موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تاريخ جمال الدين
محمد بن أحمد المطري. المتوفى: سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. من تواريخ المدينة. |
تكملة معجم المؤلفين
|
ثم انتقل إلى السعودية حيث عين مستشاراً للملك سعود.
كانت له عناية خاصة بالأدب، نشر عدة مقالات في عدد من الصحف، وكتب قصتين، هما: - ثريا. القدس، مطبعة دار الأيتام 1934. - على سكة حديد الحجاز (رواية). القدس، المطبعة الصناعية 1932. كما أصدر جريدة اللواء (ناطقة بلسان الحزب العربى) بالقدس عام 1936 م (¬1). جمال العطيفي = جمال الدين بن أحمد العطيفي جمال محمد أحمد (000 - 1407 هـ) (000 - 1986 م) من الكتَّاب المعروفين في السودان. شغل منصب وزير خارجية في إحدى ¬__________ (¬1) أعلام فلسطين من القرن الأول حتى القرن الخامس عشر 2/ 86 - 87. |
تكملة معجم المؤلفين
|
جمال الدين أحمد العطيفي
(1344 - 1403 هـ) (1925 - 1983 م) إعلامي، قانوني، كاتب صحفي سياسي واجتماعي. ولد في أبو تيج بمحافظة أسيوط، وحصل على الدكتوراه عام 1384 هـ عن بحثه "الحماية" الجنائية من تأثير النشر". تولى منصب نقيب المحامين المؤقت في أعقاب حل مجلس النقابة بمطلع الثمانينات الميلادية، واختير مستشاراً قانونياً صحيفة الأهرام عام 1373 هـ. وكان مقرراً للجنة التحضيرية لدستور 1971 م، ثم تولى اللجنة التشريعية في مجلس الشعب ويصبح أحد أبرز البرلمانيين المصريين في المؤتمرات البرلمانية الدولية. وتولى وزارة الثقافة والإعلام سنة 1976 م. وحاول إبان فترة توليه الوزارة أن يسخر الإعلام للدعوة إلى تطبيق الشريعة |
تكملة معجم المؤلفين
|
(ظ)
ظافر محمد جمال الدين القاسمي (1331 - 1404 هـ) (1913 - 1984 م) عالم، أديب، لغوي، مفسِّر. ولد في حي القنوات بدمشق، وهو ابن علاَّمة الشام محمد جمال الدين القاسمي، الذي توفي عنه وعمره أقل من سنتين. درس على علماء عصره. ودرَّس في عدة جامعات، كجامعات دمشق، وجامعة عَمَّان، وحاضر في عديد من الجامعات كذلك، واشترك في الحركة الوطنية السورية، وانتُخب نقيباً للمحامين بدمشق سنة |
تكملة معجم المؤلفين
|
أستاذ الأدب العربي في الجامعة المستنصرية ببغداد.
له عدة مؤلفات منها: الأناشيد (مجموعة شعرية)، الشاعر العربي مسرحياً (دراسة)، دير الملاك (دراسة في الشعر العراقي)، موسيقى الشعر. ومما تركه مخطوطاً: دراسة نقدية في الشعر بعنوان "تحولات الشجرة"، وديوان شعر عنوانه "مدن جديدة" (¬3). محسن جمال الدين (1337 - 1409 هـ) (1918 - 1989 م) أديب، ناقد، محقق. ولد في العمارة بالعراق. من مؤلفاته: - احتفالات الموالد النبوية في الأشعار الأندلسية والمغربية والمهجرية. بغداد 1967. ¬__________ (¬3) الفيصل ع 212 (صفر 1415 هـ) ص 137، آفاق الثقافة والتراث س 2 ع 6 (ربيع الآخر 1415 هـ). |
سير أعلام النبلاء
|
أخوه جمال الدين محمد، ابن خفاجة، الموسوي:
4826-[أخوه جمال الدين محمد 1] : وَأَخُوْهُ الملكُ جَمَالُ الدِّيْنِ أَبُو المُظَفَّرِ مُحَمَّدٌ. قِيْلَ: هُوَ عمِلَ عَلَى أَخِيْهِ، ثُمَّ تَملَّكَ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ، فَمَا مَتَّعَهُ اللهُ، فَمَاتَ بَعْدَ مَحْمُوْدٍ بِعَشْرَةِ أَشهُرٍ، فَأَجلسُوا فِي المُلكِ وَلدَه أَبق وَهُوَ مُرَاهِقٌ، وَدُفِنَ بِتربَةِ جدِّهِ طُغْتِكِين بظاهر دمشق. 4827- ابن خَفَاجة 2: شَاعِرُ وَقتِهِ، أَبُو إِسْحَاقَ، إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي الفَتْحِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ خَفَاجَةَ الأَنْدَلُسِيُّ. لَهُ "دِيْوَانٌ" مَشْهُوْرٌ، وَلَمْ يَتعرَّضْ لِمَدحِ مُلُوْكِ الأَنْدَلُسِ، وَهُوَ القَائِلُ: وَالشَّمْسُ تَجْنَحُ لِلْغُرُوْبِ عَلِيلَةً وَالرَّعدُ يَرقِي وَالغَمَامَة تَنْفُثُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ, وَلَهُ ثَلاَثٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً. 4828- الموسوي 3: الوَاعِظُ الكَبِيْرُ، أَبُو البَرَكَاتِ، مَهْدِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِيُّ المُوْسَوِيُّ. وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ بِبَغْدَادَ. وَسَمِعَ ابْنَ طَلْحَةَ النِّعَالِيَّ، وَابْن البَطِرِ. قَالَ السَّمْعَانِيُّ: كَتَبْتُ عَنْهُ، وَخُسِفَ بِجَنْزَةَ, فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فَهَلَكَ فِيْهَا عَالَمٌ لاَ يحصون من المسلمين، منهم هذا الواعظ. __________ 1 ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "1/ 296"، والعبر "4/ 93"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "5/ 265 و 266"، وشذرات الذهب لابن العماد "4/ 105". 2 ترجمته في وفيات الأعيان "1/ 56- 57". 3 ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "10/ 88". |
الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
النحوي: إبراهيم بن عبد الحميد بن خليفة بن
¬__________ * المُغرب (2/ 260)، البغية (1/ 414). • سلك الدرر (1/ 8 - 9)، معجم المؤلفين (1/ 33). (¬1) الخلوتى: هي نسبة إلى الطريقة الخلوتية المنسوبة إلى أَبى العباس أحمد بن محمد الشريف الحسيني التيجانى العلواني، الذي ولد عام (1150 هـ) وتوفي عام (1218 هـ)، انتشرت طريقتة في بلاد المغرب والسودان وسائر جهات إفريقيا انتشارًا عظيمًا لم تنشر طريقة غيرها في تلك الجهات. (انظر "جامع كرامات الأولياء (1/ 349)، وتصوف الإسلام للدكتور حسن عاصي. * معجم الأدباء (1/ 70) بغية الوعاة (1/ 408) (1/ 426)، معجم المؤلفين (1/ 33)، مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن (369). * المقفى الكبير (1/ 210). غارم الغزولي الهرّاوي الإسكندري، برهان الدين، أَبو إسحاق. ولد: سنة (607 هـ) سبع وستمائة، بثغر الإسكندرية. كلام العلماء فيه: • المقفى: "متصدر لإقراء النحو" أ. هـ. |
الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
النحوي: محمّد بن عليّ بن نور الدين الخطيب الموزعي، جمال الدين.
من مشايخه: الإمام الريمي، وجماعة من بني الناشري وغيرهم. كلام العلماء فيه: • الضوء: "جرت له مع صوفية وقته أمور بان فيها فضله "أ. هـ. • صلحاء اليمن: "ولما ظهرت كتب ابن عربي وكان المتصدي لشرائها الشيخ أحمد الرداد، أنكر عليه الإمام ابن نور الدين وشنع على مطالعتها فلما علم ابن الرداد بذلك وهو متولي القضاء الأكبر أحضره من بلده إلى مدينة زبيد وذلك في الدولة الناصرية والغساسنة، فلما وصل اجتمع مع جماعة من الفقهاء والصوفية في مجلس حافل وطلب ابن الرداد مناظرته فأقام الإمام محمّد بن نور الدين حجته ببطلان كلام ابن عربي في كتبه فهمت الصوفية بالفتك بالإمام نور الدين، فقام بنصرته الأمير محمّد بن زياد فخلصه منهم ... وكان ذا صدقة وأفعال للخير كثيرة يبدأ بأقاربه وجيرانه ثم يعم كل محتاج علم به أو وصل إليه ولا يدخر في بيته إلا ما يسد به خُلَّته في وقتهم وهو الذي ابتدأ بعمارة جامع موزع .. وظهرت له كرامات في حياته وبعد موته، وكان مجاب الدعوة .. "أ. هـ. • مصادر الفكر السامي: "كان من العلماء الكبار .. اشتغل بالتصنيف والتدريس وجرت بينه وبين الشيخ ابن الرداد مناظرة بسبب ميل الأخير إلى علوم الصوفية وأوذي الموزعي بسبب ذلك"أ. هـ. • الصوفية والفقهاء في اليمن: "الشيخ الموزعي كان على جانب كبير من المعرفة لأسرار نحلة ابن عربي وقد قام بنفسه بدراسة كتبه والرد عليها في مؤلف له ويقول ابن الأهدل إنه أول الفقهاء الذين باشروا قراءة كتب ابن عربي والرد عليها من نصوصها المستقاة منها. وقد مكنته معرفته من مناظرة أصحاب هذه النحلة فقد ذكر ابن الأهدل أنه ناظر الشيخ محمّد بن محمود الكرماني -أحد أتباع ابن عربي في اليمن- إلا أن المناظرة لم تكن (بحضرة من يميز الحق ويقضي به بل بحضره من هو بصدد المحاباة والمداهنة في دين الله وعدم التحقيق لأصول الدين وأقوال الزائفين) وهكذا فإن الموزعي لم يتم له التغلب على خصمه لوجود فئة كانت تناصر الكرماني وأغلب الظن أن هذه المناظرة حدثت في عهد تولى ابن الرداد القضاء على أن ابن الرداد نفسه كانت له جولة مع الموزعي في المناظرات وقد استدعاه من قريته إلى مدينة زبيد (فلما وصل اجتمع مع جماعة من الفقهاء والصوفية في مجلس حافل وطلب ابن الرداد مناظرته فأبان الموزعي حجته ببطلان كلام ¬__________ * طبقات صلحاء اليمن (268)، مصادر الفكر الإسلامي (196)، الصوفية والفقهاء في اليمن (135)، الضوء اللامع (9/ 223)، الأعلام (6/ 87). ابن عربي في كتبه) ويبدو أن الغلبة هذه المرة كانت للموزعي حتى إن الصوفية (همت بالفتك به فقام لنصرته الأمير محمّد بن زياد .. " أ. هـ. وفاته: سنة (825 هـ) خمس وعشرين وثمانمائة. من مصنفاته: صنف كتابًا في الرد على ابن عربي، "كتاب كشف الظلمة عن هذه الأمة"، وكتاب "مصابيح المعاني في حروف المعاني" في النحو. |
الموسوعة الميسرة في تراجم أئمة التفسير والإقراء والنحو واللغة
|
المفسر: محمّد بن محمّد سعيد بن قاسم الحلاق، من سلالة الحسين السبط جمال الدين القاسمي.
ولد: سنة (1283 هـ) ثلاث وثمانين ومائتين وألف. من مشايخه: الشيخ أحمد الحلواني، والشيخ سليم العطار وغيرهما. من تلامذته: الشيخ محمّد جميل الشطي، والشيخ محمَّد بهجة البيطار وغيرهما. ¬__________ * حلية البشر (3/ 1354)، تاريخ علماء دمشق (3/ 674)، الأعلام (7/ 77)، معجم المؤلفين (3/ 655). * الأعلام (2/ 135)، أعلام دمشق (61)، تاريخ علماء دمشق (1/ 298)، "جمال الدين القاسمي وعصره" ظافر القاسمي، الطبعة الأولى، دمشق (1385 هـ -1965 م)، المفسرون بين التأويل والإثبات (1/ 225)، اتجاهات التفسير في العصر الراهن (ص 43) وما بعدها. كلام العلماء فيه: * الأعلام: "كان إمام الشام في عصره. علمًا بالدين، ومتضلعًا من فنون الأدب. مولده ووفاته في دمشق. كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد. وقد اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين سموه (المذهب الجمالي) فقبضت عليه الحكومة سنة (1313 هـ) وسألته فرد التهمة فأخلي سبيله، واعتذر إليه وإلي دمشق" أ. هـ. * أعلام دمشق: "وكانت فيه نزعة سلفية معتدلة" أ. هـ. * اتجاهات التفسير في العصر الراهن: (والقاسمي ينصر مذهب أهل السنة، ولذلك نجده يورد أقوال المعتزلة ويرد عليها ولنستمع إليه حين يورد قول المعتزلة في أن الشفاعة لا تقبل للعصاة ويفند زعمهم هذا بأقوال صاحب الانتصاف ابن المنير الإسكندري، يقول القاسمي: "القول في تأويل قوله تعالى {{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}} تنبيه: تمسكت المعتزلة بهذه الآية على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة، لأنه نفي أن تقضي نفس عن نفس حقًّا أخلَّت به من فعل أو ترك، ثم نفي أن يقبل منها شفاعة شفيع فعُلم أنها لا تقبل للعصاة. والجواب: أنها خاصة بالكفار. ويؤيده أن الخطاب معهم كما قال: {{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الْشَّافِعِينَ}}، وكما قال عن أهل النار {{فَمَا لَنَأ مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}}. فمعنى الآية أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذ ولا يخلص منه أحد وفي الانتصاف: من جحد الشفاعة فهو جدير ألا ينالها. وأما من آمن بها وصدقها، وهم أهل السنة والجماعة، فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنها تنال العصاة من المؤمنين، وإنما ادخرت لهم. وليس في الآية دليل لمنكريها". وها هو ذا ينصر مذهب أهل السنة في جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة ويرد على المعتزلة الذين ينكرون ذلك، فيقول: "القول في تأويل قوله تعالى: {{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}}. دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم يذكر، سبحانه وتعالى، سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات منها هذه. ومنها قوله تعالى: الآية {{يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ... }} الآية ومنها قوله تعالى: {{وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا}}. فدلت هذه التهديدات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على امتناعها فيها. وكما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدُّنيا فقد وعد الوعد الصادق عَزَّ وَجَلَّ برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها". والقاسمي لأنه عني بالنقل عن مفسري السلف فلا مفر له من ذكر الإسرائيليات في تفسيره، يقول في تأويل قوله تعالى: {{وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}}. * هذه الآية بيان لكيفية وقوع العفو المذكور في الآية قبل. روي أن موسى - عليه السلام - لما رجع من الميقات ورأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، غضب ورمى باللوحين من يده. فكسرهما في أسفل الجبل. ثم أحرق العجل الذي صنعوه، ثم قال: من كان من حزب الرب فليقبل إليّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوي، وقال لهم: هذا ما يقوله الرب إله إسرائيل: ليتقلد كل رجل منكم سيفه، فجوزوا من وسط المحلة من باب إلى باب وارجعوا. وليقتل الرجل منكم أخاه وصاحبه وقريبه. فصنع بنو لاوي كما أمرهم موسى فقتلوا في ذلك اليوم من الشعب نحو ثلاثة وعشرين ألف رجل (وفي رواية نحو ثلاثة آلاف رجل). وفي غد ذلك اليوم كلم موسى الشعب وقال لهم: أنتم قد أخطائم خطيئة عظيمة. وإني الآن أصعد إلى الرب فأتضرع إليه من أجل خطيئتكم. فصعد موسى وتضرع للرب وسأل المغفرة لقومه". ولا يغيب عن البال أن القاسمي بدأ هذه الرواية بلفظة "روي" المبني للمجهول إشعارًا منه بضعفها. والقاسمي إذ ينقل الإسرائيليات عن تفاسير السلف إلا أنه لا يقف منها كحاطب ليل، فنراه يضعفها وينبه إلى فسادها وغلطها مستفيدًا من أقوال ابن كثير الدمشقي فيها، يقول في تأويل قوله تعالى {{وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا ... }} الآية: "وقد غلط أهل الكتاب في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عَزَّ وَجَلَّ، فإن موسى الكليم - عليه السلام - قد سأل ذلك فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون! أفاده ابن كثير. وقد رأيت دعواهم المذكورة في الفصل الرابع والعشرين في سفر الخروج. وهذا من المواضع الحقق تحريفها. ويدل عليه ما في الفصل الثالث والثلاثين من السفر المذكور أنه تعالى قال لموسى: لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش". ويلوم المفسرون الذين أوردوا روايات مختلفة في قصة البقرة وصاحبها لأنه لا يتعلق به كبير فائدة ولم يرو بسند صحيح إلى النبي - عليه السلام -، يقول: "وقد ذكر أكثر المفسرين قصة البقرة وصاحبها بروايات مختلفة لم نورد شيئًا كما أن البعض من البقرة لم يجيء من طريق صحيح عن معصوم بيانه. فنحن نبهمه كما أبهمه الله تعالى، إذ ليس في تعيينه لنا فائدة دينيه ولا دنيوية، وإن كان معينًا في نفسى الأمر. وأيًا كان فالمعجزة حاصلة به". والقاسمي في نقله عن مفسري السلف كان لا يلغي شخصيته ومواقفه، بل نجده ينقد بعض المفسرين ويضعف تأويلهم واجتهاداتهم في تفسير لفظة أو جملة قرآنية على شاكلة قوله في تأويل قوله تعالى: {{وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}}: وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة، نعم! لو حمل أحدهما على الآخر مجازًا يبعد، ولا ضرورة إليه هنا". ومن مثل ذلك قوله في تأويل قوله تعالى: {{وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}}: "تنبيه: خص من ذلك مقدار أجر المثل عند كون الوالي فقيرًا لقوله تعالى: {{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}}، كذا قاله البيضاوي وتابعه أَبو السعود. وعندي أنه لا حاجة إلى تخصيص هذا النهي بالفقير في هذه الآية لأنها في الغني، لقوله {{إِلَى أَمْوَالِكُمْ}} فلا يشمل مساقها الفقير". وفي صفات الله يستصوب القاسمي ما عليه أئمة السلف أهل العلم والإيمان وينصر موقفهم منها، إذ يقول: "والصواب ما عليه أئمة الهدى، وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبل السلف الماضين، أهل العلم والإيمان. والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها، فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا ولا يترك تدبر القرآن، فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني". ومن الواضح لكل من يقرأ محاسن التأويل أن القاسمي متأثر بمفسرين أشد التأثير. الأول ابن كثير الدمشقي، والثاني الشيخ محمّد عبده الذي كان يلقبه الأستاذ الحكيم. ونتيجة لتأثره بهذين فإن عبارته تتصف بالسهولة والإيجاز. وكان معجبًا بابن تيمية الحراني شيخ ابن كثير الدمشقي الحافظ المفسر المؤرخ، وفي مواضع كثيرة من تفسير القاسمي نراه يستشهد بأقوال ابن تيمية ويذكر اسم الكتاب الذي نقل منه علي شاكلة قوله في تأويل قوله تعالى: {{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... الآية}}: "تنبيه: للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة. وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية عليه الرحمة والرضوان. يقول في خلالها: "المحكم في القرآن تارة يقابل بالمتثابه والجميع من آيات الله، وتارة يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان، ومن الناس من يجعله مقابلًا لما نسخه الله مطلقًا، حتى يقول هذه الآية محكمة ليست منسوخة، ويجعل المنسوخ ليس محكمًا، وإن كان الله أنزله أولًا اتباعًا للظاهر من قوله: {{فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ}}. فهذه ثلاث معانٍ تقابل المحكم، ينبغي التفطُّن لها" أ. هـ. قلت: وقد فصل الأستاذ المغراوي عقيدة القاسمي في الأسماء والصفات بشكل أكبر في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات" ووصفه بأنه كان على نهج السلف الصالح، بل ولم يحد عنه إلا بما سنذكره آنفًا، ولعل نقولاته التي هي من أقوال الأئمة السلف الذين هم على الحق في الاعتقاد إن كان في الأسماء والصفات أو الإيمان أو غيرها ومن أراد الاستزادة فليرجع إليه فإنه مفيد. على أننا نستدرك على الأستاذ المغراوي كلام القاسمي في صفة قرب الله تعالى في قوله تعالى من سورة ق: {{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}} حيث إنه لم يتطرق إلى هذه الصفة في كتابه الآنف الذكر، مع العلم أن القاسمي قد خالف ابن كثير في تفسير هذه الآية فقال في تفسيره محاسن التأويل (6/ 320) مرجحًا لقول من قال: -إنه تمثيل للقرب المعنوي، بالصورة الحسية المشاهدة، على من قال: يعني ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه-: "والوجه الأول أدق وأقرب، وفيه من الترهيب وتناهي سعة العلم، مع التعريف بجلالة المقام الرباني ما لا يخفى حسنه" والقول الثاني الذي اعتبره القاسمي مرجوحًا هو قول ابن كثير وهو مذهب السلف في هذه الآية (انظر تفسير ابن كثير (4/ 235) في تفسير سورة ق) ... وبقي لنا أن نذكر كلام ابنه على تفسيره فقد قال في كتابه "جمال الدين القاسمي وعصره" (ص 683) ما نصه: "جرى في تفسيره على إظهار أسرار الشريعة وحقائقها على طريقة السلف الصالح حرًّا دون قيد، يفسر القرآن بالقرآن وبالحديث وبأقوال الصحابة والتابعين والأئمة من مختلف المذاهب فتراه ينقل عن المحدثين وقدامى المفسرين، وينقل عن المعتزلة والزيدية والشيعة والظاهرية وغيرهم. لا يتحرج في ذلك، ما رأى الحق في أقوالهم أو القول السديد في آثارهم". * ثم قال ظافر القاسمي -ابن جمال الدين القاسمي- ضمن فصل السوانح (¬1) (ص 273) ما نصه: "لا عبرة برمي شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وأمثالهما رحمهم الله تعالى بالإلحاد، مثل النصير الطوسي، وابن عربي، وبعض الأشاعرة، أو المتأولين لآيات الصفات وآثارها، فإن ذلك منه ومن أمثاله حمية مذهبية، وغيرة على نصرة ما قوي لديه. وقد عهد في العالم الغيور الذي لا يتسع صدره لخلاف الخصم، أن يحمل عليه أمثال هذا وأعظم، وإلا فالنصير قد علم أن له مؤلفات في فن الكلام، خدمت وشرحت، وكلها مما يبرئه عن الإلحاد والزندقة، ودعوى أنه كان محرض هولاكو على قتل العلماء، دعوى من لم يعرف سنة الملوك المتغلبين، المندفعين على البلاد، للأسر والقتل. وأين نصير الدين من هولاكو، حتى يكون مستشاره في القتل والسفك، وعقيدته، ومشربه؟ وترجمته المحفوظة، نبرئه من مثل ذلك! وابن عربي، حق الباحث معه، المنكر عليه، أن ينكر عليه موضعًا لا يحتمل التأويل، ويقول: ظاهره إلحاد. إلا أن الرجل له عقيدة نشرها أولًا، ومذهب في الفقه حسن، فمثله لا يسوغ رميه بالإلحاد. وحينئذ فيقال: كلامه مشكل، إلا أن عقيدته صحيحة. فالأولى الإعراض عن المشكلات من كلامه، وعدم مطالعتها، إذ لعل لها معاني عنده. وأمثال هذا مما يخفف من الرمي، ¬__________ (¬1) قال ظافر القاسمي: "ومما هو داخل في باب آراء القاسمي وأفكاره مجموعة سماها (السوانح) جمع سانحة .. وقد دون هذه السوانح بكثير من الحرية" أ. هـ. ملخصًا من كتاب جمال الدين القاسمي وعصره (ص -259). والإلحاد، فافهم .. " أ. هـ. قلت: لا شك أن هذا الكلام مردود على القاسمي رحمه الله تعالى فمثل إلحاد النصير الطوسي (¬1) وابن عربي (¬2) صاحب وحدة الوجود لا يخفى على عالم مثله. على أنه مدح ابن عربي أيضًا في أحد كتبه، ولعل السبب في ذلك الجو الذي عاش فيه فقد كثر فيه التصوف والدعوة إليه والانتصار لبعض مشايخه -أي التصوف- ولا شك أنه تأثر بذلك فتراه يذكر في مشيخته: "ومن أجلاء مشايخي صوفي عصره، الأستاذ الجليل المحقق محمّد بن محمّد الخاني النقشبندي ... ولمهارته رحمه الله في فن التصوف قرأت عليه من كتبه لطائف الأعلام للقاشاني، وشرح الفصوص لملّا جامي، ومواقف أستاذه الأمير عبد القادر الحسني ثم الدمشقي، وحصة من شرح مواقع النجوم، وغير ذلك مما لم يحضرني الآن. وحضرته في كتاب والده البهجة السنية في آداب الطريقة النقشبندية. "وكان رحمه الله لقنني ذكر الطريقة النقشبندية، ولازمت حلقته مدة، ثم تركتها لأمرٍ ما" أ. هـ. وفي السانحة رقم (30) يقول القاسمي: "مسألة خلق الأفعال، يرى الواقف على أدلتها من المطولات الكلامية ظهور أدلة المعتزلة ظهورًا بيِّنًا. فإذا قيل لهم: لم يعذب الله العصاة؟ قالوا: لارتكابهم المعاصي. فإذا قيل لهم: أم ارتكبوها؟ قالوا: لإرادتهم ذلك، وإنهم مختارون. فإذا قيل لهم: أليس يجب صدور المعصية عنهم حتى يطابق علم الله تعالى؟ أجابوا: بأن العلم تابع للمعلوم، دون العكس. فليس العلم بالمعصية سببًا للمعصية، حتى تجب المعصية بوجوبه، فعلمه تعالى بمعصية زيد لأنه سيعصي، لا إن زيدًا يعصي لأنه قد علم الله معصيته. ومن المعلوم أن وجوب الشيء المقارن اللازم لفعل لا يجعل ذلك اضطراريًا، بحيث يقبح العقل التكليف. وأما طريقة الحكماء فهي أن العقاب لازم من لوازم أفعالهم، ففعلهم هو سب له كالمرض، فإن حدوثه من لوازم فساد ما في الأخلاط، وكذلك العقاب لازم للأفعال المذمومة، وارد على النفس منها لفساد ملكتها". وفي السانحة رقم (55) قال: "سنح لي أن أقيد ما أراه في مسألة كتب الصوفية، والمشهورين بالعارفين منهم، من الاعتدال في ذلك، والتوسط فيه، حبًا بالإنصاف، فإني رأيت من الناس من يكفر أربابها، ويحرم النظر فيها، ويحرقها إذا ظفر بها، اشتمالها على ما يعتقده حلولًا، واتحادًا، من ألفاظ ظاهرها ذلك. كما أن من الناس من يجلها وأربابها، ويشغف بها، ويدعو إليها، ويراها لب الألباب، وأنها الجديرة بأن ينفق في مطالعتاها العمر، وندر من يتوسط في ذلك أو في أصحابها، بل الأمر في بعض مؤلفيها أن يصفه قوم بأنه صديق، وآخرون بأنه زنديق. فما هذا الحال، وأين الاعتدال؟ ¬__________ (¬1) انظر في الكلام على الطوسي، درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (10/ 44)، وما بعدها و (10/ 57، 69) و (5/ 67). (¬2) انظر ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل في ذلك: (5/ 40، 22، 340، 355، 359)، (6/ 77)، وغيرها من المواضع. فأما مسألة التكفير، فإنا لا نكفر كل من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، واعتقد عقيدتنا، ونلتمس لكلامه ما يدرأ عنه الكفر، للأصل الأصيل في باب الحدود، وهو حديث: "ادرأوا الحدود بالشبهات". نقول هذا أولًا مع الحشوية الذين لا يفقفون لكلام أولئك من قاعدة، وإلا فإنهم في فنهم على أصول قرروها، واصطلاحات حرروها، من رجع إليها رأى أن كلامهم شعبة من فن الحكمة. إلا أن مؤلفيها لما كانوا من أرباب الرياضة، والتجريد، والتزهد، مع الانصباغ بصبغة الدين، كان كلامهم أشبه بفلسفة إسلامية، لا يونانية محضة، فأصبحت مزيجًا، كما يعلمه الواقف على كلامهم في مطولات كتبهم، كالفتوحات والأسفار الأربعة، وغيرها. نعم، لا ينكر أنها اشتملت على ما هو مردود، ومنظور فيه، مما ظهرت الحكمة الجديدة، والفلسفة الحقة الآن، بخلافه، إلا أنها في تلك العصور كانت هي المشهورة المتداولة وأما اشتمالها على ما يشعر بالحلول، أو الاتحاد، فهو ما يفهم منها بحسب ظاهر اللفظ، ولو رجع إلى مقاصد أربابها لوجدهم يبرؤون إلى الله من أن يفهم حلول أو اتحاد، لأنه خلاف الفن، وخلاف قواعده، لأن الوجود الكلي لا يتعين، فتعينه بذات، ودعوى أنه هو هي، خطأ في الفن، فالعلم يتبرأ منه. فإذن من الفرية عيهم أنهم يقولون بالحلول والاتحاد، ومن الجهل بقواعدهم ومشربهم واصطلاحاتهم .. " أ. هـ. قلت: انظر في الرد على السانحة رقم (30) ما قاله شيخ الإسلام في مجمع الفتاوى (8/ 406) وما بعدها و (8/ 448) وما بعدها ودرء تعارض العقل والنقل (10/ 112) و (9/ 271) وما بعدها. ومنه يظهر لك خطأ ما ذهب إليه القاسمي في ذلك. وأن ما قاله ليس هو قول أهل السنة والجماعة. أما ما ذكره في السانحة رقم (50) فنقول إنه قد ظهر أمر ابن عربي وأتباعه وانكشف فلا حاجة للاعتذار عنهم بمثل ما قاله القاسمي. ولا ندري ما الذي دفع القاسمي إلى القول بهذا مع أنه من العلماء الذين نذروا أنفسهم لنشر مذهب السلف وخصوصًا في مسألة الأسماء والصفات وتفسيره محاسن التأويل خير دليل على ذلك. وحاولنا قدر الإمكان التحقق من نسبة هذه الأقوال إليه فوجدنا أن الأمر لا ليس فيه فقد ذكر ابنه ما نصه: "ولقد كانت هذه السوانح متنفسًا للقاسمي على ما يظهر، كتب فيها بعض آرائه التي لم يكن يجرؤ على نشرها. في المؤلفات التي طبعت في حياته ولا سيما دعوته إلى إعمال الفكر وإلى الاجتهاد. ففي هذه السوانح ترى هذه الدعوة واضحة" (القاسمي وعصره: ص: 260) بقي لنا أن نعلم أن تاريخ كتابة السانحة رقم (30) كان في صفر سنة (1326 هـ) والسانحة رقم (55) هو عيد الأضحى سنة (1327 هـ) وتاريخ كتابة التفسير هو عيد من سنة (1317 هـ) إلى سنة (1329 هـ). قال الأستاذ المغراوي في كتابه "المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات": "وله كتاب في تاريخ الجهمية أشك في نسبته إليه لما فيه من تعارض مع كتابه الكبير المسمى بمحاسن التأويل والله أعلم" انتهى. قلت: أما نسبة الكتاب إلى القاسمي فثابتةٌ قطعًا وقد طبع في حياته كما ذكر ابنه في كتابه الآنف الذكر. ونحن نشارك الأستاذ المغراوي هذا الاستغراب؛ لأن ما في محاسن التأويل يثبت أن الشيخ جمال الدين القاسمي كان من المدافعين عن منهج السلف ضد بقية الفرق التي انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة كالمعتزلة والجهمية وغيرهما. ولا ندري هل إن الشيخ جمال الدين القاسمي قد نسخ ما قاله في سوانحه وفي كتاب تاريخ الجهمية والمعتزلة بما ذكره في تفسيره أم لا؟ لأن تاريخ كتابه السوانح قريب جدًّا من تاريخ كتابة التفسير! . ولعل هناك سبب آخر في التماس القاسمي العذر لابن عربي والنصير الطوسي وهو منهجه المتساهل في الجرح والتعديل والشاهد على ذلك كتابه الذي ألفه في الجرح والتعديل. ونحن لا نرى غرابة في الأمر فقد وقع القاسمي بما وقع به الإمام السيوطي الذي ألف كتابًا في الدفاع عن ابن عربي سماه "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" ورد عليه إبراهيم الحلي في كتابه المسمى "تسفيه الغبي في تبرئة ابن عربي" [انظر الكتاب محققًا في مجلة الحكمة الغرّاء، العدد 11. وختامًا نقول إن القاسمي هو علامة الشام والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل والتعليم والتهذيب والتأليف وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف والارتقاء المدني الذي يقيضه الزمن. ولكن كما يقولون لكل فارس كبوة، والله أعلم بالصواب. وفاته: سنة (1332 هـ) اثنتين وثلاثين وثلاثمائة وألف. من مصنفاته: "دلائل التوحيد"، و"محاسن التأويل"، و"قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث". |
|
النحوي: يوسف بن محمد بن مظفر بن حماد الحموي، جمال الدين الخطيب الشافعي.
ولد: سنة (668 هـ) ثمان وستين وستمائة، وقيل: (667 هـ) سبع وستين وستمائة. من مشايخه: المؤمل البالسي، والمقداد القيسي وغيرهما. من تلامذته: أبو حيان وغيره. كلام العلماء فيه: * السير: "كان على قدم متين من العلم والعمل والتعبد ونشر العلم. لقد تأسفوا لفقده رحمه الله" أ. هـ. ¬__________ * بغية الوعاة (2/ 361)، الدرر الكامنة (5/ 249)، السير (17/ 507) ط. علوش. * الدرر الكامنة: "تفقه ففاق في الفقه والأصول والنحو ونظم الشعر الجيد وأخذ عن الفضلاء، وكان مفتي حماة وخطيبها" أ. هـ. من أقواله: من شعره: ولما أن قضى أجلي بهجرٍ ... وسرت كليم وجد لا محاله بجانب حده آنست نارًا ... ولكني وجدت بها ضلالة وفاته: سنة (736 هـ) ست وثلاثين وسبعمائة، وقيل: (732 هـ) اثنتين وثلاثين وسبعمائة. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*جمال الدين الأفغانى هو محمد بن صفتر الحسينى جمال الدين فيلسوف الإسلام فى عصره.
وُلد فى بيت شرف وعلم بقرية أسعد آباد من قرى كنر بالأفغانستان سنة (1254 هـ = 1838 م) ثم انتقل إلى كابل وهو فى الثامنة من عمره، فتلقى العلوم العربية والشرعية والرياضية، وبرع فى العلوم الرياضية. كان جمال الدين الأفغانى من العقول الواسعة؛ فقد أتقن الإنجليزية والروسية، وكان واسع الاطلاع على العلوم القديمة والحديثة، خصوصاً الفلسفة القديمة وفلسفة تاريخ الإسلام. سافر الأفغانى إلى الهند ومصر ثم إلى الأستانة وعُيِّن فيها عضواً فى مجلس المعارف، ثم غادرها إلى مصر فمكث فيها ثمانى سنوات فطارت شهرته فى البلاد وأقبل عليه الطلاب يتلمسون منه علماً ونوراً. وشهد الأفغانى الثورة العرابية، وبعد إخفاقها سافر إلى باريس، ولحقه تلميذه محمد عبده وأنشأ معه جريدة العروة الوثقى. وليس للأفغانى غير مؤلفين هما: -تاريخ الأفغان. -رسالة الرد على الدهريين. وفى آخر أيامه داهمه مرض السرطان فى فكه وامتد إلى عنقه فتُوفِّى بالأستانة ودُفن فى أفغانستان، وكان ذلك سنة (1315 هـ = 1897 م). |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*جمال الدين (سلطان عَدَل) هو جمال الدين محمد بن سعد الدين، من أسرة عمر ولشمع القرشية، التى أقامت سلطنة أوفات الإسلامية شرق الحبشة، ثم سلطنة عدل الإسلامية فى جزءٍ كبير من أراضى السلطنة السابقة.
وجمال الدين هو ثالث سلطان يحكم السلطنة الأخيرة وذلك لمدة سبع سنوات فى الفترة من (828 - 835 هـ = 1424 - 1431 م). وكان ملك الحبشة إسحاق بن داود قد أسر سلطان عدل السابق وأخاه، وهما منصور ومحمد ابنا سعد الدين وظلا فى سجنه حتى تُوفِّيا. وتمكن إسحاق أن ينزل بالمسلمين فى بلاد زيلع وقائع شنيعة، كما كاتب ملوك الفرنجة يستحثهم على التعاون معه لإزالة دولة المسلمين من كل مكان. ومن ثم قام جمال الدين سلطان عدل وأخذ يستعد لملاقاة هذا الملك الحبشى، الذى عزم على ألا يبقى بالمنطقة مسلم قط، واستطاع جيش جمال الدين أن ينزل هزيمة ساحقة بجيش ملك الحبشة، كما هاجم جيش جمال الدين الأحباش مرة ثانية فى إمارة بالى، فهزمهم وأسر معظمهم. وبموت إسحاق تعرضت الحبشة لكثير من الفتن والمنازعات على العرش، فانتهز جمال الدين الفرصة وأمعن فى غزو بلاد الحبشة فغزا إمارة دوارد وأسر ثلاثة من أمراء ملك الحبشة وهاجم أمهرة عقر دار هذا الملك، ودخل كثير من عماله وأمرائه فى طاعة جمال الدين الذى كثرت غنائمه وأسلم على يديه عددٌ كبير من الأحباش. ولكن الحقد والحسد والجهالة أعمت قلوب بنى عمه؛ فاغتالوه فى عام (835 هـ = 1431 م) وهو فى ذروة مجده وانتصاره، دون أن يلقوا بالاً إلى مصير الإسلام الذى أصبح فى كفة الميزان. ويبدو أن هؤلاء المتآمرين كانوا على اتصال بملك الحبشة زرء يعقوب الذى أطمعهم فى كرسى الحكم وحرضهم على ارتكاب هذه الجريمة؛ حتى يتخلص من هذا السلطان الشجاع المجاهد الذى تمكن من التوغل داخل هضبة الحبشة نفسها، والذى كان محبوبًا من الرعية نظرًا لاهتمامه بأمرهم ونشره العدل بينهم، وكان كما يقول المقريزى: خير |
تاريخ دولة آل سلجوق
|
فأغذ السير واستعجل الخبر، وسبق إلى الموصل قبل وصول الجماعة. ولما عرف جمال الدين بوصوله سبق أيضا إلى الموصل وبقي الملك منفردا فاستوحش، وتشور في رأيه وتشوش. وركب صوب الجزيرة مفارقا، وإلى حلبة النجاة مسابقا، فسيّروا وراءه من وثق بتوفير أمانته أمانه، وخيّلوا له أن قد عاد القوم غلمانه، وأن غازيا إذا كنت معه أخذ البلاد باسمك، وجعل الممالك برسمك. وما زالوا يحدثونه بالخسر والختل 1، إلى قلت 2القتل. فإنه عاد معهم ودخل الموصل في استقبال ونثار، وإعظام وإكبار، حتى دخل الدار، وخال الاستقرار. فما أجلسوه، حتى اختلسوه، وما رسموه، حتى رمسوه.
وكتموا أمره، وختموا عمره. وجرى بين جمال الدين الوزير وبين زين الدين علي كوجك وسيف الدين غازي التعاقد على التعاضد، والتعاهد على التساعد. وتولى جمال الدين وزارة الموصل واستولى، وكان باسترعاء ما أولاه الله من نعمه أولى. وأنه عاش بنداه الجواد، وعشا إلى ناديه الوفود. وعادت به الموصل قبلة الإقبال، وكعبة الآمال. فأنارت مطالع سعوده، وسارت في الآفاق صنائع جوده. وعمّر الحرمين الشريفين، وشمل بالبر أهلها، وجمع بالأمن شملها. ذكر حال جمال الدين الجواد أبي جعفر محمد بن علي بن أبي منصور قال-رحمه الله-: كان والده من أصفهان الكامل عليّ، وهو حاجب الوزير شمس الملك بن نظام الملك، وكان أبوه أبو منصور فهّادا في عهد السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان وابنه الكامل نجيب، أديب لبيب. وزادت أيامه في السمو، وأيامنه في النمو. حتى تنافس في استخدامه الملوك والوزراء، واستضاءت برأيه في الحوادث الآراء. وكان قد زوّج بنتا له ببعض أولاد أخوال العم العزيز، فاشتمل لذلك العزيز، -رحمه الله-على ولده جمال الدين أبي جعفر محمد، وخرّجه في الأدب، ودرّجه في الرتب. فأول ما رتبه في ديوان العرض السلطاني المحمودي محليا، فبرز في تلك الحلبة سابقا __________ الختر والختل: الغدر والمخادعة. قلت: الهلاك. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة الشيخ بدر الدين أبي عبدالله محمد بن جمال الدين بن مالك.
687 محرم - 1288 م توفي الشيخ بدر الدين أبو عبدالله محمد بن الشيخ جمال الدين بن مالك النحوي, شارح الألفية التي لأبيه، وكان لطيفا ظريفا فاضلا، توفي يوم الأحد الثامن من المحرم، ودفن من الغد بباب الصغير بدمشق. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة جمال الدين الأفغاني.
