المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
المعجم الوسيط لمجموعة من المؤلفين
|
(الْمِحْرَاب) الغرفة وَفسّر بِهِ قَوْله تَعَالَى {{فَخرج على قومه من الْمِحْرَاب}} وَالْقصر وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {{يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب}} وَصدر الْبَيْت وَأكْرم مَوضِع فِيهِ ومقام الإِمَام من الْمَسْجِد وَيُقَال رجل محراب خَبِير بِالْحَرْبِ شُجَاع (ج) محاريب
|
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب
التعريفات الفقهيّة للبركتي
|
المِحْراب: صدرُ البيت وأكرمُ مواضعه وقال ابن الأعرابي: "المحرابُ: مجلسُ النار ومجتمعهم"، ومحراب المسجد: صدره وهو مقام الإمام قال الراغب: "ومحرابُ المسجد" قيل: سمِّي بذلك، لأنه موضعٍ محاربة الشيطان والهوى، وقيل: سمِّي بذلك لكون حق الإنسان فيه أن يكون حربيّاً من أشغال الدنيا وتوزّعِ الخواطر وجمعُه المحاريب.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل الكاهليّ.
قال المرزبانيّ: كان شريفا شاعرا مخضرما، وهو الّذي يقول: نحن منعناها من العباهلة ... أدعو بني عمرو وأدعو صاهله [الرجز] |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
انْظُرْ: حِرَابَةٌ __________ |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْحِرَابَةُ مِنَ الْحَرْبِ الَّتِي هِيَ نَقِيضُ السِّلْمِ: يُقَال: حَارَبَهُ مُحَارَبَةً، وَحِرَابًا، أَوْ مِنَ الْحَرَبِ. بِفَتْحِ الرَّاءِ: وَهُوَ السَّلْبُ. يُقَال: حَرَبَ فُلاَنًا مَالَهُ أَيْ سَلَبَهُ فَهُوَ مَحْرُوبٌ وَحَرِيبٌ (1) . وَالْحِرَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ هِيَ الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ، أَوْ لِقَتْلٍ، أَوْ لإِِِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً، اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (2) . وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ مُحَاوَلَةَ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الْعِرْضِ مُغَالَبَةً. وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ كَابَرَ رَجُلاً عَلَى مَالِهِ بِسِلاَحٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي زُقَاقٍ أَوْ دَخَل عَلَى حَرِيمِهِ فِي الْمِصْرِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحِرَابَةِ (3) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْبَغْيُ: 2 - الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ: الْجَوْرُ، وَالظُّلْمُ، وَالْعُدُول عَنِ الْحَقِّ (4) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ إِمَامِ أَهْل الْعَدْل بِتَأْوِيلٍ غَيْرِ مَقْطُوعِ الْفَسَادِ (5) . وَفَرَّقَ الإِِْمَامُ مَالِكٌ بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ بِقَوْلِهِ: الْبَغْيُ يَكُونُ بِالْخُرُوجِ عَلَى تَأْوِيلٍ - غَيْرِ قَطْعِيِّ الْفَسَادِ - وَالْمُحَارِبُونَ خَرَجُوا فِسْقًا وَخُلُوعًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلٍ (6) " ب - السَّرِقَةُ: 3 - السَّرِقَةُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ خُفْيَةً. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَخْذُهُ خُفْيَةً ظُلْمًا فِي حِرْزِ مِثْلِهِ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي بَابِهَا. فَالْفَرْقُ أَنَّ الْحِرَابَةَ فِيهَا مُجَاهَرَةٌ وَمُكَابَرَةٌ وَسِلاَحٌ. ج - النَّهْبُ، وَالاِخْتِلاَسُ: 4 - النَّهْبُ لُغَةً: الْغَلَبَةُ عَلَى الْمَال. وَاصْطِلاَحًا: أَخْذُ الشَّيْءِ عَلاَنِيَةً دُونَ رِضًا. وَالاِخْتِلاَسُ: خَطْفُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ، مَعَ الاِعْتِمَادِ عَلَى الْهَرَبِ. فَالنَّهْبُ وَالاِخْتِلاَسُ كِلاَهُمَا أَخْذُ الشَّيْءِ عَلاَنِيَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ: سُرْعَةُ الأَْخْذِ فِي الاِخْتِلاَسِ بِخِلاَفِ النَّهْبِ فَإِِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ (7) . أَمَّا الْحِرَابَةُ فَهِيَ الأَْخْذُ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ. د - الْغَصْبُ: 5 - الْغَصْبُ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا مَعَ الْمُجَاهَرَةِ. وَشَرْعًا: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقِيل: هُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ (8) . فَالْغَصْبُ قَدْ يَكُونُ بِسِلاَحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلاَحٍ مَعَ إِمْكَانِ الْغَوْثِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: 6 - الْحِرَابَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ مِنَ الْحُدُودِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّى الْقُرْآنُ مُرْتَكِبِيهَا: مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَسَاعِينَ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ، وَغَلَّظَ عُقُوبَتَهَا أَشَدَّ التَّغْلِيظِ، فَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (9) }} إِلَخْ. وَنَفَى الرَّسُول ﷺ انْتِسَابَهُمْ إِِلَى الإِِْسْلاَمِ فَقَال فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: مَنْ حَمَل عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا (10) . الأَْصْل فِي جَزَاءِ الْحِرَابَةِ: 7 - الأَْصْل فِي بَيَانِ جَزَاءِ الْحِرَابَةِ قَوْله تَعَالَى: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (11) . . .}} إِلَخْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ كَمَا سَيَأْتِي. وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلاً، فَقَال مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِإِِبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّل النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. وَقَال أَبُو قِلاَبَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (12) . مَنْ يُعْتَبَرُ مُحَارِبًا: 8 - الْمُحَارِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: هُوَ كُل مُلْتَزِمٍ مُكَلَّفٍ أَخَذَ الْمَال بِقُوَّةٍ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (13) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لاَ تَخْرُجُ فِي مَفْهُومِهَا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. وَلاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطٍ فِي الْمُحَارِبِينَ حَتَّى يُحَدُّوا حَدَّ الْحِرَابَةِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ: أ - الاِلْتِزَامُ. ب - التَّكْلِيفُ. ج - وُجُودُ السِّلاَحِ مَعَهُمُ. د - الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ. هـ - الذُّكُورَةُ. و الْمُجَاهَرَةُ. وَلَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا، بَل بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِهَا اخْتِلاَفٌ بَيَانُهُ كَمَا يَلِي: أ - الاِلْتِزَامُ: 9 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ: أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، فَلاَ يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ، وَلاَ الْمُعَاهَدُ، وَلاَ الْمُسْتَأْمَنُ (14) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (15) }} وَهَؤُلاَءِ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ قَبْل الْقُدْرَةِ، وَبَعْدَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (16) }} وَلِخَبَرِ: الإِِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ (17) . وَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَقَدِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ فَلَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِ فِي أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ. وَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مُحَارِبًا أَوْ لاَ (18) . ب - التَّكْلِيفُ: 10 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ فِي عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ لأَِنَّهُمَا شَرْطَا التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ (19) . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مَنْ اشْتَرَكَ مَعَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَقَالُوا: لأَِنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتُصَّ بِهَا وَاحِدٌ فَلَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْبَاقِينَ. كَمَا لَوِ اشْتَرَكُوا فِي الزِّنَى بِامْرَأَةٍ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَحَصَرُوا مُسْقِطَاتِ الْحَدِّ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي تَوْبَتِهِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مُسْقِطًا آخَرَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ هَارِبًا وَقَتَلَهُ صَبِيٌّ يُقْتَل الْمُمْسِكُ عِنْدَهُمْ (20) . وَمُقْتَضَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ يُحَدُّ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ فِي الْقُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَحَدِ الْمَارَّةِ فَلاَ حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل أَمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، وَقَالُوا: لأَِنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُل، فَإِِنْ لَمْ يَقَعْ فِعْل بَعْضِهِمْ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، كَانَ فِعْل الْبَاقِينَ بَعْضُ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ. وَقَال وَأَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل يُحَدُّونَ (21) . ج - الذُّكُورَةُ: 11 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ. فَلَوْ اجْتَمَعَ نِسْوَةٌ لَهُنَّ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ فَهُنَّ قَاطِعَاتُ طَرِيقٍ وَلاَ تَأْثِيرَ لِلأُْنُوثَةِ عَلَى الْحِرَابَةِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالتَّدْبِيرِ مَا لِلرَّجُل فَيَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى الرَّجُل مِنْ أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ (22) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ: فَلاَ تُحَدُّ الْمَرْأَةُ وَإِِنْ وَلِيَتِ الْقِتَال وَأَخْذَ الْمَال، لأَِنَّ رُكْنَ الْحِرَابَةِ هُوَ: الْخُرُوجُ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ عَادَةً لِرِقَّةِ قُلُوبِهِنَّ وَضَعْفِ بِنْيَتِهِنَّ، فَلاَ يَكُنَّ مِنْ أَهْل الْحِرَابَةِ. وَلِهَذَا لاَ يُقْتَلْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ يُحَدُّ كَذَلِكَ مَنْ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْقَطْعِ مِنَ الرِّجَال، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. سَوَاءٌ بَاشَرُوا الْجَرِيمَةَ أَمْ لَمْ يُبَاشِرُوا. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَاشَرَتْ الْمَرْأَةُ الْقِتَال وَأَخْذَ الْمَال، يُحَدُّ الرِّجَال الَّذِينَ يُشَارِكُونَهَا، لأَِنَّ امْتِنَاعَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ لَيْسَ لِعَدَمِ الأَْهْلِيَّةِ، لأَِنَّهَا مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ، بَل لِعَدَمِ الْمُحَارَبَةِ عَادَةً، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الرِّجَال الَّذِينَ يُشَارِكُونَهَا، فَلاَ يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ (23) . د - السِّلاَحُ: 12 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ السِّلاَحِ فِي الْمُحَارِبِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُحَارِبِ سِلاَحٌ، وَالْحِجَارَةُ وَالْعِصِيُّ سِلاَحٌ " هُنَا " فَإِِنْ تَعَرَّضُوا لِلنَّاسِ بِالْعِصِيِّ وَالأَْحْجَارِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْمِلُوا شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ (24) . وَلاَ يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حَمْل السِّلاَحِ بَل يَكْفِي عِنْدَهُمُ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَأَخْذُ الْمَال وَلَوْ بِاللَّكْزِ وَالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ (25) . هـ - الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ: 13 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ وَإِِنَّمَا يُشْتَرَطُ فَقْدُ الْغَوْثِ. وَلِفَقْدِ الْغَوْثِ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، وَلاَ يَنْحَصِرُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ. فَقَدْ يَكُونُ لِلْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ أَوِ السُّلْطَانِ. وَقَدْ يَكُونُ لِضَعْفِ أَهْل الْعُمْرَانِ، أَوْ لِضَعْفِ السُّلْطَانِ. فَإِِنْ دَخَل قَوْمٌ بَيْتًا وَشَهَرُوا السِّلاَحَ وَمَنَعُوا أَهْل الْبَيْتِ مِنَ الاِسْتِغَاثَةِ فَهُمْ قُطَّاعُ طُرُقٍ فِي حَقِّهِمْ (26) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ آيَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ إِذَا وُجِدَ فِي الْعُمْرَانِ وَالأَْمْصَارِ وَالْقُرَى كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا وَأَكْثَرَ ضَرَرًا، فَكَانَ أَوْلَى بِحَدِّ الْحِرَابَةِ (27) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِِلَى اشْتِرَاطِ الْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ. فَإِِنْ حَصَل مِنْهُمُ الإِِْرْعَابُ وَأَخْذُ الْمَال فِي الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ، وَقَالُوا: لأَِنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلأَِنَّ مَنْ فِي الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ غَالِبًا فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ وَهُوَ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ (28) . و الْمُجَاهَرَةُ: 14 - الْمُجَاهَرَةُ أَنْ يَأْخُذَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ الْمَال جَهْرًا فَإِِنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ، وَإِِنِ اخْتَطَفُوا وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ وَلاَ قَطْعَ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ، وَالاِثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ، فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ. وَإِِنْ تَعَرَّضُوا لِعَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ، فَهُمْ قُطَّاعُ طُرُقٍ (29) . حُكْمُ الرِّدْءِ: 15 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الرِّدْءِ أَيْ الْمُعِينِ لِلْقَاطِعِ بِجَاهِهِ أَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ أَوْ بِتَقْدِيمِ أَيِّ عَوْنٍ لَهُمْ وَلَمْ يُبَاشِرْ الْقَطْعَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ، لأَِنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ يَحْصُل بِالْكُل، وَلأَِنَّ مِنْ عَادَةِ الْقُطَّاعِ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَعْضُ، وَيَدْفَعَ عَنْهُمُ الْبَعْضُ الآْخَرُ، فَلَوْ لَمْ يُلْحَقِ الرِّدْءُ بِالْمُبَاشِرِ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْحَدِّ لأََدَّى ذَلِكَ إِِلَى انْفِتَاحِ بَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ (30) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُحَدُّ الرِّدْءُ، وَإِِنَّمَا يُعَزَّرُ كَسَائِرِ الْجَرَائِمِ الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا (31) . عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ: 16 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عُقُوبَةَ الْمُحَارِبِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لاَ تَقْبَل الإِِْسْقَاطَ وَلاَ الْعَفْوَ مَا لَمْ يَتُوبُوا قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (32) }} . 17 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ: أَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَمْ عَلَى التَّنْوِيعِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِِلَى أَنَّ " أَوْ " فِي الآْيَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الأَْحْكَامِ، وَتَوْزِيعِهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا فِي الْجِنَايَاتِ: فَمَنْ قَتَل وَأَخَذَ الْمَال، قُتِل وَصُلِبَ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْمَال قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى. وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْتُل، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً نُفِيَ مِنَ الأَْرْضِ (33) . وَالنَّفْيُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَعْزِيرٌ وَلَيْسَ حَدًّا، فَيَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ إِنْ رَأَى الإِِْمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَالُوا: بِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الآْيَةَ فَقَال: الْمَعْنَى: أَنْ يُقَتَّلُوا إِنْ قَتَلُوا. أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ الْقَتْل إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال. أَوْ تُقَطَّعُ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، إِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَال، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ، إِنْ أَرْعَبُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا وَلَمْ يَقْتُلُوا، وَحَمَلُوا كَلِمَةَ " أَوْ " عَلَى التَّنْوِيعِ لاَ التَّخْيِيرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى}} أَيْ قَالَتْ الْيَهُودُ: كُونُوا هُودًا وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى وَلَمْ يَقَعْ تَخْيِيرُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة. وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الآْيَةِ عَلَى ظَاهِرِ التَّخْيِيرِ فِي مُطْلَقِ الْمُحَارِبِ لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا بِمُقْتَضَى الْعَقْل وَالسَّمْعِ أَيْضًا قَال تَعَالَى: {{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (34) }} فَالتَّخْيِيرُ فِي جَزَاءِ الْجِنَايَةِ الْقَاصِرَةِ بِمَا يَشْمَل جَزَاءَ الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ، وَفِي الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ بِمَا يَشْمَل جَزَاءَ الْجِنَايَةِ الْقَاصِرَةِ خِلاَفُ الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ. يَزِيدُ هَذَا إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ عَلَى أَنَّ قُطَّاعَ الطُّرُقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال، لاَ يَكُونُ جَزَاؤُهُمُ الْمَعْقُول النَّفْيَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الْعَمَل بِظَاهِرِ التَّخْيِيرِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّخْيِيرَ الْوَارِدَ فِي الأَْحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ إِنَّمَا يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهِ إِذَا كَانَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَاحِدًا كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا، فَإِِنَّهُ يُخْرِجُ التَّخْيِيرَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَيَكُونُ الْغَرَضُ بَيَانَ الْحُكْمِ لِكُل وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ. وَقَطْعُ الطَّرِيقِ مُتَنَوِّعٌ، وَبَيْنَ أَنْوَاعِهِ تَفَاوُتٌ فِي الْجَرِيمَةِ، فَقَدْ يَكُونُ بِأَخْذِ الْمَال فَقَطْ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَتْل لاَ غَيْرُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ فَحَسْبُ، فَكَانَ سَبَبُ الْعِقَابِ مُخْتَلِفًا. فَتُحْمَل الآْيَةُ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ كُل نَوْعٍ فَيُقَتَّلُونَ وَيُصَلَّبُونَ إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال، وَتُقَطَّعُ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ إِنْ أَخَذُوا الْمَال لاَ غَيْرُ، وَيُنْفَوْنَ مِنَ الأَْرْضِ، إِنْ أَخَافُوا الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً. وَيَدُل أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: بَدَأَ بِالأَْغْلَظِ فَالأَْغْلَظِ وَالْمَعْهُودُ مِنَ الْقُرْآنِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ، الْبُدَاءَةُ بِالأَْخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالأَْغْلَظِ فَالأَْغْلَظِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْقَتْل (35) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَخَذَ قَبْل قَتْل نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ حُبِسَ بَعْدَ التَّعْزِيرِ حَتَّى يَتُوبَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ فِي الآْيَةِ، وَإِِنْ أَخَذَ مَالاً مَعْصُومًا بِمِقْدَارِ النِّصَابِ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلاَفٍ، وَإِِنْ قَتَل مَعْصُومًا وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً قُتِل. أَمَّا إِنْ قَتَل النَّفْسَ وَأَخَذَ الْمَال، وَهُوَ الْمُحَارِبُ الْخَاصُّ فَالإِِْمَامُ مُخَيَّرٌ فِي أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ قَتَلَهُمْ، وَإِِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ فَقَطْ، وَإِِنْ شَاءَ صَلَبَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلْبِ هُنَا طَعْنُهُ وَتَرْكُهُ حَتَّى يَمُوتَ وَلاَ يُتْرَكُ أَكْثَر مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ إِفْرَادُ الْقَطْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَل لاَ بُدَّ مِنِ انْضِمَامِ الْقَتْل أَوِ الصَّلْبِ إِلَيْهِ، لأَِنَّ الْجِنَايَةَ قَتْلٌ وَأَخْذُ مَالٍ، وَالْقَتْل وَحْدَهُ فِيهِ الْقَتْل، وَأَخْذُ الْمَال وَحْدَهُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَفِيهِمَا مَعَ الإِِْخَافَةِ لاَ يُعْقَل الْقَطْعُ وَحْدَهُ. وَقَال: صَاحِبَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: يُصْلَبُونَ وَيُقْتَلُونَ وَلاَ يُقْطَعُونَ (36) . وَقَال قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ الآْيَةَ تَدُل عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْجَزَاءَاتِ الأَْرْبَعَةِ. فَإِِذَا خَرَجُوا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَدَرَ عَلَيْهِمُ الإِِْمَامُ، خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَيْ هَذِهِ الأَْحْكَامَ إِنْ رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَإِِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً. وَإِِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِِْمَامُ مَالِكٌ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: وَهُوَ إِنْ قَتَل فَلاَ بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ، إِلاَّ إِنْ رَأَى الإِِْمَامُ أَنَّ فِي إِبْقَائِهِ مَصْلَحَةً أَعْظَمَ مِنْ قَتْلِهِ (37) . وَلَيْسَ لَهُ تَخْيِيرٌ فِي قَطْعِهِ، وَلاَ نَفْيِهِ، وَإِِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ. وَإِِنْ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل لاَ تَخْيِيرَ فِي نَفْيِهِ، وَإِِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلاَفٍ، وَإِِنْ أَخَافَ السَّبِيل فَقَطْ فَالإِِْمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ، بِاعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ. هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ تُصْلَبُ، وَلاَ تُنْفَى، وَإِِنَّمَا حَدُّهَا: الْقَطْعُ مِنْ خِلاَفٍ، أَوِ الْقَتْل الْمُجَرَّدُ وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ الآْيَةِ، فَإِِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِكَلِمَةِ " أَوْ " وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " أَوْ " فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ (38) . كَيْفِيَّةُ تَنْفِيذِ الْعُقُوبَةِ: أ - (النَّفْيُ) : 18 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً وَلَمْ يَقْتُل نَفْسًا فَعُقُوبَتُهُ النَّفْيُ مِنَ الأَْرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى النَّفْيِ فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: نَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ (39) . وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ إِبْعَادُهُ عَنْ بَلَدِهِ إِِلَى مَسَافَةِ الْبُعْدِ (40) ، وَحَبْسُهُ فِيهِ (41) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْحَبْسُ أَوْ غَيْرُهُ كَالتَّغْرِيبِ كَمَا فِي الزِّنَى (42) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: نَفْيُهُمْ: أَنْ يُشَرَّدُوا فَلاَ يُتْرَكُوا يَسْتَقِرُّونَ فِي بَلَدٍ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إِِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ كَنَفْيِ الزَّانِي (43) . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهَا تُغَرَّبُ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ النَّصِّ {{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ}} . وَاشْتَرَطُوا لِتَغْرِيبِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا فَإِِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مَحْرَمُهَا فَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تُغَرَّبُ إِِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِتَقْرَبَ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْفَظُوهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُؤَخَّرُ التَّغْرِيبُ (44) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ تَغْرِيبَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلاَ صَلْبَ (45) . ب - الْقَتْل: 19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُغَلَّبُ فِي قَتْل قَاطِعِ الطَّرِيقِ، إِذَا قَتَل فَقَطْ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِِلَى أَنَّهُ يُغَلَّبُ الْحَدُّ، فَيُقْتَل وَإِِنْ قَتَل بِمُثَقَّلٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْمَقْتُول، فَيَقْتُل الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، كَمَا لاَ عِبْرَةَ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْقَوَدِ (46) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ: يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقِصَاصِ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ فَيُقْتَل قِصَاصًا أَوَّلاً، فَإِِذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَنْهُ يُقْتَل حَدًّا، وَيُشْتَرَطُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْمَقْتُول، لِخَبَرِ: لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (47) وَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَل مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوِ الْحُرُّ غَيْرَ حُرٍّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً، لَمْ يَقْتُل قِصَاصًا، وَيَغْرَمُ دِيَةَ الذِّمِّيِّ، وَقِيمَةَ الرَّقِيقِ (48) . ج - الْقَطْعُ مِنْ خِلاَفٍ: 20 - يُرَاعَى فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ مَا يُرَاعَى فِي قَطْعِ السَّارِقِ (49) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (سَرِقَةٌ) . د - الصَّلْبُ: 21 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ الصَّلْبِ، وَمُدَّتِهِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يُصْلَبُ حَيًّا، وَيُقْتَل مَصْلُوبًا (50) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُحَدَّدُ مُدَّةُ الصُّلْبِ بِاجْتِهَادِ الإِِْمَامِ (51) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا لِلتَّشْهِيرِ بِهِ ثُمَّ يُنْزَل فَيُقْتَل (52) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ: يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْل، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْقَتْل عَلَى الصَّلْبِ لَفْظًا. فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا ذُكِرَ أَوَّلاً فِي الْفِعْل كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (53) }} . وَلأَِنَّ فِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبًا لَهُ (54) . وَقَال ﷺ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ (55) . وَعَلَى هَذَا الرَّأْيِ: يُقْتَل، ثُمَّ يُغَسَّل، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَيُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالصَّلْبِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَصْلِيبٌ) . ضَمَانُ الْمَال وَالْجِرَاحَاتِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ: 22 - إِذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى الْمُحَارِبِ، فَهَل يُضْمَنُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَال، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ لِلْجِرَاحَاتِ؟ اخْتَلَفَ الأَْئِمَّةُ فِي ذَلِكَ: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ مَالاً وَأُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ ضَمِنُوا الْمَال مُطْلَقًا (56) . ثُمَّ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الآْخِذِ فَقَطْ، لاَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يُبَاشِرِ الأَْخْذَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالُوا: لأَِنَّ وُجُودَ الضَّمَانِ لَيْسَ بِحَدٍّ فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُبَاشِرِ لَهُ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ (57) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُعْتَبَرُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنًا لِلْمَال الْمَأْخُوذِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْل صَاحِبِهِ لأَِنَّهُمْ كَالْحُمَلاَءِ (الْكُفَلاَءِ) فَكُل مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أُخِذَ بِجَمِيعِ مَا أَخَذَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِتَقَوِّي بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَمَنْ دَفَعَ أَكْثَر مِمَّا أَخَذَ يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ (58) . أَمَّا الْجِرَاحَاتُ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا جَرَحَ جَرْحًا فِيهِ قَوَدٌ فَانْدَمَل لَمْ يَتَحَتَّمْ بِهِ قِصَاصٌ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَل يُتَخَيَّرُ الْمَجْرُوحُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لأَِنَّ التَّحَتُّمَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ، فَاخْتُصَّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَرْعِ الْحَدِّ فِي حَقِّ الْمُحَارِبِ بِالْجِرَاحِ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ: يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالنَّفْسِ لأَِنَّ الْجِرَاحَ تَابِعَةٌ لِلْقَتْل فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْل حُكْمِهِ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَتَحَتَّمُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لأَِنَّهُمَا مِمَّا يَسْتَحِقَّانِ فِي الْمُحَارَبَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا. أَمَّا إِذَا سَرَى الْجُرْحُ إِِلَى النَّفْسِ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ يَتَحَتَّمُ الْقَتْل (59) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ مَالاً وَأُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ فَإِِنْ كَانَ الْمَال قَائِمًا رَدُّوهُ، وَإِِنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ مُسْتَهْلَكًا لاَ يَضْمَنُونَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُجْمَعُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْحَدِّ وَالضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ سَوَاءٌ كَانَتْ خَطَأً أَمْ عَمْدًا، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، فَإِِنَّهَا تُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَإِِنَّ الْجِنَايَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الأَْمْوَال، وَلاَ يَجِبُ ضَمَانُ الْمَال مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ فَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ (60) . مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحِرَابَةُ: 23 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ جَرِيمَةَ الْحِرَابَةِ تَثْبُتُ قَضَاءً بِالإِِْقْرَارِ، أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَتُقْبَل شَهَادَةُ الرُّفْقَةِ فِي الْحِرَابَةِ، فَإِِذَا شَهِدَ عَلَى الْمُحَارِبِ اثْنَانِ مِنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ لِغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لأَِنْفُسِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَنْ كَوْنِهِمَا مِنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ، وَإِِنْ بَحَثَ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الإِِْجَابَةُ، أَمَّا إِذَا تَعَرَّضُوا لأَِنْفُسِهِمَا بِأَنْ يَقُولاَ: قَطَعُوا عَلَيْنَا الطَّرِيقَ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَنَا لَمْ يُقْبَلاَ، لاَ فِي حَقِّهِمَا وَلاَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا لِلْعَدَاوَةِ. وَقَال مَالِكٌ: تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَتُقْبَل عِنْدَهُ فِي الْحِرَابَةِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ. حَتَّى لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى رَجُلٍ اشْتُهِرَ بِالْحِرَابَةِ أَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَهِرُ بِالْحِرَابَةِ تَثْبُتُ الْحِرَابَةُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِِنْ لَمْ يُعَايِنَاهُ (61) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (شَهَادَةٌ وَإِِقْرَارٌ) . سُقُوطُ عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ: 24 - يَسْقُطُ حَدُّ الْحِرَابَةِ عَنِ الْمُحَارِبِينَ بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي شَأْنِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَقًّا لِلَّهِ، وَهُوَ تَحَتُّمُ الْقَتْل، وَالصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ مِنْ خِلاَفٍ، وَالنَّفْيِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (62) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (63) }} فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْحَدَّ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. أَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ فَلاَ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. فَيَغْرَمُونَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمَال قَائِمًا، وَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ إِذَا قَتَلُوا عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْحَقِّ فِي مَالٍ أَوْ قِصَاصٍ (64) . __________ (1) تاج العروس، ولسان العرب. (2) بدائع الصنائع 7 / 90، وروض الطالب 4 / 154، والإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع 2 / 238، والمغني 8 / 287. (3) جواهر الإكليل 2 / 294. (4) المصباح المنير ومطالب أولي النهى 6 / 262. (5) نهاية المحتاج 7 / 402، وروض الطالب 4 / 111. (6) الزرقاني 8 / 192. (7) المصباح المنير وابن عابدين 3 / 199 والزرقاني 8 / 192. (8) الإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع 2 / 55، وبدائع الصنائع 7 / 142. (9) سورة المائدة / 33. (10) حديث: " من حمل علينا السلاح فليس منا " أخرجه البخاري (الفتح 13 / 23 - ط السلفية) ومسلم (1 / 98 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر. (11) سورة المائدة / 33. (12) حديث العرنيين أخرجه البخاري (الفتح 12 / 111 - ط السلفية) . وانظر بداية المجتهد 2 / 490، وروض الطالب 4 / 154، ومطالب أولي النهى 6 / 251، والمغني 8 / 286، 287. (13) بدائع الصنائع 7 / 95، وروض الطالب 4 / 154، والمغني 8 / 286. (14) ابن عابدين 3 / 112، وروض الطالب 4 / 154، وروضة الطالبين 10 / 154، وكشاف القناع 6 / 146، وبداية المجتهد 2 / 491، والمدونة 6 / 268. (15) سورة المائدة / 34. (16) سورة الأنفال / 38. (17) حديث: " الإسلام يجب ما كان قبله " أخرجه أحمد (4 / 199 - ط الميمنية) من حديث عمرو بن العاص. وأورده الهيثمي في المجمع (9 / 351 - ط القدسي) وقال: " رجاله ثقات ". (18) روض الطالب 4 / 154، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 8 / 2. (19) المصادر السابقة. (20) مغني المحتاج 4 / 8، 21، 183، وشرح الزرقاني 8 / 109، والمغني 8 / 298. (21) ابن عابدين 3 / 214، وبدائع الصنائع 7 / 91. (22) روضة الطالبين 10 / 155، والمغني 8 / 298، وشرح الزرقاني 8 / 109. (23) بدائع الصنائع 7 / 91. (24) ابن عابدين 3 / 213، والمغني 8 / 288. (25) المدونة الكبرى 6 / 303، وروضة الطالبين 10 / 156، وروض الطالب 4 / 154. (26) نهاية المحتاج 8 / 4، ووروض الطالب 4 / 154. (27) شرح الزرقاني 8 / 109، ونهاية المحتاج 8 / 4، والمغني 8 / 287. (28) ابن عابدين 3 / 214، والمغني 8 / 287. (29) روض الطالب 4 / 154، ونهاية المحتاج 8 / 4، والمغني 8 / 288. (30) بدائع الصنائع 7 / 91، وشرح الزرقاني 8 / 110، والمغني 8 / 297. (31) روض الطالب 4 / 154. (32) سورة المائدة / 33، 34. (33) روض الطالب 4 / 155، والمغني 8 / 288، وروضة الطالبين 10 / 156 - 157 ومطالب أولي النهى 6 / 252 - 253، ونهاية المحتاج 8 / 3 ط - المكتبة الإسلامية. (34) سورة الشورى / 40. (35) بدائع الصنائع 7 / 93 - 94 روض الطالب 4 / 154، ونهاية المحتاج 8 / 27، والمغني 8 / 289. (36) بدائع الصنائع 7 / 94، وابن عابدين 3 / 213، والاختيار 4 / 114. (37) هذا المنحى عند المالكية هو من باب السياسة الشرعية وقواعد المذاهب الأخرى لا تأباه فيما نرى. (38) بداية المجتهد 2 / 491 - 492 وشرح الزرقاني 8 / 110، وحاشية الدسوقي 4 / 350 وتفسير القرطبي 6 / 152. (39) ابن عابدين 3 / 212. (40) ويدل كلام ابن رشد على أن المراد بها مسافة القصر فما زاد. (بداية المجتهد 2 / 496) . (41) حاشية الدسوقي 4 / 349. (42) نهاية المحتاج 8 / 5. (43) المغني 8 / 294. (44) نهاية المحتاج 7 / 409، والمغني لابن قدامة 8 / 169. (45) بداية المجتهد 2 / 491 - 492، شرح الزرقاني 8 / 110، وحاشية الدسوقي 4 / 350. (46) ابن عابدين 3 / 213، وحاشية الدسوقي 4 / 350. (47) حديث " لا يقتل مسلم بكافر " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 260 - ط السلفية) من حديث علي بن أبي طالب. (48) روضة الطالبين 10 / 160، وأسنى المطالب 4 / 156، والمغني 8 / 290. (49) المصادر السابقة وابن عابدين 3 / 213، والزرقاني 8 / 115، والدسوقي 4 / 349. (50) ابن عابدين 3 / 213، وحاشية الدسوقي 4 / 349. (51) المصادر السابقة. (52) نهاية المحتاج 8 / 5. (53) سورة البقرة / 158. (54) المغني 8 / 290 - 291، وروض الطالب 4 / 155، ونهاية المحتاج 8 / 6. (55) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم. . . . " أخرجه مسلم (3 / 1548 - ط الحلبي) من حديث شداد بن أوس. (56) حاشية الدسوقي 4 / 350، ونهاية المحتاج 8 / 8 ومغني المحتاج 4 / 182، والمغني 8 / 298. (57) نهاية المحتاج 8 / 8 ومغني المحتاج 4 / 483 والمغني 8 / 292. (58) أسهل المدارك 3 / 157. (59) نهاية المحتاج 8 / 8، ومغني المحتاج 4 / 483، والمغني 8 / 292. (60) بدائع الصنائع 7 / 95، والاختيار 4 / 111، وابن عابدين 3 / 213. (61) بداية المجتهد 2 / 494، وحاشية الدسوقي 4 / 351، ونهاية المحتاج 8 / 311، وروض الطالب 4 / 158، والمغني 8 / 302 - 303 ومطالب أولي النهى 6 / 631. (62) بدائع الصنائع 7 / 96 وحاشية الدسوقي 4 / 351 - 352 وروض الطالب 4 / 156، وروضة الطالبين 10 / 159 والمغني 8 / 295. (63) سورة المائدة / 34. (64) المصادر السابقة. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمِحْرَابُ فِي اللُّغَةِ: الْغُرْفَةُ، وَصَدْرُ الْبَيْتِ وَأَكْرَمُ مَوَاضِعِهِ، وَمَقَامُ الإِْمَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَالْمَوْضِعُ يَنْفَرِدُ بِهِ الْمَلِكُ فَيَتَبَاعَدُ عَنِ النَّاسِ، وَالأَْجَمَةُ، وَعُنُقُ الدَّابَّةِ (1) . قَال الْفَيُّومِيُّ: الْمِحْرَابُ صَدْرُ الْمَجْلِسِ، وَيُقَال: هُوَ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ، وَهُوَ حَيْثُ يَجْلِسُ الْمُلُوكُ وَالسَّادَاتُ وَالْعُظَمَاءُ وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمُصَلِّي (2) . وَقَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ: سُمِّيَ مِحْرَابًا لاِنْفِرَادِ الإِْمَامِ إِذَا قَامَ فِيهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الْقَوْمِ (3) . وَالْمِحْرَابُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ: مَقَامُ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ، وَالْجِهَةُ الَّتِي يُصَلِّي نَحْوَهَا الْمُسْلِمُونَ، قَال الطَّحْطَاوِيُّ، بَعْدَ تَعْرِيفِ الْقِبْلَةِ تَعْرِيفًا شَرْعِيًّا: وَتُسْمَى - أَيِ الْقِبْلَةُ - أَيْضًا مِحْرَابًا؛ لأَِنَّ مُقَابِلَهَا يُحَارِبُ الشَّيْطَانَ وَالنَّفْسَ، أَيْ بِإِحْضَارِ قَلْبِهِ (4) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْقِبْلَةُ: 2 - الْقِبْلَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجِهَةُ، يُقَال: لَيْسَ لِفُلاَنِ قِبْلَةٌ. أَيْ جِهَةٌ، وَيُقَال: أَيْنَ قِبْلَتُكَ؟ أَيْ جِهَتُكَ، وَالْقِبْلَةُ أَيْضًا: وُجْهَةُ الْمَسْجِدِ وَنَاحِيَةُ الصَّلاَةِ (5) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الْقِبْلَةُ صَارَتْ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةَ الْكَعْبَةِ لاَ يُفْهَمُ مِنْهَا غَيْرُهَا، سُمِّيَتْ قِبْلَةً لأَِنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا (6) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالْقِبْلَةِ: أَنَّ الْمِحْرَابَ الَّذِي نُصِبَ بِاجْتِهَادِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ - فِي الْجُمْلَةِ - أَمَارَةً عَلَى الْقِبْلَةِ. ب - الْمَسْجِدُ: 3 - الْمَسْجِدُ فِي اللُّغَةِ: بَيْتُ الصَّلاَةِ، وَمَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ، وَالْجَمْعُ مَسَاجِدُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الأَْرْضُ الَّتِي جَعَلَهَا مَالِكُهَا مَسْجِدًا بِقَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا مَسْجِدًا وَأَفْرَزَ طَرِيقَهُ وَأَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِيهِ (7) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالْمَسْجِدِ: أَنَّ الْمِحْرَابَ جُزْءٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَمَقَامُ الإِْمَامِ لِلصَّلاَةِ فِيهِ. ج - الطَّاقُ: 4 - الطَّاقُ فِي اللُّغَةِ: مَا عُطِفَ مِنَ الأَْبْنِيَةِ وَجُعِل كَالْقَوْسِ (8) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمِحْرَابُ، وَالظُّلَّةُ الَّتِي عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ حَوْلَهُ (9) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمِحْرَابِ وَالطَّاقِ التَّرَادُفُ عَلَى الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ الأَْوَّل، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِنَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحَبَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي. حُكْمُ اتِّخَاذِ الْمِحْرَابِ: 5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اتِّخَاذِ الْمِحْرَابِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ: اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ مُبَاحٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيل: يُسْتَحَبُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الآْجُرِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ تَمِيمٍ، لِيَسْتَدِل بِهِ الْجَاهِل، وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ كُل مُحْدَثٍ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْبَنَّاءِ عَلَيْهِ فَدَل عَلَى أَنَّهُ قَال بِهِ (10) . وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ اتِّخَاذَ الْمَحَارِيبِ فِي الْمَسْجِدِ وَعِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَدُل عَلَى إِبَاحَتِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الإِْمَامَ - الرَّاتِبَ - لَوْ تَرَكَ الْمِحْرَابَ وَقَامَ فِي غَيْرِهِ يُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ قِيَامُهُ وَسَطَ الصَّفِّ لأَِنَّهُ خِلاَفُ عَمَل الأُْمَّةِ (11) . وَقَال الدُّسُوقِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الإِْمَامَ يَقُومُ فِي الْمِحْرَابِ حَال صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ كَيْفَ اتَّفَقَ (12) . أَوَّل مَنِ اتَّخَذَ الْمِحْرَابَ 6 - لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ مِحْرَابٌ فِي عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَلاَ فِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَأَوَّل مَنِ اتَّخَذَ الْمِحْرَابَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَحْدَثَهُ وَهُوَ عَامِل الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عِنْدَمَا أَسَّسَ مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا هَدَمَهُ وَزَادَ فِيهِ، وَكَانَ هَدْمُهُ لِلْمَسْجِدِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَقِيل سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَفَرَغَ مِنْهُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ - وَهُوَ أَشْبَهُ - وَفِيهَا حَجَّ الْوَلِيدُ (13) . وَيَعْنِي بِمِحْرَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مُصَلاَّهُ وَمَوْقِفُهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الْمِحْرَابَ الْمَعْرُوفَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ (14) . تَزْوِيقُ الْمِحْرَابِ وَوَضْعُ مُصْحَفٍ فِيهِ 7 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَزْوِيقُ مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ فِيهِ، بِخِلاَفِ تَجْصِيصِهِ فَيُسْتَحَبُّ، وَتَعَمُّدُ مُصْحَفٍ فِي الْمِحْرَابِ أَيْ جَعْلُهُ فِيهِ عَمْدًا لِيُصَلِّيَ لَهُ، أَيْ إِلَى جِهَةِ الْمُصْحَفِ أَوْ لِيُصَلِّيَ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ الْمُصْحَفُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعَلَّقُ فِيهِ لَمْ تُكْرَهِ الصَّلاَةُ لِجِهَتِهِ. وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ - أَيْ مِحْرَابِهِ - آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَرْدَفَ الزَّرْكَشِيُّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}} (15) . الآْيَةَ، وَلِمَا رُوِيَ مِنْ فِعْل عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ذَلِكَ بِمَسْجِدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ (16) . قِيَامُ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ: 8 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِيَامِ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ أَثَنَاءَ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ الْقِيَامُ فِي الْمِحْرَابِ حَال صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى كَرَاهَةِ قِيَامِ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ حَال صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقُومَ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وُقُوفُ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ تَفْصِيلٌ: لَخَّصَ ابْنُ عَابِدِينَ اخْتِلاَفَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ صَرَّحَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِالْكَرَاهَةِ وَلَمْ يُفَصِّل، فَاخْتَلَفَ الْمَشَائِخُ فِي سَبَبِهَا: فَقِيل: كَوْنُهُ يَصِيرُ مُمْتَازًا عَنْهُمْ فِي الْمَكَانِ؛ لأَِنَّ الْمِحْرَابَ فِي مَعْنَى بَيْتٍ آخَرَ، وَذَلِكَ صَنِيعُ أَهْل الْكِتَابِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَقَال إِنَّهُ الأَْوْجَهُ. وَقِيل: اشْتِبَاهُ حَالِهِ عَلَى مَنْ فِي يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. فَعَلَى الأَْوَّل يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى الثَّانِي لاَ يُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الاِشْتِبَاهِ. وَأَيَّدَ الثَّانِيَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ امْتِيَازَ الإِْمَامِ فِي الْمَكَانِ مَطْلُوبٌ، وَتَقَدُّمُهُ وَاجِبٌ، وَغَايَتُهُ اتِّفَاقُ الْمِلَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَارْتَضَاهُ فِي الْحِلْيَةِ وَأَيَّدَهُ. لَكِنْ نَازَعَهُ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا، وَبِأَنَّ امْتِيَازَ الإِْمَامِ الْمَطْلُوبِ حَاصِلٌ بِتَقَدُّمِهِ بِلاَ وُقُوفٍ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَلِهَذَا قَال فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَغَيْرِهَا: إِذَا لَمْ يَضِقِ الْمَسْجِدُ بِمَنْ خَلْفَ الإِْمَامِ لاَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ تَبَايُنَ الْمَكَانَيْنِ. انْتَهَى، يَعْنِي وَحَقِيقَةُ اخْتِلاَفِ الْمَكَانِ تَمْنَعُ الْجَوَازَ فَشُبْهَةُ الاِخْتِلاَفِ تُوجِبُ الْكَرَاهَةَ، وَالْمِحْرَابُ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَصُورَتُهُ وَهَيْئَتُهُ اقْتَضَتْ شُبْهَةَ الاِخْتِلاَفِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ لأَِنَّ الْمِحْرَابَ إِنَّمَا بُنِيَ عَلاَمَةً لِمَحَل قِيَامِ الإِْمَامِ لِيَكُونَ قِيَامُهُ وَسَطَ الصَّفِّ كَمَا هُوَ السُّنَّةُ، لاَ لأَِنْ يَقُومَ فِي دَاخِلِهِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ لَكِنْ أَشْبَهَ مَكَانًا آخَرَ فَأَوْرَثَ الْكَرَاهَةَ، لَكِنِ التَّشَبُّهُ إِنَّمَا يُكْرَهُ فِي الْمَذْمُومِ وَفِيمَا قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهُ لاَ مُطْلَقًا، وَلَعَل هَذَا مِنَ الْمَذْمُومِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ لِلرَّمْلِيِّ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ بَابِ الإِْمَامَةِ: الأَْصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَال: أَكْرَهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَقُومَ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ أَوْ زَاوِيَةٍ أَوْ نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى سَارِيَةٍ؛ لأَِنَّهُ بِخِلاَفِ عَمَل الأُْمَّةِ. وَفِيهِ أَيْضًا: السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الإِْمَامُ إِزَاءَ وَسَطِ الصَّفِّ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْمَحَارِيبَ مَا نُصِبَتْ إِلاَّ وَسَطَ الْمَسَاجِدِ وَهِيَ قَدْ عُيِّنَتْ لِمَقَامِ الإِْمَامِ. وَفِي التَّتَارْخَانِيِّةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُومَ فِي غَيْرِ الْمِحْرَابِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّ الإِْمَامَ لَوْ تَرَكَ الْمِحْرَابَ وَقَامَ فِي غَيْرِهِ يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ قِيَامُهُ وَسَطَ الصَّفِّ، لأَِنَّهُ خِلاَفُ عَمَل الأُْمَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الإِْمَامِ الرَّاتِبِ دُونَ غَيْرِهِ وَالْمُنْفَرِدِ (17) . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الإِْمَامَ يَقِفُ فِي الْمِحْرَابِ حَال صَلاَتِهِ الْفَرِيضَةَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وَقِيل: يَقِفُ خَارِجَهُ لِيَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ، وَيَسْجُدُ فِيهِ (18) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي الْمِحْرَابِ وَلَمْ يَزَل عَمَل النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ (19) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ الصَّلاَةُ فِي الْمِحْرَابِ إِذَا كَانَ يُمْنَعُ الْمَأْمُومُ مُشَاهَدَتَهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ، لأَِنَّ الإِْمَامَ يَسْتَتِرُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ، إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ فَلاَ يُكْرَهُ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلاَ يُكْرَهُ سُجُودُ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ إِذَا كَانَ وَاقِفًا خَارِجَهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحَل مُشَاهَدَتِهِ، وَيَقِفُ الإِْمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصًّا، لِتَمَيُّزِ جَانِبِ الْيَمِينِ. وَنَقَل الْجِرَاعِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ وُقُوفُ الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ (20) . تَنَفُّل الإِْمَامِ فِي الْمِحْرَابِ 9 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ التَّنَفُّل بِالْمِحْرَابِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّهُ إِلاَّ حَال كَوْنِهِ إِمَامًا، وَلأَِنَّهُ قَدْ يُوهِمُ غَيْرَهُ أَنَّهُ فِي صَلاَةٍ فَيَقْتَدِيَ بِهِ. وَقَالُوا: يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ الْجُلُوسُ فِي الْمِحْرَابِ بَعْدَ الصَّلاَةِ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلاَةِ وَيَخْرُجُ مِنَ الْكَرَاهَةِ بِتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ لِحَدِيثِ سَمُرَةِ بْنِ جُنْدَبٍ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً أَقْبَل عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ (21) ، أَيِ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ يَمِينًا أَوْ شِمَالاً وَلَمْ يَسْتَدْبِرِ الْقِبْلَةَ لِكَرَاهَةِ ذَلِكَ (22) . دَلاَلَةُ الْمِحْرَابِ عَلَى الْقِبْلَةِ: 10 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمِحْرَابَ مِنَ الأَْدِلَّةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا الْقِبْلَةُ، وَأَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي الدَّلاَلَةِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ تَحَرِّيهَا مَعَ وُجُودِ الْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ فِي الدَّلاَلَةِ عَلَيْهَا وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تُعْرَفُ الْقِبْلَةُ بِالدَّلِيل، وَهُوَ فِي الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمَحَارِيبُ الْقَدِيمَةُ، وَهِيَ لاَ يَجُوزُ تَحَرِّي الْقِبْلَةَ مَعَهَا، بَل تُعْتَمَدُ هَذِهِ الْمَحَارِيبُ فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْقِبْلَةِ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ تَخْطِئَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَجَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَقَامُوا هَذِهِ الْمَحَارِيبَ (23) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُسْلِمُ الَّذِي يُرِيدُ الصَّلاَةَ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ وَلاَ مَا لَحِقَ بِهَا يَجْتَهِدُ فِي اسْتِقْبَال جِهَةِ الْكَعْبَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، أَوْ بِجَامِعِ عَمْرٍو بِمِصْرَ الْعَتِيقَةِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاِجْتِهَادُ الْمُؤَدِّي لِمُخَالَفَةِ مِحْرَابِهِمَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مِحْرَابِهِمَا، لأَِنَّ مِحْرَابَ الْمَدِينَةِ بِالْوَحْيِ، وَمِحْرَابَ جَامِعِ عَمْرٍو بِإِجْمَاعِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوِ الثَّمَانِينَ، وَلاَ يُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدُ مِحْرَابًا مَنْصُوبًا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ إِلاَّ مِحْرَابًا لِمِصْرَ - أَيْ بَلَدٍ عَظِيمٍ - حَضَرَ نَصْبَ مِحْرَابِهِ إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ، وَذَلِكَ كَبَغْدَادَ وَمِصْرَ والإسكندرية، وَالْمَحَارِيبُ الَّتِي جُهِل حَال نَاصِبِيهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا قَبْل الاِسْتِثْنَاءِ، وَالْمَحَارِيبُ الَّتِي قَطَعَ الْعَارِفُونَ بِخَطَئِهَا لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ إِلَيْهَا لاَ لِمُجْتَهِدٍ وَلاَ لِغَيْرِهِ. وَقَلَّدَ الْجَاهِل بِالأَْدِلَّةِ الَّتِي تُحَدِّدُ الْقِبْلَةَ مِحْرَابًا - وَلَوْ لِغَيْرِ مِصْرَ - لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ (24) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْمِحْرَابُ يَجِبُ اعْتِمَادُهُ وَلاَ يَجُوزُ مَعَهُ الاِجْتِهَادُ، قَال النَّوَوِيُّ: وَاحْتَجَّ لَهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمَحَارِيبَ لاَ تُنْصَبُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ بِسَمْتِ الْكَوَاكِبِ وَالأَْدِلَّةِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمِحْرَابَ إِنَّمَا يُعْتَمَدُ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا بِحَيْثُ لاَ يُقِرُّونَهُ عَلَى الْخَطَأِ، فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لاَ يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا لَمْ يَجُزِ اعْتِمَادُهُ، قَال صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: لَوْ رَأَى عَلاَمَةً فِي طَرِيقٍ يَقِل فِيهِ مُرُورُ النَّاسِ، أَوْ فِي طَرِيقٍ يَمُرُّ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَلاَ يَدْرِي مَنْ نَصَبَهَا، أَوْ رَأَى مِحْرَابًا فِي قَرْيَةٍ لاَ يَدْرِي بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْمُشْرِكُونَ، أَوْ كَانَتْ قَرْيَةٌ صَغِيرَةٌ لِلْمُسْلِمَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى جِهَةٍ يَجُوزُ وُقُوعُ الْخَطَأِ لأَِهْلِهَا فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي كُل هَذِهِ الصُّوَرِ وَلاَ يَعْتَمِدُهُ، وَكَذَا قَال صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: لَوْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ فِي مَسْجِدٍ فِي بَرِّيَّةٍ لاَ يَكْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الاِجْتِهَادُ، قَال: وَلَوْ دَخَل بَلَدًا قَدْ خَرِبَ وَانْجَلَى أَهْلُهُ فَرَأَى فِيهِ مَحَارِيبَ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ اعْتَمَدَهَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ، وَإِنِ احْتَمَل أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَمَل أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْكُفَّارِ لَمْ يَعْتَمِدْهَا بَل يَجْتَهِدُ، وَنَقَل الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا التَّفْصِيل فِي الْبَلَدِ الْخِرَابِ عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ. وَأَضَافَ النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا إِذَا صَلَّى فِي مَدِينَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَمِحْرَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَقِّهِ كَالْكَعْبَةِ، فَمَنْ يُعَايِنُهُ يَعْتَمِدُهُ، وَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهُ بِالاِجْتِهَادِ بِحَالٍ، وَفِي مَعْنَى مِحْرَابِ الْمَدِينَةِ سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا ضُبِطَ الْمِحْرَابُ، وَكَذَا الْمَحَارِيبُ الْمَنْصُوبَةُ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فَلاَ يَجُوزُ الاِجْتِهَادُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي الْجِهَةِ بِلاَ خِلاَفٍ وَأَمَّا الاِجْتِهَادُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَإِنْ كَانَ مِحْرَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ فِي سَائِرِ الْبِلاَدِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا يَجُوزُ. قَال الرَّافِعِيُّ: وَبَهْ قَطَعَ الأَْكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: لاَ يَجُوزُ فِي الْكُوفَةِ خَاصَّةً، وَالثَّالِثُ: لاَ يَجُوزُ فِيهَا وَلاَ فِي الْبَصْرَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ دَخَلَهَا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: الأَْعْمَى يَعْتَمِدُ الْمِحْرَابَ إِذَا عَرَفَهُ بِالْمَسِّ حَيْثُ يَعْتَمِدُهُ الْبَصِيرُ، وَكَذَا الْبَصِيرُ فِي الظُّلْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّ الأَْعْمَى إِنَّمَا يَعْتَمِدُ مِحْرَابًا رَآهُ قَبْل الْعَمَى، وَلَوِ اشْتَبَهَ عَلَى الأَْعْمَى مَوَاضِعُ لَمَسَهَا صَبَرَ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُخْبِرُهُ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَتَجِبُ الإِْعَادَةُ (25) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ أَمْكَنَ مَنْ يُرِيدُ الصَّلاَةَ أَوِ التَّوَجُّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالاِسْتِدْلاَل بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْعَمَل بِهِ إِذَا عَلِمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، عُدُولاً كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا؛ لأَِنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الأَْعْصَارِ إِجْمَاعٌ عَلَيْهَا وَلاَ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا، قَال فِي الْمُبْدِعِ: وَلاَ يَنْحَرِفُ لأَِنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ كَالْقَطْعِ، وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ بِبَلَدٍ خِرَابٍ لاَ يَعْلَمُهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا لاَ دَلاَلَةَ فِيهَا لاِحْتِمَال كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الإِْسْلاَمِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي مُشْرِكًا عَمِلَهَا لِيَغِرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، قَال فِي الشَّرْحِ: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ هَذَا الاِحْتِمَال، وَيَحْصُل لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ فَيَسْتَقْبِلُهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِمَهَا لِلْكُفَّارِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَل بِهَا؛ لأَِنَّ قَوْلَهُمْ لاَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ الاِسْتِدْلاَل بِمَحَارِيبِ الْكُفَّارِ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ، كَالنَّصَارَى يُعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُمُ الْمَشْرِقُ، فَإِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةُ الْمَشْرِقَ (26) . __________ (1) القاموس المحيط. (2) المصباح المنير. (3) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب، مع المهذب، 1 / 68. (4) رد المحتار 1 / 434، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 114 والمصباح المنير. (5) لسان العرب. (6) مغني المحتاج 1 / 142. (7) المصباح المنير، وقواعد الفقه. (8) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط. (9) فتح القدير 1 / 359، وقواعد الفقه. (10) كشاف القناع 1 / 493، وتحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد للجراعي ص234. (11) حاشية ابن عابدين 1 / 434. (12) حاشية الدسوقي 1 / 331. (13) تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص136 - 234 وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 1 / 370، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ص263. (14) المجموع 3 / 203، ومغني المحتاج 1 / 146، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 1 / 383. (15) سورة التوبة / 18. (16) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 255، وإعلام الساجد بأحكام المساجد 337. (17) رد المحتار 1 / 434. (18) حاشية الدسوقي 1 / 331، والشرح الصغير1 / 442. (19) حاشية القليوبي 1 / 136، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ص 364. (20) كشاف القناع 1 / 493، والمغني 2 / 219 - 220، وتحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص234. (21) حديث سمرة بن جندب: " كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري 2 / 33) . (22) الشرح الصغير 1 / 442. (23) رد المحتار 1 / 288. (24) جواهر الإكليل 1 / 44. (25) المجموع 3 / 201 - 204. (26) كشاف القناع 1 / 30 - والمغني 1 / 440. |
الموسوعة الفقهية - الدرر السنية
|
* حكم الحرابة:
الحرابة من أعظم الجرائم، ولذا كانت عقوبتها من أقسى العقوبات. |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
23 - قطع الطريق (الحرابة)
يستعمل أكثر الفقهاء مصطلح (قطع الطريق) تحت باب الحرابة. والحرابة لغة: من الحرب التى هى نقيض السلم، يقال: حاربه محاربة، وحرابا، أو من الحرَب بفتح الراء- وهو السلّب. يقال: حرب فلانا ماله أى: سلبه فهو محروب وحريب. (1) واصطلاحا: الحرابة: قطع الطريق وهو البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث (2). وزاد المالكية: محاولة الاعتداء على العرض مغالبة. وقيل من كابر رجلا على ماله بسلاح أو غيره فى زقاق أو دخل على حريمه فى المصر حكم عليه بحكم الحرابة. الحكم التكليفى لقطع الطريق (الحرابة): الحرابة كبيرة من الكبائر، وهى من الحدود باتفاق الفقهاء وسمى القرآن الكريم مرتكبيها محاربين لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى {{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الارض}} (المائدة 33). ونفى عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتسابهم للإسلام فقال: (من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا) (رواء البخارى ومسلم فى صحيحيهما). وقاطع الطريق (المحارب) عند الفقهاء هو كل ملتزم مكلف أخذ المال بقوة فى البعد عن الغوث. إذاً فلابد من توافر عدة شروط حتى يحدّ حد الحرابة على قاطع الطريق وهى: (أ) الالتزام: أن يكون قاطع الطريق (المحارب) ملتزما بأحكام الشريعة بأن يكون مسلما أو ذميا أو مرتدا، فلا يحد الحربى، ولا المعاهد ولا المستأمن (3). فالذمى التزم أحكام الشريعة فله مالنا وعلّيه ما علينا، أما المستأمن فقد وقع الخلاف. بين الفقهاء فى كونه محاربا أم لا. (ب) التكليف: يشترط البلوغ والعقل فى قاطع الطريق (المحارب) حتى يقام عليه الحد لأنهما شرطا التكليف الذى هو شرط إقامة الحد. (جـ) الذكورة: وهذا الشرط قاله الحنفية حيث لم يشترطه المالكية والشافعية والحنابلة فهم يرون أنه لو اجتمع نسوة لهن قوة ومنعة فهن قاطعات طريق، ولا تأثير للأنوثة على الحرابة فيجرى على المرأة ما يجرى على الرجل فى أحكام الحرابة (4). أما الأحناف فيرون أن الخروج على وجه المحاربة والمغالبة لا يتحقق فى النساء عادة لرقة قلوبهن وضعف بنيتهن فلا يكن من أهل الحرابة. (د) السلاح: اختلف الفقهاء فى اشتراط السلاح لقاطع الطريق (المحارب) فقال الحنفية والحنابلة: يشترط أن يكون مع قاطع الطريق سلاح ويعدون الحجارة والعصى سلاحا، فإن تعرض قاطع الطريق للناس بالعصى والحجارة فهو محارب، أما إذا لم يحمل شيئا مما ذكر فليس بمحارب (5).