهَا: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، قُتِلَ كَمَا يَأْتِي، سَعْدُ بْنُ الصَّلْتِ قَاضِي شِيرَازَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الطَّوِيلُ الدِّمَشْقِيُّ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ الأَمِيرُ، عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ الْجَزَرِيُّ - فِي قَوْلٍ -، مُخَلَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ - فِي قَوْلٍ - وَكِلاهُمَا مَرَّ، مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ الْقَاضِي، الْوَلِيدُ بْنُ خَالِدٍ بِالشَّامِ، قَالَهُ ابْنُ قَانِعٍ، أَبُو نُوَاسٍ الشَّاعِرُ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ.
وَفِيهَا رُوِيَ عَنْ عبد الرحمن بن رئاب قَالَ: حَدَّثَنِي أَسَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَاجِبَ بَعَثَ إِلَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَبْنَاوِيِّ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُغْضَبًا، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَارِثِ أَنَا وَإِيَّاكَ نَجْرِي إِلَى غَايَةٍ إِنْ قَصَّرْنَا عَنْهَا ذُمِمْنَا، وَإِنِ اجْتَهَدْنَا فِي بُلُوغِهَا انْقَطَعْنَا، وَإِنَّمَا نحن شعب مِنْ أَصْلٍ، إِنْ قَوِيَ قَوِينَا، وَإِنْ ضَعُفَ ضَعُفْنَا، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ - يَعْنِي الأَمِينَ - قَدْ ألقى بيده إلقاء الأُمَّةِ الْوَكْعَاءَ، يُشَاوِرُ النِّسَاءَ، وَيَعْتَرِضُ عَلَى الرُّؤَسَاءِ، وقد أمكن مسامعه من اللهو والخسارة فهم يعدونه الظَّفَرَ، وَالْهَلاكُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنَ السَّيْلِ إِلَى قِيعَانِ الرَّمْلِ، وَقَدْ خَشِيتُ - وَاللَّهِ - أَنْ نَهْلِكَ بِهَلاكِهِ، وَنَعْطَبُ بِعَطَبِهِ، وَأَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ وَابْنُ فَارِسِهَا، قَدْ فَزِعَ إِلَيْكَ فِي لِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَطْمَعَهُ فِيمَا قَبْلَكَ أَمْرَانِ: أَمَّا أَحَدَهُمَا فَصِدْقُ طَاعَتِكَ وَفَضْلُ نَصِيحَتِكَ، وَالثَّانِي يُمْنُ نَقِيبَتِكَ وَشِدَّةُ بَأْسِكَ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِإِزَاحَةِ عِلَّتِكَ، وَبَسْطِ يَدِكَ فِيمَا أَحْبَبْتَ، فَعَجِّلِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى عَدُوِّكَ، فإني أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث هذه الخلافة، فَقُلْتُ: أَنَا لِطَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُقْدِمٌ، وَلِكُلِّ مَا أَدْخَلَ الْوَهَنَ وَالذُّلَّ عَلَى عَدُوِّهِ حَرِيصٌ، غير أن المحارب لا يعمل بالغرر، وَلا يَفْتَتِحُ أَمْرَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْخَلَلِ، وَإِنَّمَا مِلاكُ الْمُحَارِبِ الْجُنُودُ، وَمِلاكُ الْجُنُودِ الْمَالُ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فقد ملأ أيدي من عنده من العسكر، وتابع لهم الأرزاق وَالصِّلاتِ، فَإِنْ سِرْتُ بِأَصْحَابِي وَقُلُوبُهُمْ مُتَطَلِّعَةٌ إِلَى مَنْ خَلْفِهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ لَمْ أَنْتَفِعْ بِهِمْ فِي لِقَاءٍ، وَقَدْ فَضُلَ أَهْلُ السِّلْمِ عَلَى أهل الحرب، والذي أسأل أَنْ يُؤْمَرَ لِأَصْحَابِي بِرِزْقِ سَنَةٍ، -[1039]- وَيُحْمَلَ مَعَهُمْ أَرْزَاقُ سَنَةٍ، وَلا أُسْأَلُ عَنْ مُحَاسَبَةِ مَا افْتَتَحْتُ مِنَ الْمُدُنِ، فَقَالَ: قَدِ اشتططت، ولا بد مِنْ مَنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثمّ ركب معي إِلَيْهِ فدخلتُ، فما دار بيني وبينه إلا كلمتان حتّى غضب وأمر بحبسي.
وذكر زياد قَالَ: ثمّ قَالَ الأمين: هَلْ في أهل بيت هذا من يقوم مقامه؟ فإني أكره أن أستفسدهم مَعَ سابقتهم وطاعتهم، قَالُوا: نعم، فيهم أحمد بْن مَزْيد عَمُّهُ، وأثنوا عَلَيْهِ، فاستقدمه عَلَى البريد. قَالَ أحمد: فبدأت بالفضل بْن الربيع، فإذا عنده عَبْد الله بْن حُمَيْد بن قحطبة، وهو يريده عَلَى الشخوص إلى طاهر بْن الحسين، وعبد الله يشتطّ في طلب المال والإكثار مِن الرجال، فلما رآني رحب وصيرني معه على صدر المجلس، فكلّمني ثمّ قام معي حتّى دخلنا عَلَى الأمين، فلم يزل يأمرني بالدُّنُوّ حتى كدت أُلاصقه، فقال: إنّه قد كثُر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكُّره، وطالَ خِلافهُ، وقد وُصفتَ لي بخير، وأحببت أن أرفع قدرك وأُعْلي منزلتك، وأنّ أُوَلّيك جهاد هذه الفئة الباغية، فقلت: سأبذل في طاعتكم مهجتي.
قَالَ: وانتخبت الرجال، فبلغ عدّة مِن صحّحتُ اسمه عشرين ألف رَجُل، ثمّ سرت بهم إلى حُلْوان، ودخلت عليه قبل ذلك، فقلت: أوصِني، قَالَ: إيّاك والبغي، فإنه عِقال النصر، ولا تُقدّم رجلا إلا بالاستخارة، ولا تُشْهر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قدرت عَلَيْهِ باللين فلا تتعده بالخرق، في كلام طويل، وأطلق لَهُ ابن أخيه أسدًا.
وذكر يزيد بْن الحارث أنّ الأمين وجّه معه عشرين ألفًا مِن الأعراب، ومع عَبْد الله بْن حُمَيْد عشرين ألفًا مِن الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهرا عنها، وينصبا له الحرب، فنزلا بخانقين، فدَسّ طاهر العيون إلى عسكرهما، فكانوا يأتون الجيشين بالأراجيف، ويخبرونهما أنّ الأمين قد وضَع العطاء لأصحابه، وقد أمر لهم بالأرزاق، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشغْب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم وقاتلوا بعضهم بعضًا، ورجعوا.
ثمّ دخل طاهر حُلوان، وأتاه هَرْثَمَة بْن أَعْيَن بكتابي المأمون، والفضل بْن -[1040]- سهل يأمرانه بتسليم ما حوى مِن المدن إلى هَرْثَمَة، والتَّوجُّه إلى الأهواز، فسلّم ذَلِكَ إِلَيْهِ، وأقام هَرْثَمَة بحُلْوان فحصّنها، وأحكم أموره، ومضى طاهر إلى الأهواز، ودعا المأمون الفضل بْن سهل فولاه عَلَى جميع المشرق مِن همذان إلى جبل سفيان والتَّبت طولا، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الديلم وجرجان عرضا، وقرر له على ذلك ثلاثة آلاف ألف درهم، ولقّبه ذا الرياستين، ثمّ ولّى أخاه الحَسَن بْن سهل ديوان الخراج.
وكان في حبْس الرشيد عَبْد المُلْك بْن صالح بْن عليّ، فأطلقه الأمين وقرّبه، فدخل عليه هذه الأيام، وقال: يا أمير المؤمنين إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك، وقد بذلت سماحتك، فإنْ بقيت عَلَى أمرك أبطَرْتهم، وإنْ كَفَفْت عن البذل أسخطتهم، ومع هذا فإنّ جُنْدك قد داخَلَهم الرعبُ وأضْعَفَتْهُمُ الوقائع، وهابوا عدوَّهم، فإنْ سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليلِ مَنْ معه كثيَرهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد لي مُسارعٌ إلى طاعتي، فإنْ وجّهتني أتّخذت لك منهم جُنْدًا تعظُم نكايته في عدوّه، فولاه الشام والجزيرة، واستحثه بالخروج، فلمّا بلغ الرَّقّة أقام بها، وأنفذ رُسُلَه وكُتُبَه إلى رؤساء الأجناد بجمع الأمداد والرجال والزواقيل والأعراب مِن كلّ فَجّ، وخلع عليهم، ثمّ إنّ بعض جُنْده الخُراسانيّة نظر إلى فرسٍ كانت أُخِذت منه في وقعة سليمان بْن أَبِي جعفر بالشام تحت بعض الزَّواقيل، فتعلق بها، فتنازعا الفرس، واجتمعت الناس وتلاحموا، وأعان كل فئة صاحبها، وتضاربوا بالأيدي، فاجتمعت بعض الأبناء إلى محمد بن أبي خالد الحربي، فقالوا: أنت شيخنا، وقد ركب الزواقيلُ منّا ما سَمِعْتُ، فاجمع أمرنا وإلا استذلّونا، فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم عَلَى مثل هذه الحال، فاستعد الأبناء، وأتوا الزواقيل وهم غارون، فوضعوا فيهم السيف، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، فتنادى الزواقيل، ولبسوا لأمة الحرب، وشبت الحرب بينهم، فوجّه عَبْد المُلْك رسولا يأمرهم بالكَفّ، فرموه بالحجارة، وكان عَبْد المُلْك مريضًا مدنفا، فقال: واذُلاه! تُستضام العربُ في دُورها، وبلادها وتُقتل؟! فغضب مِن كَانَ أَمْسك عَنِ الشرّ مِن الأبناء، وتفاقم الأمرُ.
وقام بأمر الأبناء الحسين بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان، وأصبح الزواقيل وقد جَيَّشوا بالرَّقّة، واجتمع الأبناء والخُراسانيّة بالرافقة، وقام رجلٌ مِن أهل حمص، فقال: يا أهل حمص، -[1041]- الهرب أهون من الغضب، والموت أهون من الذل، النفير النفير قبل أن ينقطع الشمل ويعسر المهرب، ثم قام آخر من كلب فقال نحو ذَلِكَ، فسار معه عامّة أهل الشام، وتفللوا، وأقبل نصر بن شبيب في الزّواقيل، وهو يَقُولُ:
فرسانَ قيسٍ اصبري للموت ... لا ترهبن عن لقاء القوت
دعي التَّمنّي بعسى وليت
ثمّ حَمَل هُوَ وأصحابه، فقاتل قتالا شديدًا، وكثُر القتل والبلاء في الزّواقيل، وحملت الأبناء فانهزمت الزّواقيل.
ثمّ تُوُفّي عَبْد المُلْك في هذه الأيام، فنادى الحسين بْن عليّ بْن عيسى في الجند، فصير الرَّجَّالَةَ في السفن، والفُرسان عَلَى الظَّهْر، ووصّلهم حتى أخرجهم مِن بلاد الجزيرة في رجب، ودخل بغداد، فلمّا كَانَ في جوف اللَّيْلِ طلبه الأمين، فقال للرسول: ما أنا بمغن ولا مُسامِر ولا مُضْحك، ولا وُلِّيتُ لَهُ عملا، فلأيّ شيءٍ يريدني؟ انصرف فَمِن الغد آتيه. قَالَ: فأصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع إِلَيْهِ النّاس، فأمر بإغلاق الباب الَّذِي يخرج منه إلى عُبَيْد الله بْن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إنّ خلافة الله لا تُجاوَر بالبَطر، وَنِعْمَةٌ لا تُسْتَصْحب بالتجبُّر، وإن محمدًا يريد أن يزيغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرق أمركم، وتالله إنّ طالت يده، وراجعه مِن أمره قوّة، ليَرجعّن وَبَالُ ذَلِكَ عليكم، ولتعرفّن ضرره، فاقْطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وَضَعُوا عزّه قبل أن يضع عزّكم.
ثمّ أمر الناس بعبور الجسر، فعبروا حتى صاروا إلى سكّة باب خُراسان، واجتمعت الحربيّة، وأهلُ الأرباض ممّا يلي بابَ الشام، فتسرّعت خيولٌ مِن خيول الأمين مِن الأعراب وغيرهم إلى الحسين، فاقتتلوا قتالا شديدًا، ثمّ استظهر عليهم الحسين وتَفَرّقوا، فخلع الحسينُ محمدًا لإحدى عشرة لَيْلَةً خَلَت مِن رجب، وبايع للمأمون مِن الغد، ثمّ غدا إلى محمد. فوثب العبّاس بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ فدخل قصر الخُلْد، فأخرج منه محمدًا إلى قصر المنصور، فحبسه هناك إلى الظُّهر، وأخرج أمّه، أمّ جعفر، بعد أن أبت، وقنعها بالسوط وسبها، فأُدخلت إلى مدينة المنصور. -[1042]-
فلمّا أصبح الناسُ مِن الغد طلبوا مِن الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الأرزاق، وماج الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بْن أَبِي خَالِد كبير الأبناء بباب الشام فقال: أيّها الناس، والله ما أدري بأيّ سبب تَأمّر الحسين علينا؟ والله ما هُو بأكبرنا سنّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة وغَناء، وإنّ فينا مِن لا يرضي بالدَّنَيَّةِ، ولا ينقاد بالمخادعة، وإني أوّلكُم نقض عهده، وأنكر فِعله، فمن كَانَ رأيُه رأيي فلْيعتزلْ معي، وقام أسد الحربيّ فقال نحو مقالته، فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفية فصاح: اسكتوا أيّها النّاس؛ فسكتوا لَهُ، فقال: هَلْ تعتدون عَلَى محمدٍ بقطع أرزاقكم؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فهل قصّر بأحدٍ مِن أعيانكم؟ قالوا: ما علمنا. قال: فهل عُزِل أحدًا مِن قُوّادكم؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فما بالكم خذلتموه، وأَعَنْتُم عدوّه عَلَى اضطهاده وأسره؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلَّط الله عليهم السيف، انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عَنْهُ، وقاتِلوا مِن أراد خلعه، فنهضت الحربيّة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالا شديدًا، وأكثروا في أصحابه الجراح، وأُسِر الحسين، فدخل أسد الحربيّ عَلَى الأمين، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قومٍ لَيْسَ عليهم لباس الْجُنْد، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا مِن الخزائن حاجتهم مِن السلاح، ووعدهم ومَنّاهم.
وأحضروا الحسين فلامَه عَلَى خِلافه، وقال: ألم أقدّم أباك عَلَى الناس، وأُشرّف أقداركم؟ قَالَ: بلى. قَالَ: فما الَّذِي استحققتُ بِهِ منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب النّاس عَلَى قتالي؟ قَالَ: الثّقة بعفو أمير المؤمنين وحُسْن الظّنّ بصفحه، قَالَ: فإنّي قد فعلت ذَلِكَ، وولَّيْتُك الطلب بثأر أبيك، ثمّ خلع عَلَيْهِ، وأمرَه بالمسير إلى حُلوان، فخرج.
فلمّا خفَّ النّاس قطع الجسر، وهرب في نفر مِن حَشَمه ومواليه، فنادى الأمين في الناس فركبوا فأدركوه، فلما بُصر بالخَّيل نزل فصلّي ركعتين ثمّ تهيأ، فلقيهم وحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم، ثم عثر به فرسه فسقط وابتدره الناس فقتلوه، وذلك عَلَى فرسخ مِن بغداد للنصف من رجب، وأتوا برأسه.
وقيل: إن الأمين لما عفا عَنْهُ استوزره، ودفع إِلَيْهِ خاتمه، وصبيحة قتله جدّد الْجُنْد البيعة للأمين. وليلة قتله هرب الفضل بْن الربيع. -[1043]-
ولما سار طاهر إلى الأهواز بلغه أنّ محمد بْن يزيد بْن حاتم المهلَّبيّ عامل الأمين عليها قد توجه في جمع عظيم يريد النزول بجنديسابور، وهو ما بين حَدّ الأهواز والجبل، ليحمي الأهواز، فدعا طاهر عدّة أمراء مِن جُنْده بأن يكمّشوا السير.
ثمّ سارت عساكره حتى أشرفوا عَلَى عسكر مُكْرَم، وبه محمد بْن يزيد، فرجع فدخل الأهواز، ثمّ عبّى أصحابه عَلَى بابها والتقوا، وطال الحرب بينهم، ثمّ نزل محمد بْن يزيد هُوَ وغلمانه عن خيلهم وعرقبوها، وقاتل حتى قتل، طعنه رجل برمح، فذكر بعضهم مصرعَه ورثاه، فقال:
مِن ذاق طعم الرقاد من فرح ... فإنني قد أَضَرَّ بي سَهَري
وليّ فتى الرُّشْد فافتقدتُ بِهِ ... قلبي وسمعي وغرَّني بصْريّ
كَانَ غِياثًا لدى الْمُحُولِ فقد ... ولّي غمامُ الرّبيع والمطرِ
وأقام طاهر بالأهواز، وولّي عمّاله عَلَى اليَمامة والبحرين، ثمّ أخذ عَلَى طريق البَرّ متوجهًا إلى واسط، وبها يومئذٍ السّنْدي بْن يحيى الحرسي، وجعلت المسالح كلّما قُرب طاهر من واحدة هرب مِن يحفظها، فجمع السّنْديّ والهيثم بْن شُعبة أصحابهما، وهَمّا بالقتال، ثمّ هربا عَنْ واسط، فدخلها طاهر، ووجّه إلى الكوفة أحمد بْن المهلّب القائد، وعليها يومئذٍ العبّاس بْن موسى الهادي، فبلغه الخبر، فخلع الأمين، وكتب بالطّاعة إلى طاهر، ونزلت خيله واسط ثمّ فم النيل، وكتب عاملُ البصرة منصور بْن المهدي إلى طاهر بالطّاعة، ثمّ نزل طاهر جرجرايا وخندق عَلَيْهِ، وكتب بالطّاعة أمير الموصل المطّلب بْن عَبْد الله بْن مالك للمأمون، كلّ ذَلِكَ في رجب.
ولمّا كتب هَؤلاءِ إلى طاهر بالطّاعة، أقرّهم عَلَى أعمالهم، واستعمل عَلَى مكّة والمدينة دَاوُد بْن عيسى بْن موسى الهاشميّ، وعلي اليمن يزيد بْن جرير القسْريّ.
ثمّ غلب طاهر عَلَى المدائن، ثمّ صار منها إلى نهر صَرْصَرٍ، فعقد عَلَيْهِ جسرًا، فوجّه الأمين محمد بْن سليمان القائد، ومحمد بْن حمّاد البربريّ ليُبيّتا -[1044]- يَزَكَ طاهر، فكانت بينهم وقعة شديدة، فانهزم محمد القائد.
ووجّه الأمين عَلَى الكوفة الفضل بْن موسى بْن عيسى الهاشميّ، وولاه عليها، فالتقاه محمد بن العلاء بعض قواد طاهر فاقتتلوا وانهزم أصحاب الفضل وهمّ في أقفيتهم قتلا وأسرًا، فأسروا إسماعيل بن محمد القرشي، وجمهور البخاري.
وبقي أمرُ الأمين كلّ يوم في إدبار، والناس معذورون في خلْعه، لكونه نكث وخلع أخويه المأمون والمؤتمن، وأقام بَدَلَهما ابنه طفلا رضيعًا، مَعَ ما هُوَ فيه مِن الانهماك على اللعب والجهل.
وأما داود بْن عيسى الهاشميّ فإنه كَانَ عَلَى الحرمين، فأسرع في خلع الأمين تدينا، وبايعه للمأمون وجوهُ أهل الحرمين، فاستخلف عليهما ولده سليمان، وسار في وجوه مِن أقاربه يريد المأمون بمَرْو، فلمّا قدِم عَلَيْهِ تيمّن المأمون ببركة مكّة والمدينة، إذ كانوا أوّل مِن بايعه بعد خُراسان.
ووصل داود بخمسمائة ألف درهم، ثمّ رجع مسرعًا ليقيم موسم الحجّ، ومعه ابن أخيه الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فمرّا بالعراق عَلَى طاهر، فبالغ في إكرامهما، ووجه معهما زيد بْن جرير بْن يَزِيدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقِسْرِيَّ، وقد عقد لَهُ طاهر على ولاية اليمن، وأقام الموسم العبّاس بْن موسى المذكور، وأحسن زيد السيرة باليمن.
وفي شَعْبان عقد الأمين لعليّ بْن محمد بْن عيسى بْن نَهِيك الإمرة عَلَى نحو أربعمائة قائد، وأمره بالمسير إلى هرثمة، فساروا فالتقوا بجلولاء في رمضان، فهزمهم هَرْثَمَة، وأسر أمير الجيش عليّ بْن محمد، وبعث بِهِ إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان.
وأقام طاهر بنهر صَرْصَرٍ، فكان لا يأتيه جيش مِن جهة الأمين إلا هزمه، وأخذ الأمين يدسّ الجواسيس إلى قوّاد طاهر يعدهم ويمنّيهم، فشغبوا عَلَى طاهر، واستأمَن خلقٌ إلى الأمين فأسنى عطاياهم، ثمّ كرّوا إلى صَرْصَرٍ لحرب طاهر. فالتقوا، ودام القتال، ثمّ انهزم جيش بغداد، وانتهَب أصحاب طاهر أثقالهم وأموالهم، فبلغ الأمينَ الخبرُ، فأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات، وجمَع أهل الأرباض، واعترض الناس عَلَى عينه، فكان لا يرى أحدًا، -[1045]- وسيمًا حسن الرّواء إلا خلع عَلَيْهِ وأمّره، وغلّف لحيته بالغالية، فسُمّوا قوّاد الغالية، وأعطى كل واحد خمسمائة درهم وقارورة غالية.
ثمّ كاتب طاهرُ قوّادَ الأمين فاستمالهم، فشغبوا عَلَى الأمين، وذلك لستّ خلون مِن ذي الحجّة، فشاور قوّاده، فقيل لَهُ: تدارك أمرهم، فبذل فيهم العطاء فأسرف، ونزل معسكرًا بالبستان، ففتح أهل السجونِ السجونَ وخرجوا، ووثب على العامّة الشُّطَّار، وساءت حال الناس، وعظم الشر.
-سنة سبع وتسعين
تُوُفّي فيها: أحمد بْن بشير أبو بَكْر الكوفيّ، بقيّة بْن الوليد أبو يُحْمد الكلاعيّ، إبراهيم بْن عُيَيْنة أخو سُفْيان، بهز بْن أسد بصري ثقة، ربعيّ بْن عُلَيّة أبو الحَسَن أخو إسماعيل، الحَسَن بْن حبيب بْن نَدْبه بصْريّ، زيد بْن أَبِي الزرقاء المَوْصِليّ، سلامة بْن رَوْح الأيليّ عَنْ عُقيل، شُعَيْب بن حرب المدائني الزاهد، عبد الله بن وهب أبو محمد بمصر، عبد العزيز بن عمران الزُّهْرِيّ الْمَدَنِيّ، الفضل بْن عَنْبَسَةَ الواسطيّ ثقة، القاسم بْن يحيى بْن عطاء بْن مقدم حدّث فيها، محمد بْن فُلَيْح بْن سليمان المدنيّ، هشام بْن يوسف الصّنْعانيّ الفقيه، ورش المقرئ واسمه عثمان بْن سَعِيد، وكيع بْن الجراح الرؤاسي الإمام، أبو سَعِيد مولى بني هاشم هُوَ عَبْد الرَّحْمَن.
وفيها لحِق القاسم الملقّب بالمؤتمن - وهو أخو الأمين - ومنصور بْن المهديّ بالمأمون.
وفيها نزل زهير بن المسيب الضبي بكلواذا، ونصب المجانيق، واحتفر الخندق، وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الْجُنْد بحرب طاهر، فيرمي بالمجانيق والعرّادات مِن أقبل وأدبر، ويعشّر أموال التجار، وجعل يؤذي المسلمين، فأتوا طاهرًا يشكون منه، وبلغ ذَلِكَ هَرْثَمَة بْن أَعْيَن، فأمدّه بالجنود.
ثمّ نزل هرثمة نهر تير وبنى عَلَيْهِ حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق، وأنزل -[1046]- عُبَيْد الله بْن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر بن الحسين البستان الذي بباب الأنبار، فضاق الأمين ذَرْعًا، وتفرّق ما كَانَ في يده مِن الأموال العظيمة، فأمر ببيع ما في الخزائن مِن الأمتعة، وضربَ آنية الذهب والفضّة دنانير ودراهم لينفقها، ثمّ أمر برمي الحربيّة بالنَّفط والمجانيق، وهلك جماعة، وكثُر الخراب والهدْم حتّى دُرست محاسن بغداد، وعُمِلت فيها المراثي.
ولم يزل طاهر مُصابرًا للأمين وجنده، حتَّى مل أهل بَغْدَاد قتاله، فاستأمن إلى طاهر الموكلون للأمين بقصر صالح، وسلّموا إِلَيْهِ القصر بجميع ما فيه في جُمَادَى الآخرة في منتصفه، ثمّ استأمن إلى طاهر صاحب شُرَطة الأمين محمد بْن عيسى، فضعُف ركن الأمين واستسلم. وقُتِل داخل قصر صالح: أبو العبّاس يوسف بْن يعقوب الباذغيسي، وجماعة من القوّاد، وقُتِل خلْق من أصحاب طاهر، ثمّ لحِق بطاهر عَبْد الله بْن حُمَيْد الطّائيّ، وإخوته، وابن الحَسَن بْن قَحْطَبة، ويحيى بْن عليّ بْن ماهان، ومحمد بْن أَبِي العبّاس الطّائيّ، وكاتَبهُ قوم في السّرّ مِن العباسيّين.
ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد عَلَى اللّهو والشرب، ووكّل الأمر إلى محمد بْن عيسى بْن نَهيك وإلى الهِرْش، فأقبل أصحاب الهِرْش يؤذون الرعيّة وينهبونهم، فلجأ خلق ونزحوا إلى طاهر، فرأوا مِن أصحابه الأمن والخير، وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال، وطال الأمر.
ولبعضهم:
بكيتُ دمًا عَلَى بغداد لمّا ... فقدت غضارة العيش الأنيقِ
أصابتها مِن الحسّاد عينٌ ... فأفْنَتْ أهلَها بالمنجنيق
وهي طويلة.
وبقي يقاتل عَنِ الأمين غوغاء بغداد والعيّارون والحرافشة، فأنكوا في أصحاب طاهر، وكانوا يقاتلون بلا سلاح، فقال بعض الشعراء:
خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزارِ
مَعْشَرًا في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأُسود الضَّواري
وعليهمْ مَغٍافرُ الْخُوصِ تجزيـ ... ـهم عَنِ البِيض والتَّراسُ الْبَوَارِي
لَيْسَ يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... ـطال عاذوا مِن القَنا بالفرارِ -[1047]-
واحد منهم يشد على ألـ ... ـفين عُرْيَانُ ما لَهُ مِن إزارِ
كم شريفٍ قد أخملِتْهُ وكم قد ... رفعتْ مِن مُقامرٍ عيّارِ
وقال آخر في غوغاء البغاددة:
إذا حضروا قَالُوا بما يعرفونه ... وإن لم يروا شيئًا قبيحًا تخّرصوا
ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدةٍ ... إذا ما رَأَى العريان يومًا يُبَصْبِصُ
ثمّ كانت بينهم وقعة درب الحجارة، وكانت لأصحاب محمد الأمين عَلَى أصحاب طاهر، فقُتل فيها خلْق كثير.
ثمّ كانت وقعة باب الشّماسيّة، وأُسِر فيها هَرْثَمَة، وانتصر فيها أصحاب محمد، وَأُسَرَ هَرْثَمَة رجلٌ مِن العُراة، ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هَرْثَمَة عَلَى الرجل فقطع يده، وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبرهُ أهلَ عسكره فتقوضّ بما فيه، وهرب أهله نحو حُلوان، وكان عَلَى العُراة حاتم بْن الصّقْر.
ثمّ نَجَدَ هَرْثَمَة وأصحابَه طاهرُ بنُ الحسين وأصحابُه، وقتلوا مِن العُراة خلائق، فأيقن محمد بالهلاك، وهرب مِن عنده عَبْد الله بْن خازم بْن خُزَيمة إلى المدائن في السُّفن بعياله.
وقيل في قتل العُراة:
كم قتيلٍ قد رأينا
ما سألناه لأيش ... دارعا تلقاه عريا
ن بجهل وبطيش ... حبشيا يقتل النا
س عَلَى قطعة خَيْش ... مُرتدٍ بالشمس راضٍ
بالمُنَى من كل عيش ... يحمل الحملة لا يقـ
ـتل إلا رأس جيش ... احذر الرمية يا طا
هر من كف الحبيشي
ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرًا هكذا، فلا قّوة إلا بالله.
وفيها قوي السّفيانيُّ بالشام، واستولى عَلَى سائرها باليَمانية، وهربت القيسيّة مِن الغوطة، ثمّ إنّه توثّب عَلَيْهِ مسلمة بْن يعقوب الأموي المروانيّ، وقبض عَلَيْهِ في أثناء السَّنَةِ وقيده، واستبدّ بالأمر وبايع لنفسه، فلم يبلع رِيقَه حتى حاصره ابن بَيْهَس بدمشق أيامًا، ثمّ نصب عَلَى السور السلالم، كما يأتي.
-سنة ثمان وتسعين
تُوُفّي فيها: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، أيّوب بْن تميم التّميميّ المقرئ بدمشق، سُفْيان بْن عُيَيْنَة أبو محمد الهلالّي، صَفْوان بْن عيسى الزُّهْرِيّ - والأصحّ بعد ذَلِكَ -، عَبْد الرَّحْمَن بْن مهديّ أبو سَعِيد، عُمَر بْن حفص العبديّ - في قَوْل -، عَمْرو بْن الهيثم أبو قطن بصْريّ ثِقة، عَنْبَسة بْن خَالِد الأَيْليّ، مالك بْن سُعير بْن الخمس الكوفيّ، محمد بْن شعيب بْن شابور - في قَوْل -، محمد بْن معن الغِفَاريّ المدنيّ تقريبًا، مسكين بن بكير الحراني الحذاد، محمد بْن هارون الأمين الخليفة قُتِل، معن بْن عيسى القزاز المدنيّ، يحيى بْن سَعِيد القطّان، يحيى بْن عبّاد الضُّبَعيّ البصْريّ ببغداد.
وفيها الحصار - كما هُوَ - عَلَى بغداد، ففارق محمدًا خُزَيْمَة بْن خازم مِن كبار قوّاده، وقفز إلى طاهر بْن الحسين هُوَ ومحمد بْن عليّ بْن عيسى بْن ماهان، فوثبا عَلَى جسر دِجلة في ثامن المحرَّم فقطعاه، وركّزا أعلامهما، وخلعا الأمين، ودعيا للمأمون، فأصبح طاهر بْن الحسين، وألحّ في القتال عَلَى أصحاب محمد الأمين، وقاتل بنفسه، فانهزم أصحاب محمد، ودخل طاهر قسْرًا بالسيف، ونادي مناديه: مِن لَزِم بيته فهو آمن، ثمّ أحاط بمدينة المنصور، وبقصر زُبيدة، وقصر الخُلْد، فثبت عَلَى قتال طاهر حاتم بْن الصَّقْر والهِرْش والأفارقة، فنصب المجانيق خَلَف السّور وعلى القصرين ورماهم. فخرج محمد بأمّه وأهله مِن القصر إلى مدينة المنصور، وتفرّق عامة جُنْده وغلمانه، وقلّ عليهم القُوت والماء، وفنيت خزائنه عَلَى كثْرتها.
وذُكِر عَنْ محمد بْن راشد: أخبرني إبراهيم بْن المهديّ أنّه كَانَ مَعَ محمد بمدينة المنصور في قصر باب الذهب، فخرج لَيْلَةً مِن القصر مِن الضَّيق والضَّنك، فصار إلى قصر القرار فطلبني، فأتيتُ، فقال: ما ترى طِيبَ هذه الليلة، وحُسن القمر، وضوءه في الماء، فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك، فدعا برطلٍ من نبيذ فشربه، ثم سقيت مثله، فابتدأت أُغنّيه مِن غير أن يسألني، لِعِلمي بسوء خُلُقهِ، فغنّيت، فقال: ما تَقُولُ فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحْوَجني إلى ذَلِكَ، فدعا بجاريةٍ اسمها ضَعْف، فتطيّرت مِن اسمها. ثمّ غَنَّتْ بشِعر النّابغة الْجَعْديّ: -[1049]-
كُلَيْبٌ لَعَمْري كَانَ أكثَرَ ناصرًا ... وأيْسَرَ ذَنبًا منك ضرج بالدم
فتطير بذلك، وقال: غنّي غيرَ هذا، فغنَّت:
أبكَى فِراقُهُمُ عينيِ فأرّقها ... إنّ التفرُّقَ للأحباب بَكّاءُ
ما زال يعدو عليهم رَيْبُ دهرهُم ... حتى تفانَوْا وريْبُ الدَّهْر عَدَّاءُ
فاليوم أبكيهمُ جَهْدي وأندُبهم ... حتى أؤوب وما في مُقلتي ماءُ
فقال لها: لعنكِ الله، أما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننتُ أنّك تحبّ هذا! ثمّ غنّت:
أما وَرَبّ السُّكُون والحَرَكِ ... إنّ المنايا كثيرةُ الشَّركِ
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجومُ السماء في الفلكِ
إلا لنقل السلطان عَنْ ملْكٍ ... قد زال سلطانه إلى مَلَكِ
وَمُلْكُ ذيِ العرش دائمٌ أبدًا ... لَيْسَ بفانٍ ولا بمشتَركِ
فقال لها: قومي لعنك الله. فقامت فتعست في قدح بِلَّور - لَهُ قيمة - فكسرته، فقال: ويحْك يا إبراهيم، أما ترى، والله ما أظنّ أمري إلا وقد قرُب. فقلت: بل يُطيل الله عُمرك، ويُعز مُلكَك، فسمعتُ صوتًا مِن دجلة: " قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ". فوثب محمد مغتمّا، ورجع إلى موضعه بالمدينة، فقتل بعد لَيْلَةٍ أو ليلتين.
وحكى المسعودي في " المروج "، قَالَ: ذكر إبراهيم بْن المهديّ قَالَ: استأذنتُ عَلَى الأمين في شدّة الحصار، فإذا هُوَ قد قطع دِجلة بالشِباك، وكان في القصرِ برْكة عظيمة، يدخُل مِن دجلة إليها الماءُ في شُبّاك حديد، فسلّمتُ وهو مقيم عَلَى الماء والخَدَم قد انتشروا في تفتيش الماء، وهو كالوَالِه، فقال: لا تؤذيني يا عمّ، فإنّ مقْرطتي قد ذهبت مِن البركة إلى دجلة، والمقرطة سمكة كانت قد صيدت لَهُ، وهي صغيرة، فقرطها بحلقتي ذَهَب، فيها جوهرتان، وقيل ياقوتتان، فخرجت وأنا آيس مِن فلاحه.
وكان محمد - فيما نقل المسعوديُّ - في نهاية الشدّة والبطْش والحُسْن، -[1050]- إلا أنّه كَانَ مَهينًا، عاجز الرأي، ضعيف التدبير.
وحُكى أنّه اصطبح يومًا فأتي بسبْعٍ هائلٍ عَلَى جمل في قفص، فوُضع بباب القصر، فقال: افتحوه وخّلوه، فقيل: يا أمير المؤمنين، إنّه سبعٌ هائل أسود كالثور، كثير الشّعْر، قَالَ: خلّوا عَنْهُ، ففعلوا، فخرج فزأر وضرب بذَنَبه الأرضَ، فتهارب الناس، وأغلقت الأبواب، وبقي الأمين وحده غير مكترِث، فأتاه الأسد وقصَده ورفع يده، فجذبه الأمين وقبض عَلَى ذنبه، وغمزه وهزّه ورماه إلى خلف، فوقع السبع على عجزه فخر ميتًا، وجلس الأمين كأنّه لم يعمل شيئًا، وإذا أصابعه قد تخلّعت، فشقّوا بطن الأسد فإذا مرارته قد انشقّت عَلَى كبده.
وعن محمد بْن عيسى الْجُلُودي قَالَ: دخل على محمد بن زبيدة: حاتم بن الصقر، ومحمد بْن الأغلب الإفريقيّ وقوّاده، فقالوا: قد آلت حالُنا إلى ما ترى، وقد رأينا أن تختار سبعة آلافِ رجلٍ مِن الْجُنْد فتحملهم عَلَى هذه السبعة آلاف فَرَس التي عندك، وتخرج ليلا، فإنّ الّليل لأهله، فتلحق بالجزيرة والشام، وتصير في مملكةٍ واسعة يتسارع إليك الناس، فعزم عَلَى ذَلِكَ، فبلغ الخبر إلى طاهر، فكتب إلى سليمان بْن المنصور، والى محمد بْن عيسى بْن نَهِيك والسّنْديّ بْن شاهك: لئن لم تَرُدُّوه عَنْ هذا الرأي لا تركتُ لكم ضيعة، فدخلوا عَلَى محمد، وخوّفوه مِن الذين أشاروا عَلَيْهِ أنّهم يأخذونه أسيرًا، ويتقرّبون بِهِ إلى المأمون، وضربوا لَهُ الأمثال، فخاف ورجع إلى قبول ما يبذلون لَهُ مِن الأَيْمان، ويخرج إلى هَرْثَمَة.
وعن عليّ بْن يزيد قَالَ: وفارق محمدًا سليمان بن المنصور، وإبراهيم بن المهدي ولحقا بعسكر المهديّ، وقوي الحصار عَلَى محمد يوم الخميس والجمعة والسبت، وأشار عَلَيْهِ السّنْديّ بأنّه ليس لهم فرج إلا عند هَرْثَمَة، فقال: وكيف لي بهَرْثَمَة، وقد أحاط الموتُ بي مِن كلّ جانب؟ فلمّا همّ بالخروج إِلَيْهِ مِن دون طاهر، اشتدّ ذَلِكَ عَلَى طاهر، وقال: هُوَ في حيزي، وأنا أحرجته بالحرب، ولا أرضي أن يخرج إلى هَرْثَمَة دوني، فقالوا لَهُ: هُوَ خائف منك، ولكن يدفع إليك الخاتم والقضيب والبرد، فلا تفسد هذا الأمر فرضي بذلك.
ثمّ إنّ الهِرْش لمّا علم بذلك أراد التقرُّب إلى قلب طاهر، فقال في كتاب -[1051]- إِلَيْهِ: الَّذِي قالوه لك مَكْرٌ، ولا يدفعون إليك شيئًا، فاغتاظ، وكَمَن حول قصر أمّ جعفر في السلاح والرجال، وذلك لخمسٍ بقين مِن المحرّم، فلمّا خرج محمد وصار في الحرّاقة رموه بالنّشّاب والحجارة، فانكفأت الحرّاقة، وغرِق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى صار إلى بستان موسى، فعرفه محمد بْن حُمَيْد الطّاهريّ، فصاح بأصحابه، فنزلوا ليأخذوه، فبادر محمد الماء، فأُخذ برجْله وَحُمِلَ عَلَى برْذَوْن، وخلْفه مِن يُمسكه كالأسير.
وعن خطّاب بْن زياد أنّ محمدًا وهَرْثَمَة لما غِرقا أتانا محمد بْن حُمَيْد، فأسَرَّ إلى طاهر أنّه أسَرَ محمدًا، فدعا طاهر بمولاه قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد.
وأمّا المدائنيّ فروى عَنْ محمد بْن عيسى الْجُلُوديّ: أنّ محمدًا دعا بعد العِشاء بفَرَس أدهم كَانَ يسمّيه الزُّهَيريّ، وقبّل وَلَدَيْه ودمعت عيناه، ثمّ ركب، وخرجنا بين يديه، فرِكْبنا دوابَّنا، وبين يديه شمعة، وأنا أقِيه بيدي خوفًا مِن أن تَجيئه ضربةُ سيف بغَتةً، ففُتح لنا باب خُراسان، وخرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة فنزلها فرجعنا بالفَرَس، وغلّقنا باب المدينة، ثمّ سمعنا الضّجّة، فصعدنا إلى أعلى الباب، فذكر عَنْ أحمد بْن سلام صاحب المظالم قَالَ: كنت فيمن كان مع هرثمة من القُوّاد في الحرّاقة، فلمّا دخل محمد الحرّاقة قمنا لَهُ، وجثا هَرْثَمَة عَلَى رُكبتيه فقال: يا سيّدي، لم أقدر عَلَى القيام لمكان النَّقْرس، ثمّ قّبل يديه ورِجْلَيه، وجعل يَقُولُ: يا سيّدي ومولاي وابن مولاي، وجعل يتصفَّح وجوهنا، ونظر إلى عُبَيْد الله بْن الوضّاح، فقال: أيُّهم أنت؟ قَالَ: عُبَيْد الله. قَالَ: جزاك الله خيرًا، فما أشكرني لِمَا كَانَ منك في أمر الثلج، فشدّ علينا أصحاب طاهر في الزواريق والحراقات، وصيحوا، وتعلق بعضهم بالحراقة، وبعضهم يسوقها، وبعض يرمي بالآجر والنشاب، فنقبت الحراقة، فدخلها الماء، وغرِقت، فعلِق الملاح بشعر هَرْثَمَة فأخرجه وخرجنا، وشقّ محمد عَنْهُ ثيابه، ورمى بنفسه، فطلعتُ فعلِق بي رجلٌ مِن أصحاب طاهر، وذهب بي إليه، فقال: ما فعل محمد؟ قلت: قد رَأَيْته حين شقّ ثيابَه، وقذف بنفسه، فركِب، وأُخذتُ معهم وفي عنقي حبل، وأنا أعدو فتعبتُ، فقال الَّذِي يجنُبني: هذا ليس يعدو: انزل فجُزَّ رأسه، فقلت: جُعلتُ فِداك، وَلِمَ؟ وأنا رجلٌ مِن الله في نعمة، ولم أقدر عَلَى الْعَدْوِ، وأنا أفدي نفسي بعشرة -[1052]- آلاف درهم، فقال: وأين هِيَ؟ فقلت: حتى نُصبح أَنَا أرسلُ مِن ترى أنتَ إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهديّ، فإنْ لم يأتِكَ بالعشرة آلاف فاقتلني، فأمر بحملي فحُملت رِدفًا، وردّوني إلى منزلتهم، وبعد هُويّ مِن اللَّيْلِ إذا نَحْنُ بحركة الْخَيْلِ، ثمّ دخلوا وهم يقولون: بسر زُبيدة، فأُدخِل عليّ رجلٌ عُريان عَليْهِ سراويل وعمامة ملثَّم بها، وعلى كِتَفْيه خرقة خَلقة، فصيروه معي، ووكّلوا بنا، فلمّا حسَر العمامة عَنْ وجهة إذا هُوَ محمد، فاستعبرتُ، واسترجعت في نفسي، ثمّ قَالَ: مِن أنت؟ قلت: أَنَا مولاك أحمد بْن سلام، فقال: أعرفكَ كنتَ تأتيني بالرَّقَّة، قلت: نعم، قَالَ: كنت تأتيني وتُلْطفني كثيرًا، لستَ مولاي بل أنتَ أخي ومنّي. أُدْنُ مِنّي، فإنّي أجدُ وحشةً شديدة، فضممته إليّ، ثمّ قَالَ: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قلت: هُوَ حيّ، قَالَ: قبّح الله صاحب البريد ما أكذبه، كَانَ يَقُولُ لي قد مات، قلت: بل قبّح الله وزراءك، قَالَ: لا تقُل، فما لَهُم ذنب، ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه، قَالَ: ما تراهم يصنعون بي؟ يقتلوني أو يَفُون لي بأمانهم؟ قلت: بل يَفُون لك يا سيّدي، وجعل يمسك الخِرْقة بعضُدَيْه، فنزعتُ مبطَّنةً عليّ، وقلت: أَلْقِها، فقال: ويْحك! دعني، فهذا مِن الله لي في هذا الموضع خير كثير. ثمّ قمت أوتِر، فلمّا انتصف اللَّيْلُ دخل الدار قوم مِن العجم بالسيوف، فقام، وقال: إنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون، ذَهَبَتْ - والله - نفسي في سبيل الله، أما مِن حيلةٍ، أما مِن مُغيث؟ فأحجموا عَنِ التقدُّم، وجعل بعضهم يَقُولُ لبعض: تقدَّم، ويدفع بعضُهم بعضًا، فقمت وصرتُ وراء الحُصُر المُلَفَّفة، وأخذ محمدٌ بيده وسادة، وقال: ويْحكم إنّي ابن عمّ رسول الله، أَنَا ابن هارون، أَنَا أخو المأمون، الله الله في دَمي، فوثب عَلَيْهِ خمارويه - غلام لقريش الدنْدانيّ - فضربه بالسيف عَلَى مقدَّم رأسه، فضربه محمد بالوسادة، واتّكى عَلَيْهِ ليأخذ السيف مِن يده، فصاح خمارويه: قتلني قتلني، فتكاثروا عَلَيْهِ فذبحوه مِن قفاه، وذهبوا برأسه إلى طاهر.
وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام في هذه القصّة، قَالَ: فلقَّنْته لما حدَّثته ذِكَر الله والاستغفارَ، فجعل يستغفر. -[1053]-
قَالَ: ونُصِب رأسه عَلَى حائط بستان، وأقبل طاهر يَقُولُ: هذا رأس المخلوع محمد، ثمّ بعث بِهِ مَعَ البُرْد، والقضيب، والمصلّي، وهو مِن سَعَفٍ مُبطّن، مَعَ ابن عمّه محمد بن مصعب، فأمر له بألف ألف درهم، ولما رَأَى المأمون الرأس سَجد.
ولما بلغ إبراهيم بْن المهديّ قتْلُ محمد، وأنّ جثته جُرَّت بحبلٍ بكى طويلا، ثمّ قَالَ:
عُوجا بمغْنَى طلل داثرٍ ... بالخُلْد ذات الصخر والأجُرِ
والمَرْمَر المسنونِ يُطلَى بِهِ ... والبابِ باب الذَّهَب الناضرِ
وأبلِغا عنِّي مقالا إلى الـ
ـمولى عَنِ المأمور وَالآمِرِ ... قولا لَهُ: يا ابنَ وليّ الهُدى
طهّر بلاد الله مِن طاهرِ ... لم يكفه أن جَزَّ أوداجَه
ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازرِ ... حتى أتى تُسحبُ أوصاله
في شطن يفني به الشابر ... قد برد الموتُ عَلَى جفنه
فطرفُه منكسِرُ الناظرِ
وبلغ ذَلِكَ المأمونَ فاشتدّ عَلَيْهِ.
ثمّ إنّ طاهرًا صلّي بالناس يوم الجمعة، وخطبهم خطبةً بليغة، ثمّ إنّ الْجُنْد وثبوا بِهِ للأرزاق، ولم يكن في يديه مال، فضاق بِهِ أمره، فخشي وهرب مِن البُستان، وانتهبوا بعض متاعه، وأحرق الْجُنْد باب الأنبار، وحملوا السلاح يومهم، ومن الغد نادوا: " موسى يا منصور "، ثمّ تعبّى طاهر ومَن معه لقتالهم، فأتاه الوجوه، واعتذروا بأنّ ما جرى مِن فعل السفهاء والأحداث، فأمر لهم برزق أربعة أشهر، ووصل البريد إلى المأمون في ستّة عشر يومًا، وهو بمَرْو.
وممّا قِيلَ في الأمين:
لِمَ نُبَكّيك لماذا لِلطَّربْ ... يا أبا موسى وترْويج اللُّعَبْ
ولِتَرْك الخَمْس في أوقاتها ... حرصًا مِنك عَلَى ماء الْعِنَبْ
وشنَيفٍ أَنَا لا أبكى لَهُ ... وعلى كوثَر لا أخشى الْعَطَبْ
لم تكن تصلُح للملك ولا ... تُعْطكَ الطّاعة بالمُلك الْعَرَبْ
لِمَ نُبَكّيك لما عرَّضْتَنا ... للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ -[1054]-
وساق ابن جرير عدّة قصائد في مراثيه.
ولخُزَيْمَة بْن الحَسَن عَلَى لسان أمّ جعفر قصيدة يَقُولُ فيها:
أتى طاهرٌ لا طهّر الله طاهرًا ... فما طاهرٌ فيما أتى بمُطهَّرِ
قد أخرجني مَكشوفَةَ الوجه حاسرًا ... وأَنْهَبَ أموالي وأحرق آدُري
يَعُزُّ عَلَى هارون ما قد لِقيتُهُ ... وما مرّ بي مِن ناقص الخلق أعور
تَذَكَّرْ أميرَ المؤمنينَ قَرابتي ... فَدَيْتُكَ مِن ذي حُرمةٍ متذكر
قال ابن جرير: ذكر عن محمد بْن سَعِيد بْن بحر قَالَ: لما ملك محمد، ابتاع الخِصْيان، وغالى بهم، وصيّرهم لخلْوته، ورفض النّساء، والجواري.
وقال حُمَيْد: لما ملك وجَّه إلى البُلدان في طلب المُلهين، وأجرى لهم الأرزاق، واقتني الوحوش والسباع والطيور، واحتجب عَنْ أهل بيته وأمرائه واستخفّ بهم، ومَحَقَ ما في بيوت الأموال، وضيّع الجواهر والنفائس، وبنى عدّة قصور لِلَّهْوِ في أماكن، وعمل خمس حرّاقات عَلَى خِلْقة الأسد والفيل والعُقاب والحيّة والفَرَس، وأنفق في عملها أموالا، فقال أبو نُواس:
سَخَّر الله للأمين مطايا ... لم تُسخَّر لصاحب المحرابِ
فإذا ما رِكابُه سِرْنَ برًّا ... سار في الماء راكبًا ليث غابِ
أسدًا باسِطًا ذراعيه يهوي ... أهْرَتَ الشَّدْق كالحَ الأنيابِ
وعن الحسين بْن الضّحّاك قَالَ: ابتنى الأمين سقيفةً عظيمة، أنفق في عملها نحو ثلاثة آلاف ألف درهم.
وعن أحمد بْن محمد البرمكيّ، أنّ إبراهيم بْن المهديّ غنّي محمد بْن زُبيدة:
هجرتُكِ حتى قلتِ: لا يعرف القلى ... وزُرْتك حتى قِيلَ: لَيْسَ لَهُ صبرُ
فطرِب محمد، وقال: أوقِروا لَهُ زَورقه ذَهَبًا. -[1055]-
وجاء عَنْهُ أخبار في مثل هذا، وكان كثير الأكل.
قَالَ أحْمَد بْن حنبل: إنّي لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره عَلَى إسماعيل بن عُلَيَّة، فإنّه أُدخل عَلَيْهِ فقال لَهُ: يا ابنَ الفاعلة، أنت الَّذِي تَقُولُ: كلام الله مخلوق؟!.
وفيها قوي محمد بْن صالح بْن بَيْهَس الكلابيّ، وظهر عَلَى السُّفيانيّ الَّذِي خرج بدمشق، وحاصرها ثمّ نصب عليها السلالم، وتسوّرها أصحابه، وكان قد تغلّب عَلَى دمشق مَسْلَمة بْن يعقوب الأُمويّ، فهربَ، وعمد إلى أَبِي العُمَيْطِر، وكان في حبْسه، ففكّ قيده، ثمّ خرجا بزي النساء في الأزر إلى المِزَّة، واستولى ابن بَيْهَس عَلَى البلد. ثمّ جرى بينه وبين أهل المِزّة ودَارَيّا حروب، وبقي حاكمًا عَلَى دمشق مدّة مِن جهة المأمون إلى سنة ثمانٍ ومائتين.
وفي ذي الحجة خرج الحسن الهرج في سِفْلة الناس، وخلْق مِن الأعراب يدعو إلى الرضا من آل محمد، فأتى النّيل، وجبى الخراج، وصادر التّجّار، ونهب القرى والمواشي.
وفيها استعمل المأمون الحَسَن بْن سهل أخا الفضل عَلَى جميع ما افتتحه طاهر بْن الحسين مِن كُوَر الجبال والعراق والحجاز واليمن، وكتب إلى طاهر أن يسير إلى الرَّقَّةِ لحرب نصر بْن شبث، وولاه الجزيرة والشام ومصر والمغرب، وأمر هَرْثَمَة أن يردّ إلى خُراسان.
وفي رمضان ثار أهل قُرْطُبَة بأميرهم الحَكَم بْن هشام الأمويّ، وحاربوه لجوره وفسْقه، وتُسمّى وقعة الربض، وهاج عَلَيْهِ أهل رَبَض البلد، وشهروا السلاح، وأحاطوا بالقصر، واشتدّ القتال، وعظُم الخطْب، واستظهروا عَلَى أهل القصر، فأمر الحَكَم أمراءه فحملوا عليهم، وأمر طائفةً فَنَقبوا السُّور، وخرج منه عسكر، فأتوا القوم مِن وراء ظهورهم، وقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، ونهبوا الدُّور، وأسَروا، وعملوا كلّ قبيح، ثم أمر الحكم فانتقى من الأسرى ثلاثمائة مِن وجوه البلد، فصُلبوا عَلَى النهر مُنَكَّسِين، وبقي النَّهْب والقَتْل، -[1056]- والحريق في أرباض قُرْطُبَة ثلاثة أيام ثمّ أمّنهم، فهجّ أهل قُرْطُبَة، وتفرّقوا أيادي سبأ ونهبوا في الطرق، ومضى منهم خلق إلى الإسكندرية فسكنها.
-سنة تسع وتسعين
تُوُفّي فيها: إِسْحَاق بْن سليمان الرّازيّ أبو يحيى، إبراهيم بْن عُيَيْنَة - في قَوْل - وقد مّر، حفص بْن عبد الرَّحْمَن قاضي نَيْسابور، الحَكَم بْن عَبْد الله أَبُو مطيع البلْخيّ، سليمان بْن المنصور أَبِي جعفر في صَفَر، سيّار بْن حاتم، شُعيب بْن اللَّيْثُ بْن سعْد في صَفَر، عَبْد الله بْن نُمَيْر الخارفي الكوفيّ، عُمَر بْن حفص العبْديّ بصْريّ، عَمْرو بْن محمد العنقزيّ الكوفي، محمد بْن شُعيب بْن شابور ببيروت، الهيثم بْن مروان العنْسيّ الدّمشقيّ، يونس بْن بُكَيْر الكوفيّ راوي " المغازي ".
وفيها قِدم الحَسَن بْن سهل مِن عند المأمون إلى بغداد، ففرّق عماله في البلاد، وجهّز أزهر بْن زهير بْن المسيّب إلى الهِرش في المحرَّم فقتل الهِرش.
وفي جُمَادَى الآخرة خرج بالكوفة محمد بْن إبراهيم بْن طباطبا، واسمه إسماعيل بْن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب يدعو إلى الرضا مِن آل محمد، والعمل بالكتاب والسُّنَّة، وكان القائم بأمره أبو السرايا سريّ بْن منصور الشَّيْبانيّ، فهاجت الفِتَن، وتسرّع الناس إلى ابن طباطبا، واستوسقت لَهُ الكوفة، وأتاه الأعراب وأهل النواحي، فجهّز الحَسَن بْن سهل لحربه زهير بْن المسيّب في عشرة آلاف، فالتقوا، فَهُزِم زُهير واستباحوا عسكره، وغنموا السلاح والخيل، وقووا، وذلك في سلخ جُمَادَى الآخرة.
فلمّا كَانَ مِن الغد أصبح محمد بْن إبراهيم بن طباطبا ميتا فجاءة، فقيل: أنّ أبا السرايا سمّه لكون ابن طباطبا أحرز الغنيمة، ولم يُحسن جائزة أَبِي السرايا، أو لغير ذَلِكَ، وأقام أبو السرايا في الحال مكانه شابا أمرد اسمه محمد بْن محمد بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، ثمّ جهّز الحَسَن بْن سهل جيشًا، عليهم عَبْدُوس بْن محمد المَرْوَرُوذيّ لحرب أَبِي السرايا فالتقوا في رجب، فقُتِل عَبْدُوس، وأُسِر عمّه هارون بْن أَبِي خَالِد، وقُتِل أكثر جيشه -[1057]- وأُسِروا، وقوي الطالبيّون، وضربَ أبو السرايا عَلَى الدراهم: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صفا ". الآية.
ثمّ سار أبو السرايا قُدُمًا حتى نزل بقصر ابن هُبَيرة، وجهّز جيوشًا إلى البصرة وإلى واسط فدخلوها، وواقعوا أمير واسط مِن جهة الحَسَن بْن سهل فهزموه وانحاز إلى بغداد، وعظُم ذَلِكَ عَلَى الحَسَن، فبعث يرد هَرْثَمَة بْن أَعْيَن مِن حلوان لحرب أَبِي السرايا، فامتنع، فأرسل إِلَيْهِ ثانيًا يلاطفه، فرجع هَرْثَمَة، وعقد لَهُ الحَسَن بْن سهل عَلَى حرب أَبِي السرايا، وجهّز معه منصور بْن المهديّ، فَعَسكر بنهر صَرْصَرٍ بإزاء أَبِي السرايا، والنهر بينهما، ثمّ تقهقر أبو السرايا فطلبه هَرْثَمَة، وقتل مِن تطرّف مِن جُنْده.
ثمّ كانت بينه وبينه وقعة عند قصر ابن هبيرة، قُتِل فيها خلْق مِن أصحاب أَبِي السرايا، فتحيّز إلى الكوفة، وعمد محمد بْن محمد والطالبيّون إلى دُور العباسيّين بالكوفة وضياعهم، فأحرقوا ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم مِن الكوفة.
ثمّ وجّه أبو السرايا عَلَى المدينة محمد بْن سليمان بْن داود بْن الحَسَن بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فدخلها ولم يقاتلْه أحد. ووجّه عَلَى مكّة والموسم حُسين بْن حسن الأفطس بْن عليّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب، فلمّا قرُب توقّف عَنْ مكّة هيبةً لمن فيها، وأميرها داود بْن عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ العبّاسيّ، فلمّا بلغ أميرها داود ذَلِكَ، جمع موالي بني العباس وعبيد حوائطهم.
وكان مسرور الخادم قد حجّ في تِلْكَ السُّنَّةِ في مائتي فارس، فقال لداود: أقِم لي شخصك أو شخص بعض ولدك، وأنا أكفيك قتالهم، فقال دَاوُد: لا أستحلٌ القتال في الحرم، ولئن دخلوا مِن هذا الفجّ لأخرجنّ مِن الفجّ الآخر، فقال: تُسلَّم مكّة وولايتك إلى عدوّك؟ فقال داود: أيّ حال لي؟ والله لقد -[1058]- أقمت معكم حتى شختُ، فما وُلِّيتُ ولايةً، حتى كبرتُ وفني عُمري، فولّوني مِن الحجاز ما فيه القوت، وإنّما هذا المُلْك لك ولأشباهك، فقاتلْ عَليْهِ أو دَعْ.
ثمّ انحاز داود إلى جهة المُشاش بأثقاله، فوجّه بها عَلَى درب العراق، وافتعل كتابًا مِن المأمون بتولية ابنه محمد بْن داود عَلَى صلاة الموسم، وقال لَهُ: أخرج فَصَلّ بالناس بمِنى الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء، وبتْ بمنى، وصلَّ الصبح، ثمّ اركب دوابّك فانزل طريق عَرَفَة، وخُذ عَلَى يسارك في شِعْب عَمْرو حتى تأخذ طريق المُشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر، ففعل ذَلِكَ، فخاف مسرور وخرج في أثر داود راجعا إلى العراق، وبقي الوفد بعَرَفَة، فلمّا زالت الشمس حضرت الصلاة، فتدافعها قوم مِن أهل مكّة، فقال أحمد بْن محمد بْن الوليد الأزرقيّ، وهو المؤذّن وقاصُّ الجماعة: إذا لم تحضر الوُلاة يا أهل مكّة، فليُصَلِ قاضي مكّة محمد بْن عَبْد الرَّحْمَن المخزومي، ولْيخُطبْ بهم، قَالَ: فلمن أدعو، وقد هرب هَؤلاءِ، وأطلّ هَؤلاءِ عَلَى الدخول؟ قَالَ: لا تَدْعُ لأحد، قال: بل تقدم أنت، فأبى الأزرقي، حتى قدموا رجلا فصلى الصلاتين بلا خطبة، ثمّ مضوا فوقفوا بعَرَفَة، ثمّ دفعوا بلا إمام، وحسين بْن حسن متوقّف بسَرف، فبلغه خُلُوّ مكّة وهروب داود، فدخلها قبل المغرب في نحو عشرة، فطافوا وَسَعَوْا ومضوا بعد المغرب فأتوا عَرَفَة ليلا، فوقفوا ساعة، وأتى مُزْدلفة فصلّي بالناس الفجر، ثمّ إنه أقام بمكة، وعسَف وظلم وصادر التجار، وكانت أعوانه تهجم بيوت التجار لأجل الودائع، فيتهمون البريء ويعذّبونه، وأخذ ما في خزائن الكعبة مِن مال.
وأما هَرْثَمَة فواقَع أبا السرايا ثانيًا فانكسر، ثمّ ثبت وانهزم أصحاب أَبِي السرايا، ثمّ أخذ هرثمة يكاتب رؤساء الكوفة.
وفيها وثب عليّ بْن محمد بْن جعفر الصّادق بالبصرة، واستولى عليها مِن غير حرب.
وظهر باليمن إبراهيم أخو عليّ بْن موسى الرضا، فنفى عاملها عَنْهَا، وسبي، وأخذ الأموال، وكان يقال لَهُ الجزّار لكثرة من قتل.
-سنة تسعين ومائتين
فيها تُوُفِّي: أَحْمَد بن عَليّ الأبار، وَالحَسَن بن سهل المجوز، وَالحُسَيْن بن إِسْحَاق التُّسْتَريّ، وعبد الله بن أَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَمحمد بن زكريا الغلابي الإخباري، وَمحمد بن العَبَّاس المُؤَدِّب، وَمحمد بن يَحْيَى بن المنذر القزاز، شيوخ الطبراني.
وفي أولها قصد يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه الرّقّةِ، في جمعٌ، فخرج إليه عسكرها فهزمهم وقتل منهم، فبعث طغج لحربه بشيرًا غلامه، فالتقوا، فقتل بشير، وانهزم جُنده. فندب المُكْتَفِي أبا الأغر في عشرة آلاف، وجهزه لحربهم. ثُمَّ سار القَرْمَطيّ فحاصر دمشق، وبها طُغْج بن جف، فضعف عن مقاومة القرامطة. -[666]-
وفيها خرج المُكْتَفِي من بغداد يريد سامراء ليسكن بها، فصرفه الوزير عن ذَلِكَ وَقَالَ: نحتاج إلى غرامات كثيرة. فعاد إلى بغداد.
وفيها قتل الكلبُ يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه على حصار دمشق فأقاموا مقامه أخاه الحسين.
وفيها عسكر المُكْتَفِي وسار إلى المَوْصِل في رمضان لحرب القرامطة، وتقدم أمامه إلى أرض حلب أبو الأغرّ، فنزل بوادي بُطْنان فكبسهم على غِرة صاحبُ الشامة القَرْمَطيّ، فقتل منهم خلقًا، وهرب أبو الأغرّ في ألف رجلٍ إلى حلب. وقُتل تسعة آلاف. وتبعهم صاحب الشامة، فحاربه أبو الأغر على باب حلب، ثُمَّ تحاجزوا؛ ووصل المُكْتَفِي إلى الرّقّة، وسرح الجيوش إلى القرمطي.
وفي رمضان وصل القَرْمَطيّ أَيْضًا إلى دمشق، فخرج لقتاله بدر الحمامي صاحب ابن طولون فهزم القَرْمَطيّ، ووضع في أصحابه السيف وهرب الباقون في البادية. وبعث المُكْتَفِي في أثر صاحب الشامة الحُسَيْن بن حَمْدَان والقوّاد.
وَقِيلَ: إنما كانت الوقعة بين بدر والقرمطي بأرض مصر، وأن القَرْمَطيّ انهزم إلى الشام في نفرٍ يسير. فسار على الرَّحْبة وهيت، فنهب وسبى، ومضى إلى الأهواز.
وفيها قُتل أبو الْقَاسِم يَحْيَى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه القَرْمَطيّ المعروف بالشيخ، وبالمُبَرْقَع. وكان يسمي نفسه كذِبًا وبُهْتانًا: عَليّ بن أَحْمَد بن محمد بن عبد الله الحسيني وكان من دعاة القرامطة.
قيل: إن بدرا الحمامي لقيه بحوران فِي هذه السنة، فاقتتلوا قتالاً عظيماً، فقتل، وقام أخوه موضعه. وكان سبب قتله أن بربريًا رماه بمِزْراقٍ، واتبعه نفّاط فأحرقه بالنار في وسط القتال، فنصب أصحابه أخاه الحُسَيْن بن زكرويه، ويسمى بصاحب الشامة، وزعم بكذبه أَنَّهُ: أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن محمد بْن إسْمَاعِيل بن الصادق جعفر، وأظهر شامة في وجهه زعم أنها آيته. وجاءه ابن عمّه عيسى بن مهرويه وزعم أَنَّهُ عبد الله بْن أَحْمَد بْن محمد بْن إسْمَاعِيل بْن جعفر، ولقبّه المدثر، وعهد إليه. وزعم أنه المعني في السُّورة. ولقب غلامًا له المطوّق بالنُّور، وظهر على دمشق وحمص والشام، وعاث وأفسد، حَتَّى قتل الأطفال وسبى الحريم، وتسمى أمير المؤمنين المهدي، ودُعي له على المنابر.
وكان ليحيى بن زَكْرَوَيْه شعرٌ جيد في الحماسة والحرب.