1314 شوال - 1897 م جمال الدين الأفغاني ولد في (شعبان 1254هـ / أكتوبر 1838م)، لأسرة أفغانية عريقة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي (رضي الله عنه)، ونشأ في كابول عاصمة الأفغان. وتعلم في بداية تلقيه العلم اللغتين العربية والفارسية، ودرس القرآن وشيئًا من العلوم الإسلامية، وعندما بلغ الثامنة عشرة أتم دراسته للعلوم، ثم سافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، ظل طوال حياته حريصًا على العلم والتعلم، فقد شرع في تعلم الفرنسية وهو كبير، وبذل كثيرًا من الجهد والتصميم حتى خطا خطوات جيدة في تعلمها. وحينما وقع خلاف بين الأمراء الأفغان انحاز جمال الدين إلى محمد أعظم خان الذي كان بمثابة وزير دولة، وحدث صدام بينه وبين الإنجليز، فرحل جمال الدين عن أفغانستان سنة (1285هـ= 1868م)، ومر بالهند في طريقه إلى مصر حيث أقام بها مدة قصيرة تردد في أثنائها على الأزهر، وكان بيته مزارًا لكثير من الطلاب والدارسين خاصة السوريين. ثم سافر إلى "الأستانة" في عهد الصدر عال باشا، فعظم أمره بها، وذاعت شهرته وارتفعت منزلته، ثم عُيِّن جمال الدين وهو في الأستانة عضوًا في مجلس المعارف الأعلى، وهناك لقي معارضة وهجومًا من بعض علماء الأستانة وخطباء المساجد الذين لم يرقهم كثير من آرائه وأقواله؛ فخرج من الأستانة إلى مصر، وخاض الأفغاني غمار السياسة المصرية، ودعا المصريين إلى ضرورة تنظيم أمور الحكم، فلما تولى الخديوي توفيق باشا حكم البلاد أخرجه من مصر، فانتقل الأفغاني إلى الهند سنة (1296هـ= 1879م)، بعد أن أقام في مصر نحو ثماني سنوات. ثم غادر الهند إلى لندن، ومنها انتقل إلى باريس حيث اتصل بالشيخ محمد عبده، وأصدرا معًا جريدة "العروة الوثقى"، ولكنها ما لبثت أن توقفت عن الصدور بعد أن أوصدت أمامها أبواب كل من مصر والسودان والهند. ثم دعاه شاه إيران "ناصر الدين" للحضور إلى طهران واحتفى به وقربه، وهناك نال الأفغاني تقدير الإيرانيين وحظي بحبهم، ومالوا إلى تعاليمه وأفكاره، ثم ذهب إلى موسكو ثم بطرسبرج، ثم عاد مرة أخرى لإيران ثم رحل إلى البصرة، ومنها إلى لندن حيث اتخذ من جريدة "ضياء الخافقين" منبرًا للهجوم على الشاه، وكشف ما آلت إليه أحوال إيران في عهده، انتظم جمال الدين في سلك الماسونية؛ زعم أن ذلك لينفسح له المجال أمام الأعمال السياسية، وقد انتخب رئيسًا لمحفل "كوكب الشرق" سنة (1395هـ=1878م)، ولكنه استقال منه على ما ذكر والله أعلم، وتوفي الأفغاني في الأستانة عن عمر بلغ نحو ستين عامًا، وقد ثار الجدل حول وفاته، وشكك البعض في أسبابها، وأشار آخرون إلى أنه اغتيل بالسم. وكانت وفاته في (5 من شوال 1314هـ / 10 من مارس 1897م). |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
165 - إبراهيم بن عليّ بن يوسف، الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازيّ الفيروزاباديّ، شيخ الشّافعيّة في زمانه، لقبه: جمال الدّين. [المتوفى: 476 هـ]
ولد سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة. تفقَّه بشيراز على أبي عبد الله البَيْضاويّ، وعلى أبي أحمد عبد الوهّاب بن رامين. وقدِم البصرة فأخذ عن الخَرَزَيّ. ودخل بغداد في شوّال سنة خمس عشرة وأربعمائة، فلازمَ القاضي أبا الطَّيِّب وصحبَه، وبرع في الفقه حتّى نابَ عن أبي الطَّيَّب، ورتَّبه مُعِيدًا في حلقته. وصار أنظر أهل زمانه. وكان يُضرب به المَثَل في الفصاحة. وسمع من أبي عليّ بن شاذان، وأبي الفَرَج محمد بن عُبَيْد الله الخَرْجُوشيّ. وأبي بكر البَرْقانيّ، وغيرهم. وحدَّث ببغداد، وهَمَذَان، ونَيْسابور. روى عنه أبو بكر الخطيب، وأبو الوليد الباجيّ، وأبو عبد الله الحميديّ، وأبو القاسم ابن السَّمَرْقَنديّ، وأبو البدر إبراهيم بن محمد الكَرْخيّ، ويوسف بن أيّوب الهَمَذانيّ، وأبو نصر أحمد بن محمد الطُّوسيّ، وأَبُو الحسن بن عبد السّلام، وطوائف سواهم. وقرأت بخطّ ابن الأنْماطيّ أنّه وجد بخطٍّ: قال أبو عليّ الحَسَن بن أحمد الكَرْمانيّ الصُّوفي، يعني الّذي غسّل الشّيخ أبا إسحاق: سمعته يقول: ولدت سنة تسعين وثلاثمائة، ودخلتُ بغداد سنة ثماني عشرة وله ثمانٍ وعشرون -[384]- سنة. ومات لم يخلّف دِرهمًا، ولا عليه درهم. وكذلك كان يقضي عُمْرَه. قال أبو سعْد السَّمعانيّ: أبو إسحاق إمام الشّافعيّة، والمدرّس بالنّظاميّة، شيخ الدّهر، وإمام العصر. رحل النّاس إليه من البلاد، وقصدوه من كلّ الجوانب، وتفرَّد بالعلم الوافر مع السيرة الجميلة، والطريقة المَرْضيّة. جاءته الدّنيا صاغرة، فأباها واقتصر على خشونة العَيْش أيّام حياته. صنَّف في الأصول، والفروع، والخلاف، والمذهب. وكان زاهدًا، ورعًا، متواضعًا، ظريفًا، كريمًا، جوادًا، طلْق الوجه، دائم البشْر، مليح المحاورة. وتفقَّه بفارس على أبي الفَرَج البَيْضاويّ، وبالبصرة على الخَرَزيّ. إلى أن قال: حدَّثنا عنه جماعة كثيرة، وحُكي عنه أنّه قال: كنتُ نائمًا ببغداد، فرأيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أبو بكر وعمر، فقلت: يا رسول الله بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أسمع منك خبرًا أتشرَّف به في الدنيا، وأجعله ذخيرةً للآخرة. فقال: يا شيخ، وسمّاني شيخًا وخاطبني به، وكان يفرح بهذا. ثمّ قال: قُلْ عنّي: مَن أراد السّلامة فلْيَطْلُبْها في سلامة غيره. رواها السّمعانيّ، عن أبي القاسم حَيْدَر بن محمود الشّيرازيّ بمرْو، أنّه سمع ذلك من أبي إسحاق. وورد أنّ أبا إسحاق كان يمشي، وإذا كلبٌ، فقال فقيهٌ معه: اخسأ. فنهاه الشّيخ، وقال: لِمَ طَرَدْتَه عن الطريق؟ أما علِمت أنّ الطريق بيني وبينه مشتركٌ؟ وعنه قال: كنتُ أشتهي ثَرِيدًا بماء باقِلّاء أيّام اشتغالي، فما صحَّ لي أكْلَةٌ، لاشتغالي بالدّرس، وأخذ النَّوبة. قال السَّمعانيّ: قال أصحابنا ببغداد: كان الشّيخ أبو إسحاق إذا بَقِي مدّةً لا يأكل شيئًا صعِد إلى النَّصريّة، فله فيها صديق، فكان يثرد له رغيفًا، ويشربه بماء الباقِلّاء. فربما صعِد إليه، وقد فرغ، فيقول أبو إسحاق: تلك إذا كرَّةٌ خاسرة، ويرجع. قال أبو بكر الشّاشيّ: الشّيخ أبو إسحاق حجّة الله على أئمّة العصر. وقال الموفّق الحنفيّ: أبو إسحاق، أمير المؤمنين فيما بين الفقهاء. قال السَّمعانيّ: سمعت محمد بن عليّ الخطيب يقول: سمعتُ محمد بن محمد بن يوسف الفاشانيّ بمرو يقول: سمعت محمد بن محمد بن هانئ -[385]- القاضي يقول: إمامان ما اتَّفق لهما الحَجّ: أبو إسحاق، والقاضي أبو عبد الله الدّامغانيّ. أما أَبُو إسحاق فكان فقيرًا، ولكن لو أراد لحملوه على الأعناق، والدّامغانيّ، لو أراد الحجّ على السُّندس والإسْتَبْرَق لأَمْكَنَه. قال: وسمعتُ القاضي أبا بكر محمد بن القاسم الشَّهرزوريّ بالمَوْصل يقول: كان شيخنا أبو إسحاق إذا أخطأ أحدٌ بين يديه قال: أيُّ سكتةٍ فاتَتْك. وكان يتوسوس؛ سمعتُ عبد الوهّاب الأنماطيّ يقول: كان أبو إسحاق يتوضأ في الشّطّ، وكان يشك في غَسْل وجهه، حتّى غسّله مرات، فقال له رجل: يا شيخ، أما تستحي، تغسل وجهك كذا وكذا نَوْبَة؟ فقال له: لو صحّ لي الثلاث ما زدتّ عليها. قال السّمعانيّ: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغدّى على عادته، فنسي دينارًا معه وخرج، ثمّ ذكر، فرجع، فوجده، ففكّر في نفسه وقال: ربّما وقع هذا الدّينار من غيري، فلم يأخذه وذهب. وبَلَغَنَا أنّ طاهرًا النَّيسابوري خرَّج للشّيخ أبي إسحاق جزءًا، فكان يذكر في أوّل الحديث: أخبرنا أبو عليّ بن شاذان، وفي آخر: أخبرنا الحسن بن أحمد البزّاز، وفي آخر: أخبرنا الحَسَن بن أبي بكر الفارسي، فقال: من هذا؟ قال: هو ابن شاذان، فقال: ما أريد هذا الجزء. هذا فيه تدليس، والتّدليس أخو الكذِب. وقال القاضي أبو بكر الأنصاريّ: أتيت الشَّيخ أبا إسحاق بفُتْيا في الطّريق، فناولته الفنيا، فأخذ قلم خبّازٍ ودَوَاته، وكتب لي في الطريق، ومسح القلم في ثوبه. قال السّمعانيّ: سمعتُ جماعة يقولون: لمّا قدِم أبو إسحاق رسولًا إلى نَيْسابور، تلقّاه النّاسُ لمّا قدِم، وحَمَلَ الإمام أبو المعالي الْجُوَيْنيّ غاشيةَ فرسِهِ، ومشى بين يديه، وقال: أنا أفتخر بهذا. وكان عامّة المدرّسين بالعراق والجبال تلامذتَه وأشياعَه وأتباعه، وكفاهم بذلك فَخْرًا. وكان يُنِشد الأشعار المليحة ويُوردُها، ويحفظ منها الكثير. وصنَّف المهذّب في المذهب، والتنبيه، واللُّمع في أُصول الفقه، وشرح اللُّمع، والمعونة في الْجَدَل، والملخَّص في أصول الفقه، وغير ذلك. -[386]- وعنه قال: العلم الذي لا ينتفع به صاحبه: أن يكون الرجل عالِمًا، ولا يكون عاملًا، ثمّ أنشد لنفسه: علِمْتَ ما حلّل المَوْلَى وحرَّمه ... فاعملْ بعِلْمك، إنّ العِلَم للعمل وقال: الجاهل بالعالم يقتدي، فإذا كان العالِم لا يعمل، فالجاهل ما يرجو من نفسه؟ فالله الله يا أولادي، نعوذ بالله من علم يصير حجَّةً علينا. وقيل: إنّ أبا نصر عبد الرحيم ابن القُشَيْريّ جلس بجنْب الشّيخ أبي إسحاق، فأحسّ بثِقَلٍ في كُمّه، فقال: ما هذا يا سيدنا؟ قال: قُرْصي الملّاح. وكان يحملهما في كُمْه طَرْحًا للتكلُّف. قال السّمعانيّ: رأيتُ بخطّ أبي إسحاق في رُقْعة: " بسم الله الرحمن الرحيم، نسخةُ ما رآه الشّيخ السّيّد أبو محمد عبد الله بن الحَسَن بن نصْر المَزْيَدِيّ، أبقاه الله: رأيت في سنة ثمانٍ وستّين وأربعمائة ليلة جُمعة أبا إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الفيروزاباديّ - طوَّل الله عُمره - في منامي يطير مع أصحابه في السماء الثالثة أو الرابعة، فتحيرت، وقلت في تفسير هذا: هو الشيخ الإمام مع أصحابه يطير، وأنا معهم استعظامًا لتلك الحالة والرؤية. فكنتُ في هذه الفكرة، إذ تلقى الشّيخ ملكٌ، وسلَّم عليه، عن الرّبّ تبارك وتعالى، وقال له: إنّ الله تعالى يقرأ عليك السّلام ويقول: ما الذي تدرَّس لأصحابك؟ فقال له الشّيخ: أدرَّس ما نُقِل عن صاحب الشَّرع. فقال له المَلَك: فاقرأ عليَّ شيئًا لأسمعه. فقرأ عليه الشّيخ مسألة لا أذكرها، فاستمع إليه المَلَك وانصرف، وأخذ الشّيخ يطير، وأصحابه معه. فرجع ذلك المَلَك بعد ساعة، وقال للشيخ: إنّ الله يقول: الحقُّ ما أنت عليه وأصحابك، فادخُلِ الجنة معهم. وقال الشّيخ أبو إسحاق: كنت أعيدُ كلّ قياسٍ ألف مرة، فإذا فرغت، أخذتُ قياسًا آخر على هذا، وكنتُ أُعيد كلَّ درسٍ مائة مرة، فإذا كان في المسألة بيتُ يُستشهد به حفظت القصيدة التي فيها البيت. كان الوزير عميد الدّولة بن جهير كثيرًا ما يقول: الإمام أبو إسحاق وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدّعوة. وقال السّمعانيّ: لمّا خرج أبو إسحاق إلى نيسابور، خرج في صحبته -[387]- جماعةٌ من تلامذته، كانوا أئمّة الدّنيا، كأبي بكر الشاشيّ، وأبي عبد الله الطَّبريّ، وأبي مُعاذ الأندلسيّ، والقاضي عليّ المَيَانِجيّ، وأبي الفضل بن فتيان قاضي البصرة، وأبي الحَسَن الآمدي، وأبي القاسم الزَّنجانيّ، وأبي عليّ الفارقيّ، وأبي العبّاس ابن الرُّطبيّ. وقال أبو عبد الله ابن النّجّار في تاريخه: وُلِد، يعني أبا إسحاق، بفيروزآباد، بُلَيدة بفارس، ونشأ بها. ودخل شِيراز. وقرأ الفقه على أبي عبد الله البَيْضاويّ، وابن رَامِين. وقرأ على أبي القاسم الدّارَكيّ، وقرأ الدّارَكيّ على المَرْوَزِيّ صاحب ابن سُرَيْج. وقرأ أبو إسحاق أيضًا على الطَّبريّ، عن الماسَرْجِسيّ، عن المَرْوَزِيّ. وقرأ أبو إسحاق أيضًا على الزَّجاجيّ، وقرأ الزَّجّاجيّ على ابن القاصّ صاحب ابن سُرَيْج. وقرأ أصول الكلام على أبي حاتم القزوينيّ، صاحب أبي بكر ابن الباقلّانيّ. وكان أبو إسحاق خطُّه في غاية الرَّداءة. أنبأني الخشوعي، عن أبي بكر الطُّرطوشيّ، قال: أخبرني أبو العبّاس الْجُرْجانيّ القاضي بالبصرة، قال: كان أبو إسحاق لا يملك شيئًا من الدنيا، فبلغ به الفقر حتّى كان لا يجد قُوتًا ولا مَلْبَسًا. ولقد كنّا نأتيه وهو ساكن في القطيعة، فيقوم لنا نصف قَوْمة، كي لا يظهر منه شيءٌ من العري. وكنت أمشي معه، فتعلَّق به باقِلّاني، وقال: يا شيخ، أفقرتني وكسرتني، وأكلت رأس مالي، ادفع إليَّ ما لي عندك. فقلنا: وكم لك عنده؟ قال: أظنّه قال: حبّتان من ذهب، أو حبتان ونصف. وقال أبو بكر محمد بن أحمد ابن الخاضبة: سمعتُ بعض أصحاب الشّيخ أبي إسحاق يقول: رأيتُ الشّيخ كان يركع رَكْعَتين عند فراغ كلّ فصل من المهذَّب. قال: قرأتُ بخطّ أبي الفُتُوح يوسف بن محمد بن مقلّد الدّمشقيّ: سمعت الوزير ابن هبيرة يقول: سمعت أبا الحسن محمد ابن القاضي أبي يَعْلَى يقول: جاء رجل من ميَّافارقين إلى والدي ليتفقه عليه، فقال: أنت شافعيٌّ، وأهل بلدك شافعية، فكيف تشتغل بمذهب أحمد؟ قال: قد أحببته لأجلك. فقال: يا ولدي ما هو مصلحة. تبقى وحدك في بلدك ما لكَ من تذاكره، ولا -[388]- تذكر له درسًا، وتقع بينكم خصومات، وأنت وحيد لا يطيب عَيْشُك. فقال: إنّما أحببته وطلبته لِمَا ظهر من دينك وعِلْمك. قال: أنا أدلّك على من هو خيرٌ مني، الشّيخ أبو إسحاق. فقال: يا سيدي، إنّي لا أعرفه. فقال: أنا أمضي معك إليه. فقام معه وحمله إليه، فخرج الشّيخ أبو إسحاق إليه، واحترمه وعظّمه، وبالغ. وكان الوزير نظام المُلَك يُثني على الشّيخ أبي إسحاق ويقول: كيف لنا مع رجلٍ لا يفرَّق بيني وبين بهروز الفرّاش في المخاطبة؟ لمّا التقيتُ به قال: بارك الله فيك. وقال لبهروز لما صبّ عليه الماء: بارك الله فيك!. وقال الفقيه أَبُو الْحَسَن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك الهَمَذَانيّ: حكى أبي، قال: حضرتُ مع قاضي القضاة أبي الحَسَن الماوَرْديّ عزاء النّابتيّ قبل سنة أربعين، فتكلَّم الشّيخ أبو إسحاق وأجاد، فلمّا خرجنا قال الماوَرْديّ: ما رأيت كأبي إسحاق، لو رآه الشّافعيّ لتجمَّل به. أخبرنا ابن الخلاّل، قال: أخبرنا جعفر، قال: أخبرنا السِّلفيّ، قال: سألت شُجاعًا الذُّهليّ، عن أبي إسحاق فقال: إمام أصحاب الشّافعي، والمقدَّم عليهم في وقته ببغداد. كان ثقة، ورِعًا، صالحًا، عالمًا بمعرفة الخلاف، عِلْمًا لا يشاركه فيه أحد. أنبؤونا عن زين الأمناء قال: أخبرنا الصّائن هبة الله بن الحسن، قال: أخبرنا محمد بن مرزوق الزَّعفرانيّ قال: أنشدنا أبو الحَسَن عليّ بن فضّال القَيْروانيّ لنفسه في التّنبيه، للإمام أبي إسحاق: أكتابُ التّنبيه ذا، أم رياض ... أم لآلئ فَلَوْنُهُن البَياضُ جمع الحسن والمسائل طرَّا ... دخلت تحت كله الأبعاض كلُّ لفظٍ يروق من تحت معنى ... جرية الماء تحته الرَّضراض قلَّ طولًا، وضاق عرضا مداه ... وهو من بعد ذا الطّوال العراض يدع العالم المسمَّى إمامًا ... كفتاةٍ أتى عليها المخاض أيُّها المدعون ما ليس فيهم ... ليس كالدُّرّ في العقود الحضاض كلُّ نعمى عليَّ يا ابن عليّ ... أنا إلا بشكرها نهاض ما تعدَّاك من ثنائي محالُ ... لَيْسَ في غير جوهرٍ أعراض -[389]- أنت طودٌ لكنه لا يسامى ... أنت بحرٌ، لكنه لا يخاض فأبق في غبطةٍ وأنت عزيز ... ما تعدى عن المنال انخفاض وقال أبو الحسن محمد بن عبد الملك الهمذاني: نَدَب المقتدي بالله الشّيخ أبا إسحاق الشيرازيّ للخروج في رسالةٍ إلى المعسكر، فتوجه في ذي الحِجّة سنة خمسٍ وسبعين، وكان في صُحْبَته جماعةٌ من أصحابه، فيهم الشاشيّ، والطَّبريّ، وابن فتيان، وإنّه عند وصوله إلى بلاد العجم كان يخرج إليه أهلُها بنسائهم وأولادهم، فيمسحون أردانه، ويأخذون تراب نَعْلَيْه يستشْفُون به. وحدَّثني القائد كامل قال: كان في الصُّحبة جمال الدّولة عفيف، ولمّا وصلنا إلى ساوة خرج بياضها وفُقهاؤها وشهودُها، وكلّهم أصحاب الشّيخ، فخدموه. وكان كلّ واحدٍ يسأله أن يحضر في بيته، ويتبرَّك بدخوله وأكْله لمّا يحضره. قال: وخرج جميع مَن كان في البلد من أصحاب الصنِّاعات، ومعهم من الذي يبيعونه طُرَفًا ينثرونه على محفَّته. وخرج الخبازون، ونثروا الخبز، وهو ينهاهم ويدفعهم من حَوَاليه ولا ينتهون. وخرج من بعدهم أصحاب الفاكهة والحلْواء وغيرهم، وفعلوا كفِعْلهم. ولمّا بلغت النَّوبة إلى الأساكفة خرجوا، وقد عملوا مداساتٍ لطافًا للصَّغار ونثروها، وجعلت تقع على رؤوس النّاس، والشيخ أبو إسحاق يتعجَّب. فلمّا انتهوا بَدَأ يُداعبنا ويقول: رأيتم النّثار ما أحسنه، أيّ شيء وصل إليكم منه؟ فنقول لعْلمِنا أنّ ذلك يعجبه: يا سيدي؟ وأنت أيّ شيء كان حظَّك منه؟ فقال: أنا غطّيت نفسي بالمِحَفّة. وخرج إليه من النِسْوة الصُّوفيات جماعة، وما منهن إلّا من بيدها سُبْحة، وألقوا الجميع إلى المحفة، وكان قصدهن أنْ يلمسها بيده، فتحصل لهنّ البَرَكَة، فجعل يمرَّها على بَدَنه وجسده، وتبرَّك بهنّ، ويقصد في حقّهنّ ما قَصَدْن في حقّه. وقال شيرُوَيْه الدَّيلميّ في تاريخ هَمَذان: أبو إسحاق الشيرازيّ، إمام عصره، قدِم علينا رسولًا من أمير المؤمنين إلى السّلطان ملِكْشاه. سمعتُ منه ببغداد، وهمذان؛ وكان ثقة، فقيهًا، زاهدًا في الدّنيا. على التحقيق أوحد زمانه. قال خطيب الموصل أبو الفضل: حدَّثني والدي قال: توجَّهت من -[390]- الموصل سنة تسعٍ وخمسين وأربعمائة إلى بغداد، قاصدًا للشّيخ أبي إسحاق، فلمّا حضرتُ عنده بباب المراتب، بالمسجد الذي يدرّس فيه رحّب بي، وقال: من أين أنت؟ قلت: من المَوْصل. قال: مرحبًا، أنت بلدييّ. فقلت: يا سيّدنا، أنت من فَيْروزاباد، وأنا من المَوْصل! فقال: أما جَمَعتنا سفينةُ نوحٍ؟ وشاهدتُ من حُسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبَّب إليَّ لزومه، فصحبتُه إلى أن تُوُفّي. قلت: وقد ذكره ابن عساكر في طبقات الأشعرية، ثمّ أورد ما صورته، قال: وجدتُ بخطّ بعض الثقات: ما قول السّادة الفُقّهاء في قومٍ اجتمعوا على لعن الأشعريّة وتكفيرهم؟ وما الّذي يجب عليهم؟ أفْتُونا. فأجاب جماعة، فمن ذلك: الأشعريّة أعيان السُّنّة انتصبوا للرّدّ على المبتدعة من القدريّة والرّافضة وغيرهم. فَمَن طعن فيهم فقد طعن على أهل السُّنّة، ويجب على النّاظر في أمر المسلمين تأديبه بما يرتدع به كلّ أحدٍ. وكتبَ إبراهيم بن عليّ الفَيْروزاباديّ. وقال: خرجت إلى خُراسان، فما دخلت بلدةً ولا قريةً إلّا كان قاضيها، أو خطيبها، أو مُفْتيها، تلميذي، أو من أصحابي. ومن شعره: أُحِبّ الكأسَ من غير المُدام ... وألهوا بالحِسان بلا حرام وما حبّي لفاحشةٍ ولكنْ ... رأيتُ الحبّ أخلاق الكرامِ وله: سألت النّاسَ عن خِلّ وفيٍّ ... فقالوا: ما إلى هذا سبيل تمسك إن ظفرت بذيل حُرٍّ ... فإنّ الحرَّ في الدّنيا قليلُ وله: حكيم يرى أنّ النّجومَ حقيقةٌ ... ويذهب في أحكامها كلَّ مَذْهبِ يُخبّر عن أفلاكها وبُرُوجِها ... وما عند علمٌ بما في المغَّيب ولسلاّر العقيليّ: كفاني إذا عنّ الحوادث صارمٌ ... يُنيلُني المأمول في الإثر والأثر -[391]- يقدّ ويفري في اللّقاء كأنّه ... لسان أبي إسحاق في مجلس النّظرْ ولعاصم بن الحَسَن فيه: تراه من الذّكاء نحيفَ جسمٍ ... عليه من توقُّده دليلُ إذا كان الفتى ضخْمَ المَعَالي ... فليس يَضيره الجسمُ النَّحيل ولأبي القاسم عبد الله بن ناقيا يرثيه: أجرى المدامع بالدّم المُهْراقِ ... خطبٌ أقام قيامةَ الآماقِ خطبٌ شَجَا منّا القلوبَ بلوعةٍ ... بين التَّراقي ما لها من راق ما للّياليّ لا تؤلّف شملّها ... بعد ابن بَجْدَتها أبي إسحاقِ إنْ قيل: مات، فلم يَمُتْ من ذِكْرُهُ ... حيٌّ على مرّ اللّيالي باق تُوُفّي ليلة الحادي والعشرين من جُمَادَى الآخرة ببغداد، ودُفن من الغد، وأحضِر إلى دار المقتدي بالله أمير المؤمنين، فصلّى عليه، ودُفن بباب أبْرز. وجلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظاميّة. وكان الذي صلّى عليه صاحبه أبو عبد الله الطَّبريّ. ولمّا انقضى العزاء رتَّب مؤيَّد الدّولة ابن نظام الملك أبا سعد المتولّي مدرّسًا، فلمّا وصل الخبر إلى نظام المُلْك، كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تُغلق المدرسة سنةً من أجل الشّيخ. وعابَ على من تولّى مكانه، وأمر أنّ يدرس الشّيخ أبو نصر عبد السّيّد ابن الصّبّاغ مكانه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
212 - محمد ابن تاج الملوك بوريّ بن طُغْتِكِين، الملك جمال الدّين أبو المظفَّر، [المتوفى: 534 هـ]
صاحب دمشق. ولّاه أبوه بَعْلَبَكّ، فأقام بها مدَّة إلى أنّ دبّر على أخيه الملك شهاب الدّين محمود بن بوريّ من قتله، ثمّ قدِم من بَعْلَبَكّ، وتسلم دمشق في شوّال من السنة الماضية. وكان سيئ السيرة، ولم تطُلْ مدَّته ولا متّعه الله، فمات في شعبان من هذه السّنة وأُجلِس في الملك ابنه أبق، وهو مراهق، وزاد تعجُّب النّاس من قِصَر مدَّة جمال الدّين، ودُفِن بتُربة جدّه طُغْتِكِين بظاهر دمشق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
323 - مُحَمَّد بْن عليّ بْن أبي مَنْصُور، الصّاحب جمال الدِّين أبو جَعْفَر الإصبهانيّ، الملقَّب بالجواد، [المتوفى: 559 هـ]
وزير صاحب المَوْصِل أتابَك زنْكي بْن آقْسُنْقر. استعمله زنكيّ على ولاية نصيبّين والرَّحْبة، وجعله مشرف مملكته كلها، واعتمد عليه. وكان نبيلًا، رئيسًا، دمث الأخلاق، حَسَن المحاضرة، محبوب الصّورة، سَمْحًا، كريمًا. ومدحه مُحَمَّد بْن نصر القَيْسَرانيّ بقصيدته التي أوّلها: سقى اللَّه بالزَّوْراء من جانب الغربي ... مَهًا وردت ماء الحياة من القلب قال القاضي ابن خِلِّكان: وكان يحمل فِي السَّنَة إلى الحَرَمَيْن أموالًا وكسوة تقوم بالفقراء سنتهم كلّها، وتنوّع فِي أفعال الخير، حَتَّى جاء فِي زمنه غلاءٌ عظيم، فواسى النّاس حَتَّى لم يبق له شيء وباع بقياره، وعُرِف بالجواد، وأجرى الماء إلى عَرَفَات أيّام الموسم، وبنى سور مدينة النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبالغ فِي أنواع البِّر والقِرَب. ولما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر رتبه سيف الدين غازي بن زنْكيّ وزيره إلى أنّ مات. ثُمَّ وَزَرَ بعده لقطب الدين مودود وأخيه. ثُمَّ إنّه استكثر إقطاعه وثقُل عليه، فقبض عليه سنة ثمانٍ وخمسين، ومات محبوسًا مُضَيَّقًا عليه فِي سنة تسعٍ، وكان يوم جنازته يومًا مشهودًا من ضجيج الضُّعَفاء والأيتام حول جنازته، ودُفِن بالموصل، ونُقِل بعد سنة إلى مكَّة فِي تابوت، فوقفوا به وطافوا بتابوته، ثُمَّ ردّوه فدفنوه بالمدينة النّبويَّة. قلت: خالفوا السُّنَّة بما فعلوا. ولمّا دخل تابوته الكوفَة ذكره الخطيب وأثنى عليه، وقال: سرى نعْشُه فوق الركاب وطالما ... سرى بره فوق الرقاب ونائلُهْ فتى مرّ بالوادي فانثَنَت رِمالُهُ ... عليه وبالنادي فحنت أرامله فضجَّ النّاس بالبكاء، وكانت ساعة عجيبة. -[164]- قال ابن خلكان: وكان ابنه جلال الدِّين عليّ من بُلغاء الأدباء، له ديوان رسائل أجاد فِيهِ، وكان الصَّدْر مجد الدِّين أبو السعادات المبارك بْن الأثير فِي صِباه كاتبًا بين يديه، فكان يُملي عليه الإنشاء، وتُوُفيّ سنة أربعٍ وسبعين، وقد وُلّي وزارة المَوْصِل، ومات بدنيسر، ودفن عند أبيه بالمدينة. ولقد حكي ابن الأثير فِي ترجمة الجواد مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها في الأعمار فالله يرحمه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
140 - أبق، الملك المظفر مجير الدين أبو سعيد صاحب دمشق ابن صاحبها جمال الدّين مُحَمَّد ابن تاج الملوك بُوري بْن طُغْتِكِين التَّركيّ الدّمشقيّ. [المتوفى: 564 هـ]
وُلِد ببَعْلَبَكّ فِي ولاية والده عَلَى بَعْلَبَكّ، وقدِم معه دمشقَ لمّا وثب عليها وأخذها، فلمّا مات أَبُوهُ فِي سنة أربعٍ وثلاثين أقيم مُجِير الدّين هذا فِي الأمر وهو دون البلوغ، وأتابَك زنكيّ إذ ذاك يحاصر دمشق، فلم يصل منها إلى مقصود، ورجع إلى حلب. وكان المدبّر لدولة مُجِير الدّين الأمير مُعين الدين أنر عتيق جد أبيه، والوزير الرئيس أبو الفوارس المسيب بن علي ابن الصوفي، فلما مات أنر انبسطت يد مُجِير الدّين قليلًا، وابن الصُّوفيّ يدبر الأمور، ثمّ بعد مدَّةٍ غضب عَلَيْهِ وأخرجه إلى صَرْخَد، واستوزر أخاه أَبَا البيان حَيْدرة بن علي ابن الصوفي مدة، ثم أقدم عطاء بن حفاظ من بَعْلَبَكّ وقدّمه عَلَى العسكر، وقتل الوزير أَبَا البيان، ثمّ قتل عطاء بعد يسير، ثمّ قدِم الملك العادل نور الدّين محمود لمّا بَلَغَتْه الأمور، فحاصر دمشقَ مدَّةً قليلة، وتسلّمها بالأمان فِي صَفَر سنة تسعٍ وأربعين، ووفى لمجير الدّين أَبَق بما قرَّر لَهُ، وسلَّم إِلَيْهِ حمص، فانتقل إليها، وأقام بها يسيرًا، ثمّ انتقل منها إلى بالِس بأمر نور الدّين، ثمّ توجّه منها إلى بغداد، فقبِلَه أمير المؤمنين المقتفي لأمر اللَّه، وأقطعه، وقرَّر لَهُ ما كفاه، وكان كريمًا جوادًا. -[316]- ورَّخ ابن خَلِّكان وفاته فِي هذه السّنة ببغداد، ترجمه مختصرًا فِي سياق ترجمة نور الدين، ولم يورخ ابن عساكر موته. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
122 - علي بن محمد بن علي، الأصبهاني، الوزير، جلال الدين ابْن الوزير جمال الدين الجواد، [المتوفى: 574 هـ]
وزير صاحب المَوْصِل. وَزَرَ هذا للملك سيف الدين غازي بْن مودود فِي سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، فظهرت منه فضيلة وخبرة بالديوان، وَلَهُ خمسٌ وعشرون سنة. ثم قُبض عَلَيْهِ بعد سنتين فشفع فِيهِ حُمْوُه كمال الدين وزير صاحب آمِد، فأطلِق لَهُ، فسار إلى آمِد مريضًا، وتعلل ثم مات بدنيسر سنة أربعٍ وسبعين، ثم حُمِل إلى المدينة النبوية، فدُفِن عند والده رحمهما اللَّه تعالي. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
178 - مُحَمَّد بْن محرز، أبو عَبْد اللَّه الوَهْرَاني المغربي، ركن الدين. وقيل: جمال الدين. [المتوفى: 575 هـ]
أحد ظُرفاء العالم وأدبائهم. قدِم من بلاده إلى ديار مِصْر وهو يدعي أنه يعرف صناعة الإنشاء، فرأى بها القاضي الفاضل والعماد الكاتب وتلك الحلبة، فعلم من نفسه أنه ليس من طبقتهم، فسلك سبيل الهزل، وعمل المنامات المشهورة، والرسائل المعروفة. ولو لم يكن فِي ذلك إلَّا المنام الكبير لكفاه، فإنه ما سُبِق إلى مثله. قدم دمشق وأقام بها مُدَيْدَة، وبها تُوُفي فِي رجب. وأما وَهْران فمدينةٌ كبيرةٌ على أرض القيروان بينها وبين تلمسان يومان. بنيت سنة تسعين ومائتين. فمن كلامه، مما كتب به إلى القاضي الأثير: " فالخادم كلما ذكر تلك المائدة الخصيبة، وما يجري عليها من الخواطر المصيبة علِم أن التخلف عَنْهَا هُوَ المصيبة. لكنه إذا ذكر ما يأتي بعدها من القيام والقعود، والركوع والسجود، علم أن هذا أجْرة ما يأكله من تلك الوليمة، نحو من عشرين تسليمة، كل لُقْمة بنقْمة، فما تحصل الشبعة إلَّا بأربعين ركعه، فيكون الدعوة عَلَيْهِ لَا لَهُ، والحضور فِي الشرطة أحب إليه منها لَهُ. فزهدتُ حينئذٍ فِي الوصول، إذ ليس للخادم من الدين، وَلَا قوة اليقين، ما يهجر لأجله مؤاكلة الوجوه القمرية، بمشاهدة السنة العمرية. فموعد الإتمام انقضاء شهر الصيام، والسلام ". وكتب رقعة إلى أبي القاسم العوني الأعور: يا مولانا الشَّيْخ الزاهد، دبوس الْإِسْلَام، لت الفقهاء، قنطارية العلماء، تافروت الأئمة، طبل باز السنة، نصر اللَّه خاطرك، وستر ناظرك. أنت تعلم أن اللَّه ما خلقك إلَّا تلْعة، فكُنْ فِي رقاب الرافضة واليهود، وما صورك إلَّا لالكة في رؤوس المبْتَدِعة، وأراذل الشهود. وأنت بلا مِرْية جعموس عظيم، ولكنْ فِي ذقون الزائغين، فَاللَّه -[563]- ينفعك بالإسلام، وَلَا يوقعك يوم القيامة فِي يد علي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأنْ يُنْقذك من الهاوية، بشفاعة معاوية. وله: وصل كِتَاب الأمير المولي تقي الدين مصطفى أمير المؤمنين أطال اللَّه بقاءه، حتى يتوب المخلص من القيادة، وينقطع المُعيدي إلى العبادة، بألفاظ أحسن من فتور الألحاظ، ومعاني كترجيع المغاني. وكان ذلك أجمل فِي عيني من الرَّوض غب السَّحاب، وألذ من الصَّفْع بخفاف القِحاب، لَا بل أحلى من مطابقة الزامر للعَوَّاد، وأَشْهى إلى النفس من مواعيد القوَّاد، فطرب المملوك وَلَا طَرَب فلان الفُلاني لما اجتمع بفلانة فِي دعوة فلان فِي المحرم من هذه السنة، وغنَّت لَهُ: ما غيَّر البُعْد ودا كنت تعرفه ... وَلَا تبدَّل بعد الذكْر نسيانا ولا ذكرت صديقًا كنت آلفه ... إلَّا جعلتك فوق الذكر عنوانا فإنه لما سمع ذلك قام وقعد، وصاح ولطم، وفتل شَعْر عنْفُقَته، وأدار شربوشه على رأسه، وشق غلالته، وجَرَى إلى الشمعة ليحرق ذقنه فيها فلم يزل يحلف بحياة الجماعة، لَيَسْكِبَن قدحه فِي سرّتها، ويتلقّاه بهمز من بين أشفارها، بحيث أن تكون لحيته ستارة على ثُقبها، فمنعه عشيقها، فحلف برأس الملك العظيم ليشْرِبَن بخُفها، فقال: هذا هيّن، فلو أردت أن أسقيك بالخف ثلاثمائة فَعَلْت. فَعَبَّ فِي الخُف إلى أن وقع. إلى أن قال: لَا وَاللَّه وَلَا طَرَب الصوفية ليلة العيد، إذ حضر عندهم مرتضى المغني، معشوق العماد الكاتب، وقد أسبل شَعْره على كتفيه، وأمسك أَبُو شعيب الشمعة بين يديه، وهو يغني لابن رشيق القيرواني: فتور عينيك ينهاني ويأمرني ... وورد خديك يغري بي ويغريني أما لئن بِعْت ديني واشتريت به ... دنيا فما بِعت فيك الدين بالدُّونِ سُبحانَ من خَلَق الأشياء قاطبةً ... تُراه صور ذاك الجسم من طينِ استغفر اللَّه لَا وَاللَّه ما نَفَعَتْ ... من سِحْرِ مُقْلته آياتُ ياسين فإنهم لما سمعوا هاجوا وماجوا، وصاحوا وناحوا، وزعقوا وقفزوا إلى السماء، وجلخوا حتى انخسف ببعضهم الموضع، فنُبِشوا وكُفنوا ودُفنوا، والباقون يرقصون وَلَا يدرون. -[564]- وبعد هذا فالذي فعله مولانا تقي الدين من التقاء الْجَمْع الكثير بالعدد القليل عين الخطأ، لأنه ما المغرورُ بمحمودٍ وإنْ سَلِم. فَاللَّه اللَّه لَا يكون لها مَثنوية، وَلَا يرجع المولى يلتقي ألفًا وستمائة فارس إلَّا أن يكون فِي ثلاثين ألفًا، بشرط أن يكون العدو مثل حمزة الزامر، وعثمان الجنكي، وأبي علي القوّاد، وحُمَيدة المخنث، وأمثال هؤلاء الفرسان، ويكون جُنْدك مثل فُلان وفُلان الذين ما اجتمع المملوك بواحدٍ منهم إلَّا تجشأ فِي وجهي سيوف وسكاكين، ويزعم أنه يُقرقش الحديد. والرأي عندي غير هذا كله. وهو أن تستقيل من الخدمة، وتنقطع فِي بستان القابون، وتنكث التوبة، وتجمع عُلُوق دمشق، وقِحاب الموصل، وقَوادين حلب، ومغاني العراق، وتقطع بقية العُمر على القصْف، وتتكل على عفو الغفور الرحيم. فَيَوْمٌ من أيامك فِي دِمياط مكفر لهذا كله. فإنْ قِبلت مني فأنت صحيح المِزاج، وإنْ أبَيْت ولعنت كل من جاء من وَهْران، فأنت منحرف محتاج إلى العلاج. وله، جواب كِتَاب إلى الكِنْدي: " فأما تعريضه لخادمه بالقِيَادة، وعَتَبِه علي بالتزويج بالنساء العَوَاهر، فسيدي معذور، لأنه لم يَذُق حلاوة هذه الصنعة، ولو أنه أدام اللَّه عزه خرج يومًا من البيت، ولم يترك إلَّا ثمن الخُبْز والْجُبن، ورجع بعد ساعة، وجد السَنْبُوسَك المورد، والدجاج المسمن، والفاكهة المنوعة، والخُضْرة النضرة، فتربع فِي الصدْر، فأكل وشرب وطرِب، ولم يخرج في هذا كله إلا إلى التغافل وحسن الظن، وقلة الفضول وسأل اللَّه أن يُحْييه قوادًا، وأن يُميته قوادًا، وأن يحشره مع القوادين. ويظن الخادم أنه فِي هذا القول كجالب التمر إلى هَجَر، ورُب حامِل فقهٍ إلى من هُوَ أفقه منه، ومهما جهل من فضل نكاح المِلاح النهِمات، فلا يجهل أن أكل الحلاوة مع الناس أحسن من أكل الخرا منفردًا ". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
88 - شروين بْن حسن، الأمير الكبير، جمال الدّين الزّرزاريّ، الصّلاحيّ. [المتوفى: 583 هـ]
كَانَ أول مَن بادر وخاطر فسبق بأصحابه إلى منازلة القدس قبل تواصل الجيش، فلقيه جمع كبير منَ الفِرَنج خرجوا يَزَكًا فقتلوه، وقتلوا جماعةً من أصحابه، رحمهم اللَّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
278 - يحيى بْن عَلِيّ بْن الفضل بْن هبة اللَّه بْن بركة. العلّامة جمال الدّين أبو القاسم الْبَغْدَادِيّ، الشافعي، المعروف بابن فضلان. [المتوفى: 595 هـ]
ولد في آخر سنة خمس عشرة وخمسمائة. وسمع أَبَا غالب ابن البنّاء، وأبا القاسم ابن السَّمَرْقَنْديّ، وأبا الفضل الأُرْمَويّ، وغيرهم. وكان اسمه واثقا، وكذا هو في الطباق، لكن غلب عليه يحيى واختاره هُوَ. وكان إمامًا بارِعًا فِي عِلم الخلاف، مشارًا إليه فِي جودة النظر. -[1051]- تفقَّه على أَبِي مَنْصُور الرّزّاز، وارتحلَ إِلَى صاحب الغزاليّ مُحَمَّد بْن يحيى مرَّتين، وعلَّق عَنْهُ. وظهر فضله، واشتهر اسمه، وانتفع به خلْق. وسمع أيضًا بنَيْسابور من أَبِي يحيى، وعمر بْن أَحْمَد الصّفَّار الفقيه، وأبي الأسعد هبة الرحمن ابن القُشَيْريّ، وإسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن العصائديّ. وكان حَسَن الأخلاق، سَهْل القياد، حُلْو العبارة، يَقِظًا، لبيبًا، نبيهًا، وجيهًا. درَّس ببغداد بمدرسة دار الذهب وغيرها. وأعاد له الدروس الْإِمَامُ أبو عليّ يحيى بْن الرَّبِيع. روى عَنْهُ ابن خليل فِي حروف الواو، وأبو عَبْد اللَّه الدُّبيثيّ، وجماعة. وتُوُفّي فِي تاسع عشر شعبان. قال الموفق عَبْد اللّطيف: ارتحل ابن فضلان إِلَى مُحَمَّد بْن يحيى مرَّتين، وسقط فِي الطّريق فانكسرت ذراعه، وصارت كفخذه، فالتجأ إِلَى قريةٍ، وأدّته الضّرورة إِلَى قطْعها من المِرْفق، وعمل محضرًا بأنّها لم تُقطع فِي ريبة. فلمّا قدِم بغداد وناظر المجير، وكان كثيرًا ما ينقطع فِي يد المُجير، فقال له المُجير: يسافر أحدهم فِي قطْع الطّريق، ويدّعي أنّه كان يشتغل. فأخرج ابن فضلان المحضر، ثمّ شنَّع على المجير بالفلسفة. وكان ابن فضلان ظريف المناظرة، له نَغمات موزونة، يشير بيده مع مخارج حروفه بوزنٍ مُطرِبٍ أنيق، يقف على أواخر الكلمات خوفًا من اللّحْن. وكان يُداعبني كثيرًا. ورُميَ بالفَالج فِي آخر عمره، رحمه الله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
375 - عَبْد الرَّحمن بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن علي بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن حُمّادَى بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن عبد الله بن القاسم بن النضر بْن القاسم بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق عَبْد اللَّه بْن أَبِي قُحَافة، الحافظ العلّامة جمال الدّين، أبو الفَرَج ابن الْجَوْزيّ، القُرَشيّ، التُّيْمِيّ البكْريّ، الْبَغْدَادِيّ، الحنبليّ، الواعظ، [المتوفى: 597 هـ]-[1101]-