وْلا يشترط المالكية والشافعية حمل السلاح بل يكفى عندهم القهر والغلبة وأخذ المال ولو باللكز والضرب بجمع الكف. (6) (هـ) البعد عن العمران: ذهب المالكية والشافعية وأبو يوسف وكثير من الحنابلة إلى أنه لا يشترط البعد عن العمران فى حد الحرابة، بل يشترط فقد الغوث، ولفقد الغوث أسباب كثيرة، ولا ينحصر فى البعد عن العمران، فقد يكون للبعد عن العمران أوالسلطان أو لضعف أهل العمران أو لضعف السلطان. فلو دخل قوم بيتا وشهروا السلاح ومنعواأهل البيت من الاستغاثة فهم قطاع طرق فى حقهم (7) (و) المجاهرة: وهى أن يأخذ قطاع الطريق المال جهرا، فإن أخذوه مختفين فهم سرّاق، وإن اختطفوا وهربوا فهم منتهبون ولا قطع عليهم. عقوبة المحاربين: لا خلاف بين الفقهاء فى أن عقوبة المحارب حد من حدود الله لا يقبل الإسقاط ولا العفو ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم والأصل فى ذلك قوله تعالى {{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا}} (المائدة 33). واختلف الفقهاء فى هذه العقوبات الواردة فى الآية هل هى على التخيير أم على التنويع، فذهب الشافعية والحنابلة وبعض الأحناف إلى أن (أو) فى الآية على ترتيب الأحكام وتوزيعها على ما يليق بها فى الجنايات، فمن قتل وأخذ المال، قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفى من الأرض. (8) أما عن كيفية تنفيذ عقوبة الحرابة فقد اختلف الفقهاء فى كيفيتها وذلك ما نراه فى كتب الفقه التى أثرت عنهم. ما تثبت به الحرابة: لا خلاف بين الفقهاء فى أن جريمة الحرابة تثبت قضاء بالإقرار أو بشهادة عدلين، وتقبل شهادة الرفقة فى الحرابة. سقوط عقوبة الحرابة: يسقط حد الحرابة عن المحاربين بالتوبة قبل القدرة عليهم وذلك فى شأن ما وجب عليهم حقا لله، وهو تحتم القتل والصلب والقطع من خلاف والنفى وهذا محل اتفاق بين أصحاب المذاهب الأربعة (9). واستدلوا بقوله تعالى {{إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم}} (المائدة 34) فالله سبحانه وتعالى أوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم. أما حقوق الآدميين فلا تسقط بالتوبة، فيغرمون ما أخذوه من المال عند الجمهور وعند الحنفية إن كان المال قائما ويقتص منهم إذا قتلوا على التفصيل السابق، ولا يسقط إلا بعفو مستحق الحق فى مال أو قصاص. (هيئة التحرير) __________ المراجع 1 - لسان العرب مادة (حرب) دار صادر بيروت 2 - بدائع الضائع. للكاسانى 7/ 90 3 - كشاف القناع للبهوتى 6/ 146. 4 - بدائع الصنائع: (7/ 1) 5 - حاشية ابن عابدين (الدر المختار) 3/ 313. 6 - الموسوعة الفقهية ط الكويت 17/ 156 - 157. 7 - السابق: نفس الجزء والصفحة. 8 - المغنى 8/ 228، وروضة الطالبين 10/ 156 - 57. 9 - بدائع الصنائع 7/ 96 وروضة الطالبين 10/ 59 والمغنى 8/ 295، 1157 |
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
14 - المحراب
لغة: الغرفة، وصدر البيت أو المجلس وأكرم موضع فيه، والموضع الذى ينفرد فيه الملك فيتباعد عن الناس. (لسان العرب). وجاءت اللفظة فى القرآن الكريم بصيغة المفرد فى قوله تعالى {{كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا}} آل عمران:37، وكذلك فى (آل عمران:39) (مريم:11) (ص:21) .. ومعنى المحراب هنا: الحجرة التى فى مقدمة المعبد. وجاءت اللفظة بصيغة الجمع (محاريب) فى قوله تعالى {{يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب}} سبأ:13. وفسرت المحاريب فى هذه الآية بالقصور، والمساجد يتعبد فيها. واصطلاحا: علامة القبلة فى جدار المسجد، وجرت العادة أن تكون فى وسط جدار القبلة. وكانت القبلة عند بناء مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فى المدينة أولا فى الجدار الشمالى نحو المسجد الأقصى، ثم أمر النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة الثامنة من الهجرة أن يولى وجهه شطر المسجد الحرام، ومن ثم نقلت القبلة من الجدار الشمالى إلى الجدار الجنوبى، وهكذا صارت قبلة جميع المساجد فى الجدار الموجه نحو المسجد الحرام فى مكة المكرمة، يقول الله تعالى {{قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره}} البقرة:144. ولم ليكن المحراب فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم مجوفا بل كان مسطحا تسطح الجدار نفسه، ولكنه كان محددا ومعلما، وظل فى مكانه بعد توسعة المسجد فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم فى السنة السابعة بعد الهجرة، وكان من جراء ذلك أن صار أقرب إلى الجدار الشرقى منه إلى الجدار الغربى، وذلك لأن توسعة المسجد نحو الغرب كانت أطول من توسعته نحو الشرق. وفى خلافة عمر بن الخطاب نقل جدار القبلة نحو الجنوب بمقدار خمسة أمتار تقريبا، ومن ثم نقل مكان المحراب إلى الجدار الجديد، ولكن على نفس المحور. وحدث الشىء نفسه فى خلافة عثمان بن عفان حين نقل جدار القبلة إلى الجنوب نحو خمسة أمتار أخرى، وبذلك صار فى موضعه الحالى. ومع ذلك فقد ظل مكان محراب النبى صلى الله عليه وسلم الأول موضع حفاوة المسلمين الذين يحرصون على الصلاة والدعاء أمامه، وقد أقيم فى المكان نفسه محراب بعيد عن الجدارالحالى على يد السلطان المملوكى قايتباى. وقد ظل المحراب مسطحا إلى أن أجرى الوليد بن عبدالملك عمارته فى مسجدالنبى صلى الله عليه وسلم سنة 88هـ، حين أمر بإعادة بنائه، وتجديده تجديدا شاملا، ففى هذه العمارة أدخلت فى مسجد النبى صلى الله عليه وسلم وحدة معمارية جديدة هى المحراب المجوف، وكان ذلك إيذانا بانتشاره بعد ذلك فى المساجد. وقيل كثيرمن الآراء بشأن الحكمة من المحراب المجوف، منها: أنه يفيد فى تعيين اتجاه القبلة، وفي تحديد مكان الإمام عند الصلاة، وفى توسيع طاقة المسجد بما يقرب من صف من المصلين فى الصلاة الجامعة، ويساعد على تجميع صوت الإمام وتكبيره، وإيصاله للمصلين الذين يوليهم ظهره أثناء الصلاة، لا سيما قبل اختراع مكبرات الصوت. ونال المحراب عناية مؤسسى المساجد الجامعة من حيث العمارة والزخرفة، وإقامة المنبر إلى يمينه، وتزويده بمقصورة، والحفاوة بالبلاطة التى تليه، التى عرفت ببلاطة المحراب، وبالبلاطة المؤدية إليه من الصحن والتى أطلق عليها أحيانا المجاز القاطع. وكان المحراب فى بعض الأحيان يكتنفه عمودان من الرخام يحملان عقدا ويسقف أعلاه بنصف قبة تعرف بطاقية المحراب كانت تزين بالمقرنصات، وقد يكسى المحراب، بالجص المزخرف بالحفر البارز والغائر، أو بالرخام والمرمر، أو ببلاطات القاشانى، أو بالفسيفساء الرخامية أو الخزفية أو الزجاجية المشكلة بالحليات الهندسية والنباتية المحورة، وكان يكرم بالآيات القرآنية المناسبة لوظيفته. وتتعدد المحاريب فى بعض المساجد، ومن ذلك مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة، إذ يشمل على خمسة محاريب بالإضافة إلى المحراب الرئيسى فى منتصف جدار القبلة، ومن هذه المحاريب أربعة محاريب مسطحة من الجص على بعض دعائم المسجد فى رواق القبلة. هذا .. ولم تقتصر المحاريب على المساجد، بل وجدت أيضا فى الخانقاوات والمدارس والأضرحة وغيرها من الأماكن التى تقام بها الصلاة، أو يحتاج فيها إلى تعيين موضع القبلة. إضافة إلى ذلك عرفت محاريب غير ثابتة يمكن نقلها من مكان إلى آخر عند الضرورة، فمثلا فى فصل الصيف الحار كانت تنقل إلى صحن المسجد، وكانت هذه المحاريب تصنع من الخشب، وكان يعتنى بزخرفتها، ومن أمثلة هذه المحاريب محراب السيدة رقية بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة 533هـ. هذا واستخدم شكل المحراب عنصرا زخرفيا فى العمارة الإسلامية ولا سيما فى المقرنصات. وليس من شك فى أن المحاريب تعد من أقيم الآثار الإسلامية سواء من حيث القيمة الروحية، أو من حيث الأهمية المعمارية والزخرفية، ومن المحاريب التى تتمثل فيها أساليب العمارة والزخرفة الإسلامية: - محراب قبة المنصور قلاوون بشارع المعز لدين الله بالقاهرة. - محراب الجامع الأزرق بشارع باب الوزير بالقاهرة. - محراب مسجد ابن طولون بالقاهرة. - محراب مدرسة قجماس الإسحاقى بشارع الدرب الأحمر بالقاهرة. - محراب جامع محمد على بقلعة صلاح الدين بالقاهرة. - محراب مسجد نابين بإيران (من القرن الرابع الهجرى). - محراب مسجد ميدان فى قاشان بإيران. - محراب ضريح بابا قاسم فى أصفهان بإيران. - محراب المسجد الجامع بصنعاء اليمن. - محراب جامع قرطبة من عهد الخليفة الحكم. أ. د/حسن الباشا __________ مراجع الاستزادة: 1 - تاريخ المساجد الأثرية. حسن عبد الوهاب. 2 - موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية أ. د/حسن الباشا |
كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون
|
مقاصد الحراب، في علالة الإعراب
في: أربعة أسفار. للشيخ، لسان الدين، ابن الخطيب: محمد بن عبد الله القرطبي. وتوفي: مقتولا، سنة 776، ست وسبعين وسبعمائة. |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
قال ابن عرفة: الخروج لإخافة سبيل لأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو لذهاب عقل أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق لا لأمره ولا ثائرة ولا عداوة.
أو البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث. - وتسمّى قطع الطريق والسرقة الكبرى. ويفرّق بينها وبين السرقة: بأن الحرابة: هي البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرعاب مكابرة اعتمادا على الشوكة مع البعد من الغوث، أما السرقة: فهي أخذ المال خفية، فالحرابة: تكتمل بالخروج على سبيل المغالبة وإن لم يؤخذ مال، أما السرقة: فلا بد فيها من أخذ المال على وجه الخفية. «شرح حدود ابن عرفة ص 654، والموسوعة الفقهية 24/ 293». |
معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية
|
الغرفة في مقدمة المعبد وصدر المجلس، وأكرم مكان فيه، وجمعه: محاريب، قال الله تعالى: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. [سورة آل عمران، الآية 37]، وقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ. [سورة سبأ، الآية 13]. فالمحاريب في الآية:
غرف عظيمة أو مجالس فخمة أو قصور، قال الشاعر: ربّه محراب إذا جئتها... لم القها أو ارتقى سلّما فمحراب المسجد: أشرف موضع فيه قال ابن الأنباري عن أحمد بن عبيد: سمى محرابا لانفراد الإمام فيه وبعده عن القوم، ومنه يقال: «هو حرب لفلان» : إذا كان بينهما تباعد وبغض. ويحتمل أن يكون محرابا، لأن الإمام إذا قام فيه لم يأمن أن يلحن أو يخطئ، فهو خائف، فكأنه مأوى الأسد. «أنيس الفقهاء ص 93، والنظم المستعذب 1/ 74، والقاموس القويم للقرآن الكريم ص 147». |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
Mihraab Prayer niche محراب
Prayer niche of a Masjid mosque in front of which the Imam stands when leading the congregational prayers |