-سنة إحدى وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين ومائتين
تُوفّي فيها: أبو العباس ثَعلب، وعبد الرحمن بن محمد بن سَلْم الرّازي، وقُنْبُل المقرئ، ومحمد بن أحمد بن البراء العبدي، ومحمد بن أحمد بن النضر ابن بنت معاوية، ومحمد بن إبراهيم البُوشنجيّ الفقيه، ومحمد بن علي الصّائغ المكّيّ، وهارون بن موسى الأخفش المقرئ.
وفيها قُتِل الحسين بن زَكرَوَيْه المدَّعي أنّه أحمد بن عبد الله صاحب الشامة.
وفيها زوّج المكتفي ولَدَه أبا أحمد بابنة الوزير القاسم بن عُبَيْد الله، وخطب أبو عمر القاضي، وخلع القاسم أربعمائة خلعة، وكان الصداق مائة ألف دينار.
وفيها خرجت الترْك إلى بلاد المسلمين في جيوش عظيمة يقال: كان معهم سبعمائة خركاه، ولا يكون الخركاه إلا لأمير، فنادى إسماعيل بن أحمد في خُراسان وسِجِسْتان وطَبَرِستان بالنفير، وجهز جيشه فوافوا الترك على غرة سَحَرًا، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وانهزم من بقي وغنم المسلمون وسلموا وعادوا منصورين.
وفيها بعث صاحب الرُّوم جيشًا مبلغه مائة ألف، فوصلوا إلى الحَدَث، فنهبوا وسَبَوْا وأحرقوا.
وفيها غزا غُلام زُرافة من طَرَسُوس إلى الرّوم، فوصل إلى أَنْطَالية، قريبًا من قسطنطينية، فنازلها إلى أن فتحها عَنْوَةً، وقتل نحوًا من خمسة آلاف، وأسر أضعافهم، واستنقذ مِن الأسر أربعة آلاف مسلم، وغنم مِن الأموال ما لا يُحْصَى، بحيث أنّه أصاب سهمُ الفارس ألف دينار.
وفيها جهّز المكتفي محمد بن سليمان في جيشٍ، فسار إلى دمشق، -[864]- وكان بها بدْر الحَمّاميّ، فتلقّاه فقلّده دمشق، وسار محمد إلى الرملة.
وكان الحسين بن زَكْرَوَيْه صاحب الشّامة قد قويت شوكته، وعَظُمَت أذِيّتُه، فصالحه أهل دمشق على أموال، فانصرف عنها إلى حمص فمَلَكَها وآمن أهلَها، وتسمّى بالمهديّ. وسار إلى المعرَّة وحماة، فقتل وسبى النساء، وجاء إلى بَعْلَبَكّ، فقتل عامَّةَ أهلها، وسار إلى سَلَمْيَة، فدخلها بعد مُمَانَعَة، وقَتَلَ مَن بها مِن بني هاشم، وقتل الصّبْيان والدّوابّ، حتّى ما خرج منها وبها عين تطرف.
ثم إنّ محمد بن سليمان الكاتب، لما سيّره المكتفي، التقى هو وهذا الكلب بقرب حمص، فهزمهم محمد، وأسر منهم خلقًا. وركب صاحب الشامة وابن عمّه المدّثّر وغلامه، واخترق البِّريَّة نحو الكوفة، فمرُّوا على الفُرات بدالِيَّة ابن طوق، فأنكروا زِيَّهم، فتهدّدهم والي ذلك الموضع، فاعترف أنّ صاحب الشّامة خلْف تِلْكَ الرابية، فجاء الوالي فأخذهم، وحملهم إلى المكتفي بالرَّقَّة. ثمّ أُدْخُلُوا إلى بغداد بين يديه، فعذبهم، وقطع أيديهم، وقتلهم ثم أحرقهم.