صاحب التّصانيف المشهورة فِي أنواع العلوم من التفسير، والحديث، والفقه، والوعْظ، والزُّهْد، والتاريخ، والطّبّ، وغير ذلك. وُلِد تقريبًا سنة ثمانٍ أو سنة عشْرٍ وخمس مائة، وعُرِف جدُّهم بالجوْزيّ لجوزة في وسط داره بواسط، ولم يكن بواسط جَوْزة سواها. وأوَّل سماعه سنة ستّ عشرة وخمس مائة، وسمع بعد ذلك فِي سنة عشرين وخمس مائة وبعدها، فسمع من ابن الحصين، وعليّ بْن عَبْد الواحد الدِّينَوَرِيّ، والحسين بْن مُحَمَّد البارع، وأبي السّعادات أَحْمَد بْن أَحْمَد المتوكّليّ، وأبي سعْد إِسْمَاعِيل بْن أَبِي صالح المؤذن، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني الفقيه، وأبي غالب ابن البناء، وأخيه يحيى، وأبي بَكْر مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المزرفي، وهبة الله ابن الطّبر، وقاضي المَرِسْتان، وأبي غالب مُحَمَّد بْن الحسن الماوردي، وخطب إصبهان أَبِي القاسم عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد الرّاوي عن ابن شمَّة، وأبي السُّعود أحمد بن المجلي، وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز، وعلي بن أحمد بن الموحد، وأبي القاسم ابن السمرقندي، وابن ناصر، وأبي الوقت، وخرج لنفسه مشيخة عن سبعةٍ وثمانين نفْسًا، وكتب بخطّه ما لا يوصف، ووعظ وهو صغير جدًّا. قرأ الوعظ على الشّريف أَبِي القاسم عليّ بْن يَعْلى بْن عِوَض العَلَويّ الهَرَويّ، وأبي الحسن ابن الزّاغونيّ، وتفقَّه على أَبِي بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد الدِّينَوَرِيّ، وتخرَّج فِي الحديث بابن ناصر، وقرأ الأدب على أَبِي مَنْصُور موهوب ابن الجواليقيّ. روى عَنْهُ ابنه محيي الدّين يوسف، وسِبْطه شمس الدّين يوسف الواعظ، والحافظ عَبْد الغنيّ، والشّيخ الموفّق، والبهاء عَبْد الرَّحْمَن، والضّياء مُحَمَّد، وابن خليل، والدُّبيثيّ، وابن النّجّار، واليَلْدانيّ، والزين ابن عبد الدائم، -[1102]- والنّجيب عَبْد اللّطيف، وخلْق سواهم، وبالإجازة: الشّيخ شمس الدّين عَبْد الرَّحْمَن، وأحمد بْن أَبِي الخير، والعزّ عبد العزيز ابن الصَّيْقل، وقُطْب الدّين أحمد بن عبد السلام العصروني، وتقي الدين إسماعيل بن أبي اليسر، والخضر بن عبد الله بن حمويه، والفخر علي ابن البخاري. وكان الذي حرص على تسميعه وأفاده الحافظ ابن ناصر، وقرا القرآن على أبي محمد سبط الخياط. وكان فريد عصره في الوعظ، وهو آخر من حدث عن الدينوري والمتوكلي. ومن تصانيفه: كتاب المغني فِي عِلم القرآن، كتاب زاد المسير في علم التفسير، تذكرة الأريب في شرح الغريب، مجلد، نزهة النّواظر فِي الوجوه والنّظائر، مجلّد، كتاب عيون علوم القرآن، هو كتاب فنون الأفنان، مجلّد، كتاب النّاسخ والمنسوخ، كتاب منهاج الوصول إِلَى علم الأُصُول، كتاب نفْي التّشبيه، كتاب جامع المسانيد، فِي سبع مجلْدات، كتاب الحدائق، مجلّدان، كتاب نفي النّقْل، كتاب الْمُجْتَبَى، كتاب النّزهة، كتاب عيون الحكايات، مجلّدان، كتاب التّحقيق فِي أحاديث التّعليق، مجلّدان، كتاب كشف مشكل الصّحيحين، أربع مجلّدات، كتاب الموضوعات، كتاب الأحاديث الرائقة، كتاب الضُّعفاء، كتاب تلقيح فهوم أَهْل الأثر فِي عيون التّواريخ والسِّيَر، كتاب المنتظم فِي أخبار الملوك والأمم، كتاب شذور العقود فِي تاريخ العهود، كتاب مناقب بغداد، كتاب المُذْهَب فِي المَذْهب، كتاب الانتصار فِي مسائل الخلاف، كتاب الدّلائل فِي مشهور المسائل، مجلّدان، كتاب اليواقيت فِي الخُطَب الوعْظيَّة، كتاب المنتَخَب، كتاب نسيم السَّحَر، كتاب لُباب زين القصص، كتاب المدهش، كتاب في فضائل أخيار النساء، كتاب المختار في أخبار -[1103]- الأخيار، كتاب صفة الصَّفْوة، كتاب مُثِير العزم السّاكن إِلَى أشرف الأماكن، كتاب المُقْعِد المقيم، كتاب تبصرة المبتدئ، كتاب تحفة الواعظ، كتاب ذمّ الهوى، كتاب تلبيس إبليس، مجلدان، كتاب صيد الخاطر، ثلاث مجلّدات، كتاب الأذكياء، كتاب الحمقى والمغفّلين، كتاب المنافع فِي الطّبّ، كتاب الشَّيْب والخِضاب، كتاب روضة النّاقل، كتاب تقويم اللّسان، كتاب منهاج الإصابة فِي محبَّة الصّحابة، كتاب صَبا نَجْد، كتاب المزعج، كتاب الملهب، كتاب المطرب، كتاب مُنْتَهَى المُشْتَهَى، كتاب فنون الألباب، كتاب الظُّرَفاء والمتحابّين، كتاب تقريب الطّريق الأبعد فِي فضل مقبرة أَحْمَد، كتاب النّور فِي فضائل الأيّام والشُّهور، كتاب العِلَل المتناهية فِي الأحاديث الواهية، مجلّدان، كتاب أسباب البداية لأرباب الهداية، مجلّدان. كتاب سَلْوة الأحزان، كتاب ياقوتة المواعظ، كتاب منهاج القاصدين، مجلّدان، كتاب اللّطائف، كتاب واسطات العقود، كتاب الخواتيم، كتاب المجالس اليُوسُفيَّة، كتاب المحادثة، كتاب إيقاظ الوَسْنان، كتاب نسيم الرياض، كتاب الثّبات عند الممات، كتاب الوفا بفضائل المصطفى، كتاب مناقب أَبِي بكر، كتاب مناقب علي، كتاب المَعَاد، كتاب مناقب عُمَر، كتاب مناقب عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز، كتاب مناقب سَعِيد بْن المسيّب، كتاب مناقب الحَسَن البصْريّ، كتاب مناقب إِبْرَاهِيم بْن أدهم، كتاب مناقب الفُضَيْل، كتاب مناقب أَحْمَد، كتاب مناقب الشّافعي، كتاب مناقب معروف، كتاب مناقب الثّوريّ، كتاب مناقب بِشْر، كتاب مناقب رابعة، كتاب العُزْلة، كتاب مرافق الموافق، كتاب الرياضة، كتاب النّصر على مصر، كتاب كان وكان فِي الوعظ، كتاب خطب اللآلئ على الحروف، كتاب النّاسخ والمنسوخ فِي الحديث، كتاب مواسم العمر، وتصانيف أُخَر لا يحضُرني ذِكرها. -[1104]- وجعفر فِي أجداده هُوَ الجوزيّ، منسوبٌ إِلَى فُرْضَة من فُرَض البصْرة يُقَالُ: لها جَوْزة، وفُرْضة النّهر ثُلْمتُه، وفُرْضه البحر مَحَطُّ السُّفُن. وتُوُفّي والد أَبِي الفَرَج أبو الحَسَن وله ثلاث سِنين، وكانت له عمَّة صالحة، وكان أهله تجّارًا فِي النُّحَاس، ولهذا كتب فِي بعض السّماعات اسمه عَبْد الرَّحْمَن الصّفّار، فلمّا ترعرع حملته عمّته إِلَى ابن ناصر فاعتنى به، وقد رُزق الْقَبُولَ فِي الوعظ، وحضر مجلسّه الخلفاء، والوزراء والكبار، وأقلّ ما كان يحضر مجلس أُلُوف، وقيل: إنّه حضر مجلسه فِي بعض الأوقات مائة ألف، وهذا لا أعتقده أَنَا، على أنّه قد قال: هُوَ ذلك، وقال غير مرَّة: إنّ مجلسه حُزِر بمائة ألف. قال سِبْطه شمس الدّين أبو المظفّر: سمعته يقول على المِنْبر فِي آخر عُمره: كتبت بإصْبعَيّ هاتين ألفَيْ مجلَّدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهوديّ ونصرانيّ. قال: وكان يجلس بجامع القصر، والرُّصافة، والمنصور، وباب بدر، وتربة أمّ الخليفة، وكان يختم القرآن فِي كلّ أسبوع ولا يخرج من بيته إلّا إِلَى الجمعة أو المجلس. ثم قال: ذكر ما وقع إليَّ من أسامي مصنّفاته كتاب المغني أحد وثمانون جزءًا بخطّه، إلّا إنه لم يبيّضه ولم يشتهر، كتاب زاد المسير، أربع مجلدات، فذكر عامة ما ذكرناه، وزاد عليه أيضًا أشياء منها: كتاب درَّة الإكليل في التاريخ، أربع مجلدات، كتاب الفاخر فِي أيّام الْإِمَام النّاصر، مجلّد، كتاب المصباح المضيء بفضائل المستضيء، مجلّد، كتاب الفجر النوري، كتاب المجد الصّلاحيّ، مجلّد، كتاب شُذُور العقود، مجلّد. قال: ومن عِلم العربية: فضائل العرب، مجلّد، كتاب الأمثال، مجلّد، كتاب تقويم اللّسان، جزءان، كتاب لغة الفقه، جزءان، كتاب مُلَح الأحاديث، جزءان. قال: وكتاب المنفعة فِي المذاهب الأربعة، مجلّدان، كتاب منهاج القاصدين، مجلدان، كتاب إحكام الأسفار بأحكام الأشعار، مجلَّدان، كتاب -[1105]- " الْمُخْتَار من الأشعار " عشر مجلّدات، كتاب التَّبصرة في الوعظ، ثلاث مجلدات، كتاب المنتخب في الوعظ، مجلدان، كتاب رؤوس القوارير، مجلّدان. إِلَى أن قال: فمجموع تصانيفه مائتان ونيّف وخمسُون كتابًا. ومن كلامه فِي مجالس وعْظه: عقاربُ المنايا تلْسع، وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس، وماء الحياة فِي إناء العُمر يرشح بالأنفاس. وقال لبعض الوُلاة: أذكر عند القُدْرة عدلَ اللَّه فيك، وعند العقوبة، قُدرة اللَّه عليك، وإيّاك أن تشفي غيظك بسقم دِينك. وقال لصاحبٍ: أنت فِي أوسع العُذْر من التأخير عنّي لثقتي بك، وَفِي أَضْيقَه من شوقي إليك. وقال له قائل: ما نمْت البارحةَ من شوقي إِلَى المجلس، قال: لأنّك تريد أن تتفرَّج، وإنّما ينبغي أن لا تنام اللّيلة لأجل ما سمعت. وقال: لا تسمع ممّن يقول الجوهر والعَرْض، والاسم والمسمّى، والتّلاوة والمتْلوّ؛ لأنّه شيء لا تُحيط به أوهام العوامّ، بل قُلْ: آمنتُ بما جاء من عندِ اللَّه، وبما صحَّ عن رسول اللَّه. وقام إليه رجلٌ فقال: يا سيّدي نشتهي منك تتكلّم بكلمةِ ننقلها عنك، أيّما أفضل: أَبُو بَكْر أو عَلِيّ؟ فقال له: اقعْد، فقعد ثُمَّ قام وأعاد قوله، فأجلسه، ثُمَّ قام فقال له: اجلس فأنت أفضل من كلّ أحد. وسأله آخر، وكان التّشيُّع تلك المدَّة ظاهرًا: أيُّما أفضل، أَبُو بَكْر أو عَلِيّ؟ فقال: أفضلهما من كَانَت ابنته تحته، ورمّى بالكلمة فِي أودية الاحتمال، ورضي كلٌ من الشّيعة والسُّنَّة بهذا الجواب المدهش. وقرأ بين يديه قارئان فأطربا الجمع، فأنشد: ألا يا حماميَ بطن نُعمان هجتما ... عليَّ الهوى لمّا ترَّنتما ليا ألا أيها القُمريّتان تجاوبا ... بلَحْنَيْكما ثم اسجعا لي علانيا وقال له قائل: أيما أفضل أسبِّح أو أستغفر؟ قال: الثّوب الوسخ أحوج إِلَى الصّابون من البخور. وقال فِي قوله عليه السّلام: " أعمار أمتّي ما بين السّتّين إلى السبعين ": -[1106]- إنمّا طالت أعمار القُدماء لطول البادية، فلمّا شارفَ الركبُ بلد الإقامة قيل حُثُّوا المَطِيّ. وقال: من قنع طاب عَيْشُه، ومَن طمع طال طَيْشُه. قال: ووعظ الخليفة فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ، خفت منك، وأن سكتُّ، خِفْت عليك، فأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك، إنّ قول القائل: اتّقِ اللَّه خيرٌ من قول القائل: أنتم أَهْل بيتٍ مغفورٌ لكم. وقال يومًا: أَهْل البِدَع يقولون: ما فِي السّماء أحد، ولا فِي المُصْحَف قرآن، ولا فِي القبر نبيّ، ثلاث عورات لكم. وقال فِي قوله: {{أَلَيْسَ لِي مُلْك مصر}}: يفتخر فِرْعَون بنهرٍ، ما أجراه، ما أجراه، وقال وقد طرب الجمع: فهمتم فهمتم. قال: وقد ذكر العماد الكاتب جدّي فِي " الخريدة "، وأنشد له هَذِهِ الأبيات: يَودُّ حسودي أن يرى لي زَلَّةً ... إذا ما رَأَى الزّلّات جاءت أكاذيبُ أردُّ على خصمي وليس بقادرٍ ... على ردّ قولي، فهو موتٌ وتعذيبُ تُرى أوجه الحُساد صُفرًا لرؤيتي ... فإنْ فُهْتُ عادت وهي سودٌ غرابيبُ قال: وقال أيضًا: يا صاحبي إنْ كنتَ لي أو معي ... فعُجْ إِلَى وادي الحِمى نَرْتَعِ وَسَلْ عنِ الوادي وسُكّانِه ... وانشدْ فؤادي فِي رُبا لعلع جئ كثيب الرَّمْل رمل الحِمى ... وقِفْ وسَلِّمْ لي على المجمعِ واسمعْ حديثًا قد روته الصَّبا ... تُسْنِده عن بانِه الأجرعِ وابْكِ فَمَا فِي العَين من فضلةٍ ... ونُبْ فَدَتك النَّفْسُ عن مدمعي وانزل على الشّيخ بواديهم ... واشْمِمْ عُشَيْبَ البلد البلقع -[1107]- رِفقًا بنضوٍ قد براه الأَسَى ... يا عاذلي لو كان قلبي معي لَهَفي على طِيب ليالٍ خَلَت ... عُودي تعودي مُدْنفًا قد نُعي إذا تذكرتُ زمانًا مضى ... فَوَيْحَ أجْفاني من أدمُعي وقد نالتْه محنةٌ في أواخر عمره، وذلك أنّهم وَشَوْا إِلَى الخليفة الناصر به بأمرٍ اختُلِف فِي حقيقته، وذلك فِي الصَّيف، فبينا هُوَ جالسٌ فِي داره فِي السِّرداب يكتب، جاءه مَن أسمعه غليظ الكلام وشَتَمَه، وختم على كتبه وداره، وشتت عياله، فلما كان فِي أوّل اللّيل حملوه فِي سفينةٍ، وأحدروه إِلَى واسط، فأقام خمسة أيّام ما أكلّ طعامًا، وهو يومئذٍ ابن ثمانين سنة، فلمّا وصل إلى واسط أنزل في دار وحبس بها، وجعل عليها بواب، وكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماءَ من البئر، فبقي كذلك خمس سنين، ولم يدخل فيها حمّامًا. وكان من جملة أسباب القضيَّة أن الوزير ابن يُونُس قُبض عليه، فتتبّع ابنُ القصّاب أصحاب ابن يُونُس، وكان الرُّكْن عَبْد السّلام بْن عَبْد الوّهاب بْن عَبْد القادر الْجِيليّ المتّهم بِسوء العقيدة واصلًا عند ابن القصّاب، فقال له: أَيْنَ أنتَ عن ابن الجوزيّ، فهو من أكبر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدّي، وأُحرِقت كُتُبي بمشورته، وهو ناصبيّ من أولاد أَبِي بَكْر، وكان ابن القصّاب شيعيًّا خبيثًا، فكتب إِلَى الخليفة، وساعده جماعة، ولبّسوا على الخليفة، فأمر بتسليمه إلى الركن عبد السّلام، فجاء إِلَى باب الأَزَج إِلَى دار ابن الجوزي، ودخل وأسمعهُ غليظ المقال كما ذكرنا، وأُنزل فِي سفينةٍ، ونزل معه الرّكن لا غير، وعلى ابن الجوزيّ غُلالة بلا سراويل، وعلى رأسه تخفيفه، فأُحدِر إِلَى واسط، وكان ناظرها العميد أحد الشّيعة، فقال له الرّكن: حرسكَ اللَّه، مكِّنّي من عدويّ لأرميه فِي المطمورة، فعزّ على العميد وَزَبَره وقال: يا زِنديق أرميه بقولك؟ هات خطِّ الخليفة، واللهِ لو كان من أَهْل مذهبي لبذلتُ روحي ومالي فِي خدمته، فعاد الرّكن إِلَى بغداد، وكان بين ابن يُونُس الوزير وبين أولاد الشّيخ عَبْد القادر عداوةٌ قديمة، فلمّا ولي الوزارة، ثمّ أستاذيَّة الدّار بدَّد شملهم، وبُعث ببعضهم إِلَى مطامير واسط، فماتوا بها، وأهين الركن بإحراق كتبه النجومية. -[1108]- وكان السّبب فِي خلاص ابن الجوزيّ أنّ ابنه محيي الدّين يوسف ترعرع وقرأ الوعظ، وطلع صبيًّا ذكيًّا، فوعظ، وتكلَّمت أمُّ الخليفة فِي خلاص ابن الجوزي فأُطلِق، وعاد إِلَى بغداد، وكان يقول: قرأت بواسط مدة مُقامي بها كلّ يومٍ ختمة، ما قرأت فيها سورة يوسف من خزني على ولدي يوسف وشوقي إليه، وكان يكتب إِلَى بغداد أشعارًا كثيرة. وذكره شيخنا ابن البُزُوريّ، فأطنب فِي وصفه، وقال: فأصبح فِي مذهبه إمامًا يُشار إليه، ويُعقد الخِنْصر فِي وقته عليه، ودرّس بمدرسة ابن الشّمحل، ودرّس بالمدرسة المنسوبة إلى الجهة بنفشا المستضيئية، ودرّس بمدرسة الشّيخ عَبْد القادر، وبنى لنفسه مدرسةَ بدرب دينار، ووقف عليها كُتُبه، بَرَعَ فِي العلوم، وتفرَّد بالمنثور والمنظوم، وفاق على أدباء مصره، وعلا على فُضلاء دهره، له التصّانيف العديدة، سُئِل عن عددها فقال: زيادة على ثلاث مائة وأربعين مصنَّفًا، منها ما هُوَ عشرون مجلّدًا، ومنها ما هُوَ كرّاس واحد، ولم يترك فنًّا من الفنون إلّا وله فِيهِ مُصنَّف، كان أوحد زمانه، وما أظنّ الزّمان يسمح بِمِثْلِهِ، ومن مؤلّفاته كتاب المنتظم، وكتابنا ذيلٌ عليه. قال: وكان إذا وعظ اختلس القلوب، وشُقّقت النفوسُ دون الجيوب. إِلَى أن قال: تُوُفّي ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلةٍ خَلَت من رمضان، وصلّى عليه الخلْق العظيم الخارجُ عن الحدّ، وشيّعوه إِلَى مقبرة باب حرب، وكان يومًا شديد الحر، فأفطر من حره خلق كثير، وأوصَى أن يُكتَب على قبره: يا كثير الصَّفْح عمَّن ... كثُر الذنبُ لديهِ جاءك المذنب يرجو ال ... عفو عن جرم يديه أنا ضيفٌ وجزاءُ الضي ... ف إحْسَانٌ إليهِ وقال سِبْطه أبو المظفَّر: جلس رحمه اللَّه يوم السّبت سابع رمضان تحت تربة أمّ الخليفة المجاورة لمعروف الكَرْخيّ، وكنتُ حاضرًا، وأنشد أبياتًا قطع عليها المجلس، وهي: -[1109]- اللَّه أسالُ أن يُطوِّلَ مُدَّتي ... وأنَالَ بالأنعام ما فِي نيَّتي لي همةٌ فِي العِلْم ما من مِثْلها ... وهي الّتي جَنَت النُّحُولَ هِيَ الّتي كم كان لي من مجلسٍ لو شُبِّهَتْ ... حالاتُه لتشبَّهَتْ بالجنَّةِ فِي أبيات. ونزل، فمرض خمسة أيّام، وتُوُفّي ليلة الجمعة بين العشاءين في الثالث عشر من رمضان في داره بقطفتا. وحدثتني والدتي أنها سمعته يقول قبل موته: أيش أعمل بطواويس، يردّدها، قد جبتم لي هَذِهِ الطّواويس، وحضر غسْله شيخنا ضياء الدّين ابن سُكَيْنة، وضياء الدّين ابن الحبير وقت السَّحَر، واجتمع أَهْل بغداد، وغُلِّقت الأسواق، وشدَدنا التّابوت بالحبال، وسلّمناه إِلَى النّاس، فذهبوا به إلى تحت التربة، مكان جلوسه، فصلّى عليه ابنه عليّ اتّفاقًا؛ لأنّ الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثُمَّ صلّوا عليه بجامع المنصور، وكان يومًا مشهودًا، لم يصل إِلَى حُفْرته بمقبرة أَحْمَد بْن حنبل إِلَى وقت صلاة الجمعة، وكان فِي تمّوز، فأفطر خلقٌ، ورموا نفوسهم فِي الماء. قال: وما وصل إِلَى حُفْرته من الكَفَن إلّا قليل. قلت: وهذا من مجازفة أَبِي المظفّر. قال: ونزل فِي حُفرته والمؤذّن يقول: اللَّه أكبر، وحزن النّاسُ وبكوا عليه بُكاءً كثيرًا وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشَّمْع، ورآه فِي تلك الليلة المحدّث أَحْمَد بْن سلمان الحربيّ الملقب بالسكر -[1110]- على مِنْبرٍ من ياقوت مُرَصَّع بالجوهر، والملائكة جلوسٌ بين يديه والحق سبحانه وتعالى حاضرٌ، يسمع كلامه، وأصبحنا عملنا عزاءهُ، وتكلَّمت يومئذٍ، وحضر خلْقٌ عظيم، وقام عَبْد القادر العلويّ، وأنشد هَذِهِ القصيدة: الدّهْرُ عن طمعٍ يُغر ويخدع ... وزخارف الدّنيا الدّنيَّة تطمعُ وأَعِنَّة الآمال يُطلقها الرجا ... طَمَعًا وأسيافُ المنيَّة تقطعُ والموت آتٍ والحياة مريرة ... والنّاس بعضهم لبعضٍ يتبعُ واعلم بأنَّك عن قليلٍ صائرٌ ... خبرًا فكن خبرًا لخير يسمعُ لعُلا أَبِي الفَرَج الَّذِي بعد التُقى ... والعِلم يوم حواه هَذا المضجعُ حَبْرٌ عليه الشَّرْع أصبح والهًا ... ذا مقلةٍ حَرَّى عليه تدمعُ مَنْ للفتاوى المشكلات وحلّها ... مَن ذا لخرقِ الشّرعِ يومًا يرقعُ مَن للمنابر أن يقوم خطيبها ... ولِرَدّ مسألةٍ يقول فيسمعُ مَن للجدال إذا الشفاهُ تقلّصتْ ... وتأخّر القَرْم الهِزَبْرُ المِصْقَعُ مَن للدياجي قائمًا دَيْجورَها ... يتلو الكتاب بمقلةٍ لا تهجعُ أَجَمال دين مُحَمَّدٍ مات التقى ... والعلمُ بعدك واستحم المجمعُ يا قبره جادتْك كلّ غمامةٍ ... هطالةٍ ركانة لا تقلعُ فيك الصَّلاة مع الصَّلات فَتِهْ به ... وانظر به باريك ماذا يصنعُ يا أحمدًا خُذْ أحمدَ الثّاني الّذي ... ما زال عنك مدافعًا لا يرجعُ أقسمت لو كُشِفَ الغطاء لرأيتمُ ... وَفْدَ الملائك حولَه يتسرّعوا ومحمدٌ يبكي عليه وآله ... خيرُ البريَّة والبَطِين الأنزعُ فِي أبيات. ومن العجائب أنّا كنّا يومئذٍ بعد انقضاء العزاء عند القبر، وَإِذَا بخالي مُحيي الدّين يوسف قد صعِد من الشّطّ، وخلفه تابوت، فقلنا: ترى مَن مات فِي الدّار؟ وَإِذَا بها خاتون والدة محيي الدّين، وعهدي بها ليلة الجمعة فِي عافية، وهي قائمة، فكان بين موتهما يومٌ وليلة، وعَدَّ النّاسُ ذلك من كراماته؛ لأنه كان مغرى بها محبا. وخلف من الولد علِيًّا، وهو الّذي أَخَذَ مصنَّفات والده وباعها بيعَ العبيد، ومَن يزيد، ولمّا أُحدِر والده إِلَى واسط تحيَّل علي كُتُبه باللّيل، وأخذ منها ما -[1111]- أراد، وباعها ولا بثمن المِداد، وكان أَبُوهُ قد هجره منذ سِنين، فلمّا امتُحنِ صار إلبًا عليه، ومات أبوه ولم يشهد موته. وخلّف محيي الدّين يوسف، وكان قد وُلِد سنة ثمانين وخمس مائة، وسمع الكثير، وتفقَّه، وناظَر، ووعظ تحت تربة والدة الخليفة، وقامت بأمره أحسن قيام، ووُلّي حِسْبة بغداد سنة أربعٍ وستّمائة، ثُمَّ ترسَّل عن الخلفاء، وتقلبت به الأحوال حتّى بلغ أشرف مآل إِلَى سنة أربعين وستّمائة، ثُمَّ وُلّي أستاذ داريَّة الخلافة. وكان لجدّي ولد اسمُه عَبْد الْعَزِيز، وهو أكبر أولاده، سمع معَه من ابن ناصر، وأبي الوقت، والأرموي، وسافر إلى الموصل، فوعظ بها سنة بضعٍ خمسين، وحصل له الْقَبُولُ التّام، ومات بها شابًّا، وكان له بنات منهن أمّي رابعة، وشَرَف النّساء، وزينب، وجوهرة، وستّ العلماء الكبرى، وستّ العلماء الصُّغرى. قلت: ومع تبحُّر ابن الجوزيّ فِي العلوم، وكثرة اطّلاعه، وسعَة دائرته، لم يكن مبرّزًا فِي عِلمٍ من العلوم، وذلك شأن كلّ من فرَّق نفسه فِي بحور العِلم، ومع أنّه كان مبرِّزًا فِي التّفسير، والوعظ، والتّاريخ، ومتوسّطًا فِي المذهب، متوسطًا فِي الحديث، له اطّلاع تامٌ على مُتُونه، وأمّا الكلام على صحيحه وسقيمه، فَمَا له فيه ذوق المحدثين، ولا نقْد الحُفاظ المبرّزين، فإنّه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضّعيفة، مع كونه كثير السّياق لتلك الأحاديث فِي الموضوعات، والتّحقيق أنّه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذِكرها فِي الموضوعات، ورُبّما ذكر فِي الموضوعات أحاديث حِسانًا قويَّة. ونقلتُ من خط السيف أحمد ابن المجد، قال: صنّف ابن الجوزيّ كتاب الموضوعات، فأصاب فِي ذِكره أحاديث شنيعة مخالفة للنّقل والعقل، ومما لم يصب فيه إطلاق الوضع على أحاديث بكلام بعض النّاس فِي أحد رُواتها، كقوله: فُلان ضعيف، أو ليس بالقويّ، أو ليّن، وليس ذلك الحديث ممّا يشهد القلب ببُطْلانه، ولا فِيهِ مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سُنَّة ولا إجماع، ولا حُجَّة بإنّه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل فِي راوية، وهذا عُدْوان ومجازَفَة، وقد كان أَحْمَد بْن حنبل يقدّم الحديث الضّعيف على القياس. -[1112]- قال: فَمَنْ ذلك أنّه أورد حديث مُحَمَّد بْن حِمْيَر السَّليحي، عن مُحَمَّد بْن زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمامة في فضل قراءة آية الكُرسيّ في الصلوات الخمس، وهو: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرسيّ دُبُرَ كُلّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت "، وجعله في الموضوعات، لقول يعقوب بن سُفيان مُحَمَّد بْن حِمْير ليس بالقويّ، ومحمد هَذَا قد روى الْبُخَارِيّ فِي " صحيحه "، عن رجلٍ، عَنْهُ، وقد قال ابن مَعين: إنّه ثقة، وقال أَحْمَد بْن حنبل: ما عَلِمت إلّا خيرًا. قال السّيف: وهو كثير الوهْم جدًّا، فإنّ فِي مشيخته مع صِغَرها وَهْمٌ فِي مواضع، قال فِي الحديث التاسع وهو " اهتزاز العرش ": أَخْرَجَهُ البخاريّ، عن مُحَمَّد بْن المثنّى، عن الفضل بن هشام، عن الْأَعْمَشُ. قلت: والفضل إنمّا هُوَ ابن مساور رواه عن أَبِي عَوَانَة، عن الْأَعْمَشُ، لا عن الْأَعْمَشُ نفسه. والحادي والعشرين، قال: أَخْرَجَهُ البخاريّ، عن ابن منير، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَارٍ، وإنما يرويه ابن منير، عن أَبِي النّضر، عن عبد الرحمن، والسادس والعشرين فيه: أَخْبَرَنَا أبو العبّاس أحمد بن محمد الأثرم، وإنما هو محمد بن أحمد، والثاني والثلاثين، قال: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، عن الأُوَيْسيّ، عن إبراهيم بن سعْد، عن الزُّهريّ، وإنما هو عن ابن سعْد، عن صالح، عن الزُّهريّ، وفي التاسع والأربعين: حَدَّثَنَا قتيبة، قَالَ: أخبرنا خالد بن إسماعيل، وإنما هو حاتم بن إسماعيل، وفي الثاني والسبعين: أَخْبَرَنَا أبو الفتح مُحَمَّد بْن عليّ العُشاريّ، وإنّما هُوَ أبو طَالِب مُحَمَّد بْن عليّ بْن الفتح، وَفِي الرابع -[1113]- والثّمانين: عن حُمَيْد بْن هلال، عن عفّان بن كاهل، وإنما هو هصان، وفي الحديث الثاني: أخرجه البخاري، عن أَحْمَد بْن أَبِي إياس، وإنّما هُوَ آدم، قال لنا شيخنا أبو عَبْد اللَّه الحافظ: كتبتُ المشيخة من فرعٍ، فإذا فيها أَحْمَد، فاستنكرته، فراجعتُ الأصل، فإذا هُوَ أيضًا على الخطأ، وذكر وَفَيَات بعض شيوخه وقد خُولف كيحيى بن ثابت، وابن خضير، وابن المقرّب، وهذه عدَّة عيوب فِي كراريس قليلة، وسمعتُ أَبَا بَكْر مُحَمَّد بْن عَبْد الغنيّ ابن نُقطة، يقول: قيل لأبي مُحَمَّد بْن الأخضر: ألا تجيب ابن الجوزي عن بعض أوهامه؟ قال: إنّما يتتبَّع على مَن قَلّ غَلَطه، فأمّا هَذَا فأوهامه كثيرة، أو نحو هَذَا. قلت: وذلك لأنّه كان كثير التّأليف فِي كُلّ فنّ فيصنّف الشّيء ويُلقيه، ويتكل على حفظه. قال السيف: ما رأيت أحدًا يُعتمد عليه فِي دِينه وعلِمه وعقله راضيًا عَنْهُ، قال جدّي رحمه اللَّه: كان أبو المظفّر بْن حَمْدي أحد العدول، والمشار إليهم ببغداد ينكر على ابن الجوزيّ كثيرًا كلماتٍ يخالف فيها السنة. قال السيف: وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المَنِّي فِي بعض هَذِهِ الأشياء الّتي حكيناها عَنْهُ، ولمّا بان تخليطه أخيرًا رجع عَنْهُ أعيان أصحابنا الحنابلة، وأصحابه وأتباعه، سمعت أَبَا بَكْر ابن نُقْطَة فِي غالب ظنّي يقول: كان ابن الجوزيّ يقول: أخاف شخصين: أَبَا المظفر بن حمدي، وأبا القاسم ابن الفراء، فإنهما كانا لهما كلمة مسموعة، وكان الشّيخ أبو إِسْحَاق العلثي يكاتبه ويُنكر عليه، سمعت بعضهم ببغداد أنّه جاءه منه كتاب يذمّه فِيهِ، ويَعْتِب عليه ما يتكلّم به فِي السّنَّة. قلت: وكلامه فِي السُّنَّة مضطّرب، تراه فِي وقتٍ سنياً، وفي وقت متجهمًا محرفًا للنّصوص، والله يرحمه ويغفر له. وقرأتُ بخطّ الحافظ ابن نُقْطَة قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن الْحَسَن الحاكم بواسط قال: لمّا انحدر الشّيخ أبو الفَرَج ابن الجوزيّ إِلَى واسط قرأ على أَبِي بَكْر ابن الباقِلّانيّ بكتاب الأرشاد لأجلِ ابنهِ، وقرأ معه ابنُه يوسُف. وقال الموفَّق عَبْد اللّطيف: كان ابن الجوزيّ لطيف الصّورة، حُلْو -[1114]- الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات والنغمات، لذيذ المفاكَهَة، يحضر مجلسه مائة ألف أو يزيدون، ولا يضيّع من زمانه شيئًا، يكتب فِي اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كلّ سنةٍ من كتابته ما بين خمسين مجلّدًا إِلَى ستّين. وله فِي كلّ عَلمٍ مشاركة، لكنّه فِي التّفسير من الأعيان، وَفِي الحديث من الحفّاظ، وفي التواريخ من المتوسّعين، ولديه فِقه كافٍ، وأمّا السّجع الوعظي فَلَه فِيهِ مَلَكَة قويَّة، إنِ ارْتجلَ أجاد، وإن روَّى أبدع، وله فِي الطّبّ كتاب اللُّقَط، مجلدّان، وله تصانيف كثيرة، وكان يراعي حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقلَه قوةً، وذهنَه حِدَّة أكثر ممّا يُراعي قوَّة بدنه ونيل لذّته، جُلّ غذائه الفَرَاريج والمزورات، ويعتاض عن الفاكهة بالأشْربة والمعجونات، ولباسه أفضل لباس، الأبيض النّاعم المطيَّب، ونشأ يتيمًا على العفاف والصَّلاح، وله ذِهنٌ وقاد، وجوابٌ حاضر، ومُجُونٌ لطيف، ومُداعبات حُلْوة، وكانت سيرته فِي منزله المواظبةُ على القراءة والكتابة، ولا ينفكّ من جاريةٍ حسناء فِي أحسن زِيّ، لا تُلْهيه عمّا هُوَ فِيهِ، بل تُعينه عليه وتُقَوّيه. وقرأت بخطّ الموقاني أنّ أبا الفرج كان قد شرب حَبّ البلاذُر - على ما قيل - فسقطت لحيتُه، فكانت قصيرةً جدًّا، وكان يَخْضِبها بالسّواد إِلَى أن مات. ثُمَّ عظّمه وبالغ فِي وصفه، ثُمَّ قال: ومع هَذَا فهو كثير الغَلَط فيما يصنّفه، فإنّه كان يصنَّف الكتاب ولا يعتبره رحمه اللَّه وتجاوز عَنْهُ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
62 - أَحْمَد بن مكي، القاضي جمال الدين أَبُو المجد الإسكندرانيّ المُعَدَّل الفقيه المالكي. [المتوفى: 612 هـ]
كَانَ فقيهًا عالمًا، وقوُرًا، نزهًا، عارفًا بالكلام والمُناظرة، ووليّ ديوان الصَّعيد مُدَّة. وَلَهُ سماعٌ من السِّلَفيّ. قَالَ الزكيّ المُنذريّ: اجتمعتُ بِهِ مرّات وما علمته حَدَّثَ. وَتُوُفِّي بالقاهرة في سابع عشر رجب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
162 - عبد الوهاب بن عبد الله بن علي، الوزير جمال الدين أَبُو مُحَمَّد ابن الصاحب الوزير صفي الدين ابن شُكر. [المتوفى: 613 هـ]
سَمِعَ من حَنْبَل، وابن طَبَرْزَد، وجماعة، ووَزَرَ للملك المعظَّم عيسى، وَكَانَ كثير الصّدَقات. تُوُفِّي في ربيع الآخر شابًّا. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
163 - عَليّ بن ظافر بن حُسين، الفقيه جمال الدين أَبُو الحَسَن الْأَزْدِيّ المَصْرِيّ المالكي، ابن العلّامة أَبِي المنصور. [المتوفى: 613 هـ]
وُلِدَ سنة سبعٍ وستين، وتَفَقَّه عَلَى والده، وقرأ عَلَيْهِ الْأصول، وقرأ الْأدب، وبَرَع مَعَ هذه الفضائل في معرفة التاريخ، وأخبار الملوك، وحفِظ من ذَلِكَ جملةً وافرةً. ودرَّس بمدرسة المالكية بمصر بعد أَبِيهِ، وتَرَسّل إلى الديوان العزيز، وولي وزارة المَلِك الْأشرف، ثُمَّ انفصل عَنْهُ، وَقَدِمَ مِصْر، وولي وكالة السلطنة مُدّةً. قَالَ الزَّكيّ المُنْذِريّ: كَانَ متوقّد الخاطر، طَلْق العبارة. وَكَانَ مَعَ تعلّقهِ بالدنيا لَهُ ميلٌ كثيرٌ إلى أهل الآخرة، محبًا لأهل الدين والصَّلاح، وَلَهُ مصنفات حسنة منها كتاب " الدول المُنقَطِعة "، وَهُوَ كتاب مفيد في بابه جدًّا، ومنها كتاب " بدائع البدائه "، وأقبل في آخر عُمره عَلَى السُّنة النبوية، ومطالعتها، وإدمان النظر فيها. وَحَدَّثَ بشيء من شعره. سمعتُ منه. قُلْتُ: وأخذَ عَنْه من شعره الشهاب القوصيّ، وغيره. عاش ثمانيًا وأربعين سنة. ومن تواليفه كتاب " أخبار الشجعان "، وكتاب " أخبار الملوك السلجوقية " وكتاب " أساس السياسة "، رحمه اللَّه. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
224 - عَبْد الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أَبِي الفضل بن عَليّ بن عَبْد الواحد، قاضي القضاة أبو القاسم جمال الدين ابن الحَرَسْتَاني الْأَنْصَارِيّ الخَزْرَجِي العُباديّ السَّعْديّ الدِّمَشْقِيّ الفقيه الشافعي. [المتوفى: 614 هـ]
ولد سنة عشرين وخمسمائة في أحد الربيعين، وَسَمِعَ من عَبْد الكريم بْن حَمْزَة، وطاهر بن سهل بن بِشْر الإسفرايينيّ، وجمال الإِسْلَام أَبِي الحَسَن عَليّ بن المُسَلِّم، وعَليّ بن أَحْمَد بن منصور بن قُبيس، ونصر اللَّه المصِّيصي الفقيه، وهبة اللَّه بن أَحْمَد بن طاوس، ومعالي بن هبة الله ابن الحُبُوبيّ، وَأَبِي الْقَاسِم الحُسين بن البُن، وَأَبِي الحَسَن عَليّ بن سُلَيْمَان المُراديّ، وجماعة. وتَفَرَّدَ بالرواية عن أكثر شيوخه، وحدَّث بالإجازة عَن أَبِي عَبْد اللَّه الفُرَاويّ، وهبة اللَّه السَّيِّدي، وزاهر الشَّحامي، وعبد المنعم ابن القُشَيْريّ، وَإسْمَاعِيل القارئ، وغيرهم؛ استجازهم لَهُ الحَافِظ أبو القاسم. -[412]- وحدَّث بـ " صحيح " مسلم، وبـ " دلائل النبوة " للبيهقي، وبأشياء كثيرة من الكتب والْأجزاء. وَأَوَّل سماعه في سنة خمسٍ وعشرين. وتَفَقَّه في شبيبته، وبرعَ في المذهب، ودرَّس، وأفتى، وطال عمره، وتفرَّد عن أقرانه. سَمِعَ منه أَبُو المواهب بن صصرى، والقُدماء؛ وَرَوَى عَنْهُ البِرْزَاليّ، وابن النَّجَّار، وَالضِّيَاء، وابنُ خليل، وَالقُوصِيّ، والزكي عبد العظيم، وابن عبد الدائم، والصاحب أبو القاسم ابن العديم، والشرف عَبْد الواحد بن أَبِي بَكْر الحَمَوي؛ وأخوه أَحْمَد، والنجم إِبْرَاهِيم بن محاسن التَّنُوخِيّ، والنَّجِيب نصر اللَّه الشَّيْبَانِيّ، ونصر بن تروس، والجمال عَبْد الرَّحْمَن بن سالم الْأنباري، والزين خَالِد، وَأَبُو غالب مُظَفَّر بن عُمَر الْجَزَريّ، والزين عَليّ بن أَحْمَد القُرْطُبيّ، وَأَبُو الغنائم بن علاّن، وأبو حامد محمد ابن الصَّابوني، وأبو بكر محمد ابن الْأَنْمَاطِي، وأبوه، ويوسف بن تمّام السُّلمي، وَمُحَمَّد بن عبد المنعم ابن القواس، وأخوه شيخُنا عُمَر، وَمُحَمَّد بن أَبِي بَكْر العامري، ونسيبه أَحْمَد بن عَبْد القادر العامريّ، وَأَبُو بَكْر بن مُحَمَّد بن طَرْخان، والقاضيان ٍشمس الدين ابن أبي عمر وشمس الدين ابن العماد، والفخر علي ابن البخاري، والبرهان إبراهيم ابن الدَّرجي، وَعَبْد الرَّحْمَن بن أَحْمَد الفاقُوسيّ، والشمس عبد الرحمن ابن الزين، والشمس محمد ابن الكمال، وأبو بَكْر بْن عُمَر بْن يُونُس المِزّيّ، وتقي الدين إبراهيم ابن الوَاسِطِيّ، وخلقٌ سواهم. وَرَوَى عَنْهُ من القدُماء الحافظان عَبْد الغني وَعَبْد القادر الرُّهاوي، وَرَوَى عَنْهُ بالإجازة شيخُنا العماد عَبْد الحَافِظ، وَعَائِشَة بنت المَجْد، وجماعة. وَكَانَ إمامًا فقيهًا، عارفًا بالمذهب، ورعاً، صالحًا، محمود الْأحكام، حسنَ السيرة، كبيرَ القدر. رحل إلى حلب وتَفَقَّه بها عَلَى المحدِّث الفقيه أَبِي الحَسَن المُراديّ. وولي القضاء بدمشق نيابةً عن أَبِي سَعِد بن أَبِي عصرون، ثم ولي قضاء الشام في آخر عمره في سنة اثنتي عشرة. -[413]- قال ابن نقطة: هو أسند شيخ لقينا من أهل دمشق، حسن الإنصات، صحيح السماع. وقال أبو شامة: دخل أبوه من حرستا فنزل بباب توما، وأمَّ بمسجد الزَّينبي، ثُمّ أمَّ فيه جمال الدين ابنه، ثُمَّ سكن جمال الدين بداره بالحُويْرة، وَكَانَ يلازم الجماعة بمقصورة الخَضَر، ويحدِّث هناك، ويجتمع خلق، مَعَ حُسن سَمْته وسكونه وهيبته. حدَّثني الفقيه عزّ الدّين عَبْد الْعَزِيز بْن عَبْد السَّلَام أَنَّهُ لم ير أفقه منه، وَعَلَيْهِ كَانَ ابتداء اشتغاله، ثُمَّ صحِب فخر الدين ابن عساكر، فسألته عَنْهُمَا، فرجّح ابن الحَرَسْتَاني وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يحفظ كتاب " الوسيط " للغزاليّ. قَالَ أَبُو شامة: لَمَّا ولي القضاء محيي الدين ابن الزَّكي لم يُنِبْ عَنْهُ، وبقي إلى (أن) ولّاه الملك العادل القضاء، وعزَلَ قاضي القضاة زكيّ الدين الطّاهر، وأخذ منه مدرستيه العزيزية، والتَّقوية. فأعطى العزيزية مَعَ القضاء لابن الحَرَسْتَاني، واعتنى بِهِ العادل وأقبل عليه، وأعطى التقوية لفخر الدين ابن عساكر. وَكَانَ جمال الدين يجلس للحكم بالمُجاهدية، ونابَ عَنْهُ ولدُه عمادُ الدين، ثُمَّ شمس الدين أبو نصر ابن الشيرازي، وشمس الدين ابن سَنيّ الدَّوْلَة. وبقي في القضاء سنتين وسبعة أشهر، وَتُوُفِّي، فكانت لَهُ جنازة عظيمة، عَلَى أَنَّهُ امتنع من الولاية لَمَّا طُلب إليها حَتَّى ألحّوا عَلَيْهِ فيها. وَكَانَ صارمًا، عادلًا عَلَى طريقة السَّلف في لباسه وعفَّته؛ ولقد بلغني - يَقُولُ أَبُو شامة - أَنَّ ابنَ الحَرَسْتَاني ثبت عنده حقّ لامرأة عَلَى بيت المال، فأحضر وكيل بيت المال الجمال المَصْرِيّ، فأمره أن يسلّم إليها ما ثبت لها، وَكَانَ بُستانًا، فاعتذر بالمساء، وَقَالَ: في غد أسلمه إليها. فَقَالَ: ربّما أموت -[414]- أَنَا الليلة ويتعوّق حقُّها، فما برح حَتَّى تسلّمت حقّها، وكتب لها محضرًا بذلك وحكم به. وقال أبو المظفَّر سبط ابن الْجَوْزيّ: كَانَ زاهدًا، عفيفًا عابدًا، ورعًا، نزهًا، لَا تأخذه في اللَّه لومة لائم. اتفق أهل دمشق عَلَى أَنَّهُ ما فاتته صلاة بجامع دمشق في جماعة إِلَّا إِذَا كَانَ مريضًا. ثُمَّ ذكر حكايات من مناقبه، وَقَالَ: حكى لي ولدُه، قَالَ: كَانَ أحد بني قوام يتّجر للمعظَّم عيسى في السُّكّر وغيره، فمات، فوضع ديوان المُعَظَّم يدهم عَلَى التركة، وبعث المعظم إلى أبي يقول: هذا كَانَ تاجرًا لي، والتركة لي، وأريد تسليمها، فأبى عَلَيْهِ إِلَّا بثبوت شرعيّ أَوْ يحلف، فقال المعظم: والله ما أحقق ما لي عنده، ولم يثبت شيئًا. قَالَ أَبُو المُظَفَّر: وحكى لي جماعة أَنَّ الملك العادل كتب إِلَيْهِ يوصيه في حكومة، فأحضر الخصم وفي يده الكتاب لم يفتحه وظهر الخصم عَلَى حامل الكتاب إلى القاضي، فقضى عَلَيْهِ، ثُمَّ قرأ الكتاب، ورمى بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: كتاب اللَّه قد حكم عَلَى هَذَا الكتاب. فبلغ العادل قوله فَقَالَ: صدَقَ كتاب اللَّه أولى من كتابي. وَكَانَ يَقُولُ للعادل: أَنَا ما أحكم إِلَّا بالشرع وإلّا فما سألتك القضاء، فإنْ شئت، وإلا فأبصر غيري. وحكى لي الشمس ابن خلدون قَالَ: أحضر القاضي عماد الدين بين يدي أَبِيهِ صحن حلوى وَقَالَ: كُل. فاستراب، وَقَالَ: من أَيْنَ هَذَا؟ تريد أن تُدخلني النّار؟ ولم يذُقْه. قَالَ أَبُو شامة: هُوَ الَّذِي ألحّ عَلَى أَبِيهِ حَتَّى تولى القضاء. وَحَدَّثَنِي عماد الدين قَالَ: جاء إِلَيْهِ شرف الدين ابن عُنين، فَقَالَ: السُّلْطَان يُسلّم عليك ويوصي بفلان فإنّ لَهُ محاكمة، فغضب، وَقَالَ: الشرع ما يكون فيه وصية، لَا فرق بين السُّلْطَان وغيره في الحق. وَقَالَ المُنْذِريّ: سَمِعْتُ منه، وَكَانَ مهيبًا، حسنَ السمت، مجلسُهُ -[415]- مجلس وقار وسكينة، يبالغ في الإنصات إلى من يقرأ عَلَيْهِ. تُوُفِّي في رابع ذي الحجَّة، وَهُوَ في خمس وتسعين سنة. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