-سنة اثنتين وتسعين ومائتين.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
تُوُفّي فيها: أحمد بن الحَسَن المِصْريُّ الأيْليّ، وأبو بكر أحمد بن عليّ بن سعيد قاضي حمص، وأحمد بن عَمْرو أبو بكر البزّار، وأبو مسلم الكَجّيّ، وإدريس بن عبد الكريم المقرئ، وأسلم بن سهل الواسطي بحشل، وأبو خازم القاضي عبد الحميد بن عبد العزيز، وعليّ بن محمد بن عيسى الجكانيّ، وعليّ بن جبلة الأصبهاني.
وفي صفرها سار محمد بن سليمان إلى مصر، لحرب صاحبها هارون بن خمارويه فجرت بينهم وقعات، ثمّ وقع بين أصحاب هارون اختلاف، فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسَكِّنَهم، فرماه بعضُ المغاربة بسهمٍ قتله، وهربوا، فدخل محمد بن سليمان مصر، واحتوى على خزائن آل طولون، وقيَّد منهم بضعة عشر نفْسًا، وحبسهم. وكتب بالفتح إلى المكتفي.
وَرُوِيَ أنّ محمد بن سليمان لما قرُب من مصر، أرسل إلى هارون يقول: إن الخليفة قد ولّاني مصر، ورسم أن تسير إلى بابه إنْ كنت مطيعًا. -[865]-
فشاور قوّاده، فأبوا عليه، فخرج هارون فصاح: المكتفي يا منصور. فقال القّواد: هذا يريد هَلَاكَنا. فدُّسوا خادمًا، فقتله على فراشه، وأقاموا مكانه شيبان بن أحمد بن طولون ثمّ خرج شَيبان إلى محمد مستأمنًا. ثمّ سُيِّر آل طولون إلى بغداد، فحُبِسوا بها.
قال نِفْطَوَيْه: ظهر من شجاعة محمد بن سليمان، وإقدامه على النَّهْب، وضرب الأعناق، وإباحة الأموال الطُّولونية، ما لم يُرَ مثله. ثمّ اجتبى الخراج. وكان يركب بالسيوف المسللة والسلاح.
وفيها وافى طُغْجُ بنُ جُفٍّ وأخوه بدْرُ بغدادَ، ودخل بدْر الحمّاميّ، فوجّه يومئذٍ مائتي جَمّازة إلى عسكر محمد بن سليمان، لأن العباس بن الحَسَن الوزير ساء ظنه بمحمد بن سليمان، وخاف أن يغلب على مصر، وبلغه عنه كلام، فكتب إلى القُوّاد الّذين مع محمد بالقبض عليه، ففعل ذلك جماعة منهم وقيدوه.
وفي جُمادَى الأولى زادت دِجْلة زيادةً لم يُرَ مثلها، حتّى خربت بغداد، وبلغت الزّيادة إحدى وعشرين ذراعاً.
وفيها خرج الخلنجي القائد بنواحي مصر، فسار من بغداد فاتك المعتضدي لمحاربته، واستولى الخلنجي على مصر.
وفيها قدِم بدر الحمّاميّ على المكتفي، فبالغ في إكرامه وحَبَائه، وتلقّته الدّولة، وطُوِّق وسُوِّر، وجهز مع فاتك في جيشٍ كثيفٍ لحرب الخلنجي.
وفيها وصلت تَقَادُم إسماعيل بن أحمد من خراسان على ثلاثمائة جَمَلٍ، ومائة مملوك.

-سنة ثلاث وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاثٍ وتسعين ومائتين
فيها تُوُفي: إبراهيم بن عليّ الذُّهَليّ، وداود بن الحسين البيهقي، وعبدان المروزي، وعيسى بن محمد الطهماني المَرْوَزِيّ، والفضل بن العبّاس بن مِهران الأصبهاني، ومحمد بن أسد المَدِينيّ، ومحمد بن عَبْدُوس بن كامل السّرّاج، وهميم بن همّام الطَّبَريّ الآملي.
وفي أولها: واقع الخلنجي المتغلب على مصر عسكر المكتفي على العريش، فهزمهم أقبح هزيمة. -[866]-
وفيها ظهر أخو الحسين بن زَكْرَوَيْه، فندب المكتفي لحربه الحسين بن حمدان، وصار ابن زَكْرَوَيْه إلى دمشق، فحارب أهلها، ثم مضى إلى طَبَرّية وحارب مَن بها، ودخلها، فقتل عامّة أهلها الرّجال والنساء، وانصرف إلى البادية.
وقيل: لمّا قُتِل صاحب الشّامة وكان أبوه حيًّا، نفَّذ رجلًا يقال له أبو غانم عبد الله بن سعيد، كان يؤدِّب الصِّبْيان، فتسمَّى نصرًا ليُعْمي أمرَه، فدار على أحياء كلْب يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله سوى رجل يسمى المقدام ابن الكيّال، فاستغوى له طوائف من بُطُونِ كلْب، وقصد الشّامَ، وعامل دمشق أحمد بن كَيَغْلَغ، وهو بأرض مصر يحارب الخلنجي.
فسار عبد الله بن سعيد إلى بُصْرَى وأذْرِعات، فحارب أهلها، ثمّ أمَّنهم وغدر بهم، فقتل وسبى ونهب، وجاء إلى دمشق، فخرج إليه صالح بن الفضل، فقتله القَرْمَطي وهزم جُنْده، ودافَعَه أهلُ دمشق، فلم يقدر عليهم، فمضى إلى طَبَريّة، فقتل عاملها يوسف بن إبراهيم، ونهب وسبى، فَوَرد الحسين بن حَمْدان دمشق والقَرْمَطيُّ بطَبَريّة، فعطفوا نحو السَّمَاوَة، فتبعهم ابن حمدان، فلجَّجُوا في البَرِّيَّة، ووصلوا إلى هِيت في شَعْبان، فقتلوا عامّة أهلها ونهبوها، فجهَّز المكتفي إلى هِيت محمد بن إسحاق بن كنداجيق، فهربوا منه.
ووصل الحسين بن حمدان إلى الرَّحْبَةِ، فلّما أحسّ الكلبيون بالجيش ائتمروا بأبي غانم المذكور، فوثب عليه رجل فقتله، ونهبوا ما معه، وظفرت طلائع ابن كُنْداجيق بالقَرْمَطيّ مقتولًا، فاحتزوا رأسه.
ثمّ إنّ زَكْرَوَيْه بن مهْرَوَيْه جمع جُموعًا، وتَواعَد هو ومن أطاعه، فصبَّحوا الكوفة يوم النَّحْر، فقاتلهم أهلها عامّة النّهار، وانصرفوا إلى القادسيّة، وقد استعدّ لهم أهل الكوفة، وكتب عاملها إسحاق بن عمران إلى الخليفة يستمدّه، فبعث إليه جيشًا كثيفًا، فنزلوا بقرب القادسيّة، وجاءهم زَكروَيْه، فالتقوا في العشرين من ذي الحجّة، وكمَّن زَكروَيْه كمينًا، فلما انتصف النّهار خرج الكمين، فانهزم أصحاب الخليفة أقبح هزيمة، واستباحتهم القرامطة. وكان معهم القاسم بن أحمد داعي زَكروَيْه، فضربوا عليه قُبَّة وَقَالُوا: هَذَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثم هجموا الكوفةَ وهم يصيحون: -[867]- يا ثارات الحسين، وهي كلمة تفرح بها الرّافضة، والقرامطة إنّما يعنون ابن زَكْرَوَيْه. وأظهروا الأعلام البيض ليَسْتَغْوُوا رُعاع الكوفيّين، فخرج إليهم إسحاق بن عِمران في طائفة، فأخرجوهم عن البلد.
وفيها زحف فاتك المعتضدي على الخلنجي، فانهزم إلى مصر، ودخل الفُسْطاط، وقُتِل أكثر أصحابه، وانهزم الباقون، واحتوى فاتك على عسكره، فاستتر الخلنجي عند رجل من أهل الفسطاط، فدلّ عليه، فأُخِذَ في جماعةٍ من أصحابه، وبعث به فاتك إلى بغداد، فوصلها في نصف رمضان، فأُدْخِل هو وأصحابُه على الْجِمال فَحُبِسوا.