392 - عَليّ بن شُكر بن أَحْمَد بن شُكر، القاضي العالم جمال الدِّين أَبُو الحَسَن ابن القاضي أَبِي السَّعَادَات المَصْرِيّ الفقيه الشَّافِعِيّ. [المتوفى: 616 هـ]
سَمِعَ من أَبِي عَبْد اللَّه الْأَرْتَاحِيّ، والحافظ عَبْد الغني، وجماعةٍ. ورحلَ إلى الشَّام والعراق، وحدَّث. وجمع في السُّنة، والصِّفات، وفي الرَّقائق. وَتُوُفِّي في رجب. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
567 - مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم بْن مُحَمَّد بْن أَبِي الفضل بن عَليّ، القاضي العالم الصالح علاء الدِّين أَبُو عَبْد اللَّه ابن أخي القاضي جمال الدِّين، الْأَنْصَارِيّ الدِّمَشْقِيّ ابن الحَرَسْتَاني. [المتوفى: 618 هـ]
ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وسمع من أبي القاسم ابن عساكر الحَافِظ، وَسَمِعَ بالمَوْصِل من خطيبها أَبِي الفضل عبد الله ابن الطُّوسِيّ. رَوَى عَنْهُ الزَّكيّ البِرْزَاليّ في " مُعجمه ". وَتُوُفِّي في سابع عشر رمضان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
615 - عثمان بن هبة اللَّه بن أَبِي الفَتْح أَحْمَد بن عَقيل بن مُحَمَّد، الحكيم الرئيس جمالُ الدين أبو عمرو القَيْسِيّ البَعْلَبَكِّيّ الْأصل الدِّمَشْقِيّ العدل الطّبيب، المعروف بابن أَبِي الحوافر، رئيس الْأطبّاء بالدّيار المصرية. [المتوفى: 619 هـ]
ولد سنة ست وأربعين وخمسمائة، وولي رياسة الطّبّ مُدَّة بالقاهرة، وَتُوُفِّي في الثالث والعشرين من رجب بالقاهرة. وكان جده أَبُو الفَتْح مقرئًا، فاضلًا، صالحًا، من أصحاب الفقيه نصر بن إِبْرَاهِيم المَقْدِسِيّ، وَكَانَ عَقيل فقيهًا يكرّر عَلَى " مختصر المُزني ". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
674 - عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن عَبْد اللَّه، القاضي جمالُ الدّين أَبُو مُحَمَّد الدِّمشقيُّ الشّافعيُّ، [المتوفى: 620 هـ]
قاضي اليَمن. ولد بدمشق في حدود سنة ثلاثين وخمسمائة، وعاش تسعين سنةً، وسَمِعَ بالإسكندرية من السِّلَفِيّ، وغيره، وتَوَجّه من دمشق صُحبة شمس الدُولة تورانشاه بْن أيّوب، إِلى اليمن، وأمَّ بِهِ، وتقدَّم عنده، فولّاه قضاءَ اليمن، وحَصَّل أموالًا، وعادَ إِلى دمشق. وحَدَّث، روى عَنْهُ: الشَّهاب القُوصِيُّ، وفَرَج الحَبشي، والزَّين خالد النابُلُسي، وعِدّة. وسمع من عليّ بْن أَحْمَد الحَرَستاني. -[613]- ومات في ربيع الأوّل. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
216 - يونُس بن بَدْران بن فَيْروز بن صاعد بن عالي بن مُحَمَّد بن عليّ، قاضي القُضاة بالشّام جمالُ الدِّين أبو محمد وأبو الوليد وأبو الفضائل وأبو الفَرَج القُرَشيّ الشَّيْبيّ الحِجازيُّ الأَصل المَلِيجيُّ المولد الشّافعيّ، المشهورُ بالجمال المصريّ. [المتوفى: 623 هـ]
ولد تقريباً سنة خمسين وخمسمائة. وسمع من السلفي، وعلي بن هبة الله الكامليّ، وغيرهما. وتَرّسَّلَ إلى الدّيوان العزيز، وَوَلِيَ الوكالة بالشّام مُدَّة، والتّدريس، ثمّ القضاء. ودَرَّسَ بالأمينية بعد التّقيّ الضّرير، وتَرَسَّلَ عن الملك العادل، إقامةً ونَوَّهَ باسمه الصاحبُ ابن شُكْر. ووَلِيَ تدريسَ العادِلية في دولة المُعَظَّم؛ فألقى بها دروسًا جميعَ تفسيرِ القرآن. وقد اختصر كتاب " الأُمّ " للشّافعيّ. وصَنَّفَ في الفرائض. -[757]- قال أبو شامة: كَانَ في ولايته عفيفًا في نَفْسِه نَزهًا، مُهيبًا، مُلازمًا لمجلس الحُكم بالجامع وغيره. وكان يُنْقَمُ عليه أنَّه إذا ثبتَ عنده وراثة شخص، وقد وضع بيتُ المال أيديهم عليها، يأمره بالمصالحة لبيت المال. ونُقِمَ عليه استنابتُه في القضاء لابنه التّاج مُحَمَّد، ولم تكن طريقتُه مستقيمةً. قال: وكان يذكر أنَّه قُرَشِيٌّ شيبيٌّ، فتكلّمَ النّاس في ذلك، وَوَلِيَ بَعْدَهُ القضاءَ وتدريسَ العادلية شمسُ الدِّين الخُوَييّ. ونقلتُ من خطِّ الضّياء: تُوُفّي القاضي يُونُس بن بَدْران المِصْريّ، بدمشق، وقليلٌ من الخَلْقِ مَن كَانَ يَتَرحَّم عليه. قلت: روى عنه البرزاليّ، والشهاب القوصيّ، وعمر ابن الحاجب وقال: كَانَ يُشارِكُ في علومٍ كثيرة، وصارَ وكيلًا لبيت المال، فلم يُحسن السيرة قبل القضاء. قال ابن واصل: كَانَ شديدَ السُّمرة، يَلْثَغُ بالقاف همزةً، صلَّى ليلةً بالملك المعظّم فقرأ " {{نبأ ابني آدم بالحقّ}} "، فضحك منه السُّلطانُ، وقطع الصّلاةَ. وقال القوصي: أنشدنا الجمالُ المِصْريّ، قال: أنشدنا السِّلَفيّ لنفسه: قَدْ كُنْتُ أَخْطُو فَصِرْتُ أَعْدُو ... وكُنْتُ أَغْدُو فَصِرْتُ أَخْطُو خَانَ مَشِيبي يَديَ وَرِجْلِي ... فَلَيْسَ خطوٌ وَلَيْسَ خَطُّ تُوُفّي في أواخر ربيع الأوّل، ودُفِنَ في مجلس بقاعته شرقيّ القليجية من قبليّ الخضراء. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
306 - عبد الرحيم بن عليّ بن الحُسَيْن بن شِيث، القاضي الرئيس جمالُ الدِّين الأُمَويّ القُرَشيّ الإِسْناويُّ القُّوصيُّ، [المتوفى: 625 هـ]
صاحبُ ديوان الإِنشاء للملك المُعَظَّم. وُلِدَ بإسنا في سَنَةِ سبعٍ وخمسين وخمسمائة، ونشأ بقُوص، وتفنَّن بها، وبَرَعَ في الآداب والعِلْم. وكان دَيِّنًا، خيِّرًا، وَرِعًا، حسنَ النَّظْم، والنثْر، مُنشئًا بليغًا. وَلِيَ الدّيوانَ بقُوص، ثمّ بالإِسكندرية ثمّ بالقُدس، ثمّ ولي كتابة الإِنشاء للمُعَظَّم. وقال الشّهاب القُّوصيّ: إنَّه ولي الوزارة للمعظّم. وقال الضّياءُ: كَانَ يُوصَفُ بالمروءة، وقضاءِ حوائج النّاس. تُوُفّي في سابع المحرَّم، ودُفِنَ في تربةٍ لَهُ بقاسيون. أنشدنا رشيدُ بن كامل الأديب قال: أنشدنا أبو العرب القوصي، قال: أنشدنا الوزيرُ جمال الدِّين أبو القاسم عبد الرحيم بن عليّ بن شِيث لنفسه: كُنْ مع الدّهر كيف قلبّك الدّهـ ... ـر بقلبٍ راضٍ وصدرٍ رحيبِ وتَيَقَّن أَنَّ اللَّيالي سَتَأْتي ... كُلَّ يومٍ وَلَيْلَةٍ بِعَجِيبِ -[799]- وله: أنت كالبدر كلّما حلّ في أر ... ضٍ أَضَاءَتْ بِنُورِهِ آفاقُه غَابَ قَلْبِي وَأَنْتَ فِيهِ فما أعـ ... ـظم مَا بَرَّحَتْ بِنَا أَشْوَاقُه فَعَسَى الْقرْبُ أَنْ يباح وأن ينـ ... ـحلّ مِن رِبْقَةِ الغَرَامِ وَثَاقُه |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
338 - إسماعيل ابن سيف الدَّولة الْمُبَارَك بْن كامل بْن مُقَلَّد بْن عَلِيّ بن مُنقذ، الأميرُ جمال الدِّين أبو الطّاهر الكِنانيُّ المِصْريّ المولد. [المتوفى: 626 هـ]
سَمِعَ السِّلَفِيّ ووالَده، وولي نيابة حَرَّان، وبها تُوُفّي في رمضان. ولَهُ شِعْر، وفضائل. روى عنه الشهابُ القُّوصيّ، والزَّكيّ المُنذريّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
509 - عبد الله بن عَبْد الغَنِيّ بْن عَبْد الواحد بْن عَلِيّ بن سرور، الحافظ المُحدِّث جمال الدِّين أبو موسى ابن الحافظ الأوحد أبي مُحَمَّد المَقْدِسيُّ ثمّ الدّمشقيُّ الصَالحيُّ الحَنْبَليُّ. [المتوفى: 629 هـ]
وُلِدَ في شوَّال سَنَة إحدى وثمانين وخمسمائة. وسمع من عبد الرحمن بن عليّ ابن الخِرَقيّ، وإسماعيل الْجَنْزَويّ، والخُشُوعيّ. ورحل به أخوه عز الدِّين مُحَمَّد، فَسَمِعَ ببغداد من ابن كليب، والمبارك ابن المَعْطُوش، وابن الْجَوْزيّ، وطائفة من أصحاب ابن الحُصَيْن. وسَمِعَ " المُسْند " من عبد الله بن أبي المجد بالحَرْبيّة. ورحلا إلى إصْبَهان فسمعا سَنَةَ أربعٍ وتسعين من مسعود الْجَمَّال، وخليل بن أبي الرجاء، وأبي جعفر الطَّرَسُوسيّ، وأبي المكارم اللَّبَّان، وأبي جعفر الصَّيْدلانيّ، وطائفة. فلمّا رجعا رحلا إلى مصرَ، وسَمِعَ عند والِدِه من فاطمة بنت سَعْد الخير، وأبي عبد الله الأَرْتَاحِيّ، وابن نَجا، وجماعة. ثمّ ارتحلَ مرَّةً ثانية إلى العراق، فدخل إلى واسط، وسَمِعَ من أبي الفَتْح المَنْدائي، ورحلَ إلى نَيْسابور فَسَمِعَ من منصور الفُرَاوي، والمؤيِّد الطُّوسيّ، وجماعة. وسَمِعَ بالحِجاز، والمَوْصِل، وإِرْبِل. وعُني بالحديث، وكتبَ الكثيرَ بخطه، وخَرَّج، وأَفاد. وقرأ القرآن على عمِّه الشيخ العماد. وتَفَقَّه على الشيخ المُوفَّق. وقرأ العربيةَ ببغداد على الشيخ أبي البقاء. قال ابن الحاجب: سألتُ عنه الحافظ الضّياء، فقال: حافظٌ، متقنٌ، ديّنٌ، ثقةٌ. وسألتُ عنه الزَّكيَّ البِرْزَاليَّ، فقال: حافظ، ديِّنٌ، مُتَمَيّز. -[883]- وقال الضّياء: كانت قراءتُه سريعةٌ صحيحة مَلِيحة. وقال عمر ابن الحاجب: لم يكن في عصره مثلُه في الحفظ والمعرفة والأمانة. قال: وكان كثيرَ الفضل، وافرَ العقل، متواضعًا، مهيبًا، وقورًا، جَوادًا، سَخِيًّا. لَهُ القبولُ التّامَّ مع العِبادة والورع والمُجاهدة. ونقلتُ من خطِّ الضّياء: كَانَ - رحمه الله - اشتغل بالفقه والحديث وصار عَلَمًا في وقته. ورحلَ إلى إصْبَهان ثانيًا، ومشى على رِجليه كثيرًا. وصارَ قُدوةً، وانتفعَ الناسُ بمجالسه الّتي لم يُسبق إلى مثلها. وكان جوادًا كريمًا، واسعَ النَّفس، وعَوَّد النّاسَ شيئًا لم نره من أحد من أصحابنا، وذلك أنّ أصحابنا من الْجَبَل والبَلَدِ كلّ من احتاج إلى قَرْض أو شراء غلَّة أو ثوب أو غيرِ ذلك يمضي إليه، فيحتال لَهُ حَتّى يحصل لَهُ ما يطلب، حَتّى كنتُ يضيقُ صدري عليه ممّا يصير عليه من الدّيون، وكثيرٌ من النّاس لا يرجع يوفّيه حَتّى سمعته مرّةً يقول: عليّ نحو ثلاثة ألف درهم. سَمِعْتُ الْحَافِظَ أَبَا إِسْحَاقَ الصَّرِيفِينِيَّ قَالَ: مَضَيْتُ إِلَى الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى فَذَكَرْتُ لَهُ مَرَضَ ابْنِي، وَأَنَّنَا فِي شدّةٍ مِنْ مَرَضِهِ فَقَالَ لِي: هَذِهِ اللَّيْلَةُ تُخْلِيهِ الْحُمَّى. قَالَ: فَخَلَتْهُ الْحُمَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ. سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ حَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَأَيْتُ وَالِدِي بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ وَهُوَ فِي حالٍ حَسَنَةٍ فَقُلْتُ: مَا لَقِيتَ مِنْ رَبِّكَ؟ فَقَالَ: لَقِيتُ خَيْرًا. فَقُلْتُ: فَكَيْفَ النَّاسُ؟ قَالَ: مُتَفَاوِتُونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ. وَسَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا عُمَرَ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ الْجَمَّالَ عَبْدَ اللَّهِ فَقُلْتُ: أيشٍ عَمِلَ مَعَكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: أَسْكَنَنِي عَلَى بِرْكَةِ الرِّضْوَانِ. سَمِعْتُ الْفَقِيهَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ يُوسُفَ بْنَ عُثْمَانَ الْقُرَيْرِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: رَأَيْتُ الْجَمَالَ عَبْدَ اللَّهِ فِي النَّوْمِ فِي سَطْحِ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ ثيابٌ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا فَقُلْتُ: يَا جَمَالَ الدِّينِ مَا هَذِهِ الثِّيَابُ؟ مَا رَأَيْتُكَ تَلْبَسُ مِثْلَ هَذِهِ؟ فَقَالَ: هَذِهِ ثِيَابُ الرِّضَا. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: نَظَرَ إِلَيَّ وَتَفَضَّلَ عَلِيَّ، أَوْ مَا هذا معناه. سمعت الملك الصالح إسماعيل ابن الْعَادِلِ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي اسْمُهُ أحمد البرددار وفيه خير، وكان يَتَرَدَّدُ إِلَى الْجَمَالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ أَحَادِيثَ، فَرَأَى الْجَمَالَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: أُوصِيكَ بِالدُّعَاءِ الَّذِي حَفَّظْتُكَ إِيَّاهُ، فَقَالَ: مَا بَقِيتُ أَحْفَظُهُ، فَقَالَ: هُوَ مَكْتُوبٌ فِي -[884]- الْوَرَقَةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لَكَ، وَسَلِّمْ عَلَى فُلَانٍ - يَعْنِينِي - وَقُلْ لَهُ: يَحْفَظُ هَذَا الدُّعَاءَ، فَمَا نَفْعَنِي مِثْلُهُ، وَهُوَ: " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ". . . الْحَدِيثَ. قلت: روى عنه الضّياء، والشيخ شمس الدِّين عبد الرحمن، والفَخْر عليٌّ، ونصر الله بن عَيّاش، والشمس مُحَمَّد بن حازم، ونصرُ الله بن أبي الفرج النابلسيّ، والشمس محمد ابن الواسطيّ، وآخرون. وتفرّد القاضي تقيّ الدِّين بإجازته من سنوات. وقرأت بخطّ الضّياء: قال الإمام أبو عبد الله يوسُف بن عبد المنعم بن نعمة يرثي الحافظ أبا موسى: لَهْفِي على ميّتٍ مَاتَ السُّرُورُ بِهِ ... لَوْ كَانَ حيّاً لأحيى الدّين والسّننا لو كُنْتُ أُعْطَى بِه الدُّنيا مُعَاوَضَةٌ ... إذًا لَمَا كَانَتِ الدُّنيا لَهُ ثَمَنَا يا سَيِّدِي ومكان الرُّوحِ من جسدي ... هَلَّا دَنَا المَوْتُ مِني حين مِنْكَ دَنَا وقال فيه الإِمام أبو محمد عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد المنعم بْن نِعمة المَقْدِسيُّ؛ أخو المذكور: هَذَا المُصَابُ قَدِيمًا المَحْذُورُ ... قَدْ شَاطَ مِنْهُ أضلعٌ وصُدُورُ وتَقَلَّبَتْ مِنْهُ القُلُوبُ حَرَارَةً ... والدَّمْعُ مِنْهُ ساجمٌ مَوْفُورُ حمدًا فَكَمْ بَلْوى بِفَقْدِ أحبّةٍ ... كَادَتْ لِفَقْدِهِم السَّماءُ تَمُورُ كَانُوا نُجُومًا يَهْتَدِي السَّاري بِهِم ... بَلْ هُمْ عَلى مَرِّ الزَّمَانِ بُدُورُ فَقَدَتْ جَمَالَ الدِّين سُنَّةُ أحمدٍ ... ومساجدٌ ومجالسٌ وصُدُورُ مَنْ ذَا يَقُومُ بِوعْظِهِ فِي قَلْبِ مَنْ ... غَطَّى عَلَيْه غفلةٌ وَغُرُورُ -[885]- حتّى تلين قلوبهم من بعدما ... حَاكَى قَسَاوَتَها صَفًا وصُخُورُ مِنْ لِلحَدِيثِ وأَهْلِه يا خَيْرَ مَنْ ... قَرَأَ الأَحَادِيثَ الَّتي هِيَ نور من لليتامى والأرامل من لذي الـ ... حاجات إنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ أُمُورُ أَمَّا القُبُورُ فَلَا تَزَالُ أَنيسَة ... بِمَكَانِ قَبْرِكَ وَالدِّيار قُبُورُ جَلَّتْ صَنائِعُهُ فَعمَّ مُصَابُه ... فَالنَّاس فِيهِ كُلُّهُم مَأْجُورُ في أبيات أُخَر. وقرأت بخطِّ محمد بن سَلَّام في ترجمة الجمال أبي موسى قال: وعَقَدَ مجلسَ التّذكير وقراءة الْجُمَع، ورغب النّاسُ في حُضوره. وكان جمَّ الفوائد. كَانَ يُطرّز مجلسه بالخُشوع والبُكاء، وإظهار الْجَزَعِ. قال: وسمعتُ أبا الفتح ابن الحاجب يقول: لو اشتغل أبو موسى حقَّ الاشتغال ما سبقه أحد، ولكنّه تارك. قال: وسمعتُ أبا الفَرَج بن أبي العلاء الحَنْبَليّ الفقيه يقول: الجمالُ كثير المَيْل إليهم - يعني السلاطين -. وسمعتُ أبا عبد الله الحافظ مذاكرةً يَصفُ ما قاسى أبو موسى من الشدائد والجوع والعُري في رحلته إلى إصْبَهان وإلى نَيْسابور. وقال أبو المُظَفَّر الْجَوْزيّ: كَانَ الجمالُ ابن الحافظ، أحوالُه مستقيمة حَتّى خالَطَ الصالح إسماعيلَ وأبناءَ الدُّنيا، فتغيَّرت أحوالُه، وآل أمرُه إلى أنّ مرض في بستان الصالح على ثورا وماتَ فيه، فكفّنه الصالح وصَلَّى عليه. وقال غيرُه: وقفَ الملك الأشرفُ دار الحديث بدمشق، وجعل للجمال أبي موسى وذرّيته رِزْقًا معلومًا، ومسكنًا بعُلُوّ دار الحديث. وقال الضّياء: تُوُفّي يوم الجمعة خامسَ رمضان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
594 - عُبَيْد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيزِ بْن مُحَمَّد بْن جعفر بن هارون بن محمد بن أحمد بن محبوب بن الوليد بن عبّادة بن الصامت، رَضِيَ اللَّهُ عنه، الأنصاريّ العبادي المحبوبي النجاري العَلَّامة جمال الدِّين أبو الفضل. [المتوفى: 630 هـ]
كَانَ محدثًا، مدرسًا، عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وكان ذا هيبةٍ وعبادةٍ، وإليه انتهت رياسة الحنفية بما وراء النهر. أخذ المذهب عن عماد الدين بن أبي العلاء عُمَر بن بكر بن محمد الزرنجري البخاريّ، عن أبيه شمس الأئمة، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن محمد بن مازة البخاريّ؛ كليهما عن شمس الأئمة أبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي، عن شمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد الحلوائيّ البخاريّ، عن القاضي أبي عليّ الحُسَيْن بن الخضر النسفي، عن أبي بكر مُحَمَّد بن الفضل الكماري البخاريّ، عن الأستاذ أَبِي مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد بن يعقوب الحارثي البخاريّ السدموني، عن أبي عبد الله بن أبي حفص أحمد بن حفص البخاريّ، عن أبيه، عن مُحَمَّد بن الحَسَن الشَّيْبانيّ، عن أبي حنيفة. وتَفَقَّه أيضًا على القاضي فخر الدِّين بن أبي المحاسن الحَسَن بن منصور بن محمود الأوزجنديّ المعروف بقاضي خان. وسَمِعَ الحديث منهما ومن أبي المُظَفَّر عبد الرحيم بن السمعاني، وجماعة. تَفَقَّه عليه خلقٌ، وسمعوا منه، منهم سيف الدّين سعيد بن المطهّر الباخرزيّ، والقاضي شرف الدِّين مُحَمَّد بن محمد بن عُمَر العدوي. وقال لنا أبو العلاء الفَرَضيّ: روى لنا عنه جمال الدِّين محمد بن محمد بن إبراهيم الحسيني البخاريّ، والإمام شهاب الدِّين أبو منصور مُحَمَّد بْن أبي بَكْر بْن أبي الَّليْث، والإمام معز الدِّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الديزقي، والعلامة حافظ الدِّين أبو الفضل مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن نصرٍ البخاريّ. وُلِدَ في جُمَادَى الأولى سَنَة ستٍّ وأربعين وخمسمائة. وتُوُفّي في جُمَادَى الأولى أيضًا سَنَة ثلاثين وستّمائة، وصلى عليه ابنه شمس الدِّين أحمد بكلاباذ - محلتنا - أنبأني بذلك الفَرَضيّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
598 - عليّ ابن العَلَّامة الحافظ جمال الدِّين أبي الفَرَج عَبْد الرَّحْمَن بْن عليّ بْن مُحَمَّد بْن عليّ، بدر الدِّين أبو الحَسَن، ابن الجوزيّ البَغْداديُّ الناسخ. [المتوفى: 630 هـ]
وُلِدَ سَنَة إحدى وخمسين وخمسمائة في شوَّال أو رمضان. وسَمِعَ من أَبِي الفتح بْن البطّيّ، وَأَبِي زرعة، وأبي بكر بن المقرب، ويحيى بن ثابت، وشُهْدَةَ، وجماعة. وتكلَّم في الوعظ في شبيبته، ثمّ تركه. وكان كثير المحفوظ، حلو الدعابة، لزم اللعب والعشرة، والبطالة مُدَّة، ثمّ في الآخر لزم النسخ، وكان منه عيشته. وكان مطرح التكلف، يخدم نفسه. وكان يَتَكَلَّم في أبيه. كتب عنه الحفاظ. وقال ابن نُقْطَة - ومن خطه نقلت -: سَمِعْتُ منه، وهُوَ صحيح السماع، ثقةٌ، كثير المحفوظ، حسنُ الإيراد. سَمِعَ " صحيح الإسماعيلي " من يحيى بن ثابت، و " مسند الشّافعيّ " من أبي زُرْعة. قلت: روى عنه السيف، والعزّ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الغنيّ، والشمسُ عبد الرحمن بن الزين، والتّقيّ بن الواسطيّ، والكمال عليّ بن وضاح، والشمس مُحَمَّد بن يحيى بن هُبَيْرةَ نزيل بلبيس، والفاروثي، وجماعة. وبالإجازة الفخر إسماعيل ابن عساكر، والقاضي الحنبلي، وأبو نصر بن الشيرازي. مات في سَلْخ رمضان. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
626 - نصر بن أبي نصر مُحَمَّد بن المُظَفَّر بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي الفنون، الأديب جمال الدِّين أبو الفتوح المَوْصِليّ الأصل البَغْداديُّ النَّحْويّ اللغوي. [المتوفى: 630 هـ]
سَمِعَ من أبي الفَتْح بن البَطِّي. وذكر أنَّه قرأ الأدب على أبي محمد بن الخشاب، والمهذّب عليّ بْن العَصّار، والكمال عَبْد الرَّحْمَن الأنباريّ. وقَدِمَ مصر، وسَمِعَ بها من أبي المفاخر سَعيد المأموني، والبوصيري. وغيرهما. وتصدر بالجامع الأزهر بالقاهرة مُدَّة. ومدح جماعة من الملوك والوزراء. وأقرأ، وحدث. وولد سنة خمسين وخمسمائة. روى عنه الزكيّ المنذريّ، والعزّ بن الحاجب، وجماعة. ولَهُ رسالة في " الضّاد والظّاء " بديعة. تُوُفّي في مستهل المحرَّم بمصر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
636 - محمد، الشيخ جمال الدين الساوجي الزاهد، [الوفاة: 621 - 630 هـ]
شيخ الطائفة القلندرية. قَدِمَ دمشق، وقرأ القرآن والعِلْم، وسكن بجبل قاسيون بزاوية الشيخ عثمان الرُّوميّ، وصلى بالشيخ عثمان مُدَّة. ثمّ حصل لَهُ زهدٌ وفراغٌ عن الدُّنيا. فترك الزاوية وانملس وأقام بمقبرة باب الصغير بقرب موضع القبة التي بنيت لأصحابه، وبقي مديدة في قبة زينب بنت زين العابدين، فاجتمع فيها بالجلال الدركزينيّ، والشيخ عثمان كوهي الفارسي الّذي دفن بالقنوات بمكان القلندرية، -[949]- ثمّ إنّ السّاوجَيّ حلق وجهه ورأسه، فانطلى على أولئك حالُه الشيطاني فوافقوه وحلقوا. ثمّ فتش أصحاب الشيخ عثمان الرُّوميّ على الساوجي فوجدوه بالقبة فسبوه وقبحوا فعله، فلم ينطق، ولا رد عليهم. ثمّ اشتهر وتبعه جماعةٌ، وحلقوا، وذلك في حدود العشرين وستّمائة، فيما أظن. ثمّ لبس دلق شَعر وسافر إلى دمياط، فأنكروا حاله وزيه المنافي للشرع فريق بينهم ساعةً، ثمّ رفع رأسه، وإذا هُوَ بشيبة - فيما قيل - كبيرة بيضاء. فاعتقدوا فيه، وضلوا به حَتّى قيل: إن قاضي دمياط وأولاده وجماعة حلقوا لحاهم وصحبوه، والله أعلم بصحة ذلك. وتُوُفّي بدمياط، وقبره بها مشهور، ولَهُ هناك أتباع. وذكر الأجل شمس الدِّين الجزري في " تاريخه ": أنَّه رأى كراريس من " تفسير " القرآن العظيم للشيخ جمال الدِّين الساوجي وبخطه. وجلس في المشيخة بعده بمقبرة باب الصغير جلال الدِّين الدركزينيّ وبعده الشيخ محمد البَلْخيّ وهُوَ - أعني البَلْخيّ - من مشاهير القوم، وهُوَ الّذي شرع لَهُم الجولق الثقيل، وأقام الزاوية، وأنشأها، وكثر أصحابه. وكان للملك الظاهر فيه اعتقادٌ، فلمّا تسلطن طلبه، فلم يمض إليه. فبنى لهم السُّلطان هذه القبة من مال الجامع. وكان إذا قَدِمَ يعطيهم ألف درهم وشقتين من البسط ورتب لهم ثلاثين غرارة قمحٍ في السنة وعشرة دراهم في اليوم. وكان السويداوي منهم يحضر سماط السُّلطان الملك الظاهر ويمازح السُّلطان. ولَمّا أنكروا في دولة الأشرف موسى على عليّ الحريري أنكروا على القلندرية - وتفسيرها بالعربي المحلقين - ونفوهم إلى قصر الْجُنَيْد. وذكر ابن إسرائيل الشَّاعر أنّ هذه الطائفة ظهرت بدمشق سَنَة نيف عشرة وستّمائة. ثمّ أخذ يحسن حالهم الملعون، وطريقتهم الخارجة عن الدِّين. فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
85 - الْحُسَيْن ابن الْإمَام الفقيه عتيق بْن الْحُسَيْن بْن عتيق بْن الْحُسَيْن بْن رشيق بْن عبد الله، الفقيه العالم جمال الدين أبو عَلِيّ الرَّبَعيّ الْمَصْريّ المالكيُّ. [المتوفى: 632 هـ]
شهد عند قاضي القُضاة صَدْر الدين عَبْد الملك بْن درباس، فمَن بعدَه. وسَمِعَ بالإسكندرية من أَبِي الطاهر بْن عوفٍ، وبمصر من أَبِيهِ. ودرسَ بالمسجد المعروف بِهِ بالفُسطاطِ مدّةً، وأفتى، وصنَّف فِي المذهب. وتفقَّه بِهِ جماعةٌ. وكان دينًا، وَرِعًا. قَالَ: ولدتُ بالإسكندريةِ فِي ثالث شَعْبان سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة. روى عنه الزكي المنذري، وقال: توفي في ثالث وعشرين ربيع الآخر. وسيأتي غيرُ واحد من بيته. وتُوُفّي أَبُوه فِي سنةِ ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة. وتُوُفّي ابنه الفقيه |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
136 - الشَّيْخ جمالُ الدّين أَبُو مُحَمَّد أسعدُ بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن معدان الأصبهانيُّ السِّمْسار. [المتوفى: 632 هـ]
الّذِي يَرْوي عن القاسمِ بْن الفَضْل الصَّيْدلانيّ. و |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
153 - أحمد بن عمر ابن الزاهد الكبير أَبِي عُمَر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن قُدامة، جمالُ الدّين أَبُو حمزة وأبو طاهرٍ المقدسيُّ الحنبليُّ. [المتوفى: 633 هـ]
وُلِد فِي رجب سنة تسع وستين. رَحَلَ إلى بغدادَ وهو صبيٌ مَعَ بعضِ أقاربه وسَمِعَ من نصر اللَّه القزاز، وعبيد اللَّه بْن شاتيل، وابْن كُلَيب، وعبدِ الخالق بْن عَبْد الوهّاب، وأبي الفَرَج ابن الْجَوْزيّ، وبدمشقَ من الخضرِ بْن طاوس، وأبي المعالي بن صابر، وأبي المجد ابن البانياسيّ، وابن صَدَقة الحرّانيّ. واشتغلَ اشتغالًا يَسيرًا، ثمّ اشتغلَ بالخِدمة، وتعاني ركوبَ الخيلِ والفُروسية. وحضَرَ مَرَّة مَعَ الغَيَّارة، فحمل وقَتَلَ إفرنجيًا وفرسه، فهابةُ الأجنادُ، وصارَ لَهُ بذلك عندهم منزلةٌ. وتولي عَلَى قرية جَمَّاعيل مدّةً. روى عَنْهُ عمُّه الشيخُ شمسُ الدّين، والحافظُ الضياءُ، والشمس محمد بن الكمال، والعز أحمد ابن العماد والتقيُّ أَحْمَد بْن مؤمن، وعبد الحميد بْن خولان، وطائفةٌ آخرهم حفيدُه القاضي تقيُّ الدّين، أبقاه اللَّه. تُوُفّي الجمالُ أَبُو حمزةَ فِي خامس ربيع الأوّل، ودُفِنَ عند جدِّه الشَّيْخ أَبِي عُمَر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
371 - مُحَمَّد بْن أَبِي الفضل بْن زيد بْن ياسين بْن زَيْدُ، الخطيبُ الإمامُ جمالُ الدّين أَبُو عبد اللَّه التغلبيُّ الأرقَميُّ الدَّولَعيُّ الشّافعيّ، [المتوفى: 635 هـ]
خطيبُ دمشق. وُلِد بقرية الدَّولّعيَّة من قُرى المَوصْل فِي سنة خمسٍ وخمسين ظنَّا. وقَدِمَ دمشق شابًّا، وتفقَّه عَلَى عمِّه خطيب دمشق ضياءِ الدّين عَبْد الملك الدَّوْلعيّ وسَمِعَ منه، ومن أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن صَدَقَة، وشيخِ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل، والخُشُوعيِّ. ووَلِيَ الخطابة من بعد عمِّه وطالَتْ مدته. روى عَنْهُ المجد ابن الحُلْوانيّة، والجمال ابن الصابوني، وغيرهما. وَحَدَّثَنَا عَنْهُ خادمُه الجمالُ سُلَيْمَان بْن أَبِي الْحَسَن الشاهد. وتُوُفّي فِي رابع عشر جُمَادَى الأولى، ودُفِنَ بمدرسته التي بِجَيْرونَ، رحمه اللَّه. قَالَ أبو شامة: وكان المعظم قد منعه من الفتوى مدّةً. ولم يحجَّ لحرصه عَلَى المنصب. ووَلِيَ بعده الخطابة أخٌ لَهُ جاهلٌ. وقال غيره: كَانَ ذا سمتٍ وناموسٍ. وكان يُفخِّمُ كلامه. وكان شديدًا عَلِيّ الرافضةِ. درَّس مدّةً بالغزاليّةِ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
403 - سونج بْن صيرم، الأميرُ جمالُ الدّين، [المتوفى: 636 هـ]
من كبارِ أُمراء الدولة الكاملية. لَهُ مدرسةٌ بقربِ الجامع الكبير بالقاهرة. تُوُفّي فِي صفر. وأعتقَ عند موته الأرقاء وتصدق. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
409 - عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد المجيد بْن إِسْمَاعِيل بْن عثمان بْن يوسف بْن الْحُسَيْن بْن حفص، الإمام جمال الدين أبو القاسم ابن الصفراويّ، الإسكندرانيُّ المالكيُّ المُقرئ المفتي. [المتوفى: 636 هـ]
وُلِد بالإسكندرية فِي أول يومٍ من سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة. وقرأ القراءات عَلَى أَبِي القاسم عَبْد الرَّحْمَن بْن خَلَف اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عطية الْقُرَشِيّ، وعَلَى أَبِي الْعَبَّاس أَحْمَد بْن جعْفَر الغافقيِّ، وأَبِي يحيى اليَسَع بْن عيسى بْن حَزْم، وأَبِي الطيِّبِ عَبْد المنعم بْن الخلوف. وتفقَّه عَلَى العلّامة أَبِي طَالِب صالح بْن إِسْمَاعِيل ابن بِنْت مُعافي. وسَمِعَ السِّلَفِيّ، وأبا الطاهر إِسْمَاعِيل بْن عوف، وأبا مُحَمَّد العثماني، وجماعة. وكان من الأئمة الأعلام انتهت إليه رياسة الإقراء والفتوى ببلده، ونزل الناسُ بموته - فِي القراءات - درجةً. وهو آخرُ من قرأ عَلَى الأربعة المذكورين. حدَّث ببلده، وبمصر، والمنصورة. قرأ عَلَيْهِ الرشيدُ أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدُّر، والمكينُ عَبْد اللَّه بْن منصور الأسمر، والشرفُ يحيى بن أحمد ابن الصّوّاف، وأَبُو القاسم عَبْد الرَّحْمَن بْن عمران الدُّكاليّ، وجماعةٌ. وممَّن قرأ عَلَيْهِ بعض القراءات أَبُو الفضل يوسف بْن حسن القابسيّ، وأَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن هبة اللَّه بْن عطيَّة، والنظام محمد بن عبد الكريم التبريزي. قرأتُ القرآن عَلَى النظام، والدُّكاليّ، وحدَّثاني أنهما قرآ عَلَيْهِ. وَأَخْبَرَنَا عَنْهُ القابسي، وابن عطيَّة، وأَبُو الهدي عيسى بْن يحيى السَّبْتي، وأَبُو الحسين ابن الصّوّاف. وممَّن رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن منصورٍ المالكيُّ الوراق، والمفتي أَبُو مُحَمَّد عبدُ القادر بْن عَبْد العزيز الحجريّ الحاكم، وأَبُو مُحَمَّد عَبْد المعطي بنُ عَبْد النَّصير الأنصاري، وعمر بن علي ابن الكدوف، وجماعة. -[214]- وسَمِعْنا بإجازته عَلَى أَبِي الْحَسَن عَلِيّ بْن سيما، ومُحَمَّد بْن عثمان بْن مُشْرِق، وابن الحَظِيريّ. وقد درَّس، وأفتى، وتخرَّج عَلَيْهِ جماعةٌ نبلاء فِي القراءات، والفقه، وخرَّج لنفسه " مشيخة ". وكانَ صاحبَ ديانةٍ، وعدالةٍ، وجلالةٍ. وعاشَ اثنتين وتسعين سنة وأشهرًا. تُوُفّي فِي الخامس والعشرين من ربيع الآخر. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
419 - عَلِيّ بن جُرَيْر، الصاحبُ الوزيرُ الأجلُّ جمالُ الدّين الرَّقّيّ. [المتوفى: 636 هـ]
وَزَرَ للأشرف في أخر أيامه، ووَزَرَ للصالح إِسْمَاعِيل شهراً. ومرض -[218]- يومين، ومات فِي أواخر جُمَادَى الآخرة، ودُفِنَ بمقابرِ الصُّوفية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
440 - محمود بن أَحْمَد بن عَبْد السيِّد بن عثمانَ، العلّامةُ جمالُ الدّين أَبُو المحامِد الْبُخَارِيّ الحَصِيريّ التاجريّ. [المتوفى: 636 هـ]
شيخ الحنفيَّة. ولد سنة ستٍ وأربعين وخمسمائة. وتفقَّهَ ببخاري عَلَى جماعة. ولو سَمِعَ فِي صغره لصارَ مُسْنِدَ أهل الشام فِي زمانه، وإنمّا سَمِعَ وهو كهلٌ لمّا مَرَّ بَنْيسابور من أبي سعد عبد الله ابن الصّفّار، ومن منصورِ بن عَبْد اللَّه الفراوي، والقاضي أَبِي الفضائلِ إِبْرَاهِيم بن عَلِيّ بن حَمَك المُغِيثيِّ، والمؤيَّد بن مُحَمَّد الطُّوسيّ، وغيرهم. وحدَّث، ودرَّسَ، وأفتى، وناظَرَ، وتفقَّهَ بِهِ طائفةٌ كبيرة. وكانَ مَعَ بَراعتِه فِي المذهب دَيِّنًا، صالحًا، مُتواضعًا، جامِعًا للعلمِ والعملِ، كبيرَ القدرِ، وافرَ الحُرمَة. وَلِيَ تدريسَ المدرسةِ النُّورية سنة إحدى عشرة وستمائة وإلى أن مات. ونسبته بالحصيري إلى محلة ببخارى تنسج فيها الحُصرُ. رَوَى عَنْهُ زكي الدّين البِرْزاليُّ، ومجد الدين ابن الحلوانية، ومجد الدين ابن العديم، وجمال الدين ابن الصابوني. وبالإجازةِ القاضيان ابن الخَوييّ وتقيُّ الدّين سُلَيْمَان. وَأَخْبَرَنَا عَنْهُ فاطمةُ بنتُ إِبْرَاهِيم البطائحيّ - وهي آخر مَنْ رَوَى عَنْهُ - سَمِعْتُ منه " صحيح مُسلْمِ ". تُوُفّي فِي ثامن صفر ودُفِنَ بمقابر الصُّوفيّة، وازدَحَم الخلقُ عَلَى جنازتِه وحَمَلَه الفقهاءُ عَلَى الأصابع، رحمه اللَّه. وابنُ حَمَك روى عن هبة اللَّه السَّيَّدي " الموطّأ ". |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
487 - عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن خَلَف بن وَهْبُ، الفقيهُ جمالُ الدّين أبو الحسن القرشي المخزومي المصري البوشي المالك العَدْلُ. [المتوفى: 637 هـ]
سَمِعَ بالإسكندرية من أَبِي الطّاهر بن عوف، والقاضي أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَن الحضْرميّ؛ وأخيه أَبِي الفضل. وبمصرَ من البُوصيري. وتفقهَ ببغداد عَلَى أَبِي عَلِيّ يحيى بن الربيع. وحدَّث ببغداد. وعادَ إلى مصرَ، وتصدَّرَ بالجامع العتيق، وشَهِدَ عَلَى القضاة. وبُوش: من الصعيد الأدنى. رَوَى عَنْهُ الزكيُّ المنذري، والجمال ابن الصابونيُّ، وغيرُهما. وكان فقيهًا، مُناظرًا، عارِفًا بمذهبِ مالك. |