-سنة أربع وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربعٍ وتسعين ومائتين
تُوُفي فيها: الحسن بن المُثَنَّى العنبريّ، وأبو عليّ صالح بن محمد جَزَرَة، وعُبَيْد العِجْل، ومحمد بن إسحاق بن راهويه الفقيه، ومحمد بن أيوب بن الضريس الرازي، ومحمد بن مُعَاذ دران، ومحمد بن نصر المروزي الفقيه، وموسى بن هارون الحافظ.
وفي المحرّم خرج زَكْرَوَيْه القَرْمَطيّ من بلاد القَطيف يريد قافلة الحاجّ، فجاء إلى واقصة، ثمّ اعترض قافلة خُراسان، عند عَقَبَة الشّيطان، فحاربوه وترجلوا، فقال لهم: أمعكم من عسكر السلطان أحد؟ قالوا: لا. قال: فامضُوا لشأنكم فلست أريدكم. فساروا، فأوقع بهم، وقتل الرجال، وسبى الحريم، وحاز القافلة. وكان نساء القرامطة يُجْهِزْن على الْجَرْحَى، فيقال: قتلوا عشرين ألفًا، وأخذوا ما قيمته ألف ألف دينار.
وجاء الخبر إلى بغداد، فعظُم ذلك على المكتفي والمسلمين، ووقع النَّوْح والبُكاء، وانتُدِب جيشٌ لقتالهم، فساروا، وسار زَكْرَوَيْه - لعنه الله - إلى زُبَالة فنزلها، وكانت قد تأخرّت القافلة الثّالثة، وهي معظم الحجّاج، فسار زَكْرَوَيْه ينتظرها، وكان في القافلة أعيان أصحاب السّلطان، ومعهم الخزائن والأموال، وشَمْسَة الخليفة، فوصلوا إلى فَيْد، وبلغهم الخبر، فأقاموا ينتظرون عسكر السّلطان، فلم يَرِدْ إليهم أحد، فساروا، فوافاهم الملعون بالهَبِير، وقاتلهم يومًا إلى الليل، ثم عاودهم الحرب في اليوم -[868]- الثّاني، فعِطشُوا واستسلموا، فوضع فيهم السّيف، فلم يُفْلِت منهم إلا اليسير، وأخذ الحريم والأموال.
فندب المكتفي لقتاله وَصيف بن صُوارتكين ومعه الجيوش، فكتب إلى بني شيبان أن يُوَافوه، فجاؤوا في ألفَيْن ومائتي فارس، فلقيه وصيفُ يوم السَّبت رابع ربيع الأوّل، فاقتتلوا حتّى حجز بينهم اللّيل، وأصبحوا على القتال، فنصر الله تعالى وصيفًا، وقتل عامّة أصحاب زَكْرَوَيْه، الرّجال والنّساء، وخلّصوا النّساء والأموال وخلُص بعضُ الْجُنْد إلى زكرويه فضربه، وهو مول، على قفاه، ثمّ أسروه، وأسروا خليفته وخواصُه وأقرباءه، وابنه، وكاتبه، وامرأته. وعاش زَكْرَوَيْه خمسة أيام، ومات من الضّرْبة. فشقُّوا بطنه، وحمل إلى بغداد، فَقُتِل الأسارى وأُحْرِقوا.
وقيل: إنّ الّذي جرح زَكْرَوَيْه وصيفٌ نفسه. وتمزّق أصحابه في البرّيّة، وهلكوا عطشاً.

-سنة خمس وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمسٍ وتسعين ومائتين
تُوُفي فيها: أبو الحسين النوري شيخ الصّوفية أحمد بن محمد، وإبراهيم بن أبي طالب الحافظ، وإبراهيم بن معقل قاضي نسف، والحسن بن علي المعمري، والحكم بن مَعْبَد الخُزاعيّ، وأبو شُعَيْب الحرّانيّ، والمكتفي بالله ابن المتعضد، وأبو جعفر محمد بن أحمد التِّرْمِذِيّ الفقيه.
وفيها كان الفداء بين المسلمين والرُّوم. فكان عدة من فودي ثلاثة آلاف نفس.
وبعث المكتفي لحرب يوسف بن أبي السّاج خاقان المفلحي في أربعة آلاف مقاتل.
ومات المكتفي بالله في ذي القِعْدَة، فبُويع أخوه جعفر المقتدر وهو صبيّ، وأُمُّه روميّة، وقيل: تُرْكية، أخوها غريب المعروف بغريب الخال. أدركت خلافته، وَسُمِّيَتِ السّيّدة.
وُلِد جعفر في رمضان سنة اثنتين وثمانين، وكان معتدل القامة جميلًا، أبيض بحُمْرة، مدوَّر الوجّه، مليحًا. ولمّا اشتدّت علّة المكتفي سأل عنه، فصحّ عنده أنّه بالِغٌ، فأُحضِر في يوم الجمعة لإحدى عشرةٍ من -[869]- ذي القعدة القضاة، وأشهدهم أنه قد جعل العهدَ إليه.
وتُوُفّي المكتفي ليلة الأحد، لاثنتي عشرة من ذي القعدة.
ولم يل الخلافةَ قبل المقتدر أصغر منه، فإنّه وَلِيَها وله ثلاث عشرة سنة وأربعون يوماً. واستوزر وزير أخيه العباس بن الحسن، ولم يكن مؤنس الخادم حاضرًا، لأن المعتضد كان قد أخرجه إلى مكّة مُكْرَهًا، وكان يبغضه. فاستدعاه المقتدر ورفع منزلته. ومات صافي بعد بيعة المقتدر، فاختص مؤنس بالأمور كلها.
وكان في بيت المال يوم بُويع المقتدر خمسة عشر ألف ألف دينار أموال المعتضد، وزاد المكتفي أمثالها.

-سنة ست وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ستٍّ وتسعين ومائتين
تُوُفي فيها: أحمد بن حمّاد التُّجَيْبيّ أخو زُغْبَة، وأحمد بن نَجْده الهَرويّ، وأحمد بن يحيى الحُلْوانيّ، وخَلَف بن عَمْرو العُكْبُريّ، وعبد الله بن المُعْتَزّ، وأبو حُصَيْن الوادعيّ محمد بن الحسين، ومَعْمَر بن محمد أبو شِهاب البلخي، ويوسف بن موسى القطان الصغير.
قال محمد بن يوسف القاضي: لمّا تمّ أمر المقتدر استصباه العباس الوزير، وكثر خَوْضُ النّاس في صِغَره، فعمِل العباس على خلعه بمحمد ابن المعتضد، ثم اجتمع محمد ابن المعتضد وصاحب الّشرطة في مجلس العبّاس يومًا، فتنازعا، فأربى عليه صاحب الشّرطة في الكلام ولم يدرِ ما قد رُشّح له، ولم يتمكن محمد من الانتصاف منه، فاغتاظ غيظًا عظيمًا كظمه، فَفُلِج في المجلس، فاستدعى العّباس عمارية فحمله فيها، فلم يلبث أن مات.
ثمّ اتفق جماعة على خلع المقتدر وتولية عبد الله ابن المعتزّ، فأجابهم بشرط أن لا يكون فيها دم، فأجابوه، وكان رأسهم محمد بنُ داود بن الجرّاح، وأبو المُثَنَّى أحمد بن يعقوب القاضي، والحسين بن حَمْدان، واتّفقوا على قتْل المقتدر، ووزيره العبّاس، وفاتك.
فلمّا كان يوم العشرين من ربيع الأوّل ركب الحسين بن حمدان والقُوّاد والوزير، فشدّ ابن حمدان على الوزير فقتله، فأنكر عليه فاتك، فعطف على فاتك فقتله، ثمّ شدّ على المقتدر وكان يلعب بالصَّوالجة فسمع الهَيْعَة، فدخل وأُغلقت الأبواب، فعاد ابن حمدان إلى -[870]- المُخَرَّم، فنزل بدار سليمان بن وهْب، وأرسل إلى ابن المعتزّ فأتاه، وحضر القُوّاد والقُضاة والأعيان، سوى خواصّ المقتدر، وأبي الحسين بن الفرات، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه بالغالب بالله. وقيل غير ذلك.
فاستوزر محمد بن داود بن الجرّاح، وجعل يُمْنَ الخادم حاجِبَه، فغضب سَوْسَن الخادم، وعاد إلى دار المقتدر، ونفذت الكُتُب بخلافة ابن المعتزّ وتم أمره ليلة الأحد.
قال الصُّوليّ: كان العبّاس الوزير قد دبّر خلْع المقتدر مع الحسين بن حمدان، ومبايعة ابن المعتز، ووافقهم وصيف، فبلغ المقتدر، فأصلح حال العبّاس، ودفع إليه أموالًا أرضَتْه، فرجع عن رأيه، فعلم ابن حمدان، فقتله لذلك.
وقال المُعَافي بن زكريّا الجريريّ: حُدِّثت أنّ المقتدر لما خُلِع وبويع ابن المعتزّ، دخلوا على شيخنا محمد بن جرير، فقال: ما الخبر؟ قيل: بويع ابن المعتزّ. فقال: فمن رُشِّح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود. قال: فمن ذُكر للقضاء؟ قيل: الحسن بن المُثَنَّى. فأطرق ثمّ قال: هذا أمرٌ لا يتمّ. قيل له: وكيف؟ قال: كلّ واحدٍ ممّن سميتم متقدم في معناه عالي الرُّتْبة، والزّمان مُدْبِرٌ، والدُّنيا مُوَلِّيَة، وما أرى هذا إلّا اضْمحلال، وما أرى لمدّته طُول.
وبعث ابن المعتزّ إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر، لكي ينتقل ابن المعتزّ إلى دار الخلافة، فأجاب، ولم يكن بقي معه غير مؤنس الخادم ومؤنس الخازم وغريب خاله، وجماعة من الخَدَم فباكر الحسين بن حمدان دارَ الخلافة فقاتلها فاجتمع الخَدَم، فدفعوه عنها بعد أن حمل ما قدر عليه من المال، وسار إلى المَوْصل، ثمّ قال الّذين عند المقتدر: يا قوم نسلِّم هذا الأمر ولا نجرّب نفوسنا في دفع ما نزل بنا؟ فنزلوا في الشذا، وألبسوا جماعة منهم السّلاح، وقصدوا المُخَرَّم، وبه ابن المعتزّ، فلمّا رآهم من حول ابن المعتزّ أوقع الله في قلوبهم الرُّعب، فانصرفوا منهزمين بلا حرب.
وخرج ابن المعتز فركب فرسًا، ومعه وزيره ابن داود، وحاجبه يُمْن، وقد شَهَر سَيفَه وهو ينادي: معاشر العامة، ادْعُوا لخليفتكم. وأشاروا إلى الجيش أن يتبعوهم إلى سامراء، ليثبت أمرهم بها، فلم يتبعهم أحد من -[871]- الجيش، فنزل ابن المعتزّ عن دابّته ودخل دارَ ابنِ الْجَصّاص، واختفى الوزير ابن داود، وأبو المُثَنَّى القاضي، ونُهِبَت دُورُهما، ووقع النَّهْب والقتْل في بغداد، واختفى علّي بن عيسى بن داود، ومحمد بن عَبْدُون في دار بقالٍ، فبدر بهما العامة، فأخرجوهما إلى حضرة المقتدر.
وقبض المقتدر على وصيف، وعلى يُمْن الخادم، وأبي عمر محمد بن يوسف القاضي، وأبي المُثَنَّى أحمد بن يعقوب، ومحمد بن خَلَف القاضي، والفقهاء والأمراء الذين خلعوه، وسُلِّموا إلى مؤنس الخازن فقتلهم، إلا عليّ بن عيسى، وابن عَبْدُون، والقاضيَيْن أبا عمر، ومحمد بن خَلَف، فإنهم سَلِمُوا من القتْل، وكان قَتْلُ الباقين في وسط ربيع الآخر.
واستقام الأمر للمقتدر، فاستوزر أبا الحسن عليّ بن محمد بن الفرات.
ثمّ بعث جماعة فكبسوا دار ابن الجصّاص، وأخذوا ابن المعتزّ، وابنَ الجصّاص، فصُودر ابنُ الجصّاص، وحُبس ابن المعتزّ، ثمّ أُخْرِج فيما بعد ميتاً.
وفيها أمر المقتدر بأن لا يستخدم اليهود والنصارى، وأن يركبوا بالأكف.
وسار ابن الفُرَات أحسن سيرة، وكشف المظالم؛ وحضَّ المقتدر على العدل، ففوَّض إليه الأمور لصغره، واشتغل باللعب، واطرح الندماء والمغنين، وعاشر النّساء، وغلب أمر الحُرَم والخَدَم على الدولة، وأتلف الخزائن.
ثمّ إنّ الحسين بن حمدان قدِم بغداد، لأنَّ المقتدر كتب إلى أخيه أبي الهَيْجاء عبد الله بن حمدان في قصْد أخيه، وبعث إليه جيشًا. فالتقى الأَخَوان، فانهزم أبو الهيجاء، فسار أخوهما إبراهيم ألى بغداد، فأصلح أمر الحسين فكتب له المقتدر أمانًا، فقدِم في جُمَادَى الآخرة، فَقُلِّدَ قُمّ، وقاشان، فسار إليها مسرعاً.
وفي كانون وقع ببغداد ثلج كثير، وأقام أياماً حتى ذاب.
وفيها قدم زيادة الله بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير أفريقية إلى الجيزة، هاربًا من المغرب من أبي عبد الله الّداعي. وكانت بين زيادة الله وبين جُنْد مصر هَوْشة، ومنعوه من الدّخول إلى الفسطاط. ثمّ أذنوا له، فدخل مصر وتوجه إلى العراق.
وفيها انصرف أبو عبد الله الدّاعي إلى سِجِلْماسَة، وافتتحها، وأخرج من الحبس المهديّ عُبَيْد الله وولده من حبس اليسع. وأظهر أمره، وأعلم -[872]- أصحابه أنّه صاحب دعوته، وسلم عليه بالإمامة. وذلك في سابع ذي الحجّة سنة ستِّ. فأقام بسِجِلْماسَةَ أربعين يومًا، ثم قصد إفريقيّة، وأظهر التّواضع والخشوع، والإنعام والعدل، والإحسان إلى النّاس، فانحرف النّاس إليه، ولم يجعل لأبي عبد الله كلامًا. فلامه أبو العبّاس، وعرّفه سابقة أبي عبد الله.
ثمّ أراد أبو عبد الله استدراك ما فات، فقال على سبيل النصح للمهديّ: أنا أخبر منك بهؤلاء، فاترك مباشرتهم إلي، فإنه أمكن لجبروتك، وأعظم لك. فتوحَّش من كلامه، وساء به ظنه، فحبّب أبو العبّاس نفوس جماعة من الأعيان، وشكَّكهم في المهديّ، حتى جاهره مقدّمهم بذلك فقتله، وتأكدت الوحشة بين المهدي وبين الأَخَوَيْن، وجماعة من كُتَامة، وقصدوا إهلاك المهديّ، فتلطّف حتى فرّقهم في الأعمال، ورتب من يقتل الأَخَوَيْن، فعسكرا بمن معهما وخرجا، فَقُتِلا سنة ثمانٍ وتسعين، وقُتِل معهما خلْق.

-سنة سبع وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبْعٍ وتسعين ومائتين
تُوُفي فيها: إبراهيم بن هاشم البَغَويّ، وإسماعيل بن محمد بن قيراط، وعبد الرحمن بن القاسم ابن الرواس الهاشمي، وعُبَيْد بن غنام، ومحمد بن عبد الله مُطَيَّن، ومحمد بن عثمانٍ بن أبي شَيْبَة، ومحمد بن داود الظّاهريّ، ويوسف بن يعقوب القاضي.
وفيها أدخل طاهر ويعقوب ابنا محمد بن عَمْرو بن الليث الصفار بغداد أسيرين.
وفيها وصل الخبر إلى العراق بظهور عُبيد الله المسمَّى بالمهديّ؛ وأخرج ابنَ الأغلب وبَنى المَهْدِيّة. وخرجت المغرب عن أمر بني العباس من هذا التاريخ.
وهرب ابن الأغلب وقصد العراق، فكتب إليه أن يصير إلى الرقة ويقيم بها.
وتوفي نائب مصر عيسى النوشَريّ، وعاملُ خَرَاجها أحمد بن محمد بن بِسْطام، فقلّد تكين أبو منصور الخاصّة مصر، فوصلها في ذي الحجّة، واستعمل على الخراج عليّ بن أحمد بن بِسْطام.

-سنة ثمان وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين
فيها تُوُفي: أبو العبّاس أحمد بن محمد بن مسروق، وبُهْلُول بن إسحاق الأنباريّ، والْجُنَيْد شيّخ الطائفة، والحَسَن بن علويه القطان، وأبو عثمان الحيري الزاهد سعيد بن إسماعيل، وسمنون المُحِب، ومحمد بن عليّ بن طرْخان البلْخيّ الحافظ، ومحمد بن يحيى بن سليمان المَرْوَزِيّ، ومحمد بن طاهر الأمير، ويوسف بن عاصم.
وفيها فُلِجَ القاضي عبد الله بن عليّ بن أبي الشوارب، وكان على قضاء الجانب الشرقيّ، فأُسْكِت من الفالج، فاستخلف ابنه محمدا، وبقي إلى سنة إحدى وثلاثمائة.
وفيها قدِم الحسين بن حمدان من قُمّ، فولاه المقتدر ديار بكر، وربيعة.
وفيها تُوُفي محمد بن عَمْرَوَيْه صاحب الشرطة، توفي بآمد، وحمل إلى بغداد.
وفيها توفي صافي الحرمي، فقلد مكانه مؤنس الخادم.
وفيها استتر أبو عليّ محمد بن عُبَيْد الله الخاقانيّ، لوصول رُقْعة له إلى المقتدر يطلب فيها الوزارة، فبعث بها إلى ابن الفرات. فاتّهم ابن الفُرات عبد الله بن الحسين بن زوران بأنّه يسعى لأبي عليّ في الوزارة، فنفاه إلى الرقة.
وفيها أُخِذَ من بغداد أربعةٌ، ذُكِرَ أنهم من أصحاب محمد بن بِشْر، وأنّه يدَّعي الرُّبُوبيّة.
وهبّت بحديثة الموصل ريحٌ حارّة، فمات من حرها جماعة.
وفيها كانت وقعة بين أبي محمد عُبَيْد الله المهدي وبين داعيته أبي عبد الله، وأبي العبّاس بإفريقّية في جُمَادى الآخرة، فَقُتِل الدّاعيّان وجُنْدهما، فخالف على المهدي أهل أطرابلس، فجهز إليهم ابنه أبا القاسم القائم، فأخذها عنوةً في سنة ثلاثمائة، وتمهدت لهم المغرب.

-سنة تسع وتسعين ومائتين

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعٍ وتسعين ومائتين
فيها تُوُفي: أحمد بن أنس بن مالك الدِّمشقيّ، وأبو عَمْرو الخفاف الزّاهد أحمد بن نصر الحافظ، والحسين بن عبد الله الخرقي الفقيه والد مصنف الخِرَقيّ، وعليّ بن سعيد بن بشير الرّازيّ، ومحمد بن يزيد بن عبد الصمد، وممشاذ الدينوري الزاهد. -[874]-
وفيها قبض المقتدر على وزيره أبي الحسن بن الفُرات، ونُهِبَتْ دُورُه، وهُتِك حُرَمُه.
وقيل: إنه ادُّعي عليه أنّه كاتَبَ الأعراب أن يكبسوا بغداد. ونهبت بعض بغداد عند قبضه.
واستوزر أبا عليّ محمد بْن عُبَيْد اللَّه بْن يحيى بْن خاقان.
وفيها وردت هدايا مصر، فيها خمسمائة ألف دينار، وضلع إنسان عرض شبْر، في طول أربعة عشر شِبْرًا، وتَيْس له ضرْع يحلب لبناً.
ووردت هدايا أحمد بن إسماعيل بن أحمد أمير خُراسان، فيها جواهر ويواقيت لا تُقَوَّم.
ووردت هدايا يوسف بن أبي السَّاج، فكانت خمسمائة رأس من الخيل والبغال، وثمانون ألف دينار، وبساط روميّ طولُه سبعون ذراعًا، في عرض ستّين ذراعًا، نُسِجَ في عشر سنين، وغير ذلك.
وفيها سار المسمّى بالمهديّ إلى المهديّة بالمغرب، وَدُعِيَ له بالخلافة برَقّادة والقيروان وتلك النواحي، وعظم ملكه.

-سنة تسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسعين وثلاثمائة.
فيها ظهر بسجستان معدن للذهب، فكانوا يصفون من التراب الذَّهَبَ الْأحمر.
وفيها قُلِّد القاضي أَبُو عبد اللَّه الحسين بن هارون الضَّبِّي مدينة المنصور، مضافًا إلى قضاء الكوفة وغيرها، وولي القاضي أبو محمد عبد اللَّه بن محمد الْأكفاني الرَّصافَةَ وأعمالها.
وفيها وُلِّي نيابة دمشق فحل بن تميم من جهة الحاكم، فمرض ومات بعد أشهر، وولي بعده علي بن جعفر بن فلاح.

-سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة
فيها جلس القادر بالله للحُجَّاج الخُرَاسانية، وأعلمهم أَنَّهُ قد جعل وليّ عهده ولده أَبَا الفضل الغالب باللَّه، وله يومئذ ثمان سنين وأربعة أشهر، وسبب عَجَلَته فِي ذَلِكَ أنّ عَبْد اللَّه بْن عثمان العباسي الواثقي الخطيب خرج إلى خُرَاسان، واتفق هُوَ ورجل رئيس عَلَى أن افتعلا كتابًا من القادر بتقليد الواثقيّ ولاية العهد من بعده، ودخل عَلَى بعض السلاطين، فاحترمه وخطب لَهُ بعد القادر، وكتب إلى القادر باللَّه، فبادر بولاية العهد لابنه، وأثْبَتَ فسق الواثقي، ولم يزل الواثقيّ فِي البلاد النائية حتى مات غريبًا خائفًا من سوء افترائه.

-سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة
فيها ثارت العامّة ببغداد عَلَى النَّصارَى، فنهبوا البيعة وأحرقوها، فسقطت على جماعة من المسلمين، فهلكوا، وعَظُمَت الفتنة ببغداد، وانتشر الدُّعار.
وبطل الحجّ من العراق فِي هذه السنة.
وفيها وُلِد الْحَسَنُ وَالْحُسَيْن توأمين للسلطان بهاء الدولة، فعاش الْحُسَيْن سبع سنين، وأمّا أَبُو عَلِيّ فعاش وملك العراق، ولُقّب مُشَرَّف الدولة.
وزاد أمر الشُّطَّار ببغداد، وواصلوا أخذ العملات والأموال، وقتلوا، وأشرف النّاس معهم عَلَى خطّه صعبة، وكان فيهم من هُوَ عباسي وعَلَوِيّ، فبعث بهاء الدولة أبا عَلِيّ عميد الجيوش إلى العراق ليدبّر أمورها، فقدم بغداد، وزينت له، فغرق جماعة، ومنع الشيعة والسنة من إظهار مذهب، ونفي الدُّعَّار، ونفي ابن المعلّم فقيه الشيعة، وقامت هيبته. -[686]-
وفي المحرم غزا السلطان محمود بْن سبكتكين الهند، فالتقاه صاحبها الملك جيبال، ومعه ثلاثمائة فيل، فنصر الله محمودا، وقتل من الكفار خمسة آلاف، ومن الفيول خمسة عشر فيلا، وأُسِر جيبال فِي جماعة من قوّاده، فكان عَلَيْهِ من الجواهر ما قيمته مائتا ألف دينار، وبلغت الغنيمة من الرقيق خمسمائة ألف رأس نقل ذَلِكَ صاحب " سيرة محمود بن سبكتكين " الْأديب الكاتب أَبُو النَّصر مُحَمَّد بْن عَبْد الجبّار العُتْبي، وقد سَمِعَ هذا من أَبِي الفتح البُسْتِي وجماعة.
قَالَ أَبُو النّصر: وافتدى الملك نفسه بخمسين فيلا. وكان شيخا مُسِنًا، فتألّم مما تمّ عَلَيْهِ، وآثر النّار عَلَى العار، فحلق شعره، ثم حرّق نفسه حتى تلف.

-سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة
فيها منع عميد الجيوش يوم عاشوراء من النوح وتعليق المسوح في الأسواق ثم منع السنة عما ابتدعوه فِي أمر مُصْعَب بْن الزُّبَيْر.
وفيها قبض بهاء الدّولة عَلَى وزيره أَبِي غالب مُحَمَّد بْن خَلَف، وقرّر عَلَيْهِ مائة ألف دينار.
وفيها برز عميد الجيوش، وذهب إلى سُورا، فاستدعى سيف الدّولة عَلِيّ بْن مَزْيَد، وقرر عَلَيْهِ فِي العام أربعين ألف دينار عَنْ بلاده، فأقره عليها.
وفي ربيع الآخر منها أمر نائب دمشق تمصولت الْأسود الحاكمي بمغربيّ، فطيف بِهِ عَلَى حمار، ونودي عَلَيْهِ: هذا جزاء من يحبّ أَبَا بَكْر وعُمَر، ثم أمر بِهِ، فأخرج إلى الرماد فضربت عُنُقُه هناك، رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، ولا رضي عَنْ قاتله.
وفيها نازل السلطان محمود بن سبكتكين سجستان، وأخذها من صاحبها خَلَف بْن أحْمَد بالأمان، فاستناب عليها الحاجب قنجي من كبار -[687]- قوّاد أَبِيهِ، فخرج عَلَيْهِ أهل سِجِسْتان بعد أشهر، فساق محمود فِي عشرة آلاف وحاربهم، وقتل منهم مقتلة كبيرة فِي ذي الحجّة.

-سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة أربع وتسعين وثلاثمائة.
فيها قلد بهاء الدولة الشريفَ أَبَا أحْمَد الْحُسَيْن بْن مُوسَى المُوسَوِي قضاءَ القُضاة والحجّ والمَظَالم ونقابة الطّالبيّين، وكتب لَهُ من شيراز العهد، ولقبه " الطاهر الْأوحد ذو المناقب "، فلم ينظر فِي قضاء القُضاة، لامتناع القادر باللَّه من الْأذن لَهُ.
وحج بالنّاس أَبُو الحارث مُحَمَّد بْن مُحَمَّد العَلَوِي، فاعترض الركب الْأصيفر المنتفقي ونازلهم، وعوّل عَلَى نهبهم، فقالوا: من يكلّمه ويقرّر لَهُ ما يأخذ؟ فنفذوا أبا الحسن ابن الرفاء، وأبا عبد الله ابن الدَّجاجيّ، وكانا من أحسن النّاس قراءة، فدخلا إِلَيْهِ، وقرءا بين يديه، فَقَالَ: كيف عَيْشُكُما ببغداد؟ فقالا: نِعْمَ العيش، تصلنا الخلع والصِّلات. فقال: هل وهبوا لكما ألف ألف دينار في مرة؟ قالا: لا، ولا ألف دينار. فَقَالَ: قد وهبت لكما الحاجَّ وأموالهم، فدعوا لَهُ وانصرفوا، وفرح النّاس. ولما قرءا بعرفات، قَالَ أهل مصر والشام: ما سمعنا عنكم بتبذير مثل هذا! يكون عندكم شخصان مثل هذين، فتستصحبونهما معكم جميعا، فإن هلكا فبأي شيء تتجملون؟ وأخذ أبو الحسن بن بويه هذين مَعَ أَبِي عبد اللَّه بْن بهلول، وكانوا يُصَلُون بِهِ بالنَّوْبة التَّراويح، وهم أحداث.

-سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
حجّ بالعراقيين جَعْفَر بْن شعيب السّلار، ولحقهم عَطَش فِي طريقهم، فهلك خلْق كثير.
وفي المحرم قتل الحاكم بمصر جماعة من الْأعيان صبَرًا.
وفيها قُتِل المنتصر أَبُو إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بْن نوح بْن نصر بن نوح السّاماني، وكان قد أُسِر أخوه عَبْد الملك، كما ذكرنا فِي سنة تسعٍ وثمانين. واستولى عَلَى ما وراء النهر إيلك خان، وتمكن وقبض عَلَى أَبِي إِبْرَاهِيم -[688]- هذا، وعلى أخيه عَبْد الملك، وعلى نوح بْن منصور الرضيّ، وعلى أعمامهم أَبِي زكريّا، وأَبِي سُلَيْمَان، فتحيّل المنتصر وهرب من السجن فِي زيّ امْرَأَة كانت تنتابهم لمصالحهم، واختفى أيامًا عند عجوز، وذهب إلى خُوَارِزْم، فتلاحق بِهِ من نَدَّ وغار من بقايا الدّولة السّامانية، حتى اجتمع شَمْلُه، وكثف خيله ورِجْله، وأغار بعض أمرائه عَلَى بُخَارَى، وبيتوا بضعة عشر قائدًا من القواد الخانية، وحملوا فِي وثاقٍ إلى خُوَارِزْم، وانهزم من بقي من قوّاد إيلك خان، وعاد المنتصر إلى بخارى، وفرح به النّاس، فجمع إيلك جيوشه، وتكاثفت أيضًا جموع المنتصر، وقصد نيسابُور، وحارب أميرها نصر بْن سُبُكْتِكين أخا محمود، فهزمه، وأخذ نيسابُور، فانزعج لذلك السّلطان محمود، وطوى المفاوز، حتى وافى نيسابُور، فتقهقر عَنْهَا المنتصر إلى أَسْفِرايين، وجبى الخراج، وقدم لَهُ شمس المعالي خيلا وجمالا وبغالا، وألف ألف دِرْهَم، وثلاثين ألف دينار، مُدارةً عَنْ جُرْجَان.
ثم إن المنتصر عاد إلى نيسابور، فتحيز عنها أخو محمود، وجبى المنتصر منها الْأموال، ثم التقى هُوَ وأخو محمود، فكانت بينهما ملحمة هائلة، فكانت النصرة لصاحب الجيش نصر بْن سُبُكْتِكين، وانهزم المنتصر، فجاء إلى جُرْجَان، فدفعه عَنْهَا شمس المعالي، ثم التقى المنتصر أيضًا هُوَ والسُّبُكْتِكينيّة بظاهر سَرْخَس، وقُتِل خلْقٌ من الفريقين، وانهزم جَمْعُ المنتصر، وقُتِل جماعة من قوّاده، فسار المنتصر يعتسف المهالك، فانتبذ الركض بِهِ إلى محالّ الْأتراك الغُزِّيَّة، ولهم مَيْل إلى آل سامان، فأخذتهم المَذَمَّة من خُذْلانه، وحرّكتهم الحَمِيَّة لعونه فِي سنة ثلاث وتسعين، وقصدوا إيلك الخان، وحاربوه، ثم خافهم المنتصر وفارقهم، وراسل السُّلطانَ محمود بْن سُبُكْتِكين يذكِّره بحقوق سَلَفِه عَلَيْهِ، فأكرم محمود الرسول، وتماثل حال المنتصر، وجرت لَهُ أحوال وأمور وحروب عديدة.
وكان موصوفًا بالدَّهاء والشّجاعة المُفْرِطة، ثم قام معه فتيان أهل سمَرْقَنْد، وتراجع أمره، فسمع الخان باحتداد شوكته واشتداد وطْأَته، -[689]- فزحف إليه والتقاه في شعبان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وانكسر الخان إيلك، ثم جمع وحَشَد وكَرَّ لطلب الثّأر، فالتقوا، فخامر خمسة آلاف من جيش المنتصر، وانحازوا إلى إيلك، فاضطّر المنتصر إلى الانهزام، واستحر القتْلُ بجيشه، وبقي المنتصر أينما قصد، شُهِرَت عَلَيْهِ السّيوف وكَثُر أضداده، ودَلف إِلَيْهِ صاحب الجيش ابن سبكتكين، ووالي سرخس، ووالي طُوس. وحثّوا الظَّهْر فِي طلبه، ففاتهم إلى بِسطام، فرماه شمس المعالي بنحو ألفين من الْأكراد والشاهجانية، فأزعجوه عَنْهَا حتى ضاقت عَلَيْهِ المسالك، فتلقّاه ابن سرخك الساماني، بكتاب يخدعه فيه، فانفعل له طمعًا فِي وفائه، فبيتتهُ خَيْل إيلك خان بطرف خُرَاسان، فطاردهم، ثم ولاهم ظهره، فأسروا أخويه، والتجأ إلى ابن بهيج الأعرابي، فأخفر حق مقدمه، وروى الأرض من دمه، فكأنما عناه أَبُو تمام بقوله:
فتًى مات بين الطَّعْن والضَّرْب مِيتَةً ... تقوم مقامَ النَّصْر إذ فاته النَّصْرُ
فأثبتَ فِي مُسْتَنْقَع الموتِ رِجْلَه ... وقَالَ لها من دون أَخْمَصِك الحَشْرُ
غدا غدوة الحمد نسج رِدائه ... فلم ينصرف إلا وأكفانه الْأجْرُ
مضى طاهرَ الْأثواب لم تبق رَوْضَةٌ ... غداةَ ثَوَى إلا اشتهتْ أَنَّها قَبْرُ
عليكَ سلامُ اللَّه وقْفًا فإنّني ... رَأَيْت الكريمَ الحُرَّ لَيْسَ لَهُ عُمْرُ
وانقضت الْأيام السامانيّة، وذلك فِي أوائل سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.

-سنة ست وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
فيها تولّى ابن الْأكفاني قضاءَ جميع بغداد.
وفيها جلس القادر باللَّه لأبي المنيع قرواش بْن أَبِي حسّان، ولقّبه بعميد الدولة، وتفرد قرواش بالإمارة.
وحجّ بالناس مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر العَلَوِي، وخطب بالحَرَمَيْن للحاكم صاحب مصر عَلَى القاعدة، وأمر النّاسَ بالحَرَمَيْن بالقيام عند ذكره، -[690]- وفعل مثل ذَلِكَ بمصر، وكان إذا ذُكِر قاموا وسجدوا فِي السُّوق، وفي مواضع الاجتماع، فإنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون، فلقد كَانَ هَؤُلاءِ العُبَيْدِيُّون شرًّا عَلَى الْإسلام وأهله من التتر.

-سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
فيها خروج أَبِي ركوة الْأمويّ من ولد هشام بْن عَبْد الملك، واسمه الوليد، وكان يحمل ركوة فِي السَّفر، ويتزهَّد، وقد لقي المشايخ، وكتب الحديث بمصر، وحجّ، ودخل اليمن والشام، وكان فِي خلال أسفاره يدعو إلى القائم من ولد هشام بْن عَبْد الملك، ويأخذ البَيْعَة عَلَى من ينقاد لَهُ، ثم جلس معلِّمًا، واجتمع عنده أولاد العرب، فدعاهم فوافقوه، وأسر إليهم أنه هو الإمام، ولقب نفسه بالثائر بأمر الله المنتصر من أعداء اللَّه، فعرف بهذا بعض الولاة، فكتب إلى الحاكم بأن يأذن لَهُ فِي طَلَبه قبل أن تقوَى شوكتُه، فأمره باطِّراح الْأمر والفكر فِيهِ، لئلا يجعل لَهُ سوقًا، وينبّه عَلَيْهِ، وكان يخبرهم عَنِ المُغَيَّبات، ثم حاربه ذَلِكَ الوالي فِي عسكره، فظفر أَبُو ركْوة بِهِم، وأخذ أسلابهم، فأضاءت حالته ونزل بَرْقَة، فجمع لَهُ أهلها مائتي ألف دينار، وأخذ من يهوديّ مائتي ألف دينار، ونقش السِّكَّة باسمه، وخطب النّاس ولعن الحاكم وشتمه، فحشد لَهُ الحاكم وجهّز لقتاله ستّة عشر ألفًا، عليهم الفضل بْن عَبْد اللَّه، وأنفق فيهم ذهبًا عظيمًا، فلما قارب تلقّاه أَبُو ركْوة، فرام مُناجَزَتَه، والفضلُ يُرَاوِغ، فَقَالَ أصحاب أَبِي ركْوة: قد بذلنا نفوسنا دونك، ولم يبق فينا فضْل لمعاودة حرب، ونحن مطلوبون لأجلك، فخذ لنفسك، وانظر أيّ بلدٍ شئت لنحملك إليه، فذهب إلى بلد النُّوبة لأنّه كَانَ مُهَادِنَه، فبعث الفضل فِي طلبه عسكرًا، فأدركوه، فأسلمه أصحابه، فحُمِل إلى الحاكم. فأُركب جملا وطِيف بِهِ، ثم قُتِل.
وبالغ الحاكم فِي إكرام الفضل وإعطائه الإقطاع، ومرض فعاده دفعتين، ثم فلما عُوفي قتله.
وفيها ورد كتاب من بهاء الدولة بتقليد الشريف أَبِي الْحَسَن مُحَمَّد بْن أَبِي أحْمَد الْحُسَيْن بْن مُوسَى العلوي الحسيني النّقابة والحجّ، وتلقيبه -[691]- بالرِّضى ذي الحَسَبَيْن، ولُقِب أخوه أَبُو القاسم بالشريف المرتضى ذي المجدَيْن.
وفي رمضان قلّد سند الدولة علي بن مزيد ما كَانَ لقرواش، وخلع عَلَيْهِ.
وثارت عَلَى الحجَّاج ريح سوداء بالثعْلبية حتى لم ير بعضهم بعضًا، وأصابهم عطش شديد، واعتقلهم ابن الجرّاح عَلَى مال طلبه، وضاق الوقت، فردّوا، ووصل أوّلُهم إلى بغداد يوم التَّرْوِيَة، فلا قوة إلا بالله.

-سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
فِي ربيعٍ الآخر، وقع ثلج عظيم ببغداد، حتى كَانَ سُمْكُه فِي بعض المواضع ذراعًا ونصفًا، وأقام أسبوعًا لم يذُبْ، ورُمِي إلى الشوارع، وبلغ وقْعُه إلى الكوفة، وإلى عَبَّادان.
وكثرت العملات ببغداد واللُّصُوص، وقُتِل منهم جماعة.
وفي رجب قصد بعضُ الهاشميّين أَبَا عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن النُّعْمَان بْن المعلّم شيخ الشيعة، وهو فِي مسجد، وتعرّض بِهِ تعرُّضًا امتعض منه تلامذته، فثاروا واستنفروا أهلَ الكَرْخ، وصاروا إلى دار القاضي أَبِي مُحَمَّد الْأكفاني والشيخ أَبِي حامد الإِسْفِرَايِينِيّ فسَبُّوهما، وطلبوا الفقهاء ليُوقِعوا بهم، ونشأت فتنة عظيمة، وأُحْضِر مُصْحَفٌ ذكروا أنّه مُصْحَفٌ ابن مَسْعُود، وهو يخالف المصاحف، فجمع له القضاة والكبار، فأشار أبو حامد والفقهاء بتحريقه، ففعل ذَلِكَ بمحضرهم، وبعد أيّام كتب إلى الخليفة بأنّ رجلا حضر المشهد ليلة نصف شعبان، ودعا عَلَى من أحرق المُصْحَفٌ وشتمه، فتقدّم بطلبه، فأُخِذ، فرسم بقتله، فتكلّم أهل الكرْخ فِي أمر هذا المقتول لأنّه من الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين أهل باب البصْرة وباب الشعير ونهر القلائين، وقصد أهلُ الكرْخ دار أَبِي حامد، فانتقل عَنْهَا، ونزل دار القطن، وصاحت الرَّوَافض: " يا حاكم يا منصور "، فأحفظ القادر باللَّه ذَلِكَ، وأنفذ الفرسان الذين عَلَى بابه لمعاونة السُّنَّة، وساعدهم الغلمان، فانكسر الرَّوَافض وأحرق ما يلي نهر الدَّجَاج، ثم اجتمع الرؤساء إلى الخليفة، فكلّموه، فعفى عَنْهُمْ ودخل عميد الجيوش بغداد، فراسل ابن -[692]- المعلّم بأن يخرج عَنْ بغداد ولا يساكنه، ووكّل بِهِ، فخرج فِي رمضان، وضرب جماعة ممّن قام فِي الفتنة، وحبس آخرين، ومنع القُصَّاص من الْجُلوس، ثم سَأَلَ ابن مُزْيَد فِي ابن المعلّم فردَّ وأذِنَ للقُصَّاص، بشرط أن لا يتعرضوا للفِتَن.
وفي شعبان وقع بَرَدٌ فِي الواحدة نحو خمسة دراهم.
وفيه زُلْزِلَت الدِّينور، فمات تحت الرَّدْم أكثر من ستّة عشر ألف آدمي، وفرّ السّالمون إلى الصحراء، فاتخذوا أكواخا، وهلك ما لا يحصى، وهدمت أكثر المدينة، وزلزلت سيراف والسيب، وغرق في الماءُ عدَّة مراكب، ووقع هناك بَرَدٌ عظيم، ووُزِنَت بَرَدَةٌ، فكانت مائة وستّة دراهم.
وفيها هدم الحاكمُ بيعةَ قمامة التي بالقُدس، وهي عظيمة القدر عند النَّصارى، يحجُّون إليها، وبها من السُّتُور والآلات والأواني الذَّهب شيءٌ مفْرِط، وكانوا فِي العيد يُظْهِرون الزِّينة، وينصبون الصُّلْبان، وتعلق القُوَّامُ القناديلَ فِي بيت المذبح، ويجعلون فيها دهن الزئبق، ويجعلون بين القنديلين خيطا من الحرير متصلا، وكانوا يطلونه بدهن البلسان، ويقرب بعض الرُّهْبان، فيعلّق النّارَ فِي خيطٍ منها من موضعٍ لا يراه أحد، فينتقّل بين القناديل، فتوقد الكلّ ويقولون: نزل النُّور من السّماء فأوقدها، فيضجُّون، فلمّا وُصِفَت هذه الحالة للحاكم، كتب إلى والي الرَّمْلة، وإلى أحمد بن يعقوب الدّاعي بأن يقصد بيتَ المقدس، ويأخذ القضاةَ والأشراف والرؤساء، وينزلوا عَلَى هذه الكنيسة، ويُبِيحُوا للعامَّة نَهْبَها، ثم يخربونها إلى الْأرض، وأحسّ النَّصَارَى، فأخرجوا ما فيها من جوهر وذهب وستُور، وانْتُهِب ما بقي، وهُدِمت.
ثم أمر بهدم الكنائس، ونَقَضَ بعضها بيده، وأمر بأن تعمل مساجدَ للمسلمين، وأمر بالنّداء: من أراد الْأسْلامَ فلْيُسْلِم، ومن أراد الانتقال إلى بلد الروم كَانَ آمنًا إلى أن يخرج، ومن أراد المقام على أن يلتزم ما شُرِطَ عَلَيْهِ فلْيَقُم. وشَرَط عَلَى النصارى تعليقَ الصُّلْبان ظاهرةً عَلَى صُدُورهم، وعلى اليهود تعليق تمثال رأس العِجْل فِي أعناقهم، ومنعهم من ركوب -[693]- الخيل، فعملوا صلبان الذَّهب والفضّة، فأنكر الحاكم ذلك، وأمر المحتسبين بإلزامهم بتعليق صُلبان الخشب، وأن يكون قدر الواحد أربعة أرطال، واليهود تعليق خشبة كالمدقّة، وزنها ستّة أرطال، وأن تشد فِي أعناقهم أجراسًا عند دخولهم الحمّامات.
ثم إنَّه قبل أن يُقْتل أذّن فِي إعادة البِيَعِ والكنائس، وأذِن لمن أسلم أن يعود إلى دينه، لكونه مُكْرَهًا. وقَالَ: ننزّه مساجدنا عمّن لا نيّة لَهُ فِي الْإسلام.

-سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي

-سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
في شعبان عصفت ريح شديدة بالعراق، وألقت رملا أحمر بالطرق والبيوت.
وفيها عزل أبو عمر قاضي البصرة، ووُلِّي القضاءَ أَبُو الْحَسَن بْن أَبِي الشّوارب، فَقَالَ العُصْفُرِي الشّاعر:
عندي حديثٌ ظريفٌ ... بِمِثْلِهِ يُتَغَنَّى
من قاضيين يُعَزَّى ... هذا وهذا يُهَنّا
فذا يَقُولُ أَكْرَهُونا ... وذا يَقُولُ اسْتَرَحْنَا
ويكذِبان جميعًا ... ومَن يُصَدَّقُ مِنّا
ورجع الرَّكْبُ العراقي خوفًا من ابن الجرّاح الطّائي، فدخلوا بغدادَ يوم عرفة، وخرج بنو زغب الهلاليّون، وهم ستّمائة، عَلَى رَكْب البصْرة، فأخذوا منهم ما قيمته ألف ألف دينار. كذا نقل ابن الْجَوْزِي فِي مُنْتَظَمِه.
وفيها وُلّى دمشقَ أَبُو الجيش حامد بْن ملهم للحاكم، بعد عليّ بْن جَعْفَر بْن فلاح، فوليها سنة وأشهرًا، ثم عُزِلَ، وكان جوادًا ممدَّحًا، ووُلِّي بعده أو معه القائد أَبُو منصور ختكين الدّاعي المعروف بالضَّيف، ذكره ابن عساكر فَقَالَ: وُلِّي إمرة دمشق مرّتين للحاكم فأساء السّيرة.
وفي جُمادى الآخرة كانت الفتنة بالأندلس، وثار مُحَمَّد بْن هشام -[694]- الْأمويّ عَلَى متولِّي الْأندلس، وانْخَرَمَ النّظام ووَهَى سلطان بني أمية بالأندلس.
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت