موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
من التحديث إلى ما بعد الحداثة
البروتستانتية (القرنان السادس عشر والسابع عشر) (Protestantism (Sixteenth and Seventeenth Century ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والعقيدة اليهودية والجماعات اليهودية من جهة أخرى. ولعل من أكثر العناصر أهمية شكل الحلول في كل من البروتستانتية واليهودية. فبدلاً من الحلول الفردي المؤقت المنتهي (في شخص المسيح أو في الكنيسة، جسد المسيح) نجد أن الحلول يكون في الشعب أو الجماعة، وهو حلول مستمر تنجم عنه حلولية ثنائية صلبة. ويمكن، انطلاقاً من هذا، عقد مقارنة بين العقيدتين لنكتشف بعض نقاط التشابه بينهما (وبإمكان القارئ أن يعود للقسم المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» حيث تعرضنا لبعض نقاط الاختلاف والاتفاق) . وقد خلق هذا التشابه تربة مواتية في أوربا لتقبُّل اليهودية، وهي تربة لم تكن موجودة في أوربا الكاثوليكية. وإلى جانب هذا، نجد أن النزعة الأصولية التبسيطية الاختزالية في البروتستانتية جعلت الإصلاحيين يفضلون المبادئ اليهودية البسيطة التي يستطيع القوم فهمها على تعقيدات اللاهوت الكاثوليكي. وقد أكدت البروتستانتية الجانب العبراني في المسيحية على حساب ما وسمته بأنه الجانب الهيليني أو الوثني، وهو ما خلق تعاطفاً مع اليهود ومع الثقافة الدينية اليهودية، خصوصاً أن الكتاب المقدَّس أصبح أكثر الآثار الأدبية شيوعاً، فبدأ الاهتمام باللغة العبرية والتلمود والقبَّالاه. وقد أثار اللاهوت البروتستانتي قضية شديدة الخطورة وهي قضية الخلاص. فالخلاص ليس ممكنا من خلال إقامة الشعائر المقدَّسة، إذ أن مفتاح الخلاص أصبح من خلال النعمة الإلهية والاختيار الإلهي المستمر للبقية الصالحة. ومع تزايد أهمية الاختيار ومركزيته، طُرح سؤال عن العلاقة بين الميثاق والعهد الجديد، هل يفسخ العهدُ الجديد العهدَ القديم أم يُضاف إليه؟ وهذا ما يطرح سؤالاً آخر: هل يظل اليهود شعباً مختاراً؟ كانت المسيحية الكاثوليكية ترى نفسها «إسرائيل الحقيقية» (باللاتينية: إسرائيل فيروس Israel verus) . وكان رأي الكنيسة الكاثوليكية أن مجئ المسيح قد نقض العهد الإلهي لإسرائيل وأنهاه. فبعد المسيح لا وعد ولا اختيار إلا لمن آمن بالخلاص وسعى إليه. وباب الخلاص مفتوح لكل الناس بلا استثناء، وعلى اليهود أن يؤمنوا بالمسيح مثلهم مثل غيرهم إذا أرادوا الخلاص. أما النبوءات الخاصة بعودة اليهود فكانت تُؤوَّل على أنها تحققت حينما أعادهم قورش إلى فلسطين. أما الفقرات الأخرى التي تتنبأ بمستقبل مُشرق لإسرائيل، فقد كانت تنطبق ـ حسب تفسير القديس أوغسطين ـ على إسرائيل الجديدة وحسب، أي الكنيسة المسيحية. وبعد ظهور المسيح وإنكار اليهود له أصبح اليهود إسرائيل الجسدية الزائفة والشعب المختار للعنة الإله وأصبحت اليهودية إسماً لا ديناً. ونتيجةً لذلك، كانت الكنيسة الكاثوليكية تفصل بين العبرانيين القدامى الذين كانوا يُعتبَرون شعباً مثالياً وإسرائىل التي ورثتها الكنيسة الكاثوليكية من جهة، واليهود المعاصرين الذين كانوا يقفون في ضعفهم وذلتهم شعباً شاهداً على عظمة الكنيسة من جهة أخرى. كان التفسير البروتستانتي لهذه القضية جدَّ مختلف إذ أكد على ديمومة اختيار اليهود رغم التناقض بين الوعد القديم بالاختيار والوعد الجديد بالخلاص. فبحسب وجهة النظر البروتستانتية، لم يتغيَّر الميثاق. وقد فسر كالفن كلمة «الجديد» بمعنى «التجديد» . وكما أن العهد الجديد لا يحتوي على نقض لما كان قديماً، فمحتوى الوعد واحد إنما أخذ أبعاداً جديدة، فالوعد لم يقم بحد ذاته بل ارتبط بمفهوم الوفاء به، أي أن الإله لم يُعط الوعد لليهود دون أن يتعهد بأن يفي به. والمسيح في نظر كالفن هو الوفاء بالعهد أو الوعد الإلهي دون نقض لما كان قبله، وهذا، على حد قول كالفن، ما قال به المسيح نفسه: إنه ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله، وإن كلامه لن يزول حتى يتم الكل. فنعمة الإله على اليهود في رأي كالفن لا يمكن إهمالها كعمل عظيم كان في الماضي ومرّ عليه الزمن بل هو متضمَّن في حياة الكنيسة، أي أنه وعد أزلي. ولأنه أزلي، فإن الماضي يشبه الحاضر ويشبه المستقبل، وثمة استمرارية صلبة تؤدي إلى التفسيرات الحرفية. وتقوم التفسيرات الحرفية بتحويل نصوص العهد القديم وقصصه الديني إلى حقائق ووقائع (حوادث) تاريخية. كما ساد الاعتقاد بين البروتستانت بأن اليهود المعاصرين هم العبرانيون القدامى، وهم الفلسطينيون الغرباء في أوربا الذين سيعادون إلى فلسطين عندما يحين الوقت، ومن ثم ظهرت العقيدة الألفية الاسترجاعية وحلت محل فكرة الشعب الشاهد. وقد أدَّى هذا إلى ظهور ضرب من الفكر الصهيوني الاسترجاعي الذي يطالب بعودة اليهود إلى فلسطين. ومما ساعد على ذلك، نزوع البروتستانت نحو الخلط بين المقدَّس والتاريخي وبين المطلق والنسبي. فالوجدان البروتستانتي دائب البحث عن قرائن وإشارات (مادية) من الإله، ودائم الانتظار للرؤي (أبوكاليبس) التي تتحقق داخل التاريخ، وهذا جزء من نزعته الحرفية. وهذه الرؤية صهيونية في بنيتها، فهي رؤية تنكر التاريخ المتعيِّن، وتنتقل بسهولة من العهد القديم إلى فلسطين وبالعكس، وهي تحوِّل اليهود المعاصرين إلى شعب الإله المختار، الذي له حقوق أزلية في أرض الميعاد. ومما يجدر ذكره أن الأسطورة الاسترجاعية هي أسطورة صهيونية ومعادية لليهود في آن واحد. فهي ترى أن الخلاص لا يتم إلا بتحقيق عودة اليهود إلى وطنهم وتنصيرهم، أي التخلص منهم عن طريق التهجير والتنصير. وما حدث بعد ذلك في الاستعمار الاستيطاني هو إقرار أن الخلاص يتم عن طريق التخلص من اليهود بتهجيرهم، أما التنصير فلم يعد أمراً ذا بال في المجتمع العلماني الغربي الحديث. وقد تزامن ظهور البروتستانتية وحركة الإصلاح الديني مع تزايُد النشاط التجاري الرأسمالي في المجتمعات الغربية. ويرى ماكس فيبر أن ثمة علاقة تبادلية بين الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية الرشيدة) فالبروتستانتية هنا هي «تهويد» للمجتمع المسيحي بالمعنى الذي استخدمه ماركس) . وقد كان اليهود جماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والأعمال المالية مثل الربا، وهو ما زاد من أهميتها ونشاطها في المجتمع وخروجها عن هامشه وتحركها نحو مركزه. وقد وجد اليهود المارانو، المطرودون من شبه جزيرة أيبريا الكاثوليكية ومن محاكم التفتيش، ملجأ في الدول والمدن البروتستانتية مثل أمستردام وهامبورج ولندن وغيرها. ولم تَعُد الجماعات اليهودية تنفرد بكونها الأقليات الدينية في المجتمع، إذ كانت توجد الفرق البروتستانتية في الدول الكاثوليكية والفرق الكاثوليكية في الدول البروتستانتية التي كان أعضاؤها يواجهون رفضاً ومقاومة عنيفة أكثر من تلك التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. ففي أمستردام التي كان يُقال لها القدس الثانية، كان المجتمع البروتستانتي هناك يرحب باليهود ويضطهد الكاثوليك. وقد حاول المفكر الهولندي هيوجو جروتيوس (من منظِّري فكرة القانون الدولي العام والقانون الطبيعي) أن يُعرِّف المصادر المشتركة بين المسيحية واليهودية في بحثه المعنون حقيقة الدين المسيحي فبيَّن أن الفرق المسيحية (الكاثوليكية أو البروتستانتية) كان يُنظَر لها باعتبارها مصدر خطر حقيقي داخلي يفوق كثيراً الخطر اليهودي، فاليهود جماعة معزولة ضعيفة قليلة العدد وهامشية، وكان المجتمع يجيد التعامل معها. كما ظهرت فرق بروتستانتية متطرفة، كالمعمدانيين، هدَّدت البناء السياسي والاجتماعي ذاته، فضلاً عن أنها كانت ذات جذور جماهيرية راسخة. ولقد خلخل ظهور البروتستانتية في حد ذاته الإطار المسيحي الكاثوليكي العالمي الموحَّد، فبدأت تظهر تعددية عقائدية في المجتمع الغربي. ويشكل هذا، بطبيعة الحال، بداية تقهقر العقيدة المسيحية وتزايد العلمنة في المجتمع الغربي. وقد ألقى انقسام النخبة الحاكمة إلى بروتستانت وكاثوليك بظلال من الشك على العقيدة ذاتها، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى ظهور أو تشجيع الشك الفلسفي واليقين الإلحادي والحركة الإنسانية التي تحوِّل الإنسان إلى مطلق يحل محل الإله. وقد ساهم مارتن لوثر في إشاعة جو التسامح تجاه أعضاء الجماعات اليهودية في بادئ الأمر، حيث تصوَّر أن بإمكانه هداية اليهود وتنصيرهم. ففي عام 1520 هاجم لوثر هؤلاء الذين يضطهدون اليهود، وأدان اضطهادهم من قبل الكنيسة الكاثوليكية محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد. بل ورفض لوثر المقولة الإقطاعية الدينية الغربية التي ترى أن اليهود هم أقنان البلاط أو المَلك، ووجد أنهم على حق في رفض المسيحية في صورتها الكاثوليكية الوثنية. ووردت كل هذه الأفكار في كتابه الذي نشره عام 1523، وطُبع سبع مرات في العام نفسه، بعنوان عيسى وُلد يهودياً. ودفاع لوثر عن اليهودية هو جزء لا يتجزأ من نزعته التبشيرية، أي أنه غير مهتم باليهود في حد ذاتهم وإنما مهتم بهم بمقدار إمكان تنصيرهم، فهو يختم كتابه هذا بقوله: " إذا أردنا أن نجعلهم خيراً مما هم، فعلينا أن نعاملهم حسب قانون المحبة المسيحي لا قانون البابا، علينا أن نحسن وفادتهم وأن نسمح لهم بأن يتنافسوا وأن نتيح لهم فرصة فهم الحياة والعقيدة المسيحيتين، وإذا أصر بعضهم على عناده فما الضرر في ذلك؟ نحن أنفسنا لسنا جميعاً مسيحيين صالحين". وقد عارض لوثر حرق التلمود ومصادرة الكتب الحاخامية، ولعل هذا هو ما حدا بالسلطات الكنسية إلى أن تعتبر لوثر «يهودياً» و «راعياً لليهود» و «شبه يهودي» . بل وتصوَّر بعض اليهود أيضاً أنه يهودي متخفٍّ من يهود المارانو. ولكن موقف لوثر تغيَّر في أواخر الثلاثينيات، إذ اتخذ موقفاً متطرفاً متعصباً يفوق في تطرفه موقف الكنيسة الكاثوليكية. فالكنيسة الكاثوليكية كانت دائماً ملتزمة بالدفاع عن اليهود وبحمايتهم باعتبارهم الشعب الشاهد، أما لوثر فأسقط هذا الدور تماماً (ضمن ما أسقط من مؤسسات وسيطة) . ويُلاحَظ أن تزايُد اشتغال المسيحيين بالتجارة كان له جانبه المظلم بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية إذ كان ذلك يعني تزايُد التنافس معهم. وقد أدَّى الإصلاح الديني إلى فتح الباب على مصراعيه للاجتهادات والانشقاقات، فظهرت مجموعات المسيحيين الذين تمسكوا بحرفية العهد القديم والذين اتخذوا طابعاً يهودياً، كما هو الحال مع جماعة السبتيين الذين كانوا يستريحون يوم السبت بدلاً من يوم الأحد. وكتاب لوثر خطاب ضد السبتيين يتضمن هجوماً حاداً على اليهود الذين اتهمهم بأنهم يجمعون الأنصار لعقيدتهم. ثم ظهر في عام 1542 كتابه عن اليهود وأكاذيبهم، أما عام 1543 فشهد نشر كتاب عن شيم هامفوراش، أي الاسم الذي لا يُنطَق به، والكتابان يتضمنان سيلاً من الشتائم والهجوم على اليهود إذ وصفهم بأنهم خبثاء ولصوص وقطاع طرق وديدان مقزِّزة. ولكن الجدير بالذكر أن لوثر كان عنيفاً في هجومه على كل أعدائه من أمراء وأساقفة وبابوات ومحامين وغيرهم. وقد تأثر لوثر في كتابيه بيهوديين متنصرين. والأكاذيب التي يتحدث عنها لوثر تتعلق بمفهوم الاختيار والميثاق مع الخالق من خلال الختان في سيناء، وإيمان اليهود بأن الرب أعطاهم إرتس يسرائيل (أي فلسطين) والقدس. واستخدم لوثر في كتابه كل الاتهامات التي كانت توجَّه إلى اليهود في العصور الوسطى، مثل تهمة الدم وتسميم الآبار، واتهمهم بأنهم يلعنون المسيحيين في معابدهم، ووصف اليهودية بأنها أصبحت شكلاً من أشكال الوثنية. كما أوصى لوثر بضرورة إحراق معابد اليهود وتدمير منازلهم وأن يُجمَعوا كالقطيع في الحظائر حتى يتحققوا من أنهم ليسوا أسياداً في بلادهم وإنما غرباء في المنفى، وأن يخضعوا للسخرة، وأن تُسلب منهم كتب الصلوات الخاصة بهم والتلمود وأن يُمنع الحاخامات من تلقين تعاليم دينهم وأن لا يُسمح لهم بالسفر من خلال طرق الإمبراطورية. وصاغ لوثر في هذا الكتاب فكرة الشعب العضوي المنبوذ صياغة متبلورة، فهو يطالب بعدم إعاقة اليهود عن العودة إلى أرضهم في يهودا (أي فلسطين) ويوصي بتزويدهم «بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم لا لشيء إلا لنتخلص منهم، إنهم عبء ثقيل وهم بلاء وجودنا» . ونحن نرى في هذه العبارات نمطاً متكرراً في الحضارة الغربية. فمعاداة اليهود تُترجم نفسها دائماً إلى دعوة صهيونية، أي طرد اليهود وتوطينهم في فلسطين. وتشبه عبارات لوثر بعض العبارات التي وردت في المقدمة التي كتبها بلفور، صاحب الوعد المشهور، لكتاب تاريخ الصهيونية الذي كتبه ناحوم سوكولوف. وكانت آخر موعظة ألقاها لوثر، قبل موته بأربعة أيام، نوعاً من الهجوم على اليهود والمطالبة بطردهم. وأثناء محاكمات نورمبرج، صرح جوليوس سترايخر بوجوب محاكمة لوثر بدلاً منه لأن كل ما قاله هو عن اليهود قاله لوثر من قبله، وإن كان بشكل أكثر تطرفاً وحدة. ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن ألمانيا هي بلد الإصلاح الديني أي البلد الذي فك الحلول الإلهي (النعمة) من الكنيسة وأطلق عقاله ليفيض على كل الدنيا وكل الناس فيتوحدوا بالإله. وبلد لوثر هو أيضاً البلد الذي ظهر فيه هيجل صاحب المنظومة الحلولية المتطرفة التي تصل إلى مرحلة وحدة الوجود التاريخية أو مرحلة نهاية التاريخ، وهو أيضاً بلد نيتشه الذي اكتشف أن وحدة الوجود تؤدي إلى موت الإله، وهو أخيراً بلد هتلر الذي نصب نفسه إلهاً يحكم بلده في إطار من الحلولية بدون إله. ومع هذا، يُلاحَظ أن موقف الكنيسة اللوثرية من اليهود أثناء الفترة النازية يختلف باختلاف البلد والانتماء السياسي، فالأوساط المحافظة كانت تؤيد النازيين في حين وقفت العناصر الليبرالية ضدهم. وبينما كان موقف الكنيسة في ألمانيا ممالئاً للنازيين، وقفت الكنيسة اللوثرية ضدهم في السويد والدنمارك. بل إن بعض كبار المفكرين اللوثريين الألمان تنبهوا إلى العلاقة الوثيقة بين فكرة الشعب الواحد الصهيونية، والأفكار النازية التي تُقدِّس التراث القومي. وفي عام 1982، عُقد مؤتمر بمناسبة مرور خمسمائة عام على مولد لوثر وحضره ممثلون عن الكنائس اللوثرية، وأعلن الحاضرون فيه رفض أفكار مؤسس الكنيسة اللوثرية المتصلة باليهود. ولا يتسم موقف المفكر الديني البروتستانتي جون كالفن (1509 ـ 1564) بهذا الوضوح والعنف، فلم تكن لديه علاقة كبيرة بأعضاء الجماعات اليهودية سواء في فرنسا أو سويسرا. ومع هذا، فقد كتب كالفن كتيباً أخذ شكل حوار بين يهودي ومسيحي يحاول كل منهما أن يدافع عن عقيدته ويدحض عقيدة الآخر. ولكن أثر كالفن في أعضاء الجماعات اليهودية يظهر بشكل غير مباشر، فقد أباح كالفن الربا، وهو ما أسبغ شرعية على أحد النشاطات الاقتصادية الأساسية للجماعات اليهودية. كما أن البروتستانتية الكالفنية التي ابتدعها كالفن، والتي سيطرت على معظم العالم الأنجلو ـ ساكسوني، ساهمت في ظهور الرأسمالية حسب أطروحة ماكس فيبر. وهو الأمر الذي ترك أثراً عميقاً في اليهود. وقد كان اهتمام كالفن بالعهد القديم بالغاً، كما ركز تركيزاً قوياً على النزعة القانونية والتقيد الحرفي والمفرط بالقانون. ومن هنا كان قربه من روح العقيدة اليهودية واتهامه، مثل كثير من المفكرين البروتستانت الأوائل، بأنه يهودي أو من دعاة التهويد. وثمة صدى لهذا الاتهام حتى في كتابات ماركس الذي وصف سيطرة البورجوازية على المجتمع بأنها عملية تهويد له. ويُلاحَظ أن ثمة علاقة وثيقة بين البروتستانتية من جهة والصهيونية والجماعات اليهودية من جهة أخرى: 1 ـ تأثرت اليهودية بالإصلاح الديني، فظهرت اليهودية الإصلاحية في ألمانيا (مهد الإصلاح الديني) متأثرة بفكر الإصلاح الديني المسيحي بشكل عام وبفكر لوثر على وجه الخصوص. وقد صرح الفيلسوف اليهودي هرمان كوهين أنه لا يرى أي فارق بين التوحيد اليهودي والبروتستانتية. 2 ـ لاحظنا ظهور الفكر الاسترجاعي الصهيوني داخل الفكر البروتستانتي. ويمكن الإشارة إلى أن كثيراً من يهود أوربا كانوا، ابتداءً من القرن السابع عشر، يستقرون في البلاد البروتستانتية (هولندا وإنجلترا ... إلخ) ، والتي كان لها النصيب الأكبر في التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. ولذا، نجد أن معظم يهود العالم مركزون في البلاد البروتستانتية الاستيطانية التي تتحدث الإنجليزية: الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا. ولم يَعُد لهم وجود يذكر في البلاد الكاثوليكية. ومع هجرة اليهود السوفييت، سيتركز يهود العالم إما في البلاد البروتستانتية أو في إسرائيل. 3 ـ يُلاحَظ ارتباط الحركة الصهيونية بالبلاد البروتستانتية. وقد تبنت إنجلترا المشروع الصهيوني بعد منافسة قصيرة مع ألمانيا وتبعتها الولايات المتحدة، وذلك بينما كان هناك دائماً رفض للمشروع الصهيوني في الأوساط الكاثوليكية. ويُلاحَظ أنه، مع تزايُد انتشار البروتستانتية في أمريكا اللاتينية، يُتوقع تزايد التعاطف مع المشروع الصهيوني. 4 ـ ارتبطت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني البروتستانتي الأنجلوساكسوني، ولذا نجد أن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد في الولايات المتحدة وكندا وجنوب أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا (وأخيراً إسرائيل التي هي جزء من هذا التشكيل الأنجلو ساكسوني) . 5 ـ ثمة علاقة غير مباشرة بين البروتستانتية والجماعات اليهودية تتحدد في أن الرأسمالية، حسب أطروحة فيبر، وُلدت في المجتمعات البروتستانتية، كما أن ميلاد الرأسمالية الرشيدة كان أهم حدث في تاريخ الجماعات اليهودية، خصوصاً في الغرب. 6 ـ ولا يزال كثير من غلاة البروتستانت يأخذون بالتفسير الحرفي للعهد القديم، وينظرون إلى فلسطين باعتبارها أرضاً مرتبطة باليهود، وينظرون إلى اليهود باعتبارهم العبرانيين القدامى، ويتفشى في صفوفهم تفكير صهيوني وحُمَّى استرجاعية ألفية. ويرى كثير منهم أن دولة إسرائيل هي تحقيق للنبوءات التي وردت في العهد القديم. لكن هذا لا يعني أن ثمة علاقة عضوية أو سببية بين البروتستانتية والصهيونية. وكما أسلفنا، تحوي الرؤية الاسترجاعية البروتستانتية قدراً كبيراً من كراهية اليهود ورفضهم. وتتحدث إذاعات غلاة البروتستانت في الولايات المتحدة عن ضرورة عودة اليهود، ولكنها ترى أيضاً أن هتلر هو سوط العذاب الذي أرسله الإله لتعذيب اليهود لإنكارهم المسيح. عصر النهضة (القرنان السادس عشر والسابع عشر ( The Renaissance (Sixteenth and Seventeenth Century) رغم التفتح العام الذي شهدته الحضارة الغربية في عصر النهضة، فإنه لم تكن له مردودات إيجابية على أعضاء الجماعات اليهودية. وربما يعود هذا إلى وضع اليهود الخاص داخل المجتمع الغربي وإلى أنهم لم يكونوا جزءاً من القوى الاجتماعية التي أدَّت إلى ظهور النهضة والاستنارة فيما بعد. كما أن بنية المجتمع، برغم تغيرها في كثير من الوجوه، ظلت جامدة وتقليدية. ولذا، لم يشهد عصر النهضة (بشكل عام) تغيراً جوهرياً في أحوال أعضاء الجماعات اليهودية، كما لم تحدث تطورات فكرية عميقة إلا في بعض الجماعات مثلما حدث في إيطاليا في بداية عصر النهضة. وكانت أوربا خالية من اليهود بعد أن طُردوا من إسبانيا عام 1492، ومن البرتغال عام 1496، ومن نافار وصقلية وسردينيا عام 1498، ومن سويسرا وألمانيا عام 1490. أما إنجلترا وفرنسا، فكانتا قد طردتا أعضاء الجماعات اليهودية في فترة سابقة ولم يسمح لهم بالاستيطان فيهما. ولم تكن هناك جماعات يهودية إلا في شرق أوربا (بولندا) التي كانت خارج نطاق عصر النهضة (في بدايته) ، أو في بعض الإمارات الألمانية التي استقبلت اليهود الذين كانوا قد طُردوا من إمارات أخرى. كما كان يوجد بعض اليهود في المدن/الدول الإيطالية في بداية عصر النهضة. بل إن هذه الفترة شهدت تكريس عزلة اليهود، وشهدت تحوُّل الجيتو من المكان الذي كانوا يعيشون فيه إلى المكان الذي يتعين عليهم العيش فيه. فمع عصر النهضة، فقدت كثير من الجماعات اليهودية في غرب أوربا دورها كجماعة وظيفية وسيطة تعمل بالتجارة والربا وحلت محلها جماعات مسيحية محلية أو دولية. ومع هذا، شهدت تلك الفترة بعض التحولات العميقة للجماعات اليهودية، وهي تحولات كان مقدراً لها أن تتصاعد في الفترات التاريخية اللاحقة بعد تزايُد أعداد يهود بولندا، وبدأ تشابكهم مع طبقة الشلاختا داخل إطار الإقطاع الاستيطاني في أوكرانيا (نظام الأرندا) . ويُلاحَظ بدايةً الانفجار السكاني بين يهود بولندا الأمر الذي أدَّى إلى تحوُّلهم إلى الغالبية الساحقة من يهود العالم. كما بدأ يهود المارانو في تكوين مراكزهم السكانية والثقافية فى أمستردام وبوردو وسالونيكا (وفي كثير من مدن الدولة العثمانية) وكان يُطلَق عليهم «السفارد» أو «البرتغاليين» . وكان السفارديون على مستوى ثقافي رفيع (نظراً لاحتكاكهم بالثقافة العربية الإسلامية) ، وكانت النخبة بينهم على دراية بالأمور المصرفية المتقدمة. وكانت تربطهم فضلاً عن ذلك علاقات وثيقة باليهود السفارديين في الإمبراطورية العثمانية، الأمر الذي سهل عليهم القيام بالعمليات التجارية الدولية، وبذلك أمكنهم أن يلعبوا دوراً في الاقتصاد الجديد. وقد بدأ الأدب والفن في عصر النهضة ينفتحان على المواضيع العبرية واليهودية، فرسم رمبرانت يهود أمستردام (ومن بينهم إسبينوزا) وأبطال العبرانيين. ويُلاحَظ أن الأعمال الأدبية بدأت هي الأخرى تعالج شخصيات مثل شمشون ويهوديت وإستير. ومن المفارقات أنه حين بدأت أوربا في نبذ اليهود، اكتسب يهود أوربا مركزية بين يهود العالم بسبب ثقلهم السكاني (إذ أصبحوا يشكلون غالبية يهود العالم) وزاد وزنهم الثقافي مع تزايُد طباعة الكتب العبرية، وكذلك بسبب تزايد أهمية أوربا في العالم مع تزايد غزواتها الإمبريالية لأركان المعمورة الأربعة. ويُلاحَظ أن ظاهرة يهود البلاط بدأت في هذه الفترة ولكنها لم تتبلور إلا في القرن السابع عشر الميلادي. وقد بدأ تحرُّك أعضاء الجماعات اليهودية مع التشكيل الاستيطاني الغربي في هذه المرحلة، وهي عملية انتهت في الوقت الحاضر بوجود معظم يهود العالم في بلاد استيطانية. ويُلاحَظ أنه، في هذه الفترة، بدأ ظهور الفكر الصهيوني بين المسيحيين في البلاد البروتستانتية على وجه العموم وفي إنجلترا على وجه الخصوص. وهو فكر يذهب إلى أن خلاص العالم لن يتم إلا بالاستيلاء على فلسطين واسترجاع اليهود، أي عودتهم لها، وتنصيرهم حتى يتم الإعداد لعودة المسيح المخلِّص. والفكرة الصهيونية هي ذاتها الفكرة الاسترجاعية مع إحلال العنصر اليهودي محل العنصر المسيحي. وعصر النهضة، كما أسلفنا، هو عصر الاكتشافات الجغرافية وبدايات الرأسمالية المركنتالية برغبتها في التوسع. ومن ثم، بدأت الفكرة الاسترجاعية في كسب المؤيدين لها، وبخاصة في البلاد البروتستانتية، وبدأ الحديث عن عودة اليهود إلى صهيون أي فلسطين. وبدأت محاولات إنشاء مستوطنات يهودية خارج أوربا، وقد جرت أولى المحاولات الاستيطانية في العالم الجديد. ولكن عصر النهضة، وانقلابه التجاري، والأفكار الصهيونية المسيحية التي سادت خلاله، لم تكن سوى إرهاصات للثورة الفرنسية والصناعية وللحركة الإمبريالية التي تركت أثرها العميق في العالم بأسره، وفي الجماعات اليهودية بطبيعة الحال. عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) The Enlightenment (Eighteenth Century) كان التيار الفكري الأساسي في هذه الفترة هو فكر حركة الاستنارة، وهو فكر يدعو إلى تحرير الإنسان من الغيبيات بهدف ترشيده. وهي عملية ترشيد أدَّت، فيما أدَّت، إلى تطويع الإنسان لخدمة الدولة المركزية المطلقة. وقد أدَّى ذلك إلى الهجوم على كل أشكال الغيب والخصوصية وكل الجيوب الإثنية. ولا شك في أن هذا الفكر، وكذلك التحولات الاجتماعية التي أدَّت إليه ونجمت عنه في الوقت نفسه، قد تركا أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية في العالم بأسره، فقد استفادوا من هذه التحولات أيما استفادة مع أنهم اصطدموا بها في نهاية الأمر. والواقع أن هذه العملية التاريخية هي التي قضت على الجيتو وأعتقت اليهود، ولكنها قضت أيضاً على دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، وزادت من معدلات الاندماج والعلمنة بينهم. ويُلاحَظ أن حركة أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا خلال العصور الوسطى في الغرب كانت قد أخذت شكل الانسحاب أو الهجرة إلى الماضي؛ فكانت هجرة من أوربا الغربية، حيث نشأت طبقات تجارية محلية، إلى الشرق السلافي حيث كان نمط التنظيم الاجتماعي شبيهاً بأوربا في العصور الوسطى وحيث كان بوسع أعضاء الجماعات اليهودية الاستقرار في مسام المجتمع وعلى هامشه ليلعبوا دوراً حدودياً. وكان اليهود المنسحبون هم أساساً اليهود الإشكناز الذين يشتغلون بالتجارة البدائية والربا، وكان أكبر تجمُّع لهم في هولندا وروسيا، وهو التجمُّع الذي نشأت فيه المسألة اليهودية (والأفكار الصهيونية فيما بعد) . وقد استمرت هذه الحركة حتى بداية القرن السابع عشر الميلادي حين بدأت الدولة العثمانية (التي كانت تستوعب الفائض الأوربي من اليهود) في التجمد. أخذت الهجرة اليهودية منذ ذلك التاريخ تتجه نحو بلاد وسط وغرب أوربا، وهي البلاد التي كانوا قد طُردوا منها. وقد عاد اليهود إلى هذه البلاد بعد أن تساقط النظام الإقطاعي الوسيط وظهر حكم الملكيات المطلقة التي حطمت سلطة الأمراء الإقطاعيين وظهرت الدولة المركزية المطلقة. وكان يهود المارانو، بما لديهم من خبرة في الأمور المالية والتجارة الدولية، عنصراً أساسياً في الحركة الثانية لليهود. وفي عام 1612، سمحت هامبورج ليهود المارانو (وهم من السفارد) بالاستيطان فيها، وقد أعلن بعضهم يهوديته صراحة بعد الاستيطان. أما في فرنسا، فكان هناك بعض الجيوب اليهودية. ومع عصر النهضة، تغيَّرت الصورة. ففي أواخر القرن السادس عشر الميلادي، سُمح لبعض اليهود السفارد من المارانو بالاستيطان في بوردو وبايون. كما تم ضم منطقة الألزاس واللورين التي كانت تضم يهوداً من الأشكناز، وبعدها انتشر اليهود، وبخاصة من الألزاس، في كل فرنسا. أما في إنجلترا، فقد سُمح بعودة اليهود عام 1664، وأُسِّس معبد يهودي في لندن عام 1690 ولم يكن هناك، في إنجلترا، جيتو يهودي بالمعنى المعروف، ولم تُفرَض عليهم هناك أية قيود. وقد هاجر يهود المارانو أيضاً إلى هولندا واستوطنوا في أنتورب، ثم في أمستردام، وتحالفوا مع البروتستانت في حربهم ضد الهيمنة الإسبانية، كما لجأ بعض يهود المارانو إلى الإمبراطورية العثمانية. وكان نمط الهجرة يأخذ في العادة شكل استيطان سفاردي في البداية ثم يتوافد المهاجرون الإشكناز. وقد أدَّى هذا، في بداية الأمر، إلى تزايُد عدم تجانس اليهود داخل القارة الأوربية. وفي داخل كل مدينة، كانت الجماعات اليهودية مستقلةً الواحدة عن الأخرى تماماً، ففي إيطاليا مثلاً كانت هناك جماعة يهودية إيطالية وأخرى إسبانية سفاردية وثالثة ألمانية إشكنازية، وكانت كل جماعة منفصلة عن الأخرى وتتصارع معها في بعض الأحيان. بل كانت الجماعة الواحدة تنقسم إلى عدَّة أقسام حسب المدينة التي ينتمي إليها أعضاؤها أصلاً. ومع هذا، كان هناك فريقان أساسيان هما: السفارد ممن يتحدثون اللادينو، والإشكناز المتحدثون باليديشية، وبخاصة بعد أن انضمت الجماعات الصغيرة الأخرى إلى أحد الفريقين وفقدت هويتها بينهم. وتركز يهود المارانو في شبه جزيرة أيبريا وثغور البحر الأبيض المتوسط، وداخل الدولة العثمانية، وداخل أوربا، وفي العالم الجديد. أما اليهود الإشكناز فقد تركزوا في شرق أوربا وداخل بعض مدن وسط ألمانيا. وكان الهرم الطبقي لليهود في الغرب يتكون من خمس أو ست طبقات. وعلى قمة الهرم، كانت تقف نخبة صغيرة من كبار المموّلين ويهود البلاط ويهود الأرندا ووكلاء الأمراء، وكان هؤلاء يُشكِّلون قيادة الجماعة اليهودية كما هو الحال مع يهود البلاط في وسط أوربا، والمهاماد في غربها، والقهال في شرقها، تليها طبقة أكبر من كبار التجار والوكلاء التجاريين وأصحاب المعامل. أما الطبقة الثالثة، وهي أكبرها حجماً، فهي جمهور الباعة الجائلين وبائعو الملابس القديمة وغيرهم من صغار التجار. وكانت هناك طبقة رابعة صغيرة من الحرفيين. وفي أسفل الهرم، كانت توجد قاعدة كبيرة من الجائلين والمتسوّلين والمتعطِّلين. وكما ذكرنا من قبل، كان بناء بعض المجتمعات الغربية فيما قبل الثورة الفرنسية هرمياً جامداً، وكانت حقوق الفرد تزداد بارتفاع مستواه الطبقي والاجتماعي. ولذا، لم يكن للفلاحين والأقنان أية حقوق تُذكَر. وكذلك الوضع بالنسبة ليهود ألمانيا، إذ كان يهود البلاط في قمة المجتمع ولهذا فقد كانوا يتمتعون بكل الحقوق تقريباً، أما يهود الجيتو فلم تكن لهم حقوق تذكر. وكان أعضاء الجماعة اليهودية في بروسيا يُقسَّمون حسب وضعهم في المجتمع ومدى نفعهم للدولة، وهو تقسيم تبنته فيما بعد معظم دول أوربا في القرن الثامن عشر الميلادي وتبنته روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي. وكانت قاعدة الهرم الطبقي اليهودي تمتد من القرى إلى المدن، وُيلاحَظ خلو هذا الهرم من الطبقة الوسطى المرتبطة بالصناعة ومن التجار متوسطي الحال ومن العمال والفلاحين والنبلاء. وكان أعضاء الجماعة اليهودية، نظراً لعلاقتهم المباشرة مع الحاكم من خلال يهود البلاط أو كبار المموِّلين الذين لعبوا دور الوسطاء (شتدلان) بين الحاكم وأعضاء الجماعة، أحسن حالاً من بقية أعضاء المجتمع الخاضعين لأهواء النبلاء وموظفي بقايا النظام الإقطاعي الذي لم يكن له قانون موحَّد أو قواعد ثابتة. وبرغم تزايد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في مجتمعاتهم، فقد ظلت الجماعات اليهودية محتفظة بشيء من تماسكها وبكثير من مؤسساتها، وهو ما جعلها منفصلة نوعاً ما عن المجتمع ومنعزلة عنه ومتمتعة بهوية شبه مستقلة. وبعد تناقص دور اليهود كجماعة وظيفية وسيطة تتشكَّل من تجار صغار ومرابين، بدأت الحضارة الغربية تحوِّلهم مرة أخرى إلى جماعة وظيفية وسيطة أخرى تضطلع بالدور التجاري نفسه ولكن بما يُعبِّر عن التغيرات التي خاضها المجتمع الغربي. فبعد أن كان أعضاء الجماعة اليهودية هم الإسفنجة أو الأداة التي يمتص بها الحاكم الإقطاعي فائض القيمة من داخل مجتمعه، تحولوا إلى أداة يستخدمها حاكم الدولة المطلقة في النشاطات التي تقوم بها هذه الدولة داخل وخارج حدودها، إذ لم تعُد هناك ضرورة لامتصاص فائض القيمة لأن مؤسسات الدولة كانت تقوم بذلك على وجه أفضل. ومع هذا، استمر بعض أعضاء الجماعة اليهودية في لعب دور الجماعة الوسيطة القديمة أي التجارة البدائية والربا، وهؤلاء هم اليهود الذين كانوا يوجدون في قاعدة الهرم. والواقع أن معظم، إن لم يكن كل، أعضاء الجماعات اليهودية (في قمة الهرم وقاعدته) كانوا يضطلعون بأشكال مختلفة من الوساطة. وقد كوَّنت الجماعات اليهودية في هذه المرحلة شبكة علاقات تجارية على مستويين: عالمي متقدم، ومحلي بدائي. فكان كبار المموِّلين اليهود، من يهود البلاط وغيرهم، يربطون بين الدول المختلفة ويسدُّون احتياجات الأمراء للأموال وحاجات الجيوش إلى التموين. فكان يهود الأرندا في بولندا يزوّدون يهود البلاط في وسط أوربا بالأخشاب والمحاصيل الزراعية التي كان يحتاج إليها غرب أوربا ووسطها بسبب زيادة عدد السكان آنذاك. وكان بوسع يهود أمستردام تدبير المعادن النفيسة التي قد يحتاج إليها نبلاء شرق أوربا أو وسطها. كما كانت تساندهم القاعدة الكبيرة من كبار تجار الجملة، والسماسرة والوكلاء التجاريين الذين كان يساندهم آلاف الباعة الجائلين وصغار تجار العملة والحرفيون اليهود الذين كانوا يعملون في العادة بالقرب من الوسيط اليهودي فيقومون بتقطيع الماس والصياغة والنسيج وخياطة الملابس وإصلاحها. ولهذا السبب، كان بوسع كبار المموِّلين اليهود، من يهود البلاط أو غيرهم، أن يدبِّروا أية كمية من الذهب يريدها الإمبراطور أو الأمير، ويعدوا له التموين اللازم للحملات العسكرية التي يجرِّدها، وذلك في أسرع وقت ممكن ورغم ظروف الحرب. كما كان بوسعهم، من خلال الشبكة نفسها، القيام بأعمال التجسس لصالح هذا الفريق أو ذاك، وتوصيل المعلومات بسرعة غير متوفرة لأيٍّ من الفريقين المتحاربين، وذلك من خلال حلقة الاتصال اليهودية، سواء مع يهود الأرندا في بولندا أو يهود المارانو في الدولة العثمانية، أو المئات من صغار التجار والمموِّلين اليهود في طول أوربا وعرضها. وقد استفادت كل دول أوربا المتحاربة من هذا الهرم التجاري اليهودي الممتد، فاستفاد منهم الكاثوليك والبروتستانت، والألمان والسويديون. ولذا، لم يمس أيٌّ من الأطراف المتحاربة أعضاء الجماعات اليهودية بأذى. ومن هنا، فإن الادعاء النازي بأن اليهود استفادوا من الحرب له أساس من الصحة، ولكنه لا يصور الحقيقة بأكملها، ولا يُفسِّرها. وترجع إلى هذه الفترة بداية ارتباط الجماعات اليهودية بالاستعمار الغربي الحديث، وبخاصة في جانبه الاستيطاني، وكذلك تزايد اهتمام الغرب بالجماعات اليهودية باعتبارها عنصراً استيطانياً مالياً يشجع التجارة. فعلى سبيل المثال، كان أغلبية المستوطنين الأوربيين في سورينام من اليهود، وثار العبيد عليهم هناك. وقد سيطر المموّلون اليهود على كثير من أشكال التجارة الإستراتيجية، واشتركوا في كثير من المشاريع الاستعمارية، فساهموا في شركة الهند الشرقية الهولندية وفي غيرها من الشركات. كما اشتركوا في تجارة العبيد بنشاط كبير. واستوطنت بعض الجماعات اليهودية في العالم الجديد، وهو ما وسع نطاق الشبكة التجارية اليهودية. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا كانوا مرتبطين بالاقتصاد الإقطاعي التقليدي فيها، وبالنبلاء من خلال نظام الأرندا. أما في الغرب والوسط، فكانوا جزءاً من اقتصاد الدولة المطلقة، وبخاصة في مجال التجارة والنشاط الكولونيالي، أي تلك النشاطات المرتبطة بأهداف الدولة القومية الجديدة. وكان القاسم المشترك بين هذه النشاطات أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا في أغلب الأحيان مرتبطين بأهداف الحاكم ومعادين لكثير من طبقات المجتمع. كما أنهم، رغم تراكم ثرواتهم، لم يصبحوا قط جزءاً من الاقتصاد الرأسمالي الجديد، فلم يستثمروا أموالهم في الصناعات الجديدة بل ظلوا بمنأى عنها. وظل رأس المال اليهودي مرتبطاً بالدولة، فحين كان رأس المال اليهودي يؤسس المصانع، كانت هذه المصانع تابعة للدولة. ولأنهم لم يؤسسوا مصانع مستقلة، فقد ظلوا تحت حماية الدولة، لا علاقة لهم بالرأسماليين الآخرين ولا بالجماهير ولا بأيٍّ من الطبقات المهمة في المجتمع، ولذا فإنهم لم يساهموا في تطور الرأسمالية الرشيدة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية في الدولة المطلقة، وبخاصة في المراحل الأولى من تاريخها، إحدى أدوات التوحيد وفرض المركزية، بل كانوا أداة على درجة كبيرة من الكفاءة والموضوعية والحياد نظراً لوجودهم خارج المجتمع الغربي. ووضع الجماعات اليهودية في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة، وعلاقتهم الخاصة بالنخبة الحاكمة، يُفسِّر سرَّ تدهورهم بعد صعودهم. وتشكل الفترة من اندلاع حرب الثلاثين عاماً (1618 ـ 1648 حتى توقيع معاهدة أوترخت عام 1713، بعد حرب الخلافة الإسبانية، قمة ازدهار الجماعات اليهودية، والتي تلتها مرحلة التدهور، فقد كان الحاكم يصادر أموال اليهودي بعد موته وهو ما كان يعوق أي تراكم رأسمالي. وكان الملك يرفض أحياناً دفع ما عليه من ديون، فيدفع جزءاً منها وحسب، الأمر الذي كان يؤدي إلى القضاء على ثروة المموّل اليهودي. وكان هذا أمراً سهلاً على الحاكم، نظراً لعدم وجود قاعدة جماهيرية تساند اليهودي، ونظراً لاعتماده الكامل والمذل على الحاكم. وكانت علاقة الشك المتبادل بين الحاكم والمموِّل اليهودي، رغم حاجة الواحد منهما إلى الآخر، تؤدي بالمموِّل إلى تهريب جزء من رأسماله خارج حدود البلد الذي يعيش فيه، فقد كان الشك يجعل من المستحيل على أعضاء الجماعة اليهودية أن ينتموا انتماءً قومياً كاملاً. وقد بدأ التدهور بين السفارد في أواخر القرن السابع عشر الميلادي، فلم يعد هناك وكلاء يهود لأي بلاط أوربي في مدينة هامبورج ذات الأهمية التجارية. وعلى سبيل المثال، حينما عُيِّن مندوب يهودي للبلاط الدنماركي في أمستردام، اضطر مجلس الشيوخ بضغط من الجماهير إلى رفض الاعتراف به. كما انتقلت وكالتا إسبانيا والبرتغال في أمستردام من أيدي أعضاء الجماعة اليهودية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي. ولحق هذا التدهور نفسه بأعضاء الجماعة اليهودية من السفارد البرتغاليين في أمستردام، فتناقص استثمارهم في التجارة الدولية وفقدوا جزءاً كبيراً من رأسمالهم في مضاربات البورصة. وحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى يهود ألمانيا، إذ دخلت السياسة المركنتالية الألمانية في مرحلة جديدة بعد عام 1720، فبدأت تحمي الصناعات والبضائع المحلية ومنعت استيراد الصوف والمواد الخام الأخرى. وكان ازدهار الجماعة اليهودية في ألمانيا يستند إلى استيراد البضائع من هولندا وإنجلترا. ومن أهم البضائع التي كانوا يستوردونها الأقمشة الهولندية وبضائع أخرى من التي طُبِّق عليها الحظر. وقد أدَّى كل هذا إلى تدهور وضع الجماعات اليهودية. ورغم تحسن وضعهم لفترة وجيزة (عام 1740) بسبب حرب الخلافة النمساوية، إلا أنهم لم يعودوا إلى سابق عهدهم، بل تزايد عدد الفقراء بينهم، فقد تضاعف مثلاً عدد فقراء اليهود السفارد البرتغاليين في أمستردام أربع مرات في فترة لا تتجاوز بضعة أعوام إذ زاد من 115 إلى 415، إلى نحو 40% من جملة أعضاء الجماعة السفاردية. وقد بدأ كبار المموِّلين اليهود بنقل رأسمالهم من التجارة اليهودية التقليدية إلى الصناعات الجديدة التي لم تكن صناعات يهودية (إن صح التعبير) ؛ إذ كانت الدولة المطلقة تضع القوانين التي تجعل من الصعب على صاحب رأس المال اليهودي أن يستأجر يهوداً وحسب. أما فيما يتصل بيهود بولندا، فقد كانت هجمات شميلنكي أول ضربة تلقوها ثم تلتها الفوضى السياسية التي تسببت في اضمحلال الجماعة اقتصادياً. ووضعت معاهدة أوترخت حداً لحالة الحرب التي ازدهرت بسببها الجماعات اليهودية، وساد السلام الذي ساهم في القضاء على الأساس الاجتماعي للتجارة اليهودية وفي القضاء على الحاجة إليها. وأثَّر هذا أيضاً على يهود الأرندا إذ لم تَعُد أوربا في حاجة إلى المحاصيل الزراعية أو الأخشاب. أما التجارة الكولونيالية، فقد بدأت تتسع وتحتاج إلى قاعدتين بشرية ورأسمالية واسعتين للغاية؛ وهو ما جعل رأس المال اليهودي الهزيل بدون أهمية كبيرة. وقد أدَّى تقسيم بولندا ثم اختفاؤها، كوحدة سياسية مستقلة، إلى تقسيم أهم وأكبر تجمُّع يهودي على الإطلاق. ولذا، فمع النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، بدأ يتفاقم ضعف الحالة الاقتصادية ليهود أوربا: شرقها ووسطها وغربها. وبدأ أعضاء الجماعات اليهودية يعانون من الهامشية وانعدام الإنتاجية، لا لكسل طبيعي فيهم وإنما بسبب التطورات الاجتماعية والثقافية السريعة. وظهرت ظاهرة الشحاذ اليهودي (باليديشية: شنورير) ، وهذه كلها جوانب مما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ومما يجدر ذكره أن هذه المرحلة شهدت أيضاً تقلُّص نفوذ الجماعة اليهودية في الدولة العثمانية، وذلك نظراً لتزايُد النفوذ الغربي الذي شجع الأقليات المسيحية على حساب الجماعات اليهودية. وأخذ نصيب يهود الدولة العثمانية من تجارتها الدولية يتناقص ابتداءً من القرن السابع عشر الميلادي، حتى اختفى تماماً مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وكان أعضاء الجماعة اليهودية مرتبطين بالنظام السياسي الإقطاعي والدولة الإقطاعية في بولندا وفي غيرها من الجيوب نظراً لارتباطهم بالنخبة الحاكمة، ففي بداية الفترة التي نتناولها كان أعضاء الجماعة يقفون على مقربة من الدولة المطلقة ويخدمون أهدافها ومآربها. ولذا، فقد كانوا عرضة لهجوم أعداء السلطة الحاكمة نتيجة التطور التاريخي وتزايد نفوذ الدولة المطلقة ورغبتها في تصفية الجيوب الإثنية والدينية المختلفة كافة وكل الجماعات الوظيفية الوسيطة بما في ذلك تلك الجماعات التي خدمتها بعض الأوقات. ومن هنا جاء دور الجيب اليهودي، فقررت الدولة المطلقة أن تحل مسألتها اليهودية على طريقتها المألوفة وهي ترشيد اليهود، بإخضاعهم للإجراءات نفسها التي طبقت على مواطني الدولة المطلقة. وإذا كان الهدف من هذه العملية أن تصل الدولة إلى الفرد مباشرة بحيث يمكنها توظيفه لصالحها تماماً، وإدارته من خلال مؤسساتها العامة، فإنها لذلك أخذت شكل تحرُّك على مستويين؛ مؤسسي وفردي. فعلى مستوى المؤسسات، أُلغيت كل المؤسسات اليهودية الوسيطة مثل القهال والمهاماد وغيرها. ولكن ثمة أسباباً داخلية خاصة باليهود ساهمت في عملية ضعف المؤسسات الوسيطة ومن بينها ازدياد عدم التجانس المهني والوظيفي بين أعضاء الجماعات اليهودية وتدنِّي المستوى الحضاري والثقافي لقيادتهم، الأمر الذي جعل هذه القيادات غير مؤهلة لتمثيل الجماعة اليهودية أمام الحكام غير اليهود. أما على المستوى الفردي، فقد حدث ترشيد اليهود وتطبيعهم أي تحويلهم إلى إنسان عصر الاستنارة الطبيعي. وقد سُميَّت العملية «عملية إصلاح اليهود» ، أي تخليصهم من هامشيتهم وطفيليتهم وانعدام إنتاجيتهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة يمكن توظيفها مع ما يوظَّف من عناصر مادية وبشرية أخرى في خدمة الدولة، ويمكن دمجها مع بقية المادة البشرية التي تكوِّن مواطني الدولة. ولم يكن هذا الأمر مقصوراً على أعضاء الجماعة اليهودية فقد أكد فكر حركة الاستنارة الحرية الشخصية وضرورة الحكم على الفرد من منظور مدى نفعه للدولة، ولذا كانت عملية الإعتاق والتحرير تتم بهدف زيادة نفع الإنسان وتحويله إلى مواطن منتج مستهلك (وقد وجدت فكرة تطبيع اليهود وتحويلهم إلى عناصر نافعة طريقها إلى الفكر الصهيوني) . وقد تدخلت الدولة المطلقة في أخص خصوصيات الفرد اليهودي: متى يتزوَّج؟ ومن يتزوَّج؟ وأين يقيم؟ وماذا يرتدي؟ وكيف يحلق شعر رأسه؟ ومما يجدر ذكره أن الدولة المطلقة لم تكن تتدخل في شئون اليهود وحسب، بل كانت تتدخل في شئون كل الرعايا. ففي عام 1666، أصدرت الدولة الفرنسية قراراً يقضي بأن يُعفَى من الضرائب كل من يتزوج وهو دون العشرين، وذلك حتى يبلغ سن الخامسة والعشرين. كما كان يُعفَى من الضرائب ربُّ كل أسرة يبلغ عدد أفرادها عشرة، بشرط ألا يكون أحدهم منخرطاً في سلك الرهبان! وصدر قرار عام 1669 بفرض غرامة على الآباء الذين لا يزوجون أولادهم قبل سن العشرين، أو بناتهم قبل سن السادسة عشرة! كما تدخلت الدولة المطلقة في الأمور الدينية، فألغت المحاكم الحاخامية، وحرَّمت دراسة التلمود قبل سن السابعة عشرة، وهي إجراءات كانت تهدف إلى تحديث أعضاء الجماعة اليهودية وعلمنتهم حتى يصبحوا جزءاً عضوياً نافعاً يساهم في الإنتاج القومي للدولة. وهي كذلك عملية لم تنطبق ـ كما أسلفنا ـ على أعضاء الجماعة وحدهم وإنما على أعضاء المجتمع كافة. كما أن السلطات التي كانت تمارسها الدولة لم تختلف في أساسياتها عن السلطات التي كانت تمارسها الإدارة الذاتية اليهودية. بل ربما كانت السلطات الحكومية أكثر ليبراليةً وعقلانية، ولكنها مع هذا كانت أكثر قسوة بسبب ضخامة حجمها وبُعدها عن الفرد. ويظهر ذلك بشكل أكثر حدَّة في حالة أعضاء الجماعة اليهودية بسبب خصوصيتهم اليهودية، وبسبب أن عمليتي العلمنة والتحديث استخدمتا في البداية ديباجات مسيحية أخفت الجوهر العلماني التحديثي عن المسيحيين من مواطني الدولة المطلقة ومن ثم زادتها إيلاماً بالنسبة إلى اليهود. وإذا كانت عملية الإصلاح ترتبط بأسماء حكام مطلقين مثل جوزيف الثاني ونابليون بونابارت وألكسندر الثاني، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، فإنها لم تختلف كثيراً عن السياسة التي طرحتها الثورة الفرنسية. فالفكر الكامن في الملكيات المطلقة والجمهوريات الثورية هو فكر عصر الاستنارة، والنموذج الكامن هو نموذج الإنسان الطبيعي. ومع هذا، كان وضع أعضاء الجماعة اليهودية وطريقة حلّ المسألة اليهودية يختلفان من بلد إلى آخر بحسب مستوى تطوُّر هذا البلد. فبالنسبة إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية التي كانت تضم النمسا والمجر وبوهيميا ومورافيا، ثم جاليشيا التي كانت تضم كتلة يهودية كبيرة نوعاً ما، حاول الإمبراطور جوزيف الثاني أن يدمج اليهود في الإمبراطورية فأصدر عدة تشريعات في الفترة من 1781 إلى 1789 كما أصدر عام 1782 براءة التسامح التي كانت تهدف إلى تحديث المجتمع ككل وإلى إلغاء انعزالية اليهود المتمثلة في مؤسسات الإدارة الذاتية. وحدَّدت التشريعات حقوق النبلاء، كما استهدفت تحسين أحوال الفلاحين والحد من سلطان رجال الدين الكاثوليكي. وقد أُلغيت الشارة اليهودية التي كان على اليهود ارتداؤها خارج الجيتو. كما أُلغي كثير من القوانين التي كانت تحد من حركتهم، فأصبح من حقهم ممارسة أية حرفة وأن يعملوا بالتجارة والصناعة أو في أية وظيفة مدنية أو عسكرية، وأصبح من حقهم أن يشيِّدوا منازل خاصة بهم في أي مكان. ومُنحوا حق التمتع بشرف الخدمة العسكرية عام 1787، كما حُظر عليهم استخدام اليديشية، وبخاصة التجار الذين كان عليهم أن يكتبوا حساباتهم بالألمانية. كما أصبح من المحظور على أعضاء الجماعات اليهودية ارتداء أزياء خاصة بهم، بل وفرضت عليهم الأزياء الأوربية، ومُنع الآباء من تدريس التلمود لأبنائهم قبل اكتمال دراستهم، وفُرض عليهم اختيار أسماء جديدة ألمانية. وقد حاولت حكومات الإمارات والدويلات الألمانية تطبيق سياسة ترمي إلى دمج اليهود، فأصدر فريدريك الأكبر ميثاقاً يضمن لهم حرية العبادة ولكنه يحدد في الوقت نفسه مكان سكناهم ونسبة المصرح لهم بالزواج. وقد خاض اليهود في روسيا وبولندا عملية تحديث مماثلة في مرحلة لاحقة، وإن كانت قد أخذت شكلاً خاصاً نظراً لخصوصية وضع اليهود فيها ونظراً لتعثر عملية التحديث. هذا على عكس الوضع في فرنسا وإنجلترا وهولندا، وهي بلاد ذات بورجوازيات محلية قوية لم تخش منافسة التاجر اليهودي ولم ترفض توطين اليهود، وبخاصة المارانو، بل أتاحت أمامهم فرصة الاشتغال بجميع الحرف. وكانت اللاأهلية الشرعية (القانونية) المفروضة عليهم محدودة وآخذة في الاختفاء، كما لم تظهر في مثل هذه البلاد مسألة يهودية إذ أخذت فيها المسألة اليهودية شكلاً غير مستعص على الحل لأن الجماعة اليهودية لم تكن جسماً غريباً فيها، ولم تكن أيضاً متميِّزة اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، كما أن عدد أعضائها كان صغيراً. وكان لمعظم هذه البلاد مشروع استعماري قوي في فترة مبكرة، وأمكنها عن طريقه حلّ كثير من مشاكلها الاجتماعية. وكما أسلفنا، كان الاقتصاد المركنتالي يمثل تحدِّياً للمسيحية وقيمها، ومن ثم شكَّل تحدِّياً للاقتصاد التقليدي المسيحي المبني على القيم المسيحية التقليدية. وكانت التجارة اليهودية عنصراً مهماً من عناصر التحدي التي ساهمت في تقويض دعائم الاقتصاد التقليدي. وتمثَّل هذا التحالف بين القوى المدافعة عن المركنتالية والتجارة اليهودية فيما يُسمَّى «فيلوسيمتزم) Philo-Semitism» حب السامية) أي التحيُّز لليهود وحبّ المعرفة التي ينقلونها. وقد شهدت هذه المرحلة بالفعل تزايُد الاهتمام بالدراسات العبرية، وهو اهتمام على مستوى من المستويات يُعدُّ تحدِّياً للقيم المسيحية والتقليدية ويُعبِّر عن تراجعها فهو من ثم شكل من أشكال العلمنة. كما أنه مرتبط بظهور الشك الفلسفي في هذه المرحلة، أي أن حب السامية أو التحيز لليهود هو تعبير آخر عن تزايُد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي. وقد تنبه بعض رجال الكنيسة إلى أن هذا الاهتمام باليهودية والدراسات العبرية يشكل هجوماً مقنَّعاً على المسيحية. ولعب المارانو دوراً أساسياً في علمنة الجماعات اليهودية، فقد كانوا كتلة بشرية متحركة لا جذور لها في بقعة جغرافية. ومن ثم، ساهموا بشكل فعّال في عملية التحديث والعلمنة على المستويين الاقتصادي والثقافي باشتراكهم في التجارة الدولية وفي بناء الدولة المطلقة، وبنشرهم لأول مرة كتباً وضعها يهود ولكن بإحدى اللغات الأوربية، وبإشاعتهم فكرهم الديني الذي كان جوهره تفكيراً لادينياً رافضاً لليهودية الحاخامية دون قبول دين آخر. وكانت اليهودية الحاخامية في ذلك الوقت قد بدأت تدخل أزمتها العميقة التي أودت بها في نهاية الأمر كعقيدة لأغلبية اليهود، إذ تحجرت تماماً داخل الجيتو وأصبحت خالية من المعنى منفصلة عن الواقع. وظهرت القبَّالاه لسد الفراغ النفسي والمعرفي، كما ظهر إسبينوزا من صفوف المارانو ووجه سهام نقده لليهودية وللفكر الديني بشكل عام، وترك اليهودية دون أن يؤمن بدين آخر. وبذلك، وضع إسبينوزا أساس اليهودية العلمانية بل والعلمانية ككل. وظهر شبتاي تسفي في الفترة نفسها، فطرح تصوراته التي قوَّضت دعائم اليهودية وتحدَّت القيادة الحاخامية الأرثوذكسية وأحرز شعبية غير عادية، بل وانضم إليه عدد كبير من الحاخامات. والواقع أن نجاح الشبتانية هو أكبر دليل على مدى عمق التغير الذي حدث لليهود واليهودية. وقد تزايدت معدلات العلمنة بين اليهود وتزايد ابتعادهم عن تراثهم الديني وغربتهم عنه بل واحتقارهم له، وهو احتقار كان يشعر به حتى المتدينون منهم. ومما عجل بعملية العلمنة أن قيادات الجماعات اليهودية انتقلت من يد الحاخامات إلى يد الأثرياء، من أمثال يهود البلاط الذين كانوا مُستوعَبين في الحضارة الغربية العلمانية حيث استمدوا شرعيتهم من تقبُّل مجتمع الأغيار لهم، هذا المجتمع الذي تشبهوا به وبطرقه، ولذا فقد كانوا هم النموذج الذي يُحتذى بين من يودُّون تحقيق النجاح. وأدَّت عمليات التحديث والعلمنة التي قامت بها الدولة المطلقة إلى ظهور نواة مستنيرة داخل الجماعات اليهودية يُقال لها «المسكليم» أي دعاة الاستنارة، وهي جماعات كانت منتمية بشكل شبه كامل للفكر الغربي غير اليهودي. كما ظهرت في صفوف اليهود جماعات مهنية وقطاعات اقتصادية مرتبطة بالاقتصاد الغربي الرأسمالي الجديد. لكل هذا، انتشر فكر عصر الاستنارة بينهم، وكانت الجماعات اليهودية عشية الثورة الفرنسية والانعتاق السياسي مهيأة لتقبُّل تحولات عنيفة. وتُعَدُّ معظم الفلسفات اليهودية الحديثة التي طُرحت في القرن التاسع عشر الميلادي، مثل الصهيونية وقومية الجماعات (الدياسبورا) ، استجابات لهذه التحولات. وقد أخذت الفكرة الصهيونية تتغلغل في الفكر الغربي، الديني والعلماني، حتى أصبحت الإطار المرجعي الأساسي الذي يتم إدراك اليهود من خلاله، وأصبحت فلسطين مرتبطة في الذهن الغربي باليهود. ومع تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، لم تختف الفكرة بل تم ترشيدها، واستُبعدت منها العناصر الغيبية مثل الشعب الشاهد والعقيدة الاسترجاعية، واكتسبت شكلاً علمانياً وأصبحت جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي، فدعا توماس شيرلي إلى أن توطين اليهود في إنجلترا «لا لأنهم يهود وإنما لأنهم عنصر تجاري» . وقد ساد الخطاب العلماني في نهاية الأمر وضمر الخطاب الديني وتحوَّل إلي ديباجات تستخدمها شخصيات هامشية. وشهدت هذه المرحلة بروز ظاهرة معاداة اليهود بالمعنى العرْقي الحديث. والواقع أن فكر عصر الاستنارة، بطرحه فكرة الإنسان الطبيعي، وجد أن الخصوصية اليهودية تشكل تحدِّياً لهذه الفكرة. ولكن الفكر التنويري، بتأكيده على فكرة نفع الإنسان، وبانطلاقه من فكرة الإنسان الطبيعي العام، طلب من أعضاء الأقليات أن يُطبِّعوا أنفسهم ويرشِّدوها وأن يتَّبعوا القانون العام. ومن ثم طُلب منهم أن يتخلوا عن خصوصيتهم وعن كل ما يميِّزهم كأقلية إثنية أو دينية في الحياة العامة، ثم انسحب ذلك على الحياة الخاصة أيضاً حتى أصبح الجميع مواطنين نافعين، أي أن ما بدأ كمحاولة لإعتاق الأقليات انتهى بعملية دمجها وتذويبها، وهو النموذج الكامن في عصر الاستنارة: تحرير الإنسان من المطلقات ثم تفكيكه وتذويبه. ويجب التنبه إلى أن عداء مفكري الاستنارة للخصوصية لم يكن مقصوراً على الخصوصية اليهودية بل كان هذا العداء عاماً لسائر الخصوصيات. كما كان بعض أعداء الخصوصيات المحلية يجدون أن خصوصية البريتون والفلامنج والأوكستينيان تسبب لهم قدراً من الضيق أكبر مما تسببه الخصوصية اليهودية. وكان مفكرو عصر الاستنارة يهاجمون المسيحية تحت ستار الهجوم على اليهودية (التي كانوا يسمونها «المسيحية البدائية» ) . ومن هذين العنصرين، ظهر الهجوم الشرس على اليهود في فكر الاستنارة. ولقد شكلت فكرة الشعب العضوي المنبوذ التي سادت في الفكر الغربي، وهي علمنة لبعض المفاهيم الدينية، الإطار المشترك للفكر الصهيوني والمعادي لليهود. ومع العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر الميلادي (1770) ، بلغ عدد يهود العالم مليونين ومائتين وخمسين ألفاً، كان يوجد منهم في أوربا مليون وسبعمائة وخمسون ألفاً، أي الأغلبية العظمى، وكانت أغلبيتهم من يهود اليديشية في روسيا وبولندا وجاليشيا. الرومانسية والعداء للاستنارة (القرن التاسع عشر ( (Romanticism and the Counter-Enlightenment (Nineteenth Century تأثر المفكرون اليهود في العالم الغربي بالرومانسية والفكر المعادي للاستنارة في النواحي التالية: 1 ـ الفكر العنصري الغربي هو إحدى ثمار الفكر المعادي للاستنارة. 2 ـ فكرة القومية العضوية (والشعب العضوي [فولك] ) ، وهي فكرة تضرب بجذورها في الفكر المعادي للاستنارة، هي حجر الزاوية في الفكر الصهيوني. 3 ـ اليهودية المحافظة واليهودية التجديدية متأثرتان بالفكر المعادي للاستنارة. ونحن نذهب إلى أن الصهيونية، في بعض جوانبها، حركة «رومانسية» ، فالرومانسية هي عودة إلى مطلق لا زمني متجسد في شيء ما يوجد في الزمان والمكان يُطلَق عليه بشكل عام «الطبيعة» وإن كان يأخذ أسماء أخرى، والصهيونية هي عودة إلى مطلق متجسد في الزمان والمكان: فهي عودة للأرض أو لروح الشعب اليهودي. أما فيما يتصل بالجوانب السياسية والاقتصادية فيمكن العودة للباب المعنون «التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية» . الجماعات اليهودية في عصر ما بعد الحداثة (القرن العشرون ( Jewish Communities in the Age of Post-Modernism (Twentieth Century) مع نهاية القرن التاسع عشر، وتزايد هيمنة الإمبريالية على العالم، تبدأ الصهيونية في إحكام قبضتها على الجماعات اليهودية في الغرب. ويصبح تاريخ الجماعات اليهودية، من الناحية السياسية، هو تاريخ صهينة هذه الجماعات أو رفضها للصهيونية ومحاولتها التملص منها. وقد تناولنا هذا الجانب وخلفياته التاريخية والفكرية والسياسية في المجلد الخامس. ولكن من الناحية الحضارية والثقافية، يدخل أعضاء الجماعات اليهودية عصر ما بعد الحداثة فيزداد اندماجهم في مجتمعاتهم ولا يوجد أي تمايز مهني أو حرفي قسري، كما لا يوجد أي تمييز ضدهم. ويزداد تهميش اليهودية الحاخامية في حياة أعضاء الجماعات اليهودية، فهم يصبحون إما يهوداً إثنيين (أي ملحدين) أو يهوداً إصلاحيين أو محافظين، وهي صيغ يهودية مخففة للغاية فقد بعضها كل علاقة باليهودية الحاخامية المعيارية. فهم، على سبيل المثال، يتقبلون الشذوذ الجنسي ويسمحون بقيام أبرشيات للشواذ جنسياً يقودها حاخامات (من الذكور والإناث) من الشواذ أيضاً ويظهر لاهوت موت الإله (تناولنا هذا الجانب في الأبواب الأخيرة من المجلد السادس) . ويظهر ما نسميه «الهوية اليهودية الجديدة» ، وهي هوية غربية تماماً تغطيها قشرة زخرفية يهودية لا تؤثر في جوهر سلوك أعضاء الجماعات اليهودية. ويُلاحَظ أن المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية يصبحون جزءاً عضوياً من الفكر الغربي الحديث، فهوسرل ودريدا (رغم أصولهما اليهودية) مفكران غربيان تماماً. (انظر الأبواب الخاصة بالفكر والفلسفة وعلم النفس والاجتماع في هذا المجلد) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
التحديث وأعضاء الجماعات اليهودية: دورهم فيه وأثره فيهم
Modernization: Role of Members of Jewish Communities and its Impact on Them «التحديث» (في إطار المنظومة المعرفية العلمانية الشاملة) هو عملية تعديل البيئة الاجتماعية والرؤية المعرفية والأخلاقية بحيث يُخضَع الواقع بأسره (الإنسان والبيئة أو الطبيعة) للقواعد والإجراءات العامة وغير الشخصية ويزداد التحكم فيه، فتُستبعَد كل المطلقات (الأخلاقية والإنسانية والدينية) من الدنيا وتُصفَّى كل الثنائيات ويصبح مصدر المعرفة هو العقل وما يصله من معطيات من خلال الحواس. وينبع من هذه المعرفة نسق أخلاقي يجعل الأخلاق مترادفة مع المنفعة واللذة (وهذه العملية هي في جوهرها عملية ترشيد وعلمنة وفرض للواحدية المادية) . وينتج عن ذلك أن الشخصية التقليدية تتحول بالتدريج إلى المواطن الحديث القادر على الاستجابة للقانون العام، والذي لا يدين بالولاء إلا للدولة (المطلقة) أو الوطن والذي يفضل الدخول في علاقات تعاقدية واضحة محدَّدة. وهو بذلك، يصبح منتجاً ومستهلكاً بالدرجة الأولى. كما أن البيئة الاجتماعية نفسها تسيطر عليها مؤسسات الدولة التي تحل محل المؤسسات التقليدية مثل الكنيسة أو الأسرة، أي أن الجماعة العضوية المترابطة (جماينشافت) تتحول إلى المجتمع التعاقدي (جيسيلشافت) . ويؤدي كل هذا إلى تزايد هيمنة المؤسسات الحديثة التي يصبح بوسعها توظيف الواقع (الإنسان والطبيعة) وتعظيم الإنتاج (من خلال توحيد السوق وتوحيد القوانين والنظم الاقتصادية) وزيادة الدخل (عن طريق وضع الخطط وإقناع الناس بها من خلال الإعلام) . وتصاحب هذه العملية نمو الديموقراطية، وانتشار التعليم، وزيادة الإبداع والحراك الاجتماعي، ونزع القداسة عن الرموز والأفراد، وتزايُد تكيُّف المرء مع القيم والمخترعات الجديدة التي تظهر يوماً بعد يوم، وتعاظُم دور الإعلام والمخابرات. وقد عرَّف أحد العلماء الغربيين الإنسان الحديث بأنه الإنسان القادر على تغيير قيمه بعد إشعار قصير، أي أنه إنسان حركي للغاية لا يهدأ ولا يخضع لأية ثوابت أو مطلقات. كما يُلاحَظ أن عملية التحديث يصاحبها تزايُد التركز في المدن، والاغتراب، وانتشار الإباحية والنزعات العدمية. ويمكن وصف التحديث بأنه علمنة المجتمع. وعملية التحديث، سواء في الشرق الإسلامي أم في الغرب، هي أهم عملية تاريخية في هذا العصر، وهي سمته الأساسية، فهي تمس كل جوانب المجتمع الإنساني من الاقتصاد إلى أسلوب الحياة. ويعود تاريخ عملية التحديث والعلمنة في الغرب إلى بدايات عصر النهضة، وقد زادت حدتها مع بداية القرن التاسع عشر، ووصلت هذه المرحلة إلى نهايتها مع الحرب العالمية الأولى حيث تحولت المجتمعات الغربية من كونها مجتمعات زراعية إقطاعية وشبه إقطاعية إلى مجتمعات تجارية وأخيراً إلى مجتمعات صناعية رأسمالية إمبريالية. وقد تركت هذه العملية التاريخية أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية، ولا يمكن فهم الحركات السياسية والفكرية وحركة الهجرة بين اليهود إلا بفهم أثر عملية التحديث فيهم ودورهم فيها. وقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً في تحديث العالم الغربي والشرق العربي من خلال كونهم جماعة وظيفية وسيطة. ولكنه كان دوراً محدوداً بسبب ارتباطهم إما بالطبقة الحاكمة، كما هو الحال في الغرب، أو بالاستعمار في الشرق، إذ أن عملية التحديث لابد أن تتم في صلب المجتمع ذاته وأن يقوم بها أعضاء المجتمع الذين يعيشون فيه وينتمون إليه انتماءً كاملاً. وقد هاجر يهود البلاد العربية والعالم الإسلامي إلى العالم الغربي أو الدولة الصهيونية قبل أن تتصاعد عملية التحديث في هذا الجزء من العالم، ولذا لم تُبذَل محاولات لتحديثهم ودمجهم في المجتمع. أما يهود العالم الغربي، فقد كانت تجربتهم مختلفة، إذ تصاعدت معدلات التحديث في المجتمع الغربي ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر ودخلت عليه تحولات عميقة غيَّرت بنيته ورؤيته تماماً، وهي تحولات كان اليهود بمعزل عنها، وبخاصة في شرق أوربا، حيث كانوا لا يزالون يلعبون دور الجماعة الوظيفية الوسيطة. ومع نهاية القرن الثامن عشر، كان اليهود من أكثر القطاعات البشرية تَخلُفاً في كل أرجاء أوربا. ومن هنا وجدت الحكومات المركزية المطلقة، التي كانت تود توحيد السوق القومي والسيطرة على كل جوانب الحياة، أن من الضروري تحديث اليهود حتى تتم عملية دمجهم. وفي الأدبيات التي تتناول ذلك الموضوع، يرد المصطلح مرادفاً لمصطلحات مثل «دمج اليهود» أو «صبغهم بالصبغة البولندية أو الروسية أو النمساوية في بولندا أو روسيا أو النمسا» أو «تحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» الإنتاجية أو «إصلاحهم» أو «تحويلهم إلى عنصر نافع» . والصعوبات التي واجهت عملية التحديث هذه ومدى نجاحها وفشلها هي التي تشكل جوهر ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . وقد كانت عملية تحديث اليهود تتم في أحيان نادرة بناءً على اقتراح من دعاة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية، كما حدث في بولندا حين قدم أحدهم عام 1792 إلى البرلمان البولندي كتيباً بالفرنسية يقترح فيه الخطوات اللازم اتخاذها لتحديث اليهود. ولكن مثل هذه المبادرات اليهودية كانت نادرة، إذ أن عملية التحديث لم تكن تنبع من الحركيات الداخلية للجماعات اليهودية، وإنما من حركيات المجتمع الذي يحتويها. ولذا، كان التحديث في معظم الأحوال يتم بمبادرة من العالم غير اليهودي الذي يعيش اليهود بين ظهرانيه، كما كان يُفرَض عليهم فرضاً. وقد أخذ التحديث شكلين أساسيين. أحد هذين الشكلين سياسي مباشر، وهو ما يُطلَق عليه الإعتاق، أي منح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية نظير أن يدينوا بالولاء للدولة التي عرَّفت القومية على أساس لا ديني (عرْقي أو إثني) ، وهو الأمر الذي خلق عند اليهود أزمة هوية، حيث إن تعريف الشريعة لليهودي على أنه من تهود أو من وُلد لأم يهودية يتضمن عناصر إثنية شبه قومية تتناقض مع فكرة الولاء الكامل للدولة ولقيمها الحضارية والسياسية في حياتهم العامة (على أن يحتفظوا بقيمهم الإثنية والدينية في حياتهم الخاصة إن شاءوا) . كما أخذ التحديث شكلاً اجتماعياً واقتصادياً أكثر عمقاً، مثل تشجيعهم على الاشتغال بالزراعة وتحريم اشتغالهم بالربا أو التجارة وغير ذلك من المحاولات والأشكال. وقد تأثر أعضاء الجماعة اليهودية بهذا المناخ الثقافي وبالتحولات الاجتماعية التي واكبته، فيُلاحَظ أن الهوة التي تفصل بينهم وبين بقية أعضاء المجتمع أخذت تضيق بسرعة حتى اختفت تماماً في بعض البلاد مثل دول غرب أوربا والولايات المتحدة. وبالتالي، تحوَّلت القضية بالنسبة إلى اليهود من قضية حقوق ومزايا خاصة يحصلون عليها، كما كان الأمر من قبل، إلى قضية إعتاق واندماج، إذ أن الاندماج (حسب افتراض فكر الاستنارة والليبرالية) سيحل مشكلة الحقوق بشكل آلي. ولكن الأمور لم تكن بالبساطة التي تصوَّرها مفكرو عصر الاستنارة، فالجماعات اليهودية كان لها خصوصيتها المرتبطة بدورها كجماعة وظيفية وسيطة متميِّزة إثنياً ووظيفياً. لذا، لم تكن عملية الانتقال هينة أو سهلة، خصوصاً أن الفكر القومي العضوي انتشر في أوربا، وهو فكر استبعادي يطرح تصوراً للدولة القومية لا مجال فيه للتعدد الإثني أو الديني، ولا مكان فيه للأقليات. ومع هذا، فَقَد اليهود تميُّزهم بدرجات متفاوتة، إذ أن ما يحدث عادةً أن القيم العامة التي تسود في الحياة العامة تبدأ في التغلغل في حياة أعضاء الأقليات الخاصة ثم تسود فيها فيفقدون أية خصوصية، دينية أو إثنية، ويصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع في حياتهم الخاصة والعامة، فتتزايد معدلات الاندماج بينهم، بل يكتسب الاندماج حركية مستقلة، إذ يصبح نابعاً من داخل الأقليات ذاتهم بعد أن كان مفروضاً عليهم. ثم تظهر مشاكل جديدة لم يجابهها أعضاء الأقليات من قبل، مثل تزايُد معدلات الزواج المُختلَط والانصهار الكامل. والجماعات اليهودية مثل جيد على هذه الظاهرة، فبعد أن كانوا يشكون من معاداة اليهود ومن العزلة والعزل، تسري الآن الشكوى من الزواج المختلط ومن الانصهار. وكانت معدلات الاندماج تختلف من منطقة إلى أخرى في أوربا التي يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام من منظور معدلات التحديث وأشكاله: 1 ـ بلاد التحديث الناجح، وهي بلاد غرب أوربا ما عدا ألمانيا. 2 ـ بلاد التحديث الشمولي في وسط أوربا وألمانيا. 3 ـ بلاد التحديث المتعثر أو المتوقف في شرق أوربا، وبالأساس في بولندا وروسيا. وقد اندمج اليهود في مجتمعات غرب أوربا، وبدأت عملية الاندماج في وسطها وشرقها، ولكنها تعثرت ثم توقفت. وقد ظهرت موجة من موجات معاداة اليهود في ثمانينيات القرن التاسع عشر في معظم أنحاء أوربا، وبخاصة في وسطها وشرقها. ونتيجةً لكل هذا، بدأت الهجرة اليهودية من شرق أوربا إلى وسطها وغربها، ثم إلى الولايات المتحدة التي أصبحت تضم أكبر جماعة يهودية في العالم. وقد ظهرت استجابات يهودية كثيرة لحركة التحديث، فكانت هناك اليهودية الإصلاحية والدعوة للاندماج والاستفادة من الفرص الثقافية والاقتصادية الجديدة، وهذا هو الحل الذي ساد أساساً في الغرب. أما في شرق أوربا، فقد ساد الفكر الحسيدي والأرثوذكسي. وتتلخص الاستجابة الحسيدية في تفضيل البقاء في الماضي وتجاهُل الحاضر، بينما تأخذ الاستجابة الأرثوذكسية شكل تفضيل البقاء في الماضي والعزلة مع محاولة التصدي للحاضر. ولكن كلتا الاستجابتين الحسيدية والأرثوذكسية لم تؤثرا في مصير اليهود ككل. أما الاستجابة الصهيونية واستجابة دعاة قومية الجماعات (سواء من البوند الاشتراكيين أو من الليبراليين) ، فإنهما تتجاوزان الإطار الديني التقليدي وترفضان الجيتو كإطار مرجعي وتقبلان المجتمع الغربي الحديث كحقيقة نهائية. ويمكن تصوُّر قومية الدياسبورا باعتبارها قامت بعلمنة الصيغة الحاخامية التقليدية التي عارضت النزعات المشيحانية وعارضت العودة الفعلية إلى فلسطين ونادت بتقبُّل الشتات (أي انتشار الجماعات اليهودية في أنحاء العالم) بوصفه حالة نهائية إلى أن يأذن الإله بغير ذلك. أما الصهاينة، فقد علمنوا الصيغة الشبتانية (نسبة إلى شبتاي تسفي) ، وهي صيغة مشيحانية تؤكد أهمية عودة اليهود الفعلية إلى فلسطين وإنشاء دولة يهودية قومية حديثة مثل كل الدول. والصهيونية، رغم أنها إحدى الاستجابات اليهودية لعملية التحديث، وذلك باعتبارها محاولة لتقديم حل حديث للمسألة اليهودية (العنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود) ، فإنها استجابة سطحية للغاية. فقد امتصت كثيراً من ديباجات التحديث المختلفة، مثل العلمانية والاشتراكية، وطرحت شعارات تحديثية مثل «تطبيع اليهود» وغير ذلك من الشعارات مع احتفاظها ببنية تقليدية جيتوية. طرحت الصهيونية مفاهيم، مثل الشعب اليهودي والتاريخ اليهودي، تبدو كأنها مفاهيم حديثة، ولكن الباحث المدقق سيكتشف أن الشعب اليهودي هو الشعب المختار بعد علمنته، والتاريخ اليهودي، هو امتداد للتاريخ المقدَّس الذي ورد في العهد القديم والذي يفترض علاقة خاصة مع الإله بعد أن تم صبغه بصبغة دنيوية. والدولة الصهيونية دولة وظيفية تجارية قتالية تشبه في كثير من النواحي الجماعات اليهودية الوظيفية الوسيطة. ولقد أنجزت الصهيونية تحديث بعض أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا عن طريق ضمهم إلى المشروع الاستعماري الغربي، الذي حولهم إلى مستوطنين في فلسطين يعيشون داخل جيب غربي يدار بطريقة غربية حديثة. ولكن مجتمعات المستوطنين البيض لم يكن لها أي أثر تحديثي في المجتمعات الآسيوية والأفريقية التي تواجدت بين ظهرانيها. فمؤسسات المجتمع الاستيطاني المقصورة على المستوطنين تتسم بأنها مؤسسات حديثة تدار بطريقة حديثة، بما يتضمنه ذلك من محاولات للترشيد وتعظيم الربح وخلافه، ومع هذا تحاول هذه المؤسسات قصارى جهدها أن تمنع تطبيق المثل نفسه على المجتمعات المحيطة بها وتحاول أن تُبقيها في حالة التخلف والتجزئة، لأن تحديث هذه المجتمعات فيه قضاء على الخلية الاستيطانية وعلى فرص استغلال الأرض ومَنْ عليها من بشر. ولذا، نجد أن المجتمع الاستيطاني هو مجتمع حديث للغاية يبذل قصارى جهده لئلا تنتشر عملية التحديث! وفي الحقيقة، فإن سلوك الصهاينة هو تعبير عن هذا النمط المألوف. فمنذ البداية، رفض الصهاينة التعامل مع القيادات الفلسطينية الحديثة، وكانوا يفضلون دائماً التعامل مع شيوخ القبائل، كما رفضوا أن ينظروا إلى الفلسطينيين كجزء من التشكيل العربي القومي الحديث، وفضلوا أن ينظروا إلى المنطقة ككل باعتبارها فسيسفاء من شيعة وسنة وأكراد وكاثوليك ودروز وأرثوذكس. كما يحاولون منع الفلسطينيين من إنشاء مؤسسات ذات طابع حديث، مثل الأحزاب السياسية التي تتمتع بحرية التعبير، ويرفضون الاعتراف بقيادتهم القومية. ومع هذا، يمكن القول بأن النمط الصهيوني، برغم انتمائه إلى النمط الاستعماري، له تفرُّده. فهو لم يُعق المجتمع الفلسطيني عن النمو والتحديث، وإنما (نظراً لإحلاليته) شوَّه بنيةالمجتمع الفلسطيني الاجتماعية والثقافية تماماً، وذلك بطرده الفلسطينيين، أي أن هذه العملية ليست محاولة للقضاء على عملية تحديث المجتمع وحسب، وإنما تهدف أيضاً إلى القضاء على تاريخه بل وجوده. إصلاح اليهود واليهودية Reformation or Improvement of the Jews and Judaism «إصلاح اليهود واليهودية» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى موضوع أساسي كامن في الخطاب السياسي الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهو إمكانية تحديث اليهود، أي تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة تقف على هامش المجتمع (التقليدي) إلى أعضاء مندمجين في طبقات المجتمع (الحديث) كافة. ومن أهم كلاسيكيات إصلاح اليهود كتاب كريستيان دوم بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود (1781) حتى يصيروا عناصر قادرة على الانتماء للدولة الجديدة نافعة لها. وقد ترك كتاب دوم أثراً عميقاً في مفكري عصره، وظهرت كتابات أخرى تتبنَّى المقولة نفسها للأب هنري جريجوار وميرابو وغيرهما. وقد نوقشت قضية إصلاح اليهود في إطار مفهوم المنفعة (العقلاني المادي) . وتُجمع هذه الكتابات على إمكانية إصلاح اليهود عن طريق تطبيعهم، وجعلهم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع في وظائفهم وأزيائهم ولغتهم، وذلك بتوجيههم (بعيداً عن التجارة) نحو الحرف اليدوية والمهن الصناعية، ومنعهم من استخدام «هذه الرطانة الألمانية العبرية الحاخامية» ، أي اليديشية التي يستخدمها اليهود، ومن ارتداء الأزياء الخاصة بهم، وكذلك منعهم من بيع الكحول. وكل هذه الإجراءات تعني، في واقع الأمر، فكّ عزلتهم كجماعة وظيفية وسيطة، ودفعهم إلى أن يُجَنَّدوا في الجيش حتى يتسنى تطبيعهم تماماً، ويصبحوا مادة بشرية نافعة. وقد تبنَّى الصهاينة أيضاً هذا المصطلح أو المفهوم الذي يُستخدَم باعتباره مصطلحاً مترادفاً مع مصطلحات أخرى، مثل: «تطبيع اليهود» أو «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» أو تخليصهم من «هامشيتهم» و «شذوذهم» . لكن دوم طالب كذلك بأن يُحظَر على اليهود كتابة حساباتهم التجارية بالحروف العبرية حتى تزداد الثقة بينهم وبين جماهير الشعب المسيحي، وبأن يتم الإشراف على مدارسهم لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم والموجهة ضد الآخرين أو الأغيار. وقد طالب كذلك بفرض الاتجاه العقلاني عليهم وتلقينهم احترام الدولة والاعتراف بواجباتهم تجاهها. ويمكن القول بأنه وضع مشروعاً يهدف إلى التخلص من كل أبعاد الخصوصية اليهودية. لكن فكر دوم هو نتاج عصره، عصر الملكيات الأوتوقراطية المستنيرة وفكرة الاستنارة. ومن هنا، فإن برنامجه المجرد العام يشبه، في كثير من النواحي، برنامج جوزيف الثاني إمبراطور النمسا لتحديث اليهود ودمجهم. والواقع أن فكرة إصلاح اليهود مرتبطة بفكرة نفعهم وإمكانية حوسلتهم، فإصلاح اليهود يهدف إلى جعلهم نافعين يمكن تحويلهم إلى مادة استعمالية، ومن ثم فهو في جوهره عملية علمنة. ولم تكن عملية الإصلاح مقصورة على اليهود وحسب، وإنما امتدت لتشمل اليهودية كذلك، ولا يختلف مشروع إصلاح اليهودية وتحديثها في أساسياته عن مشروع إصلاح اليهود. وكان هذا الإصلاح يأخذ شكل تحديث وتطبيع حتى تقترب اليهودية من المسيحية البروتستانتية (كانت ألمانيا مهد الإصلاح الديني المسيحي، وهي نفسها بلد الإصلاح الديني اليهودي) . وحاول الإصلاح الديني اليهودي التقليل من أهمية الشعائر وتخليص اليهودية من العناصر القومية فيها. واليهودية الإصلاحية هي ثمرة هذه المحاولة وتبعتها اليهودية المحافظة والتجديدية في الاتجاه نفسه. نفع اليهود Utility of the Jews «نَفْع اليهود» مصطلح يعني النظر إلى أعضاء الجماعات اليهودية من منظور مدى نفعهم للمجتمعات التي يوجدون فيها، وهو واحد من أهم الموضوعات الأساسية، الواضحة والكامنة، التي تتواتر في الكتابات الصهيونية والمعادية لليهود، وبخاصة النازية. والدفاع عن اليهود من منظور نفعهم يتضمن داخله قدراً كبيراً من رفضهم وعدم قبولهم كبشر لهم حقوقهم الإنسانية المطلقة. فالعنصر النافع عنصر متحوسل يُستفاد منه طالما كان نافعاً ومنتجاً، كما يجب التخلص منه إن أصبح غير نافع وغير منتج. وهذا المقياس لم يُطبَّق على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم، وإنما على كل أعضاء المجتمع الذي تحكمه الدولة القومية المطلقة العلمانية التي تقوم بحوسلة الطبيعة والإنسان. ومفهوم نَفْع الإنسان مفهوم محوري في فكر حركة الاستنارة نابع من الواحدية المادية. وقد كانت الجماعات اليهودية تضطلع بدور الجماعة الوظيفية في كثير من المجتمعات، فكان بعضها يضطلع بدور الجماعة الوظيفية القتالية والاستيطانية في العصور القديمة، وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجارية في العصور الوسطى في الغرب. وكان يُنظَر إليهم باعتبارهم مادة بشرية تُستجلَب للمجتمع كي تقوم بدور أو وظيفة محددة، ويتم قبولها أو رفضها في إطار مدى النفع الذي سيعود على المجتمع من جراء هذه العملية. ومما دعَّم هذه الرؤية، فكرة الشعب الشاهد التي تنظر إلى اليهود كأداة للخلاص، ومن ثم ينبغي الحفاظ عليهم بسبب دورهم الذي يلعبونه في الدراما الدينية الكونية، وهي الفكرة التي سادت أوربا الكاثوليكية الإقطاعية. وقد استقر اليهود في إنجلترا وفرنسا في العصور الوسطى في الغرب كأقنان بلاط وكمصدر نَفْع ودَخْل للإمبراطورية. وكان يُشار إليهم أحياناً على أنهم سلع أو منقولات. ويمكن القول بأنه قد يكون من الأدق النظر إلى اليهود باعتبارهم أدوات إنتاج وإدارة، لا باعتبارهم بشراً أو قوى إنتاج. وقد استقر اليهود في ألمانيا ثم في بولندا على هذا الأساس. وظهر بينهم يهود البلاط أو يهود الأرندا، وكانوا هم أيضاً جماعات وظيفية، وكان يُنظَر إليهم من حيث إنهم يؤدُّون وظيفةً ما، كما كان يُحكَم عليهم بمقدار النجاح أو الإخفاق في أدائها. ومن أكثر الأمثلة إثارةً على أن اليهود كان يتم التسامح معهم والتصريح لهم بالاستيطان كمادة نافعة، وضعهم في شبه جزيرة أيبريا، فقد كانت توجد عناصر يهودية كثيرة في بلاط فرديناند وإيزابيلا. بل إن أحد أثرياء اليهود لعب دوراً مهماً في عقد القرآن بينهما وفي توحيد عرش قشطالة وأراجون. وقام بعض أثرياء اليهود بتمويل حرب الملكين ضد المسلمين، وهو ما أدَّى إلى هزيمتهم وإنهاء الحكم الإسلامي. ومع هذا، تم طرد أعضاء الجماعات اليهودية بعد سبعة شهور فقط من إنجاز هذه العملية العسكرية التي مولوها، ذلك أن نجاحها قد أدَّى إلى أن دورهم كجماعة وظيفية مالية نافعة لم يَعُد لازماً. وقد كان وضع اليهود مستقراً تماماً داخل المجتمعات الغربية كجماعة وظيفية وسيطة ذات نَفْع واضح. ولكن هذا الوضع بدأ في التقلقل مع التحولات البنيوية العميقة التي خاضها المجتمع الغربي ابتداءً من القرن السابع عشر وظهور الثورة التجارية. ولم يَعُد بالإمكان الاستمرار في الدفاع عن وجود اليهود من منظور فكرة الشعب الشاهد (الدينية) . فظهرت فكرة العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تجعل الخلاص مشروطاً بعودة اليهود إلى فلسطين. ولكن هذه الأسطورة ذاتها لا تزال مرتبطة بالخطاب الديني، ولم يكن مفر من أن يتم الدفاع عن اليهود على أسس لادينية علمانية، كما لم يكن بد من طرح أسطورة شرعية جديدة ذات طابع أكثر علمانية ومادية. ومن ثم، ظهرت فكرة نَفْع اليهود للدولة، هذا المطلق العلماني الجديد، فتم الدفاع عن عودة اليهود إلى إنجلترا في القرن السابع عشر من منظور النفع الذي سيجلبونه على الاقتصاد الإنجليزي، حيث نُظر إليهم كما لو كانوا سلعة أو أداة إنتاج. وكان المدافعون عن توطين اليهود يتحدثون عن نقلهم على السفن الإنجليزية بما يتفق مع قانون الملاحة الذي صدر آنذاك ويجعل نَقْل السلع، إلى إنجلترا ومنها، حكراً على السفن الإنجليزية. كما أن كرومويل فكر في إمكانية توظيفهم لصالحه كجواسيس. وعمل اليهود في تلك المرحلة في وسط أوربا كيهود بلاط، وهم جماعة وسيطة يستند وجودها أيضاً إلى مدى نَفْعها. وحينما قام أعداء اليهود بالهجوم عليهم من منظور ضررهم وانعدام نَفْعهم، دافع أعضاء الجماعات اليهودية عن أنفسهم لا من منظور حقوقهم كبشر، وإنما من منظور نفعهم أيضاً. فكتب الحاخام سيمون لوتساتو عام 1638 كتاباً بالإيطالية تحت عنوان مقال عن يهود البندقية عدَّد فيه الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تعود على البندقية وعلى غيرها من الدول من وراء وجود اليهود فيها، فهم قد طوَّروا فروعاً مختلفة من الاقتصاد، يضطلعون بوظائف لا يمكن لغيرهم الاضطلاع بها مثل التجارة، ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها. وهم يقومون بشراء العقارات، ومن ثم لا ينقلون أرباحهم خارج البلاد. إن اليهود من هذا المنظور يشبهون رأس المال الوطني (مقابل رأس المال الأجنبي) لابد من الحفاظ عليه والدفاع عنه. وقد تبنَّى منَسَّى بن إسرائيل المنطق نفسه في خطابه لكرومويل حتى يسمح لليهود بالاستيطان في إنجلترا. كذلك تبنَّى أصدقاء اليهود المنطق ذاته، فطالب جوسيا تشايلد رئيس شركة الهند الشرقية عام 1693 بإعطاء الجنسية لليهود الموجودين في إنجلترا بالفعل. وأشار إلى أن هولندا قد فعلت ذلك وازدهر اقتصادها بالتالي. كما كتب جون تولاند عام 1714 كتيباً هاماً للغاية عنوانه الأسباب الداعية لمنْح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا دافع فيه عن نَفْع اليهود مستخدماً المنطلقات نفسها التي استخدمها لوتساتو. ومن أهم المدافعين عن نَفْع اليهود، الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو، حيث بيَّن أهمية دورهم في العصور الوسطى، وكيف أن طَرْد اليهود ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم اضطرهم إلى اختراع خطاب التبادل لنقل أموالهم من بلد إلى آخر، ومن ثم أصبحت ثروات التجار غير قابلة للمصادرة، وتمكنت التجارة من تحاشي العنف، ومن أن تصبح نشاطاً مستقلاًّ، أي أنه تم ترشيدها. ولعل أدقَّ وأطرف تعبير عن أطروحة نَفْع اليهود ما قاله إديسون في مجلة سبكتاتور في 27 سبتمبر 1712 حين وصف بدقَّة تحوُّل اليهود إلى أداة كاملة، فاليهود منتشرون في كل الأماكن التجارية في العالم، حتى أصبحوا الأداة التي تتحدث من خلالها الأمم التي تفصل بينها مسافات شاسعة والتي تترابط من خلالها الإنسانية. فهم مثل الأوتاد والمسامير في بناء شامخ. ورغم أنهم بغير قيمة في ذاتهم، غير أن أهميتهم مطلقة لاحتفاظ هيكل البناء بتماسكه. وقد استمر هذا الموضوع الكامن شائعاً في الفكر الغربي، ثم ازداد انتشاره وتواتره مع علمنة الحضارة الغربية وسيادة الفلسفات المادية النفعية التي تحكم على مجالات الحياة كافة، وليس على اليهود بمفردهم، من منظور المنفعة. ولذا، نجد أن فكرة نَفْع اليهود تزداد محورية في الفكر الغربي في أواخر القرن الثامن عشر، وهي أيضاً المرحلة التي لم يَعُد فيها وضع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب مقلقلاً وحسب، بل صل فيها إلى مرحلة الأزمة. وقد تزامنت هذه العمليات الانقلابية مع ظهور فكر كلٍّ من آدم سميث في إنجلترا والفيزيوقراط في فرنسا، حيث كان كل منهما يطالب الدولة بتنظيم وزيادة ثروتها، كما كانا يتقبلان فكرة أن الهدف النهائي (والمطلق) لكل الأشياء هو مصلحة الدولة. ومن هنا، ظهر الفكر النفعي الذي يرى العالم كله من منظور المنفعة. وكان أعضاء الفريق الأول يرى أن الصناعة هي المصدر الأساسي للثروة، في حين كان أعضاء الفريق الثاني، بحكم وجودهم في بلد زراعي أساساً، يرون أن الزراعة هي المصدر الأساسي للثروة. ولكن، مع هذا، تظل فكرة المنفعة هي الفكرة الأساسية. فأعلنت الأكاديمية الملكية في متز عن مسابقة عام 1785 لكتابة بحث عن السؤال التالي: هل بالإمكان جَعْل يهود فرنسا أكثر نفعاً وسعادة؟ ونشر كريستيان دوم كتابه الشهير عن موضوع نَفْع اليهود عام 1781 بعنوان بخصوص إصلاح المكانة المدنية لليهود. كما نشرت كتابات عديدة بأقلام الكُتَّاب الفرنسيين الذين ساهموا في الثورة الفرنسية مثل ميرابو وغيره، دافعوا فيها عن نَفْع اليهود أو إمكانية إصلاحهم أو تحويلهم إلى شخصيات نافعة منتجة. وموضوع نَفْع اليهود يشكل إحدى اللبنات الأساسية في كتابات السياسي الإنجليزي والمفكر الصهيوني المسيحي اللورد شافتسبري، الذي اقترح توطين اليهود في فلسطين لأنهم جنس معروف بمهارته ومثابرته، ولأنهم سيوفرون رؤوس الأموال المطلوبة، كما أنهم سيكونون بمثابة إسفين في سوريا يعود بالفائدة لا على إنجلترا وحدها، وإنما على العالم الغربي بأسره. وقد سيطر الفكر الفيزيوقراطي وفكر آدم سميث على كثير من الحكام المطلقين، حيث كانت حكومات البلاد الثلاثة التي اقتسمت بولندا واليهود فيما بينها، في أواخر القرن الثامن عشر، يحكمها حكام مطلقون مستنيرون (فريدريك الثاني في بروسيا، وجوزيف الثاني في النمسا، وكاترين الثانية في روسيا) . فتبنت هذه الحكومات مقياس المنفعة تجاه أعضاء الجماعات اليهودية، فتم تقسيمهم إلى نافعين وغير نافعين. وكان الهدف هو إصلاح اليهود وزيادة عدد النافعين، وطرد الضارين منهم أو عدم زيادتهم. كما كان معظم أعضاء الجماعة اليهودية مركَّزين في التجارة، وقد أخذت عملية تحويل اليهود إلى عناصر نافعة شكل تشجيعهم على العمل في الصناعة أو الزراعة، وهو ما يُسمَّى «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» . كما لم يكن ممكناً أن يُعتَق من اليهود سوى النافعين منهم. وكان يُنظَر إلى اليهود كمادة بشرية، فكانت تُحَدُّ حريتهم في الزواج حتى لا يتكاثروا. وكان الشباب يُجندون حتى يتم تحديثهم وتحويلهم إلى عناصر نافعة. ولا يمكن فهم تاريخ الحركة الصهيونية ولا تاريخ العداء لليهود (بما في ذلك النازية) إلا في إطار مفهوم المنفعة المادية هذا. فقد تبنَّى المعادون لليهود هذا المفهوم وصدروا عنه في رؤيتهم وأدبياتهم، فراحوا يؤكدون أن أعضاء الجماعة اليهودية شخصيات هامشية غير نافعة، بل ضارة يجب التخلص منها، وتدور معظم الأدبيات العنصرية الغربية في القرن التاسع عشر حول هذا الموضوع، وهي أطروحة لها أصداؤها أيضاً في الأدبيات الماركسية، وضمن ذلك أعمال ماركس نفسه، حيث يظهر اليهودي باعتباره ممثلاً لرأس المال الطفيلي الذي يتركز في البورصة ولا يغامر أبداً بالدخول في الصناعة. وتظهر الأطروحة نفسها في كتابات ماكس فيبر الذي يرى أن رأسمالية اليهود رأسمالية منبوذة، بمعنى أنها رأسمالية مرتبطة بالنظام الإقطاعي القديم ولا علاقة لها بالنظام الرأسمالي الجديد (ومن المفارقات أن اليهودي الذي كان رمزاً لرأس المال المحلي المتجذر، أصبح هنا رمز رأس المال الأجنبي الطفيلي المستعد دائماً للرحيل والهرب) . وقد وصل هذا التيار إلى قمته في الفكر النازي الذي هاجم اليهود لطفيليتهم وللأضرار التي يُلحقونها بالمجتمع الألماني وبالحضارة الغربية. وقد قام النازيون بتقسيم اليهود بصرامة منهجية واضحة إلى قسمين: 1 ـ يهود غير قابلين للترحيل، وهم أكثر اليهود نفعاً. 2 ـ يهود قابلون للترحيل (بالإنجليزية: ترانسفيرابلtranferable) وقابلون للتخلص منهم (بالإنجليزية: ديسبوزابل disposable) ويُستَحسن التخلص منهم بوصفهم عناصر غير منتجة (أفواه تأكل ولا تنتج [بالإنجليزية: يوسلس إيترز useless eaters] حسب التعبير النازي المادي الرشيد الطريف) وبوصفهم عناصر ضارة غير نافعة لا أمل في إصلاحها أو في تحويلها إلى عناصر نافعة منتجة. ومما يجدر ذكره والتأكيد عليه، أن هذا التقسيم تقسيم عام شامل، غير مقصور على اليهود، فهو يسري على الجميع، فقد صنَّف الألمان المعوقين والمتخلفين عقلياً وبعض العجزة والمثقفين البولنديين باعتبارهم «غير نافعين» ،أي قابلين للترحيل ويستحسن التخلص منهم. وقد سويت حالة كل هؤلاء (بما في ذلك اليهود) عن طريق الترحيل إلى معسكرات السخرة أو الإبادة، حسب مقتضيات الظروف والحسابات النفعية المادية الرشيدة المتجاوزة للقيم والغائيات الإنسانية. وقد تقبُّل الصهاينة هذا الإطار الإدراكي، فنجد أن هرتزل يرى أن اليهود عنصر بشري فائض غير نافع يجب توظيفه وجعله عنصراً نافعاً للحضارة الغربية عن طريق تحويله إلى مستوطنين، بل عن طريق تحويل أعضاء الجماعات كافة إلى عُمَلاء للقوة الاستعمارية الراغبة في الاستفادة منهم. ويمكن القول بأن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي فكرة الشعب العضوي المنبوذ مضافاً إليها فكرة نَفْع اليهود. ويتحدث ناحوم سوكولوف بالطريقة نفسها عن اليهود وكيفية تحويلهم إلى مادة نافعة. كما كان مفكرو الصهيونية العمالية يصرون على إمكانية تحويل اليهود إلى عنصر نافع ومنتج من خلال غزو الأرض والعمل. ويجب أن نشير هنا إلى ألفريد نوسيج الفنان الصهيوني الذي عاون هرتزل في تأسيس المنظمة الصهيونية وكان أحد زعماء الصهيونية في ألمانيا. وامتد به العمر إلى أن استولى النازيون على السلطة واحتلوا بولندا. فتعاون نوسيج مع الجستابو ووضع مخططاً لإبادة يهود أوربا باعتبارهم عناصر غير نافعة. وقد حاكمه يهود جيتو وارسو وأعدموه. وقد فعل رودولف كاستنر، المسئول الصهيوني في المجر، الشيء نفسه حينما تفاوض مع أيخمان (المسئول النازي) بخصوص تسهيل نَقْل يهود المجر (باعتبارهم عناصر غير نافعة قابلة للترحيل والإبادة) مقابل السماح لبعض الشباب اليهودي بالسفر إلى فلسطين والاستيطان فيها ( «شباب من أفضل المواد البيولوجية» على حد قول أيخمان أثناء محاكمته) . وفي الاعتذاريات الصهيونية، قبل 1948، نجد أن الزعماء الصهاينة يصرون على مدى نَفْع القاعدة الصهيونية للمصالح الإمبريالية ومدى رخصها. وقد فعل ذلك كلٌّ من وايزمان وجابوتنسكي في خطاباتهم وخطبهم. وبعد إنشاء الدولة، لا يزال هذا بُعداً أساسياً في الإدراك الإسرائيلي للذات وفي الإستراتيجية الإسرائيلية، إذ تحاول الدولة الصهيونية أن تظل قاعدة يفوق نفعها كل ما تحصل عليه من معونات، وأن يظل دورها عنصراً أساسياً مهماً ونافعاً للغرب. والتعبيرات المجازية التي تُستخدَم للإشارة إلى الدولة الصهيونية تؤكد كلها كونها أداة نافعة؛ فالدولة هي حصن ضد الهمجية الشرقية (وضد الأصولية الإسلامية في الوقت الحالي) ، وهي مؤخراً حاملة طائرات لأمريكا، وهي في كلتا الحالتين ليس لها قيمة ذاتية، وإنما تنبع قيمتها مما تؤديه من خدمات وما تجلبه من منفعة، فالدولة هنا وظيفة ودور وليست كياناً مستقلاً له حركياته. وهي تستمد استمرارها، بل وجودها، من مدى مقدرتها على أداء هذا الدور. ولذا فنحن نشير إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة مملوكية، علاقتها بالغرب تشبه علاقة المملوك بالسلطان فهي علاقة نفعية محضة، مستمرة طالما استمرت حاجة السلطان إلى الأداء المملوكي، ونحن نشير لها كذلك باعتبارها الدولة الوظيفية، أي الدولة التي تضمن استمرارها وبقاءها من خلال أدائها لوظيفتها. وربما يبيِّن هذا مدى أهمية الانتفاضة التي أثبتت أن الدولة الصهيونية غير قادرة على أداء دورها ووظيفتها كقاعدة إستراتيجية في الشرق الأوسط، وأن نفعها ليس كبيراً، وأن أداءها لوظيفتها أصبح أمراً مُكلِّفاً للغاية. ومن هنا تحرُّك الدولة الصهيونية السريع لتجد لنفسها وظيفة جديدة، فبدلاً من أن تكون حاملة طائرات أو معسكراً للمماليك، ستصبح «سوبر ماركت» مثل سنغافورة، ومركزاً للسماسرة والصيارفة، وربما ركيزة أساسية لقطاع اللذة (ملاهي ـ كباريهات ـ مصحات ـ سياحة) . ومن هنا أهمية توقيع اتفاقية السلام والإصرار على ضرورة رفع المقاطعة العربية، حتى يتسنى للدولة الصهيونية أن تلعب دورها الجديد الذي لا يختلف كثيراً عن بعض الأدوار التي كان يلعبها أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب. إن الدولة الصهيونية ستصبح سوبر ماركت، أي فردوساً أرضياً يضم كل السلع التي يحلم بها الإنسان، فيذوب فيها ويفقد حدوده وينسى كل المُنغِّصات، مثل التاريخ، والذاكرة القومية، والهوية، والكرامة، والقيم الأخلاقية. ومما يجدر ذكره أن سياسة البلاشفة تجاه اليهود لا تخلو من هذا المنظور النفعي. فعندما كان من مصلحة الاتحاد السوفيتي دَمْج اليهود تماماً، قررت الدولة السوفيتية أن هذا هو الحل الوحيد للمسألة اليهودية، وذلك باعتبار أنه لا يوجد شعب يهودي. ولكن الاتحاد السوفيتي وجد في الأربعينيات أن من مصلحته الاعتراف بالشعب اليهودي وبدولته اليهودية في فلسطين، على أمل أن تشكل الدولة اليهودية خلية اشتراكية في الوسط العربي الإقطاعي المتخلف فتقوم بتثوير المنطقة، ومن ثم سمح بالهجرة السوفيتية، بل دافع المتحدثون السوفييت عن حقوق الشعب اليهودي بشراسة غير معهودة فيهم. وكان الاتحاد السوفيتي أول دولة اعترفت بشكل قانوني بالدولة الصهيونية وسمحت بهجرة يهود بولندا وغيرهم. وفي الوقت الحالي، يسمح الاتحاد السوفيتي مرة أخرى بهجرة اليهود السوفييت، بعد البريسترويكا، لإرضاء الغرب والحصول على التكنولوجيا المتقدمة والدعم المادي، وربما للتخلُّص من أعضاء الجماعة اليهودية، أي أن السوفييت يدورون في إطار النمط النفعي المادي، خصوصاً أن هذا التخلص يأخذ شكل تصدير السلعة البائرة للشرق. المادة البشرية Human Material مصطلح «مادة بشرية» يُستخدَم في الأدبيات الصهيونية حتى الوقت الحاضر للإشارة إلى البشر بشكل عام، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية. وقد استخدمه هرتزل في كتابه دولة اليهود وفي مذكراته، وكذا ناحوم سوكولوف. ولا يزال المصطلح سائداً في إسرائيل. والعبارة تشبه عبارات أخرى مثل «فائض بشري» أو «الفائض اليهودي» ، وهي كلها جزء من الخطاب السياسي الغربي العلماني، وتصلح للإشارة إلى الإنسان، لا باعتباره مطلقاً، وإنما باعتباره مادة استعمالية نسبية يمكن توظيفها وحوسلتها. وقد تبنَّى الصهاينة هذا المصطلح، حيث طرحوا المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهدف إلى تحويل الفائض البشري اليهودي غير النافع إلى مادة استيطانية نافعة تُوظَّف في خدمة الاستعمار الغربي في أي مكان من العالم (ثم استقر الأمر على فلسطين) . وهذا المصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية العلمانية للإنسان التي تخلع عنه كل قداسة وتحوسله وتنظر إليه بمقدار نفعه أو ضرره. وهو مصطلح متَّسق تماماً مع الرؤية المعرفية الإمبريالية للعالم الذي تراه كله مسرحاً لنشاط الإنسان الغربي يهيمن عليه ويوظفه لصالحه. والعبارة تصف، وبدقة شديدة، رؤية الإنسان الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية، حيث كان يُنظَر إليهم ابتداءً من القرن السابع عشر كأداة تُستخدَم ويُحكَم عليها بمقدار نفعها. وقد تبنَّى النازيون المصطلح نفسه بالنسبة إلى الجنس البشري ككل، بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية. وفي إسرائيل، أشار أيخمان، في دفاعه عن نفسه، إلى الصفقة التي عقدها الصهاينة مع النازيين، حيث قام الصهاينة بتهدئة اليهود الذين كانوا في طريقهم إلى أفران الغاز في نظير تسليمهم بعض العناصر اليهودية الشابة التي وصفها أيخمان بأنها من أفضل المواد البيولوجية التي يمكن ترحيلها إلى فلسطين. ومصطلح «المادة البشرية» مرتبط، في افتراضاته المعرفية، بمصطلحات أخرى مثل «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» و «تطبيع اليهود» . سيمون لوتساتو (1583-1663) Simon Luzzato حاخام إيطالي، من أهم كتبه مقال عن يهود البندقية (1638) وهو محاولة للدفاع عن اليهود على أساس نفعهم. فهم يضطلعون بوظائف لا يستطيع غيرهم الاضطلاع بها، مثل التجارة، كما يطوِّرون فروعاً مختلفة من الاقتصاد. ولكنهم على عكس التجار الأجانب خاضعون لسلطة الدولة تماماً، ولا يبحثون عن المشاركة فيها، ولا ينقلون أرباحهم خارج البلاد (وهذا وصف دقيق لما نسميه بالجماعة الوظيفية الوسيطة) . وقد بيَّن لوتساتو إمكانية زيادة ريع الدولة بتشجيع النشاطات اليهودية، وأشار إلى الفوائد التي جنتها الدولة من علاقتها بهم. وهذه كانت أول مرة تُستخدَم أطروحة نَفْع اليهود التي دافع عنها بعد ذلك جون تولاند في إنجلترا عام 1714، كما دافع عنها مفكرو عصر الاستنارة. وكان لوتساتو من أوائل المؤلفين الذين قدموا تحليلاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، فوصف اليهود بأنهم جبناء ومخنثون وجهلة لا يمكنهم أن يحكموا أنفسهم، يهتمون بمصالحهم وحسب ولا يهتمون بالصالح العام. وبيَّن لوتساتو أن سلوك اليهود الاقتصادي يُعبِّر عن الطمع والجشع، وأنهم يعيشون أسرى الماضي ولا يهتمون بالحاضر، كما يبالغون في اتباع تعاليم دينهم وشعائره. ولكن اليهود، مع هذا، يتمتعون أيضاً ببعض الصفات الحميدة، مثل الثبات والاحتمال والصمود والحفاظ على العقيدة وعلى نظام الأسرة، وهم مطيعون ويخضعون لأي شخص إلا إخوانهم في الدين. ونقائص اليهود، كما يرى، هي نتيجة الجبن والضعف لا القوة والوحشية. وقد ألَّف لوتساتو كتابه هذا وهو في حالة أزمة، إذ اكتُشف أن بعض العائلات اليهودية التجارية كانت متورطة في عملية غش تجارية على نطاق واسع. منَسَّى بن إسرائيل (1604-1657 ( Manasseh Ben Israel يهودي من المارانو، وحاخام ومؤلف، وُلد في البرتغال وعمل فيها، ثم فر أبواه واستقرا في أمستردام حيث أصبح منَسَّى حاخاماً في أحد المعابد (1622 ـ 1639) . أسس أول مطبعة عبرية في أمستردام عام 1626 نشرت عدة كتب من بينها معجم لأحد كتب المدراش وكتاب نحو اللغة العبرية وطبعة لكتاب المشناه. وقد كان منَسَّى نفسه مؤلفاً غزير الإنتاج، وتعرَّف إلى كثير من الشخصيات المهمة في عصره، مثل هيوجو جروتيوس وملكة السويد كريستينا، وكان يعرف كذلك رمبرانت الذي رسم صورته. ويعد منَسَّى شخصية نماذجية للقيادة الجديدة التي تسلمت زمام الجماعات اليهودية من الحاخامات والتجار الهامشيين. فهو أولاً من يهود المارانو الذين كان تكوينهم الثقافي مُركَّباً، إذ كانوا على معرفة بكلٍّ من الحضارة الغربية المسيحية والتقاليد الدينية اليهودية. وقد انتقل من شبه جزيرة أيبريا إلى أمستردام في هولندا، أي من اقتصاد إقطاعي تقليدي وحضارة كاثوليكية إلى الاقتصاد الجديد والحضارة ذات التوجه البروتستانتي التجاري. وفكَّر منَسَّى في الاستيطان في البرازيل، أي في التحرك مع التشكيل الغربي الاستيطاني. تلقَّى تعليماً حديثاً وتقليدياً وكان يؤمن إيماناً عميقاً بالقبَّالاه، وانشغل بالحسابات القبَّالية لمعرفة موعد وصول الماشيَّح، وتوصل إلى أن ذلك لن يتحقق إلا بعد أن يتم تشتيت اليهود في كل أطراف الأرض. وقد كان هذا المفهوم القبَّالي هو الديباجة التي استخدمها للدفاع عن ضرورة إعادة توطين اليهود في إنجلترا، وذلك في كتابه أمل إسرائيل الذي ترجمه إلى الإنجليزية عام 1650 ولكن إلى جوار الديباجة القبَّالية كانت توجد ديباجة تجارية دنيوية. والواقع أن تداخل الديباجتين الدينية والدنيوية هو إحدى سمات الصهيونية الأساسية. وقد استرعى الكتاب اهتمام كرومويل (حكم في الفترة من 1648 حتى 1668) الذي دعا منَسَّى إلى زيارة إنجلترا لمناقشة الموضوع. وكان منَسَّى على اتصال بجماعات المارانو التي كانت قد استقرت بالفعل في الأراضي البريطانية، وانتهت المفاوضات بالفشل شكلياً. ولكن كرومويل أعطى أمره، مع هذا، للسلطات بالتغاضي عن استقرار اليهود. كما أن كرومويل منح منَسَّى معاشاً سنوياً قدره مائة جنيه. ويعود اهتمام كرومويل بطلب منَسَّى واليهود عامة إلى عدة أسباب: 1 ـ كان الكسب التجاري هو الحافز الأساسي نحو اتخاذ خطوة توطين اليهود. فالحرب الأهلية التي سبقت العهد البيوريتاني، ألحقت ضرراً بالغاً بمركز إنجلترا كقوة تجارية وبحرية. وحين استقرت المنافسة بين التجار البيوريتان والألمان، أراد التجار الإنجليز الاستفادة من خبرات التجار المارانو واتصالاتهم الدولية، وبخاصة أنهم كانوا يعرفون الإسبانية والبرتغالية لغة الكتلة الكاثوليكية التجارية المعادية للكتلة البروتستانتية الناشئة في هولندا وإنجلترا. 2 ـ كان كرومويل يطمح إلى تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جواسيس يزوِّدونه بمعلومات عن السياسات التجارية للدول المنافسة له، وعن المؤامرات التي يديرها أنصار الملكية في الخارج، بفضل اتصالاتهم وتنقلهم في أوربا، في وقت كان فيه الحصول على معلومات أمراً صعباً للغاية. 3 ـ كان كرومويل يطمح أيضاً إلى أن يستثمر التجار اليهود بعض رؤوس أموالهم الضخمة في الاقتصاد الإنجليزي. ومن أهم مؤلفات منَسَّى الأخرى، كتابه الموفِّق، الذي حاول فيه أن يُوفِّق بين المتناقضات الواضحة في الكتاب المقدَّس، كما ألَّف كتاباً عن هنود العالم الجديد يُوضِّح فيه أنهم أسباط يسرائيل العشرة المفقودة. أما كتابه الدفاع عن اليهود (الذي نُشر بعد وفاته عام 1666) فقد بيَّن فيه أن الدين يجب أن يظل مسألة اختيارية، وبالتالي يجب ألا يُسمح للسلطات الدينية بأن تفرض شيئاً على أتباع الدين قسراً. وقد وجد مندلسون أن الكتاب من الأهمية بمكان بحيث طلب إلى أحد أصدقائه ترجمته، وكتب هو مقدمة له. ويُعَدُّ الكتاب، بذلك، من الكتب التي مهدت لحركة التنوير والعلمنة بين اليهود. جون تولاند (1670- 1722) John Toland مفكر إنجليزي ودبلوماسي وعالم إنجيلي، وُلد ونشأ كاثوليكياً، ولكنه هرب وهو في سن السادسة عشرة ودخل الكنيسة الأنجليكانية. كان نشيطاً للغاية في المناقشات الدينية والسياسية في عصره (في بداية القرن الثامن عشر) . كما كان من أوائل المفكرين الذين اتخذوا موقفاً عقلانياً من الدين، ومن المدافعين عن فلسفة الربوبية، أي عن الإيمان بالرب دون حاجة إلى دين أو وحي إلهي، وهي أولى حلقات علمنة العقل الغربي. وفلسفته، في جوهرها، فلسفة حلولية. ورغم تأثره بالفلسفة التجريبية الإنجليزية (لوك) ، إلا أنه ظل عقلانياً على نمط برونو (ترجم بعض أعماله) وديكارت وإسبينوزا (كتب تعليقات على أعماله) ولايبنتس (تعرَّف إليه وتراسلا بعض الوقت) ، وسواء أكان تجريبياً أم عقلانياً، فإن تولاند كان حلولياً. ويُقال إنه هو الذي نحت كلمة «بانثيزم pantheism» الإنجليزية. نشر تولاند عام 1696 كتابه المسيحية لا تحتوي على أية أسرار حيث يذهب فيه إلى أن المسيحية ديانة عقلية يستطيع العقل البشري أن يدركها دون حاجة إلى وحي إلهي، وهذه هي الربوبية. وقد اتُّهم الكتاب بمعاداة عقيدة التثليث وأثار ضجة في حينه ظهرت في عدد الردود عليه التي زادت عن الخمسين. وفي عام 1698، كتب تولاند حياة ملتون التي يثير فيها قضايا تتصل بالعهد الجديد (وهل نصه محرف أو لا؟) . وفي العام الذي يليه، نشر كتاب أمينتورا أو الدفاع عن حياة ملتون (1699) طوَّر فيه أطروحته السابقة. ويمكننا رؤية تَصاعُد معدلات العلمنة في كتابه المنشور عام 1720 بعنوان تيترا ديموس الذي يتضمن مقالاً يُقدِّم تفسيرات علمية طبيعية للمعجزات التي وردت في العهد القديم. وقد كان تولاند يعرف اللغة السلتية، فدرس العقائد الدينية البدائية في إنجلترا، كما قام بدراسة العقيدة اليهودية في مراحلها الأولى. واستناداً إلى هذا، ألَّف كتابه خطابات لسيرينا عن أصل الأديان، وحاول أن يُبيِّن فيه (على طريقة الربوبيين) أن الكهنة (القساوسة) هم الذين أفسدوا الدين وتاريخ خلود الروح بين الوثنيين وأصل عبادة الأوثان. وقد بدأ تولاند يتجه نحو الدعوة لما يُسمَّى «الدين الطبيعي» ويُفسِّر معجزات العهد القديم تفسيراً طبيعياً مادياً. وتعمَّقت اتجاهات المادية الواحدية لديه، فترجم أحد أعمال جيوردانو برونو عام 1514 عن العالم اللامتناهي والعوالم اللانهائية. وآخر كتب تولاند هو الحلولية (1720) وهو كتاب غامض يضم شرحاً لفلسفة الحلولية ولبعض الأناشيد الغنوصية التي تسخر من العقيدة المسيحية ومحاولة لتقديم عقائد الحركة الماسونية ودفاع عن الإلحاد. ولا تنبع أهمية تولاند من كتاباته الحلولية وشبه الوثنية وحسب، وإنما من كتاباته الصهيونية أيضاً، فقد نشر عام 1714 كتاباً يُسمَّى الأسباب الداعية لمنح الجنسية البريطانية لليهود الموجودين في بريطانيا العظمى وأيرلندا. ويطالب الكتاب بمنح الجنسية البريطانية لليهود حتى يتم اجتذاب المزيد منهم ليستوطنوا في إنجلترا كعناصر نافعة. وبعد أربعة أعوام، نشر تولاند كتاباً آخر بعنوان نازارينوس عن الإبيونيين يضم ملحقاً يحتوي على أفكار صهيونية، فرؤية تولاند رؤية حلولية كمونية مادية تُهمِّش الإله أو تلغيه وتضع الإنسان في مركز الكون، ولذا فإن العالم بأسره يصبح بالنسبة له مادة نافعة استعمالية يمكن توظيفها. ولكن الإنسان هنا هو كائن لا حدود له ولا قيود عليه، هو مرجعية ذاته. ولذا، يتحول التمركز الإنساني الهيوماني حول الإنسان إلى تمركز عرْقي مادي حول الإنسان الغربي. وحينما يُطبِّق تولاند هذا على الآخر (اليهود) ، فإنه يرفضهم تماماً ويُعبِّر عن احتقاره العميق لهم ولتراثهم التلمودي، الذي يرى أنه لا جدوى من ورائه ويؤدي إلى تشوه ما يسميه «الشخصية اليهودية» . وكحل للمسألة اليهودية، يطرح تولاند حلاًّ علمانياً إمبريالياً، فهو ينظر لليهود باعتبارهم مادة نافعة أو على الأقل مادة يمكن إصلاحها لتصبح نافعة، وهنا تظهر الصهيونية كتطبيق عملي للرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، إذ يقترح تولاند أن تقوم القوى العالمية (أي الغربية) بمساعدة اليهود على استرجاع أرضهم. ويمكن أن نرى في كتابات تولاند كل عناصر المُركَّب الإدراكي الغربي الحديث للعالم ولليهود (مقابل المركب القديم الوسيط) وهي رؤية تدور في إطار رؤية حلولية كمونية. إسحق دي بنتو (1715-1787) Isaac De Pinto أحد أثرياء اليهود، وأحد أكبر المساهمين في شركة الهند الشرقية الهولندية. من أصل ماراني برتغالي، وُلد في هولندا واستقر بين باريس ولندن ابتداءً من عام 1751. له مؤلفات فلسفية عن المادية، ودراسات عن البورصة والترف والثورة الأمريكية. وقد عارض الثورة الأمريكية، وعبَّر عن تأييده للحقوق الاقتصادية للدول المستعمرة. نشر دي بنتو دراسة عن الدورة المالية والائتمان بدأ كتابتها أثناء إقامته في باريس عام 1761، وهي محاولة للرد على نظرية الفيزيوقراط حيث يذهبون إلى أن الزراعة (ومن ثم الأرض) هي المصدر الأساسي لثروة الأمم وليس الصناعة. ودافع عن الائتمان ودورة رأس المال باعتبارهما الأشكال الأساسية في الاقتصاد مقابل ما سماه «جنون الأرض» . ورغم أن هذه قضية اقتصادية عامة شغلت المفكرين السياسيين والاقتصاديين في القرن الثامن عشر، إلا أنها ارتبطت بشكل مباشر بالجماعة اليهودية التي لم تكن ممثَّلة على الإطلاق في الاقتصاد الزراعي، بل كانت مرتبطة تماماً بالاقتصاد التجاري الصناعي. وقد بيَّن دي بنتو أن الاقتصاد الثابت (الزراعي) يُجمِّد المجتمع بأسره مع أن حركية النشاط التجاري (العناصر الخارجية) يمكن أن تحقق حراكاً اجتماعياً. ولم يذكر دي بنتو اليهود مباشرة إلا في آخر الكتاب، حيث بيَّن أن العهد القديم لا يعارض الإقراض بالربا. وفي الفترة ذاتها، وإبان إقامته في باريس، نشر فولتير ملحوظاته السلبية عن اليهود، فكتب دي بنتو خطاباً مفتوحاً له عام 1762 بعنوان دفاع الأمة اليهودية: تأملات نقدية. وجاءت في الكتاب أطروحة شديدة الأهمية، وهي أن الجماعات اليهودية في العالم اكتسبت خصائصها الحضارية من المجتمعات التي تعيش فيها، وأنها، لذلك، لا علاقة للواحدة منها بالأخرى. وقد وظَّف هذه الأطروحة في الدفاع عن السفارد البرتغاليين، إذ بيَّن أنهم لا علاقة لهم باليهود الإشكناز، وأنهم (السفارد) لا يختلفون عن شعوب أوربا المستنيرة إلا في العقيدة، بل يتنافسون معهم «في الأناقة والذوق» . ولأن السفارد من نسل أنبل عائلات قبيلة يهودا وعاشوا في إسبانيا منذ السبي البابلي، فليس لهم أدنى علاقة عرْقية أو ثقافية بالإشكناز، بل إن السفارد يرفضون التزاوج أو الاتجار معهم. وبيَّن دي بنتو أنه يوافق فولتير على ما جاء في مقاله بشأن اليهود الإشكناز. غير أنه ينسب اضطلاعهم بوظائف وضيعة غير شريفة، مثل الربا، إلى معاناتهم وعذابهم والإذلال الذي تعرَّضوا ومازالوا يتعرَّضون له. وبهذا، فإن فكر بنتو يعتبر ثمرة من ثمرات عصر الاستنارة الذي يحاول تفسير تدهور أحوال اليهود على أساس تدهور أوضاعهم. وكذلك، فإن دي بنتو قام بتأييد يعقوب رود ريجيز (1715 ـ 1780) حين تقدَّم بالتماس في عام 1760 إلى لويس الخامس عشر يطلب فيه ضرورة طرد اليهود الألمان (الإشكناز) ويهود أفينيون النازحين من الولايات البابوية. وقد وافقته الحكومة الفرنسية على طلبه الذي نُفِّذ في العام التالي. آرون إيزاك (1730 – 1816) Aron Isak مؤسس الجماعة اليهودية في السويد وأول يهودي يُسمَح له بالإقامة فيها بصفة دائمة. وُلد في ألمانيا، واشتغل بائعاً متجولاً، ثم تعلَّم حفر الأختام ليصبح ماهراً ومتميِّزاً في هذه الحرفة. وخلال حرب السنوات السبع (1756 ـ 1763) ، كانت له تعاملات مع الجيش السويدي حيث تعرَّف إلى كثير من ضباطه الذين شجعوه بعد انتهاء الحرب على الهجرة إلى السويد نظراً لعدم وجود أحد يحترف مهنة حفر الأختام بها (أي أن دعوته ليستوطن في السويد تمت باعتباره صاحب كفاءة غير متوافرة في المجتمع المضيف) . وبالفعل، وصل إلى السويد عام 1774 ولكنه وجد أن إقامة اليهود بها ممنوعة وفقاً للقانون وتحت تأثير المؤسسة الدينية البروتستانتية اللوثرية، التي كانت تشترط على أي مهاجر لا يعتنق المذهب اللوثري أن يُغيِّر دينه. ورفض إيزاك اعتناق المسيحية ودخل مفاوضات طويلة مع الحكومة السويدية حتى يُسمَح له ولغيره من اليهود بالاستقرار في السويد وممارسة شعائرهم الدينية بشكل شرعي. ولم تكن الحكومة السويدية (وعلى رأسها الملك) تعارض استقرار إيزاك أو غيره من اليهود في السويد. ومن المؤكد أنها كانت على يقين من نَفْع اليهود والفائدة التي يمكن أن تجنيها من وراء استيطان أعضاء الجماعات اليهودية بها باعتبارهم جماعة وظيفية تُحوسَل لصالح الطبقة الحاكمة والملك بسبب نفعها لهم. ولذلك فقد خططت الحكومة لفتح باب الهجرة أمامهم، ولكن مساعيها في هذا المجال قُوبلَت بالرفض والمقاومة من كلٍّ من المؤسسة الدينية وأعضاء الطبقة المتوسطة والجماهير الشعبية. ولابد أن أعضاء الطبقة البورجوازية الناهضة في السويد كانوا على علم بدور يهود الأرندا في بولندا، التي كانت على علاقة وثيقة بالسويد والتي احتلت السويد أجزاء منها بعض الوقت، ذلك أن طبقة النبلاء من الشلاختا استخدمت يهود الأرندا في ضرب البورجوازية البولندية وإحباط كل جهودها في تحقيق شيء من التراكم الرأسمالي والمشاركة في السلطة. ولذا، فإننا نجد أن معارضة استقرار أعضاء الجماعات اليهودية لم تكن مقصورة على المؤسسة الدينية، فقد قادها أعضاء البورجوازية في السويد، وبخاصة تلك القطاعات التي كانت ستُضار بشكل مباشر من استقرار اليهود، مثل فئة الصياغ وتجار الجواهر المسيحيين، بل انضم للمعارضة بعض اليهود المتنصرين (ربما بسبب تخوفهم مما قد تشكله هجرة أعضاء الجماعة اليهودية على نطاق واسع من منافسة لهم، ومن تهديد لمكانتهم الاجتماعية) . وبدأت عملية توطين اليهود في السويد بفتح باب الهجرة أمامهم عام 1745، فوقفت المؤسسة الدينية والبورجوازية ضد هذا الإجراء. ولكن عمدة إستكهولم شجع آرون إيزاك على البقاء في السويد بعد أن رُفض طلبه أول مرة، أرشده إلى الإجراءات اللازمة لتقديم التماس للملك، وقد قُبل هذا الالتماس وسُمح لإيزاك بالإقامة هو وشقيقه وشريكه وأسرهم، كما سمحت السويد عام 1779 بحرية العبادة الدينية. وتدعَّم وضع إيزاك بالتدريج، وبخاصة بعد أن قدم للملك السويدي خدمات مهمة خلال حربه ضد روسيا (1788 ـ 1789) ، واستقر وضع الجماعة اليهودية كما تزايد عدد أفرادها، وترأسها إيزاك بعد أن استقر في إستكهولم حتى وفاته. وفي عام 1804، انتهى إيزاك من كتابة مذكراته التي دبجها باليديشية. حاييم سالومون (1740-1785) Haym Salomon تاجر ومالي أمريكي يهودي، وأحد الشخصيات البارزة في حرب الاستقلال الأمريكية. وُلد في بولندا ثم هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1775 حيث عمل في عدة مهام من تلك التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعات اليهودية (السمسرة ـ العمل كمتعهد عسكري ـ التجسس ـ الترجمة) ، وهو ما يُبيِّن تأثير الموروث الاقتصادي فيه. فافتتح أولاً مكتباً للسمسرة والتجارة بالعمولة في نيويورك، واستطاع بفضل درايته الواسعة باللغات وخبرته المالية وعلاقته الوثيقة بالعديد من الشخصيات المالية والتجارية الأوربية أن يتقدم سريعاً في وطنه الجديد. ثم عمل عام 1776 متعهد تموين للجيش الأمريكي. وبعد احتلال البريطانيين لمدينة نيويورك، سُجن بتهمة التجسس، ثم أُفرج عنه وعُيِّن مترجماً في قسم التموين في الجيش البريطاني. كذلك نجح سالومون في إدارة تجارة مربحة للتموين في نيويورك في ظل الوجود البريطاني. ولكنه قام في الوقت نفسه بتقديم المعلومات للجانب الأمريكي والمساعدة في تهريب السجناء الأمريكيين والفرنسيين، وهو ما اضطره إلى الفرار إلى فيلادلفيا عام 1778 عقب افتضاح أمره. وفي فيلادلفيا أسس مكتباً جديداً للسمسرة في الأوراق المالية والتجارية وقدم خدماته المالية للجيش الفرنسي المتمركز في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يعمل سمساراً ومديراً لماليته. وفي عام 1781، اختير سالومون ليصبح مساعداً لروبرت موريس رئيس مكتب المالية (وقد وصفه موريس بأنه "نافع للصالح العام") . وقد أشرف سالومون على أغلب المعاملات المالية المهمة للدولة الأمريكية الجديدة، كما قام بتدبير قروض بلا فائدة لعدد كبير من الشخصيات الأمريكية المهمة (من بينهم بعض الرؤساء اللاحقين) . وفي عام 1784، وسَّع نطاق أعماله فافتتح في نيويورك بيتاً للسمسرة والبيع بالمزاد، كما ساهم في تأسيس أول معبد يهودي في فيلادلفيا، وعمل من أجل إقرار حقوق اليهود السياسية، وكان عضواً نشيطاً في الحركة الماسونية. وقد تبيَّن بعد وفاته أنه مات مفلساً. كريستيان دوم (1751-1820 ( Christian Dohm كاتب ومؤرخ ألماني وأحد المدافعين عن إعتاق اليهود وإصلاحهم ودمجهم. درس اللاهوت وانخرط في سلك الحكومة الروسية، وكان يعمل مشرفاً على الأرشيف الملكي حيث قابل موسى مندلسون ونشأت بينهما صداقة. وقد ألَّف كتابه بخصوص إصلاح مكانة اليهود المدنية عام 1781 بناءً على طلب أحد أصدقائه لمناقشة أحوال يهود الألزاس واللورين والدفاع عنهم. وقد طرح دوم فكره منطلقاً من فكرة المنفعة ونفع اليهود، ومن فكر آدم سميث، وكذلك من فكرة القانون الطبيعي وتطبيقها في عالم الاقتصاد. ويعني هذا أنه انطلق من الإيمان بضرورة علمنة القطاع الاقتصادي علمنة تامة وتجريده من أية خصوصية قومية أو أخلاقية، بحيث يصبح الهدف الأوحد هو إنتاج الثروة وتعظيمها بكل السبل المتاحة. ولتحقيق هذا، لابد من تجنيد أكبر عدد ممكن من البشر، فكلما زاد عدد المنتجين زاد النفع ومن ثم زاد الرخاء. وقد أشار دوم إلى الولايات المتحدة (التجربة العلمانية الشاملة الكبرى) باعتبارها مثالاً على دولة نجحت في تجربتها الاقتصادية بسبب عدم التفرقة بين الناس، فهم بالنسبة إليها مادة بشرية منتجة، وأعطتهم جميعهم حقوقهم المدنية حتى يصبحوا نافعين منتجين. وانطلاقاً من هذا المفهوم الليبرالي العلماني، بدأ دوم في النظر إلى المسألة اليهودية مشيراً إلى أن شخصية اليهود الشريرة، ووضعهم المتدني في المجتمع، وضعف خدماتهم للاقتصاد القومي، ليست نابعة منهم هم أنفسهم ولا من دينهم. وقد لاحظ دوم أن العقيدة اليهودية تشجِّع اليهود على ضيق الأفق، وأنهم يتسمون بالمبالغة في البحث عن الربح بأية طريقة وبحب الربا، وهي عيوب ساعدت على تفاقمها العزلة التي يضربونها على أنفسهم بسبب مبادئهم الدينية وسفسطتهم الحاخامية. وأضاف أن الجرائم التي يرتكبها اليهود، مثل خرق قوانين الدولة التي تحدُّ من التجارة واستيراد وتصدير السلع الممنوعة وتزييف النقود والمعادن الثمينة، هي نتيجة طبيعية وحتمية لعيوب الشخصية اليهودية. ولكنه يُلاحظ أن اليهود يتَّسمون أيضاً بالحكمة والعقل الثاقب، وهم مجدُّون ومثابرون ويمكنهم أن يشقُّوا طريقهم في أي موقف. ولنلاحظ أن الصفات الحميدة التي يكتشفها في اليهود هي ما يمكن أن نصنفه باعتباره صفات إجرائية (أو علمانية) لا علاقة لها بالأخلاق، فهم مادة بشرية جيدة. ماذا حدث إذن لليهود حتى تشوَّهت شخصيتهم على هذا النحو؟ يرى دوم أن عوامل مختلفة مثل التعصب المسيحي، وموقف الدولة منهم منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، ومنعهم من الاشتغال بالزراعة، ولَّدت الشكّ في نفوسهم تجاه المسيحية والدولة القومية، فاهتموا بمصالحهم الاقتصادية دون مصالح الدولة، واشتغلوا بالتجارة اليهودية الصغيرة وحدها، وانهارت شخصيتهم، وازدادوا تمسكاً بديانتهم المفعمة بكره المسيحيين. ويرى دوم أن اليهود من الممكن أن يصبحوا مواطنين يدينون بالولاء لوطنهم إذا أُلغيَت التفرقة ضدهم واضطهادهم، وإذا تم تلقينهم القيم العلمانية الجديدة التي تضمن الولاء للدولة (المطلق الجديد) . ثم يقترح استصدار عدة تشريعات تهدف إلى تحسين وضع اليهود، ومن ثم إصلاح شخصيتهم، فاقترح أن يحصل اليهود على حقوقهم المدنية كاملةً، وإلغاء القيود المفروضة على حركتهم الاقتصادية، وأن يتم تشجيعهم على الاشتراك في الثقافة السائدة (أي أن يتخلوا عن ثقافتهم اليديشية) وإتاحة فرص التعليم العلماني أمامهم. كما ذهب دوم إلى ضرورة الإشراف على مدارس اليهود لاستبعاد العناصر غير الاجتماعية في ثقافتهم التي تشجِّع عداءهم للأغيار. ونادى بضرورة أن يتم تشجيعهم على الاشتغال بالحرف اليدوية، وأن يتعلموا العلوم والفنون كافة، وأن يتعلموا احترام الدول واحترام كل واجباتهم تجاهها. كما طالب دوم بمنحهم حرية العبادة، وبناء المعابد، وحرية الالتحاق بالمدارس المسيحية أيضاً. فاليهود بهذه الطريقة يمكن أن يصبحوا نافعين بالنسبة إلى دولة تريد أن تزيد من عدد سكانها وقوتها الإنتاجية. واليهود على كل حال مفضلون عن أي مستوطنين جدد لأنهم ذوو جذور في البلاد التي يقطنونها أكثر من الأجنبي الذي عاش في البلد بعض الوقت. وقد لاحظ دوم أنه قد بدأ يظهر رعيل جديد من المثقفين اليهود من دعاة التنوير يتبنون هذه الأفكار المستنيرة. ومع هذا، طالب دوم بأن يُعتَق اليهود لا باعتبارهم أفراداً، وإنما باعتبارهم مجموعة عضوية متماسكة، وأن يظلوا جماعة قومية دينية تبقى داخل الجيتو لها مؤسسات الإدارة الذاتية الخاصة بها، وألا يشغلوا وظائف عامة مهمَّة حتى لا يثيروا حفيظة المواطنين المسيحيين. ومعنى هذا أن دوم كان يود تحويل اليهود إلى مادة نافعة متماسكة تعيش في وسط المجتمع الألماني فيمكنه الاستفادة منها، على ألا تصبح جزءاً منه، وأن يظل اليهود في المجتمع دون أن يكونوا منه. وهذه هي بقايا رؤية اليهود كشعب شاهد أو أداة للخلاص أو جماعة وظيفية. وهي الرؤية الصهيونية لليهود ولإسرائيل في الشرق العربي، وهي أيضاً الرؤية النازية لأعضاء الجماعة اليهودية. وانطلاقاً من هذا، تم تأسيس معسكرات الاعتقال النازية وجيتو وارسو النازي. وغني عن القول أن الفيلسوف مندلسون عارض هذا الجانب من المشروع. نابليون بونابرت (1769-1821) Napoleon Bonaparte إمبراطور فرنسا في الفترة بين 1804 ـ 1814، وهو يُعَدُّ من أهم القادة العسكريين في التاريخ ويتمتع بمقدرات إدارية. وُلد نابليون في جزيرة كورسيكا وتولى قيادة الجيش الجمهوري أثناء حروب الثورة الفرنسية، وأحرز نجاحاً كبيراً في حملته على إيطاليا (1796 ـ 1797) ، ولكن حملته على مصر (1798 ـ 1799) أخفقت تماماً. وعاد إلى فرنسا والحكومة الثورية على وشك الانهيار، فقام بانقلاب عسكري واستولى على الحكم وقاد حروب فرنسا «الثورية» . ثم أدخل إصلاحات على النظام التعليمي وفي مجال القانون ونظَّم العلاقة مع الكنيسة (1801) ، ثم أصبح إمبراطوراً عام 1804، وبدأ في تكوين أرستقراطية جديدة وبلاط ملكي. وقد امتدت رقعة الإمبراطورية الفرنسية في عهده لتضم كل أوربا تقريباً. وساهم في تحديث أوربا ومؤسساتها السياسية والإدارية من خلال غزواته. ولكن شوكة نابليون انكسرت حينما حاول غزو روسيا، وانتهى الأمر بأن هُزم تماماً ونُفي إلى جزيرة إلبا (1814) ثم إلى سانت هيلينا (1815) . وتأخذ علاقة نابليون بالجماعات اليهودية ثلاثة أشكال، تستند في معظمها إلى مبدأ نَفْع اليهود: 1 ـ كانت جيوش فرنسا تكتسح النظم الإقطاعية في طريقها وتنصب نظماً أكثر ليبرالية. وقد وصلت هذه الجيوش حتى بولندا، حيث كانت توجد الكثافة السكانية اليهودية. وأينما حلَّت هذه الجيوش، كانت تقوم بإعتاق أعضاء الجماعات اليهودية ووضْع أسس تحديث هوياتهم المختلفة. ورغم هزيمة جيوش فرنسا ونابليون، فإن العملية التاريخية التي بدأتها هذه الجيوش كان لها أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، لابد من الإشارة إلى أن نابليون قام بتجنيد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا واستغلهم كطابور خامس خلال حربه مع روسيا، أي أنه حولهم إلى جماعة وظيفية جاسوسية (لكن غالبية يهود روسيا الساحقة وقفت ضد نابليون وساعدت الحكومة القيصرية) . 2 ـ كان لعلاقة نابليون بأعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا أعمق الأثر فيهم. فبعد اندلاع الثورة وإعتاق اليهود في فرنسا، انتشر يهود الألزاس (الإشكناز) الذين كانوا متخلفين حضارياً ويعملون أساساً بالتجارة والأعمال الطفيلية كما كانوا يعملون بالربا، وهو ما أدَّى إلى ظهور مشكلة بينهم وبين فلاحي الألزاس. وقد نشأت مسألة يهودية إشكنازية في فرنسا لم يكن السفارد طرفاً فيها، فأبدى الإمبراطور اهتماماً بالقضية (عام 1806) دعا مجلس وجهاء اليهود في باريس، وجمَّد بشكل مؤقت الديون التي اقترضها الفلاحون من المرابين اليهود. وقام الوجهاء بمناقشة القضايا التي قدمتها لهم السلطات مثل: عادات الزواج بين اليهود، والأعمال التي يقومون بها، وواجبهم تجاه الدولة، ومدى إحساسهم بالولاء تجاهها والانتماء إليها. ووافق المجتمعون على أن ولاءهم يتجه إلى الدولة الفرنسية أساساً، وأن اليهود يشكِّلون جماعة دينية، لا جماعة قومية أو إثنية أو عرْقية. ثم دعا نابليون عام 1807 لعقد السنهدرين الأكبر، وأسَّس إدارة يهودية مركزية تعمل من خلال مجالس مختلفة هي المجالس الكنسية. ولا يزال هذا النمط هو المعمول به في فرنسا بل طُبِّق أيضاً في الجزائر. ثم أصدر نابليون قرارات تحد من النشاط التجاري والمالي لليهود؛ ليتحوَّلوا إلى عناصر نافعة في المجتمع مندمجة فيه، كما أصدر قرارات تشجعهم على الاشتغال بالزراعة والصناعة لدمجهم في المجتمع الفرنسي. 3 ـ قام نابليون بأولى حملات الثورة الفرنسية الاستعمارية في الشرق، فاحتل مصر عام 1798. وكانت حكومة الإدارة الفرنسية قد أعدت خطة لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين، وذلك مقابل تقديم المموِّلين اليهود قروضاً مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر آنذاك بضائقة مالية. وكان المفروض أن يموِّل اليهود الحملة المتجهة صوب الشرق، وأن يتعهدوا ببث الفوضى وإشعال الفتنة وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها. ويبدو أن نابليون كان مطلعاً على الخطة. ولذا، فقد أصدر، بمجرد وصوله إلى مصر، بياناً يحث فيه اليهود على الالتفاف حول رايته لإعادة مجدهم الغابر ولإعادة بناء مملكة القدس القديمة، أي أن نابليون أصدر أول وعد بلفوري في تاريخ أوربا. وكانت أهداف نابليون مركبة: 1 ـ كان نابليون يحذو حذو مؤسسي الإمبراطوريات الذين كانوا يهتمون بفلسطين لأهميتها الإستراتيجية، ولذا كانوا يحاولون غَرْس عنصر سكاني موال لهم. ويبدو أن نابليون وجد في يهود الشرق ضالته، حيث يمكن تحويلهم إلى مادة استيطانية تدور في مدار المصالح الفرنسية وتكون عوناً له في دعم نفوذه وتثبيت سلطانه. واليهود إن وُطِّنوا في فلسطين فإنهم سيكونون بمثابة حاجز مادي بشري يفصل ما بين مصر وسوريا، ويدعِّم الاحتلال الفرنسي، ويهدِّد المصالح البريطانية من خلال إغلاق طرق مواصلاتها إلى الهند. ويبدو أن نابليون كان يحاول كسب رضا وتأييد حاييم فارحي، اليهودي الذي كان يتمتع بنفوذ مالي في عكا ويتولى مسئولية تزويدها بالمؤن الغذائية. وأخيراً، فإن نابليون كان يهمه كسب ثقة يهود فرنسا ودعمهم المالي في صراعه الذي بات وشيك الوقوع مع حكومة الإدارة. 2 ـ ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن نابليون كان من نتاج عصر الاستنارة، وكان نفعياً لا يؤمن بأية عقيدة دينية، ولذا فإنه لم يكن ليتوانى عن استغلال الدين أو أية عقيدة أخرى. وعلى هذا، فإنه، في ندائه إلى يهود العالم، يتحدث عن حقوقهم التي وردت في العهد القديم وعن احترام الأنبياء (وهو لا يؤمن بأيٍّ منهم) . وحينما يصل إلى مصر، فإنه يتحدث عن الإسلام بإجلال شديد ويعلن أنه لم يأت إلى ديار المسلمين إلا للدفاع عن الإسلام ولحمايتهم من الظلم. ومما يجدر ملاحظته أنه، على الرغم من أن سياسة نابليون بالنسبة ليهود فرنسا كانت ترمي إلى تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة لها سماتها وخصوصيتها إلى جزء من التشكيل الطبقي والحضاري الفرنسي، لا خصوصية له بل مندمج تماماً في محيطه، فإن سياسته في الشرق كانت تقف على الطرف النقيض من ذلك، فقد كانت ترمي إلى تأكيد خصوصية اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً، إذ أن هذه الخصوصية هي مصدر عزلتهم، وعزلتهم هي التي ستجعل بالإمكان تحويلهم إلى جماعة وظيفية قتالية استيطانية تُوطَّن في فلسطين لتقوم على خدمة الاستعمار الفرنسي والغربي. ويُلاحَظ أن المسألة الشرقية، أي ضعف الدولة العثمانية والميراث الذي ستتركه بعد موتها، قد بدأت تلتقي بالمسألة اليهودية. وتتبدَّى عبقرية نابليون في أنه قرر توظيف المسألة اليهودية والجماعات اليهودية في حل المسألة الشرقية حلاًّ يتناسب مع مصالحه. والنمط الكامن في تفكير نابليون هو أيضاً النمط الكامن في النظرية الاستعمارية الغربية تجاه الشرق وتجاه أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تبدى هذا النمط في وعد بلفور في بداية الأمر، ثم وصل ذروته مع توقيع الاتفاق الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة عام 1982. تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج Productivization of the Jews «تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج» عبارة إصطلاحية تُستخدَم للإشارة إلى المحاولات التي قامت بها حكومات فرنسا وروسيا وبولندا، وبعض حكومات وسط أوربا، مثل النمسا، لتحويل اليهود عن الاشتغال بالتجارة البدائية والربا وبعض الحرف الأخرى التي كانوا يقومون بها كجماعة وظيفية وسيطة، وتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة والحرف والوظائف الأخرى. وقد نجحت المحاولة في فرنسا، ولكنها تعثَّرت في جاليشيا وروسيا وغيرهما من المناطق، وهو ما اضطر الحكومة الروسية، على سبيل المثال، إلى إصدار قوانين مايو1881. ونحن نفضل استخدام مصطلح «تحديث اليهود» فهو أكثر عمومية وحياداً، ولا يحمل أية تضمينات قدحية، وخصوصاً أن اليهود لم يكونوا قط غير منتجين في المجتمعات الزراعية التقليدية، وإنما أصبحوا كذلك نتيجة تطور المجتمع. كما أن المصطلح يؤكد العلاقة بين التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي خاضتها الجماعات اليهودية في شرق أوربا والتحولات الاجتماعية المماثلة التي مرت بها الأقليات الاقتصادية والإثنية التي تلعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة في مجتمعات أخرى، كالصينيين في شرق آسيا. وقد دخل المصطلح في الأدبيات الصهيونية العمالية التي تنطلق من الإيمان بهامشية وطفيلية يهود المنفى والشتات وتنادي بضرورة تطبيعهم. تطبيع الشخصية اليهودية Normalization of the Jewish Character بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، شاع مصطلح «تطبيع» في الخطاب السياسي في مصر، بمعنى محاولة جعل العلاقات بين مصر والدولة الصهيونية علاقات عادية طبيعية مثل العلاقات التي تنشأ بين أي دولتين. ولكن المصطلح في الأدبيات الصهيونية، حينما يُستخدَم للإشارة إلى ما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» ، تكون له مدلولات مختلفة تماماً. وقد شاع المصطلح في أوربا ابتداءً من القرن الثامن عشر مع مصطلحات أخرى إما مشابهة أو مرتبطة به، مثل «تحويل اليهود إلى قطاع منتج» أو «نفع اليهود» ، وهي كلها مصطلحات تفترض شذوذ وضع اليهود وهامشيتهم، وتؤكد الحاجة إلى تغييره عن طريق «إصلاح اليهود» وتحويلهم إلى مادة بشرية استعمالية نافعة يمكن توظيفها في خدمة المجتمع، وهذا يعني أن يصبح اليهودي إنساناً طبيعياً لا يختلف عن غيره من البشر (والإنسان الطبيعي هو مفهوم محوري في فكر عصر الاستنارة) الذي ركَّز على العناصر العامة في البشر، وحاول أن يقلل من أهمية الخصوصيات وأن يلغيها تماماً. ولكن الظاهرة نفسها، بغض النظر عن المصطلح، تعود إلى تواريخ قديمة، فقد كانت الحاجة إلى تطبيع اليهود أو إصلاحهم تنشأ حينما يواجهون حضارة متفوقة، كما حدث عند التهجير البابلي. وبرزت الظاهرة ذاتها بشكل أكثر إثارة في العصر الهيليني، إذ بدأ أعضاء الجماعة اليهودية التي كانت متركزة أساساً في فلسطين ثم في مصر يشعرون بالإحساس بالنقص وبالتدني الحضاري إزاء الحضارة المتفوقة، فاصطنعوا أساليبها، وتأغرقت أعداد كبيرة منهم، وبخاصة أعضاء الطبقات الثرية، وبذلوا جهداً غير عادي ليصبحوا مثل الإغريق. وعلى سبيل المثال، كان بعض اليهود الذين يشتركون في الألعاب الأولمبية يجرون عملية جراحية تجميلية حتى يبدو وكأنهم لم يُختنوا (أي حتى يبدوا وكأنهم مواطنون طبيعيون) فلا يكونوا محط سخرية المشاهدين أو نساء الأغيار. ويمكن اعتبار الحركات المشيحانية أول محاولات تطبيع اليهود في الواقع. ولذا، كان من أهداف هذه الحركات إسقاط الأوامر والنواهي المسئولة عن تميُّز اليهود وعزلتهم. ولكن عملية التطبيع التي تهمنا هي التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر نتيجةً للانقلاب الصناعي الرأسمالي في الغرب، والتحولات البنيوية التي خاضتها المجتمعات الغربية، إذ أدَّت هذه التحولات إلى ظهور الدولة القومية الحديثة والرأسمالية الرشيدة والاقتصاد الحديث مما أدَّى إلى الاستغناء عن الجماعات الوظيفية، اليهودية وغير اليهودية، وقد تطلَّب هذا التحول نوعية جديدة من المواطنين ذوي كفاءات وولاءات محددة يختلفون بشكل جوهري عن عضو الجماعة الوظيفية. وقد كان مؤسسو الدولة القومية الحديثة في غرب أوربا ووسطها وشرقها يرون أن اليهود، بوضعهم الذي كانوا عليه، كجماعات وظيفية وسيطة، أصبحوا شخصيات هامشية غير منتجة وغير محددة الولاء أو الانتماء ودون دور محدد تلعبه، أي أن وَضْعهم لم يعُد طبيعياً في الإطار القومي المركزي الجديد. ولذا، ينبغي تطبيعهم، أي صبغهم بالصبغة القومية ليتم دمجهم في المجتمع. فأصدرت حكومة فرنسا ثم النمسا وروسيا وغيرها قرارات لإعادة صياغة هوية أعضاء الجماعات. وقد تفاوتت درجات نجاح المحاولة وإخفاقها من بلد إلى آخر. والتطبيع هو أيضاً من أهم المفاهيم المحورية في الفكر الصهيوني، فهو العملية التي يتخلَّص اليهودي من خلالها من أمراض المنفى أو الشتات (الانتشار في العالم) خارج الوطن القومي، والتي تتمثل في عقلية استجداء الأغيار والاعتماد السياسي عليهم وتتمثَّل كذلك في ازدواج الولاء. وهي تعني أيضاً التخلُّص من أية قداسة يخلعها عليه تراثه الديني، وبالتالي يتعيَّن على اليهود الجدد من المستوطنين الصهاينة ألا ينغمسوا في أعمال السمسرة والمضاربات والأعمال الهامشية غير المنتجة مثل بني ملتهم أو جلدتهم من يهود المنفى، وعليهم أن يتحولوا إلى شعب يهودي منتج بمعنى الكلمة، يسيطر على كل مراحل العملية الإنتاجية، وبالتالي على مصيره الاقتصادي والسياسي. كما أن عليهم أن يطرحوا كل المفاهيم الدينية مثل «الشعب المختار» و «الالتزام بأداء الأوامر والنواهي» ، وأية مطلقات دينية أو أخلاقية. وقد عبَّر المفكر الصهيوني العمالي دوف بير بوروخوف عن القضية نفسها بقوله إن اليهود أعضاء في هرم إنتاجي (أي أنهم مادة إنتاجية) ، وأن الحل الصهيوني يتلخَّص في أن يقف الهرم الإنتاجي اليهودي على قاعدته، بحيث يتركز اليهود في العمليات الإنتاجية في قاعدة الهرم ويعملون بأيديهم وتصبح أغلبيتهم من العمال والفلاحين، أما المهنيون والعاملون في القطاع التجاري والمالي فإنهم يصبحون قلة في قمة الهرم، شأنهم في هذا شأن قرنائهم في أي مجتمع آخر. وهذا ما يُطلَق عليه مصطلح «العمل العبري» و «غزو العمل» ، أي أن يستولى الصهيوني على الأرض عن طريق العنف الذي يُطهِّره من مخاوف المنفى، ويعمل فيها بيديه ويسيطر على كل مراحل الإنتاج. وهو، إن فعل، يكون قد أنجز الثورة الصهيونية الحقَّة، فاستولى على الأرض وزرعها، وعلى الهيكل الاقتصادي وعمل فيه، وعلى الهيكل السياسي وتحكَّم فيه. ثم تحوَّل هو نفسه من شخصية هامشية خائفة لا سيادة لها، إلى شخصية شجاعة منتجة ذات سيادة قومية، وبذلك يكون قد تم تطبيعه، ويصير اليهود شعباً، مثلهم مثل كل الشعوب، لهم وطنهم ولغتهم وجيشهم. ومن هنا، لا يكون الاستيطان الإحلالي (الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها والعمل فيها) مجرد فعل خارجي يحمل مدلولاً اقتصادياً محدوداً، وإنما فعل شامل ذو أبعاد سياسية وقومية، وفي نهاية الأمر نفسية. وهو أيضاً يحل مشكلة المعنى بالنسبة للصهاينة، ويُعقلن وجودهم في فلسطين التي تلفظهم والتي يقاتل أهلها ضدهم. ولكن التطبيع في السياق الصهيوني يعني أيضاً التغريب، أي أن يصبح لليهود وطن يؤسَّس على النسق العلماني الغربي. فالصهاينة يرون دولتهم الاستيطانية جزءاً من التشكيل الإمبريالي الغربي. وقد أسس الصهاينة دولتهم، التي حوَّلت الدين إلى رموز قومية خالية من المضمون الأخلاقي على طريقة الدول الغربية الحديثة، المتمسكة بقيم المنفعة وبالقوة كوسيلة لحل كل مشاكلها. وبعد حرب 1967، مع تلاشي ما تبقى من أوهام عن روح الريادة والعمل العبري، ازدادت الروح النفعية والاستهلاكية. ولذا، زادت حدة التطبيع، وأصبح يهود إسرائيل مثل كل الشعوب، والأمريكيين على وجه الخصوص. وربما يفسر هذا نزوح كثير من الإسرائيليين إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية الاستهلاكية، فهذه هي النتيجة المنطقية لمنطق التطبيع بمعنى التغريب. ولكن، يبدو أن الدولة الصهيونية لم تنجح تماماً في أن تُطبِّع نفسها أو سكانها، فهي دولة تعتمد على الغرب، وتنتشر فيها الجريمة، كما أن عدداً كبيراً من سكانها يشتغلون بأعمال السمسرة ويرفضون العمل اليدوي، وهو الأمر الذي كشفت عنه الانتفاضة بشكل واضح وجليّ. أما أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وهم أكبر جماعة يهودية في العالم، فقد تم تطبيعهم وعلمنتهم تماماً، فقد تبنُّوا أسلوب الحياة الأمريكي دون تحفُّظ. ونصفهم لا يؤمن بالخالق، كما أن الأغلبية الساحقة ممن يظنون أنهم يؤمنون بالعقيدة اليهودية ينتمون إلى اليهودية الإصلاحية والمحافظة والتي لا تعترف بها اليهودية الأرثوذكسية، ولا يقيمون شعائر السبت، وإن احتفلوا به فهم يرونه جزءاً من عطلة نهاية الأسبوع (الويك إند) بما تتضمنه من نشاطات علمانية عديدة لا يربطها رابط بشعائر السبت. بل يُقال إن يهود الولايات المتحدة أكثر ملكية من الملك، وأكثر طبيعية وأمريكية من الأمريكيين أنفسهم. وثمة رأي يذهب إلى أن النشاط الصهيوني، الهستيري في شكله، المترهل في مضمونه، والذي لا يتجاوز في واقع الأمر دفع التبرعات والاشتراك في التظاهرات ووضع اللافتات على السيارات، ولا يأخذ شكل سلوك ديني في المنزل أو هجرة إلى إسرائيل، ما هو إلا تغطية لعملية التطبيع الجذرية التي تتم بين أعضاء الجماعة اليهودية، والتي تترجم نفسها إلى أمركة كاملة وانصهار تام في المجتمع الأمريكي. ولهذا السبب، يطلق بعض الصهاينة على يهود الولايات المتحدة اسم «الهيلينيين الجدد» . وغنيٌّ عن القول إن مفهوم شذوذ الشخصية اليهودية مفهوم محوري في أدبيات معاداة اليهود، وبخاصة في الفكر النازي. وقد وجد النازيون أن حلَّ قضية الشذوذ هذه لا يتم عن طريق تطبيع اليهود كما يقترح الصهاينة، وإنما عن طريق إبادة العناصر غير النافعة منهم. المسألة اليهودية The Jewish Question «المسألة اليهودية» مصطلح يتواتر في الكتابات الصهيونية وفي غيرها بصيغة المفرد، وهو مصطلح يفترض أن ثمة مشاكل محدَّدة ثابتة لا تختلف تقريباً باختلاف الزمان والمكان، يواجهها اليهود وحدهم ولا يواجهها غيرهم من أعضاء الجماعات أو الأقليات الدينية أو الإثنية. ولذا تتم الإشارة إليها بعبارة «المسألة اليهودية» (الواحدة) لا «المسائل اليهودية» المتنوعة بتنوع تجارب أعضاء الجماعات اليهودية عبر الزمان والمكان. وحلَّ هذه المسألة يكون عن طريق التخلص من اليهود، إما عن طريق تهجيرهم إلى وطنهم القومي اليهودي، وهذا هو (الحل الصهيوني) ، أو عن طريق طردهم (الحل المعادي لليهود) ، أو إبادتهم (الحل النازي) . ويمكن تصنيف المصطلح، بشكله هذا، ضمن مصطلحات شبيهة أخرى، مثل «الشخصية اليهودية» التي تفترض وجود شخصية يهودية ثابتة مستقلة عما حولها من ظروف. و «التاريخ اليهودي» ، الذي يفترض وجود تاريخ مستقل له سماته المحددة، ووحدته الواضحة، وفتراته المتتالية التي تعرَّف بالعودة إلى جوهر يهودي أو وجود مستقل، هو أمر يتناقض مع الواقع التاريخي الحي المركب. فالمشاكل التي واجهها يهود الإمبراطورية الرومانية هي جزء من تاريخ هذه الإمبراطورية، والمشاكل التي واجهها يهود المدينة أيام الرسول (عليه الصلاة والسلام) ناجمة عن وجودهم داخل التشكيل الحضاري الإسلامي في الجزيرة العربية، كما أن المشاكل التي واجهها يهود روسيا في القرن التاسع عشر الميلادي كانت نابعة من وجودهم داخل التشكيل السياسي الروسي في عهد القيصرية، تماماً كما أن المشاكل التي واجهوها بعد عام 1917 هي جزء من تاريخ روسيا السوفيتية. أما من هاجر من يهود اليديشية إلى الولايات المتحدة، فقد أصبح تاريخه وكذلك مشاكله جزءاً من تاريخها. ومع أن هذا لا ينفي وجود مشاكل خاصة نابعة من خصوصية وَضْع أعضاء الجماعة اليهودية داخل هذه التشكيلات، فإنه لا يوجد عنصر مشترك واحد يجمع بين هذه المشاكل الخاصة، إذ أن هذه الخصوصية نفسها مستمدة من طبيعة علاقة الجماعة اليهودية بالمجتمع الذي تعيش في كنفه (وتتشكَّل في إطاره) وليس لها علاقة بخصوصية يهودية تشمل كل اليهود. وقد غيَّر حدث ضخم، مثل الثورة البلشفية، نوعية المشاكل التي كان يواجهها أعضاء الجماعة اليهودية. فبعد أن كان يُفرَض عليهم الانعزال داخل منطقة الاستيطان، أصبح يتهددهم الاندماج، وبعد أن كانوا بعيدين تماماً عن مؤسسات صُنْع القرار، أصبحوا قريبين منها، لدرجة أن أعداء اليهود والبلاشفة كانوا يسمون الثورة البلشفية «الثورة اليهودية» . بل كانت هناك داخل التشكيل السياسي الروسي القيصري ثم البلشفي عدة تشكيلات يهودية مختلفة لكلٍّ مشاكلها الخاصة، فيهود جورجيا واجهوا مشاكل تختلف نوعياً عن مشاكل يهود اليديشية. أما اليهود القرَّاءون، فلم يواجهوا مشاكل حقيقية نظراً لأن الحكومة القيصرية اعتبرتهم جماعة منتجة، وبالتالي فإنها لم تُطبِّق عليهم أياً من القرارات التي طبقتها على يهود اليديشية. كما أن تواتر المسائل اليهودية داخل المجتمعات البشرية لا يعني بالضرورة أن هذه المسائل متشابهة أو أن الواحدة لها علاقة بالأخرى. فقد تتشابك المسائل كما حدث حينما هاجر يهود اليديشية بأعداد كبيرة إلى ألمانيا وقوضوا وضع يهود ألمانيا ومكانتهم. ولكن، مع هذا، تظل كل مشكلة أو مسألة يهودية مستقلة ولا يمكن فهمها إلا بالعودة إلى سياقها التاريخي والحضاري والاجتماعي. لكل هذا، يكون مصطلح «المسألة اليهودية» الذي يَفترض أن هناك مسألة يهودية واحدة، عالمية وعامة، مصطلحاً منافياً تماماً للحقائق المتعيِّنة للتاريخ، ومن ثم فإن قيمته التصنيفية والتفسيرية ضعيفة إلى أقصى حد. ومن الأفضل استخدام صيغة الجمع والتحدث عن «مسائل يهودية» . وحين يُستخدَم المصطلح في صيغة المفرد، فإنه يشير، في واقع الأمر، إلى المشاكل التي واجهها أعضاء الجماعات اليهودية (في القرن التاسع عشر) في أوربا، وبخاصة في شرقها، وبذلك تُستبعَد الجماعات اليهودية الأخرى كافة. وهذا التحديد الزماني المكاني يعطي المصطلح مضموناً حقيقياً ودلالة ومقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية. ويجب التمييز بين المسألة اليهودية في العصر الحديث من جهة، وبين المذابح التي كانت تُدبَّر ضد أعضاء الجماعة اليهودية في الماضي من جهة أخرى. ورغم أن كلاًّ من الظاهرتين ينبع من أساس واحد وهو كون اليهود جماعة وظيفية وسيطة، فإن أوجه الاختلاف بين الظاهرتين أساسية وجوهرية، فالمذابح التي دُبِّرت ضد أعضاء الجماعة اليهودية حتى بداية القرن السابع عشر تقريباً كانت، في كثير من الأحيان، من قبيل الثورة الشعبية ضد جماعة وظيفية إثنية تُشكِّل أجزاء من الطبقة الحاكمة وتُعَدُّ أداتها. أما المسألة اليهودية الحديثة، فهي مرتبطة بظهور الرأسماليات المحلية وتآكل دور الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية "نافعة" وتحولها إلى فائض بشري ومحاولة الدولة القومية التخلص من هذا الفائض البشري عن طريق دمجه أو تصديره أو تحويله إلى عنصر بشري نافع. وهي عملية لم تكن مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية وإنما كانت تسري على أعضاء الجماعات الإثنية والدينية الأخرى في المجتمع، أي أنها مرتبطة بآليات وحركيات خاصة بالمجتمع الغربي بعد تآكل النظام الإقطاعي وانتقاله من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الرأسمالي، وأخيراً بالتشكيل الإمبريالي الغربي. ويجب الانتباه إلى أن مسألة يهود شرق أوربا في القرن التاسع عشر ليست مسألة فريدة، فهي نمط متكرر في معظم المجتمعات التي تنتقل من النمط الزراعي التقليدي في الإنتاج إلى النمط الحديث. وعلى هذا، توجد مسألة هندية أو عربية في أفريقيا، ومسألة إيطالية أو يونانية في مصر، ومسألة صينية في جنوب شرق آسيا، ولعل التشابه بين المسألة الصينية في الفلبين والمسألة اليهودية في بولندا أمر ملحوظ بشكل ما ويستحق الإشارة إليه. لقد كان أعضاء الجماعة الصينية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة فكانوا يعملون وسطاء بين المستعمرين الإسبان والعنصر الفلبيني المحلي، تماماً كما كان اليهود وسطاء بين النبلاء البولنديين (الشلاختا) والفلاحين والأقنان الأوكرانيين داخل مؤسسات الإقطاع الاستيطاني ونظام الأرندا. وكان الصينيون يعيشون في جيتو يُسمَّى «باريان Parian» خارج مانيلا، تماماً كما كان اليهود يعيشون في الجيتوات والشتتل. وكان يُحظَر خروج الصينيين من الجيتو الخاص بهم بعد الساعة الثامنة. وقد طُرد الصينيون من الفلبين عدة مرات (1569 و1755) ودُبِّرت المذابح والهجمات ضدهم (في سنوات 1603 و1639 و1662 و1764) ، وفُرضت عليهم ضرائب خاصة باهظة. وتركَّز الصينيون في مانيلا في الأعمال التجارية والمالية، ونظموا أنفسهم داخل مؤسسات تشبه القهال. وكان الصينيون يضطلعون بدور مهم في المجتمع الفلبيني، ولكنهم بعد استقلال الفلبين فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، فحدثت محاولات للتخلص منهم بطردهم أو دمجهم عن طريق تحديثهم. ويمكن القول بأن المسألة اليهودية في أوربا، في العصر الحديث، هي محاولة لتحديث أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا بهدف دمجهم في مجتمعاتهم بعد أن فقدوا دورهم كجماعة وظيفية وسيطة، وهي محاولة حققت درجات متفاوتة من النجاح والإخفاق. ولفهم هذه الظاهرة، لابد أن نتعامل مع مركب من الأسباب الاقتصادية والسياسية والتاريخية والثقافية التي أدَّت إلى ظهورها، ومع الطريقة التي حاولت كل دولة التعامل بها مع الجماعات اليهودية ومع الجماعات الإثنية والدينية كافة، كما يجب أن نتعامل مع العناصر التاريخية والسياسية التي أدَّت إلى نجاح أو تعثُّر أو توقُّف هذه المحاولات. ويمكن القول بأن جذور المسألة اليهودية تعود إلى ما أسميناه «المسألة العبرانية» الناجمة عن ضعف الدولة العبرانية القديمة سواء في مواردها البشرية أو في مواردها المادية ووجودها في منطقة مهمة إستراتيجياً بين عدة إمبراطوريات عظمى، وهو ما أدَّى إلى تحوُّلها إلى معبر لهذه الإمبراطوريات، وجعل المجتمع العبراني مجتمعاً طارداً لقطاعات من سكانه وأصبح مصدراً أساسياً للمادة البشرية. وقد أدَّى هذا الوضع، في نهاية الأمر، إلى انتشار اليهود، كما جعل عندهم قابلية لأن يتحولوا إلى جماعات وظيفية (قتالية أو استيطانية أو تجارية) . ومع العصور الوسطى، كانت معظم الجماعات اليهودية في الغرب جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظيفة التجارة والربا وجمع الضرائب وأعمال مالية وإدارية مماثلة أخرى. لكن التجارة التي كان يضطلع بها أعضاء الجماعة الوسيطة هي ما يُطلق عليه «التجارة البدائية» . فالتاجر اليهودي لم يكن يُوظِّف أمواله في الإنتاج، كما كان يفعل تجار مدن العصور الوسطى الكبيرة، ولا يشتري مواد أولية ولا ينفق على صناعة الأقمشة جزءاً من رأسماله، بل كان مجرد وسيط يوزع منتجات لا يسيطر عليها ولا يخلق ظروف إنتاجها. وهكذا، لم تكن التجارة اليهودية تنطوي على أسلوب معيَّن لإنتاج فائض القيمة، وإنما كانت، على عكس التجارة المسيحية التي كانت تجارة تبادلية مرتبطة بالاقتصاد والإنتاج ذاته، تعيش على فائض القيمة الذي ينتجه الفلاحون، فهي تجارة توجد في الشقوق بين المجتمعات. وحينما تحوَّل الرأسمالي اليهودي إلى الإقراض كان إقراضه أيضاً استهلاكياً، على عكس الإقراض المصرفي الذي كان يساهم مباشرة في إنتاج فائض القيمة لأنه كان يُموِّل المشاريع التجارية والصناعية الكبيرة. ولقد لعب اليهود دور التاجر والمرابي والخمَّار ووكيل السيد الإقطاعي والوسيط في جميع الأمور. والمجتمع الإقطاعي المستند إلى إنتاج القيم الاستعمالية لا يتناقض مع الرأسمالية بشكلها التجاري الربوي البدائي، بل يضمن بقاءها واستمرارها. ولذلك لم يكن هناك وجود لأية مسألة يهودية في المجتمعات الإقطاعية، فالتاجر والمرابي اليهوديان كانا يقومان بدور حيوي مهم، إذ كان التاجر يُورِّد للمجتمع الإقطاعي السلع التي يحتاج إليها ويُصدِّر الفائض الإنتاجي، بينما كان المرابي يقرض الأمير الإقطاعي، وكذلك الفلاح، لشراء السلع الكمالية. بل إن التاجر أو المرابي اليهودي كانا أداة في يد النخبة الحاكمة الإقطاعية. وبهذا، كان اليهود أقنان بلاط (مماليك تجارية) يُستخدَمون لامتصاص الثروة من المجتمع ولضرب الطبقات التجارية الصاعدة. وقد ظهر، بين اليهود، يهود البلاط، وهم من كبار المموِّلين الذين كانوا يقومون بإدارة الشئون المالية لبعض الإمارات الألمانية والدول الغربية في عصر الملكية المطلقة، ويساعدون حكامها على تأسيس صناعات جديدة وارتياد آفاق اقتصادية لم يرتدها أحد من قبل. ولكن الوضع لم يختلف كثيراً، إذ كان يهود البلاط مرتبطين ارتباطاً كاملاً بالنخبة الحاكمة، وظل نشاطهم الاقتصادي محصوراً بحدود الملكيات والإمارات المطلقة. كل هذا كان يعني أن أعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة اليهودية (أقنان بلاط أو يهود بلاط) كانوا خارج التشكيلات البورجوازية والرأسمالية الغربية الصاعدة التي يشير إليها ماكس فيبر باعتبارها «الرأسمالية الرشيدة» . كما أن تبعيتهم هذه كانت تعني أن نشوء رأسمالية يهودية مستقلة مستحيل، إذ كان الحاكم يصادر أموالهم حينما يصلون إلى درجة عالية من الثراء كما حدث لكثير من يهود البلاط. وهذا الوضع في حد ذاته لا يخلق مسألة يهودية، بل إن مثل هذه المسألة تبدأ في الظهور حينما تتناقص حاجة المجتمع إلى اليهودي كتاجر أو مراب أو مدير مالي أو متعهد عسكري، وذلك بعد أن تنشأ طبقات تجارية ومالية محلية أو بعد أن تضطلع الدولة نفسها بمثل هذه الوظائف. وهذه عملية تتطور بالتدريج إلى أن يستغني المجتمع عن الجماعات الوظيفية الوسيطة تماماً. وقد بدأ تقلقل وضع اليهود كجماعة وظيفية وسيطة في غرب أوربا (في إنجلترا وفرنسا) في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين وطُردوا منهما، كما طُردوا من إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي. وكان يتم طردهم من الولايات الألمانية حتى القرن السابع عشر الميلادي، ولكنهم كانوا ينتقلون من واحدة إلى الأخرى، ولذا لم يتم طردهم منها نهائياً. وقد كان اليهود يحلون مشكلتهم بالتقهقر إلى الماضي، إذ هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى شرق أوربا، وبخاصة بولندا، حيث لعبوا دورالتاجر والمرابي ومحصِّل الضرائب مرة أخرى، واستمر وضعهم مزدهراً حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي. ولكن، بنشوء طبقات رأسمالية محلية في مجتمعات شرق أوربا، وتزايد دور الدولة فيها، بدأ اليهود يواجهون مشكلة التأقلم مع الوضع الجديد. فمراكز التجارة الإقطاعية كانت قد بدأت تنحل لتحل محلها مدن صناعية وتجارية جديدة، وهو ما ضيَّق الخناق على جماهير التجار اليهود وأدَّى إلى تدفُّق المهاجرين إلى مناطق أكثر قدرة على استيعابهم داخل روسيا ذاتها في بداية الأمر، ثم إلى غرب أوربا، وأخيراً إلى الولايات المتحدة. وعند هذه النقطة، تُطرَح قضية مدى نَفْع اليهود ومدى إنتاجيتهم، وتُثار الأسئلة الخاصة بازدواج الولاء، بكون اليهود يشكلون دولة داخل دولة. وبالتالي، فإن المسألة اليهودية (أي بداية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية اليهودية) بدأت مع الثورة التجارية وظهور الدولة القومية المركزية (المطلقة ثم الليبرالية ثم الشمولية) التي قامت بتوحيد جميع مناحي الحياة ودمج المواطنين كافة، وطالبتهم بالولاء الكامل والانتماء غير المشروط لها، وحاولت أن تصهرهم جميعاً (بما في ذلك أعضاء الأقليات) في بوتقة واحدة ينتظمها إطار واحد. وعلى هذا، أُعطىَ اليهود حقوقهم السياسية (أي تم إعتاقهم) ، وفُتحت أمامهم مجالات الحراك الاجتماعي، وسُمح لهم بالعمل في جميع الوظائف وفي الخدمة العسكرية، وأُسقطت حوائط الجيتو. ولكنهم طُولبوا في المقابل بأن يصلحوا أنفسهم وأن يتخلوا لا عن انعزاليتهم وحسب، وإنما عن خصوصيتهم أيضاً، فالمُثُل السائدة في الغرب آنذاك كانت هي مُثُل عصر الاستنارة "الأممية" التي تدور حول فكرة الإنسان الطبيعي. ومن ثم تعيَّن على أعضاء الجماعات اليهودية ألا يستخدموا سوى لغة الوطن الأم وأن ينبذوا اليديشية أو أية لغات أو لهجات أو رطانات سرية أو علنية خاصة بهم. وبخاصة في المعاملات التجارية حتى لا يغشوا أحداً (مثلما حُرِّم على الصينيين استخدام الصينية في المعاملات التجارية في الفلبين) ، كما طولبوا بتغيير أزيائهم وأسمائهم، بل إدخال إصلاحات على عقيدتهم الدينية بحذف الجوانب القومية من عقيدتهم لتصفية أي اشتباه في ازدواج الولاء. كما أصبح مفروضاً على اليهود عدم تدريس التلمود إلا بعد سن معينة. وكانت الدولة تقوم بتدريب حاخامات في مدارس دينية يهودية تشرف عليها، كما كانت تتدخل في تعليم اليهود كلَّ شيء بما في ذلك تعليمهم الدين، بل كانت تتدخل أحياناً في تحديد سن الزواج وعدد الأطفال المصرَّح بإنجابهم. التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة والمسألة اليهودية Modernization, Emergence of Rational Capitalism and the Jewish Question أدَّت عمليات التحديث وظهور الرأسمالية الرشيدة إلى تدهور وَضْع أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية في الغرب بسبب فقدانهم دورهم، وهو ما يُسمَّى «المسألة اليهودية» . ولكن التحديث نفسه وكذا الرأسمالية الرشيدة هما اللذان أدَّيا إلى حل المسألة. ويمكن تقسيم أوربا إلى ثلاث مناطق أساسية، وأساس التصنيف هو نمط التحديث السائد ومدى قوة أو ضعف الرأسمالية الرشيدة: 1 ـ غرب أوربا (إنجلترا وفرنسا وهولندا وغيرها) ، ثم الولايات المتحدة فيما بعد، وهي دول التحديث الحر: وهي مجتمعات حققت معدلات عالية من التقدم الاقتصادي في فترة مبكرة، وكان لها مشروع استعماري قوي ساهم في حل معظم مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وحقق قدراً من الوفرة ساعد على خفض حدة الصراعات الطبقية والتوترات الاقتصادية الداخلية. وقد قامت الطبقة البورجوازية بعملية التحويل الاجتماعي في هذا البلد وتبنَّت مُثُلاً ليبرالية منفتحة. وكانت الرؤية القومية التي سادت هذه المجتمعات هي الأخرى منفتحة، فكانت مسألة الانتماء للوطن مسألة غير عضوية أو عرْقية، وإنما مسألة انتماء قومي متاح لكل من وُلد داخل المجتمع ونشأ على أرضه وكان على استعداد للاضطلاع بوظيفته وأداء واجبه. ولذا، لم تستبعد المُثُل القومية في هذه المجتمعات أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما فتحت الأبواب والفرص أمامهم فحققوا الحراك الاجتماعي الذي يحتاجون إليه. وحتى النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، لم تكن معظم هذه البلاد تضم جماعات يهودية كبيرة، إما لعدم وجود يهود فيها أصلاً أو لأنهم طُردوا منها في مرحلة سابقة. وحينما استوطن اليهود مرةً أخرى في هذه البلاد، ابتداءً من القرن السادس عشر الميلادي أي مع بدايات التحديث، فإنهم استقروا في بلاد تحددت فيها الملامح الأساسية للاقتصاد التجاري الرأسمالي، وكانت تضم طبقة تجارية محلية قوية لا تخشى منافسة رأس المال اليهودي بل ترحب به لحاجتها إلى الاستثمارات في المشاريع الرأسمالية والاستعمارية المختلفة. وقد تم توطين أعضاء الجماعات اليهودية في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر، ثم في العالم الجديد داخل هذا الإطار. وقد كان اليهود الذين استقروا في هذه البلاد من أصل سفاردي ولديهم كثير من الكفاءات المطلوبة والاتصالات الدولية المهمة، كما كانوا متقدمين من الناحية الحضارية. ثم انضمت إليهم عناصر من الإشكناز شكلوا الأغلبية فيما بعد واستوعبوا كثيراً من عناصر الحضارة الغربية حولهم. ورغم أن العنصر الإشكنازي كان متمايزاً حضارياً ووظيفياً، إلا أن هذا التمايز تقوَّض بمرور الوقت من خلال المعدلات السريعة للتحديث وفتح باب الحراك الاجتماعي، وكذلك من خلال التقاليد السياسية الليبرالية السمحة. واستمرت عملية دمجهم في المجتمع حتى زال التمايز الوظيفي والاقتصادي تماماً، ثم تبعه التمايز السياسي والحضاري. لم تكن عملية التحديث سهلة أو متيسرة في أول الأمر، بل كانت بعض الحكومات مثل فرنسا تضطر إلى استصدار قوانين خاصة لفرض التحديث على اليهود الإشكناز في الألزاس واللورين. كما حدثت بعض المشاكل والتراجعات والترديات مثل حادثة دريفوس (في فرنسا) . ولعل ظهور الفكر العرْقي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وانتشاره فيها، هو شكل من أشكال التردي. وقد ظهرت بعض التوترات ذات الطابع العرْقي في إنجلترا في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، وذلك بعد هجرة يهود شرق أوربا بأعداد متزايدة، كما ظهرت التوترات نفسها فى الولايات المتحدة مع أزمتها الاقتصادية في الثلاثينيات. لكن مثل هذه المشاكل والتوترات لا تختلف كثيراً عن تلك التي تنشأ في أي مجتمع في فترات الأزمات الاقتصادية، بين أعضاء الأقليات فيها من جهة وبعض العناصر المتطرفة من أعضاء الأغلبية الذين يُضخِّمون خطر أعضاء الأقلية من جهة أخرى، وهي عادةً ما يتم التغلب عليها، كما حدث بالفعل في نهاية الأمر. 2 ـ وسط أوربا (النمسا وألمانيا) ، وهي دول التحديث المختلط والشمولي والتحديث تحت رعاية الدولة: وقد بدأ التحديث في هذه الدول وغيرها من دول وسط أوربا في وقت متأخر قليلاً، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وتم تحت إشراف بعض العناصر التقليدية في المجتمع (الملك وبعض النبلاء) أو بإشراف الحكومة، أي أن عملية التطور الصناعي لم تتم حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما بتدخل الحكومة. ولم يكن لهذه الدول مشروع استعماري قوي يساهم في تخفيف حدة التوترات الاجتماعية والاقتصادية (أو أن مشروعها الاستعماري تم إجهاضه على يد دول غرب أوربا ولصالحها) ، كما لم تَسُد المُثُل البورجوازية الليبرالية فيها، لأن الطبقة البورجوازية لم تكن قوية بما فيه الكفاية ولم تتول قيادة كل الطبقات، وقنعت في غالب الأمر بدور التابع. وعلى مستوى الرؤية القومية، ظهرت فكرة القومية العضوية (الجامعة الألمانية) ، وفكرة الشعب العضوي (الفولك) ، وهي التي حددت مسألة الانتماء القومي على أساس عضوي ثقافي ضيق، ثم حوَّلته في مرحلة لاحقة إلى مسألة انتماء عرْقي أو انتماء قومي ديني (القومية المسيحية) . وهذا الأمر ينطبق على ألمانيا أكثر من انطباقه على الإمبراطورية النمساوية المجرية، التي كانت تشجع التعددية كما هو الحال مع الإمبراطوريات المتعددة القوميات. وإن كان هذا لم يمنع من انتشار الرؤية الألمانية العضوية في النمسا التي كانت دائماً في محيط ألمانيا الثقافي. ولم يكن هناك جماعة يهودية كبيرة في وسط أوربا. فيهود ألمانيا، على سبيل المثال، لم يزد عددهم على 1% من عدد السكان، ولذا، فإنهم لم يكونوا جماهيراً بمعنى الكلمة. وقد حققوا معدلات عالية من الاندماج في محيطهم الثقافي، فكانوا يتحدثون اللغة الألمانية ويتبعون أسلوب الحياة السائد في المجتمع، وازداد الزواج المُختلَط بينهم. وقد برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من الرأسماليين (من ورثة يهود البلاط) ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. إلا أن ثمة عناصر أخرى فصلتهم عن محيطهم الثقافي وخلقت لهم وضعاً خاصاً وأعاقت عملية التحديث، منها: أ) يُلاحَظ أن الهجرة من شرق أوربا في منتصف القرن التاسع عشر حتى عام 1880، والتي كانت هجرة داخلية أي من بلد أوربي إلى آخر، كانت تقذف بأعداد كبيرة من يهود اليديشية المتخلفين، المتمايزين حضارياً وطبقياً، إلى ألمانيا والنمسا. وحينما ضم هذان البلدان أجزاء من بولندا، ضما معها أعداداً كبيرة من يهود اليديشية، الذين هاجرت أعداد منهم إلى المدن الألمانية والنمساوية وبدأوا يصبغون الجماعات اليهودية فيها بصبغة يهودية فاقعة. وكان هؤلاء المهاجرون يُشكِّلون التربة الخصبة للأفكار الصهيونية، كما كانوا يفرضون على يهود هذه البلاد تبنِّي الصهيونية التوطينية حلاًّ لمشاكل اللاجئين. ولا يمكن فهم دعوة هرتزل للصهيونية، وهو اليهودي المندمج بل المنصهر، إلا بإدراك أنه كان مهدداً بفقدان موقعه الطبقي ومكانته الاجتماعية وانتمائه الحضاري بسبب وفود الآلاف من يهود اليديشية. وقد كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا لا يزيد عن بضع مئات في أواخر القرن الثامن عشر، ثم قفز عددهم إلى نحو 176 ألفاً مع بداية القرن العشرين. ب) ورغم أن يهود ألمانيا والنمسا كانوا مندمجين في محيطهم الثقافي، فإنهم كانوا يتميَّزون طبقياً ووظيفياً. فعدد كبير منهم، وبخاصة في ألمانيا، كان من العاملين بالتجارة وشئون المال وبنسبة تفوق نسبتهم إلى عدد السكان. وبعد تَصاعُد عملية التحديث في ألمانيا، وبخاصة بعد حرب عام 1870 وضم الألزاس واللورين. ومع بدايات المشروع الاستعماري الألماني، ازداد المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية نشاطاً، وازداد وجودهم وضوحاً حتى ارتبط اليهود في الوجدان الشعبي بالمشروع الحر والاستغلال الرأسمالي والمضاربات، هذا على الرغم من وجود أعداد كبيرة من اليهود المتسولين والفقراء. جـ) ارتبطت عناصر يهودية أخرى بالحركات الثورية، بحيث ارتبط اليهود في الوجدان البورجوازي في هذه الدول بالشيوعية والحركات الفوضوية والثورية، وزادت هذه العناصر تميُّز اليهود وعزلتهم عن كثير من الطبقات والقطاعات داخل المجتمع. وظل الجو في وسط أوربا مشحوناً بالكراهية العنصرية ضد أعضاء الجماعات اليهودية حتى الحرب العالمية الأولى، حين تحوَّلت النمسا إلى بلد صغير لا أهمية له، وتم تحطيم ألمانيا وإذلالها والقضاء على مشروعها الاستعماري، ثم تحويلها هي ذاتها إلى شبه مستعمرة. وعندما عاودت ألمانيا التحديث، تم ذلك تحت مظلة الدولة وتحت لواء فلسفة شمولية ترفض كلاًّ من البلشفية والليبرالية، وتطرح رؤية عرْقية عضوية صارمة تُهمِّش مختلف أعضاء الجماعات الذين لا ينتمون انتماءً عضوياً كاملاً إلى الأغلبية، وبخاصة اليهود الذين تركَّزوا في اليمين واليسار. وقد سقط رأس المال الذي يملكه الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية وهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفلسطين، بما تبقى من ثرواتهم. 3 ـ شرق أوربا (أي روسيا وبولندا ورومانيا) ، وهي الدول ذات الاقتصاد الرأسمالي المتخلف التي تعثَّر فيها التحديث وتوقف، ثم استؤنف على النمط الاشتراكي: وقد بُذلَت محاولات شتى في هذه البلاد لتحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج، وخُصِّصت الجوائز للحرفيين وأصحاب العمل الذين يُشغِّلون الصناع اليهود، وأُرسل ألوف اليهود لاستصلاح الأراضي في بعض المناطق الروسية. وحاولت الحكومة إدخال التعليم العلماني بين اليهود ليكتسبوا خبرات تؤهلهم للتعامل مع البنيان الاقتصادي الجديد، واستمرت هذه المحاولات التي ساهم فيها أثرياء اليهود في الغرب حتى عام 1880 تقريباً، ولذلك يُلاحَظ أن الهجرة اليهودية، حتى ذلك الوقت، كانت هجرة داخلية إلى المراكز الصناعية. ومما ساعد على تخفيف حدة الانتقال إلى النمط الرأسمالي في الإنتاج، في مرحلة ما قبل عام 1880، أن النمط الرأسمالي (في مراحله الأولى) كان يتم بأشكال بدائية، وهو ما أتاح لعدد من اليهود أن يجدوا مجالاً رحباً للعمل في التجارة (في المدن الصناعية الجديدة) وفي الحرف. وقد ظهرت حركة التنوير اليهودية تعبيراً عن تقبُّل اليهود واليهودية لعملية التحديث. ولكن محاولات تحديث اليهود تعثَّرت في شرق أوربا، وتفاقمت المسألة اليهودية لأسباب مركبة يرجع بعضها إلى طبيعة تركيب الدولة الروسية وطبيعة النظام الاجتماعي السائد فيها وفي دول شرق أوربا، والبعض الآخر يرجع إلى بعض السمات الخاصة بالجماعة اليهودية في روسيا وبولندا، ومن هذه الأسباب: 1 ـ بدأت عملية التحديث، في روسيا وبولندا، في مرحلة متأخرة جداً، إذ كان اقتصادهما، حتى بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، اقتصاداً يشبه من الناحية الأساسية اقتصاد البلاد التي يُقال لها متخلفة. ولم يكن لبولندا أو رومانيا مشروعات استعمارية مستقلة، بل كانتا مستعمرتين من قبل روسيا والدولة العثمانية. أما روسيا، فقد كان لها مشروعها الاستعماري الجديد في آسيا على حدودها مع تركيا في منطقة البحر الأسود، وعلى حدودها مع بولندا وأوكرانيا وغيرهما، وعلى حدودها مع الصين واليابان. ولكن هذا المشروع بدأ متأخراً أيضاً ولم يكن قد آتى أُكله بعد نظراً لحداثته ولعدم كفاءة البيروقراطية الروسية وعدم وجود رأس المال الروسي الكافي للاستثمار فيه. بل يُقال إن المشروع الاستعماري لروسيا القيصرية كان يُشكّل عبئاً على الخزانة الروسية، ولذا كان بعض المفكرين الروس يطالبون الدولة القيصرية بالانسحاب من مستعمراتها. ولهذا، لم يساهم المشروع الاستعماري الروسي في حل المشاكل الداخلية للدولة، بل لعله زادها تفاقماً. 2 ـ لم تسُد المُثُل الليبرالية لا في المجال الاقتصادي ولا في المجال السياسي. ويعود هذا إلى عدة أسباب من بينها حجم الدولة الروسية الضخم، وهذه هي إحدى سمات التشكيل الحضاري المتعدِّد القوميات المترامي الأطراف والذي تلعب الدولة فيه دائماً دوراً مركزياً في عمليات النهضة كما تُشكِّل عنصر التوحيد الأساسي. ومن ناحية أخرى، فإن البورجوازية الروسية كانت ضعيفة وهزيلة إلى أقصى حد، ولذا فإن عملية التحديث تمت بقيادة الحكومة الأرستقراطية الروسية الملتصقة بالكنيسة. كما أن القومية البولندية كانت دائماً ملتصقة بالكنيسة الكاثوليكية. وقد سادت مُثُل قومية عضوية منغلقة تجعل الانتماء مسألة ثقافية عضوية أو مسألة عرْقية أو دينية. 3 ـ لم تكن عملية الدمج في دول شرق أوربا تتم داخل إطار حضاري منفتح يفترض المساواة بين الأفراد ويُظهر الاحترام للتراث الحضاري لكل الأقليات، وإنما كان ثمة افتراض بأن حضارة الأغلبية المسيحية أكثر أهمية، وأنَّ من واجب اليهود اللحاق بركب هذه الحضارة. 4 ـ لم تكن عملية الدمج والتحديث والإعتاق تتم عن طريق الإقناع أو عن طريق إظهار النتائج الإيجابية والمكاسب التي قد تحرزها الجماهير اليهودية، وإنما كانت هذه العملية تتم عن طريق الإرهاب والقسر، الأمر الذي كان يثير مخاوف الجماهير اليهودية فتندفع عائدة إلى الجيتو (الفعلي والنفسي) حيث الأمن والطمأنينة. 5 ـ ونظراً لتميُّز الوضع الطبقي لأعضاء الجماعات اليهودية وارتباطهم بالطبقات الحاكمة وبالنظام الإقطاعي داخل نظام الإقطاع الاستيطاني والأرندا، كانت الحركات القومية والثورية الصاعدة تناصبهم العداء ولا تحاول تجنيدهم في صفوفها (إلا في حالات نادرة) ، إذ كان اليهود يُعَدُّون من الغرباء والأعداء. وبعد الحرب العالمية الأولى، استُؤنف التحديث في روسيا. أما بولندا وغيرها من دول شرق أوربا، فقد خرجت من الحرب بعد أن عانت من دمار رؤوس الأموال والممتلكات والحياة. وقد ضعفت السوق المحلية تماماً، وحلَّت محلها وحدات اقتصادية صغيرة متنافسة. وقد تدخلت حكومات هذه الدول، وكانت دولاً مركزية حديثة، فقامت بالدفاع عن مصالحها ومصالح طبقاتها الوسطى على حساب الأقليات التي تعيش داخل حدودها. ومما زاد التناقض تفاقماً أن انخفاض مستوى المعيشة كان يعني، أحياناً، ارتفاع مستوى معيشة أعضاء الجماعة اليهودية نظراً لاشتغالهم بالتجارة ولوجود كفاءات لديهم لم تكن متوافرة لبقية أعضاء المجتمع. كما أن تحويلات المهاجرين اليهود، من الخارج (الولايات المتحدة وغيرها من الدول) إلى ذويهم، ساهمت في هذا الإنعاش أيضاً. كل هذه العناصر ساهمت في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن بقية المجتمع وعمَّقت وضعهم كغرباء، وهذا ما جعل الدول لا تكترث بدمجهم وتحديثهم، بل تبذل قصارى جهدها أحياناً لطردهم. ومن هنا، فقد تبنَّت الحكومات الرجعية في هذه الدول سياسة صهيونية تجاه المسألة اليهودية. 6 ـ ومما ساعد أيضاً على تعثُّر عملية تحديث اليهود أن مجتمعات شرق أوربا كانت تخوض تحولات اقتصادية وسياسية عميقة بسبب سرعة معدل النمو الاقتصادي والحضاري في هذه المجتمعات، فهي مجتمعات لم تكن تمارس عملية النمو على النمط الأوربي الغربي البطيء الذي استغرق مئات السنين، وإنما كانت مجتمعات تنمو على نمط العالم الثالث، حيث تحاول الدولة القومية الجديدة أن تقوم بالثورة التجارية والقومية والاجتماعية والصناعية في وقت واحد، رغم ما قد يكون بين هذه الثورات من تناقض في الأهداف والوسائل في بعض الأحيان. كما أن معدلات النمو السريع لا تسمح بتاتاً بالعمل البطيء أو الخطأ المحتمل ومحاولة علاجه، بل تتطلب تحديد الأهداف والاندفاع نحوها. كما أن عملية التحول البطيئة تسمح لأعضاء الأقليات بأن يكتسبوا الخبرات المطلوبة للعمل في الاقتصاد الجديد، وأن يكتسبوا الهوية الجديدة الملائمة للمجتمع الجديد. ففي روسيا مثلاً، كانت المراحل الأولى للانتقال إلى الرأسمالية بطيئة نوعاً، كما أسلفنا، ولم تكن حركة شاملة بعد. غير أن النمو الرأسمالي لم يتوقف عند هذه المرحلة، بل اتسعت رقعة الصناعة لتشمل الصناعة الخفيفة أيضاً، فكان ذلك بمثابة ضربات قاضية دمرت الاقتصاد الإقطاعي ودمرت معه الفروع الرأسمالية الحرفية، حيث كان اليهود يتركَّزون بنسبة مرتفعة. وهكذا، تشابكت عملية تحويل التاجر اليهودي لما قبل الرأسمالية إلى عامل حرفي أو تاجر رأسمالي مع عملية أخرى وهي القضاء على العمل الحرفي لليهودي. ولكن الحرفي اليهودي لم يتمكن من التحول إلى عامل بسبب منافسة الفلاحين الروس المقتلَعين من مزارعهم ذات المستوى المعيشي المنخفض. 7 ـ ومما زاد الأمور تشابكاً وتعقُّداً أن الحرفي اليهودي كان يعمل في كثير من الأحيان فيما يمكن تسمَّيته «الحرف اليهودية» التي وُلدت في الظروف الخاصة بالشتتل والجيتو اليهودي. فلم يكن الحرفي اليهودي يعمل من أجل الفلاحين المنتجين، بل كان يعمل من أجل التجار والصيارفة والوسطاء، ولذلك نجد أن إنتاج السلع الاستهلاكية هو الشاغل الرئيسي للحرفي اليهودي، ذلك لأن زبائنه يتألَّفون من رجال متخصصين في تجارة الأموال والبضائع وغير منتجين أساساً. أما الحرفي غير اليهودي، فإن ارتباطه بالاقتصاد الزراعي جعله لا يُنتج سلعاً استهلاكية، لأن الفلاح يكفي نفسه بنفسه. وهكذا، كان الحرفي غير اليهودي (الحدّاد) يوجد إلى جانب الفلاح، وإلى جانب رجل المال اليهودي كان يوجد الحرفي اليهودي (الخياط) . وقد ساعد على تطوُّر الحرفي المسيحي ارتباطه بالتاجر المسيحي الذي كان يُوظِّف أمواله في حرف متخصصة غير مرتبطة بالنظام الإقطاعي (مثل نسج الأصواف) ، وهي حرف كان الغرض منها الإنتاج للتصدير وليس للاستهلاك المباشر، أي أنها تقع خارج نطاق النظام الإقطاعي وتُمثِّل نواة الاقتصاد الجديد، وبالتالي فهي لم تسقط مع الاقتصاد القديم. وانعكس هذا الوضع على الطبقة العاملة اليهودية، فكانت الحرف الأقل قابلية للتطور إلى صناعة محصورةً في أيدي الحرفيين اليهود، على حين انحصرت المهن الأكثر قابلية لهذا التطور في أيدي الحرفيين غير اليهود. فمثلاً نجد أن 99% من صانعي الأقفال كانوا من غير اليهود، في حين كان 94% من الخياطين من اليهود. ويُلاحَظ أن أول الكوادر العمالية التي وُجدَت في صناعات التعدين والنسج قد تشكَّلت بصورة مطلقة من غير اليهود. 8 ـ وثمة عناصر أخرى زادت من حدة المسألة اليهودية في أوربا الشرقية، من أهمها أن الأغلبية العظمى من يهود أوربا ويهود العالم كانت موجودة في بولندا وأوكرانيا التي كانت تتبعها. وقد تم تقسيم بولندا عدة مرات، وتم تقسيم أعضاء الجماعة اليهودية فيها بين عدة دول، لكل منها لغتها وسياستها وتوجُّهها الحضاري. فضمت روسيا الجزء الأكبر من الجماعة اليهودية وحاولت ترويس اليهود، أي صبغهم بالصبغة الروسية. وضمت ألمانيا جزءاً آخر، واعتبرت اليهود مواطنين ألمانيين نتيجةً لأنهم كانوا يتحدثون اليديشية (وهي رطانة ألمانية) ، وذلك حتى تضرب بهم السكان السلاف. وُضمَّت جاليشيا إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حاولت أن تفرض عليها الولاء والانتماء إليها. أما بولندا، فكانت تطالب من تبقَّى من اليهود فيها بأن يصبغوا أنفسهم بصبغة بولندية. وقد تضاعف عدد يهود رومانيا بعد أن ضمت مقاطعات كانت توجد فيها نسبة عالية من اليهود. وكانت هذه التقسيمات تتم بسرعة وتتضمن تحولات حضارية جوهرية وعميقة دون أن تكون هناك الفسحة الزمنية اللازمة لإنجاز التحول المطلوب. ويُلاحَظ أنه أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، وقبل قيام الثورة البلشفية، كانت الحدود الجغرافية في المنطقة الحدودية التي يقطنها اليهود في حالة سيولة كبيرة، إذ أصبحت جاليشيا وبكوفينا وبولندا الروسية وليتوانيا مسرحاً للعمليات العسكرية تتحرك فيها الجيوش الألمانية والروسية. وقامت القوات الألمانية في بولندا بمحاولة تجنيد اليهود باعتبارهم عنصراً ألمانياً، وأصدرت القيادة العسكرية الألمانية منشورات بالعبرية واليديشية إلى «إخواننا اليهود» . وقام الروس البلاشفة أيضاً بطرح أنفسهم باعتبارهم محرِّري اليهود وكل الأقليات. ومن ثم فقد طالبوا أعضاء الجماعة اليهودية بمساندتهم والتحالف معهم. وقد انتهزت العناصر الأوكرانية هذه الفرصة وهاجمت العناصر اليهودية المحلية. وتسبَّب ذلك في إخفاق أعضاء الجماعة في تحديد ولائهم وفي تحديث أنفسهم كما هو مطلوب منهم، وكما حدث فعلاً بين بني ملَّتهم في غرب أوربا. وبعد هذا الحديث العام والشامل عن مسألة يهود شرق أوربا من ناحية العناصر المشتركة، يمكننا أن نقلِّل من مستوى التعميم قليلاً ونركِّز على روسيا. ونحن في واقع الأمر، حين نتحدث عن يهود شرق أوربا أو يهود اليديشية، نتحدث عن روسيا التي ضمت بولندا مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي فظلت تابعة لها حتى الحرب العالمية الأولى. وبالتالي، فإن روسيا كانت تضم داخل حدودها الأغلبية الساحقة من يهود اليديشية، أي معظم يهود العالم. ومن أهم الأسباب التي ساهمت في عرْقلة عملية تحديث أعضاء الجماعة اليهودية في الإمبراطورية القيصرية ما يلي: 1 ـ كان يهود بولندا يلعبون دوراً تجارياً محدداً ونشطاً في بولندا بسبب إحجام الأرستقراطية البولندية عن العمل في التجارة. وكان النبيل الإقطاعي يفقد منزلته الطبقية إن عمل في التجارة، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام اليهود. وحينما ضُمَّت أعداد كبيرة منهم إلى روسيا، وجدوا أنفسهم داخل تشكيل حضاري جديد توجد داخله طبقات تجارية كبيرة ونشيطة، خصوصاً أن النبلاء الروس لم يكن مُحرَّماً عليهم الاشتغال في التجارة. وقد شهدت الصناعة والتجارة الروسيتان حركة انتعاش عام 1807، بعد أن فرض نابليون على روسيا مقاطعة إنجلترا تجارياً، وكانت روسيا في واقع الأمر مستعمرة لإنجلترا من الناحية التجارية. وأدَّى نهوض الحركة التجارية في روسيا إلى ضعف نشاط التجار اليهود. 2 ـ لم يكن في روسيا جماعات يهودية تُذكَر حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، بل كان محظوراً على اليهود دخول روسيا. وإن تم التصريح لهم بالدخول، كان عليهم مغادرتها في الحال. ولما ضمَّت روسيا أجزاءً من بولندا، وضمَّت معها أعداداً كبيرة من اليهود، وجدت روسيا نفسها تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم له صفاته الحضارية المميزة ولغته الغريبة وعقيدته أو عقائده الفريدة التي يدين بها. ولم يكن لدى البيروقراطية الروسية أية معرفة باليهود أو لغتهم أو مشاكلهم. 3 ـ كانت روسيا دولة تحكمها ملكية مطلقة، ولذا فإن مؤسسات الحكم فيها لم تكن مؤسسات حديثة قادرة على مساعدة الأقليات على الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى. بل ربما كان الوضع في روسيا أكثر سوءاً من غيرها من الدول لضخامتها وفساد موظفيها الذين كانوا في العادة مرتشين لا يؤمنون بأهمية العمل الذي يقومون به ولا يدركون أبعاده التاريخية والاجتماعية. وحتى حينما كانت تتوافر النية الصادقة، لم تكن هذه البيروقراطية تمتلك الأدوات اللازمة لترجمة الأفكار الإصلاحية إلى واقع اجتماعي جديد. ولذا، فإن اليهود، الذين كانوا راغبين بإخلاص في أن يخضعوا لعملية التحديث، وجدوا أنفسهم مواجَهين بمؤسسات هزيلة ليس لديها الإمكانات المطلوبة. ويمكن أن نضرب مثلاً بمحاولة بعض أعضاء الجماعة اليهودية الاستجابة إلى محاولات تحديثهم عن طريق العمل بالزراعة (ليخرجوا بذلك من مسام المجتمع الإقطاعي ويدخلوا في قطاع المهن المنتجة) ؛ غير أن هذه المحاولة ارتطمت ابتداءً بحقيقة أن الجماعة اليهودية كانت من الجماعات القومية الروسية التي ليس لها أرض. وتم التغلب على هذه العقبة بأن خصصت الدولة القيصرية مساحات من الأرض لتوطينهم. ولكن، لم تكن هناك خطة واضحة للتوطين، فحين تقدمت عدة أسر يهودية عام 1806 إلى حاكم مقاطعة موخيليف لتوطينها في إحدى المناطق المخصصة لهم، لم يتم ذلك إلا بعد مفاوضات طويلة، فاتفق وزير الداخلية مع حاكم الولاية على أن يخصص لهم ستون ألف إيكر (يعادل الإيكر نحو أربعة آلاف متر مربع) من أراضي الإستبس على ضفاف أحد الأنهار. وبعد معاينة الموقع، تقدَّمت نحو 779 أسرة يهودية للاستيطان هناك. ولكن الحكومة لم تقدِّم لهم سوى مساعدات مالية ضئيلة للغاية أنفقها المستوطنون الجدد وهم بعد في الطريق. وعند وصولهم إلى المكان المحدد لهم، وجدوا أن السلطات لم تكن على استعداد لاستقبالهم، وفتكت بهم الأمراض. ومع هذا، فقد استمر تدفُّق اليهود إلى أن أُلغي مشروع التوطين عام 1810. 4 ـ ارتطمت محاولة تحويل اليهود إلى مزارعين بحركة إعتاق أخرى هي حركة تحرير الأقنان عام 1860، وهذه الحركة الأخيرة ضيَّقت الرقعة الزراعية التي يمكن توطين اليهود فيها. وكما بيَّنا من قبل، كان تحرير الأقنان واليهود وأعضاء الأقليات الأخرى جزءاً من حركة واحدة تهدف إلى بناء الدولة المركزية القومية الحديثة في روسيا. 5 ـ وكانت الكتلة البشرية اليهودية في تلك المنطقة (روسيا وبولندا) تُشكِّل معظم يهود العالم، وهي كتلة منعزلة إلى حدٍّ كبير عن محيطها السلافي على المستوى الحضاري والديني والوظيفي، يتحدث أعضاؤها اليديشية ويرتدون أزياء مغايرة لتلك السائدة في المجتمع، ويطلقون لحاهم وسوالفهم بطريقة غريبة. وقد كانت تهيمن عليهم قيادات أرثوذكسية وحسيدية تقليدية غير مدركة للانقلابات الحضارية الاقتصادية التي كانت تحدث في أوربا آنذاك. وكانت أغلبية يهود شرق أوربا من أتباع الحسيدية، كما أن اليهودية نفسها (كنسق ديني) كانت قد وصلت إلى مرحلة من التحجر والتخلف بعد جفاف الفكر التلمودي وبعد هيمنة الحسيدية والقبَّالاه، بحيث أصبح من العسير عليها التأقلم مع الوضع الجديد. ولذا، قوبلت محاولات التحديث في أغلب الأحيان بمعارضة حادَّة من قبل الجماهير اليهودية التي كانت تشعر بأن عملية التحديث هذه ستفقدها مهاراتها وقناعتها التقليدية وستدخلها في عالم غريب عليها. كما أن هذه الجماهير كانت تشعر بأن دعاة الاندماج والتحديث ليسوا إلا نخبة مستفيدة لديها ـ وحدها ـ الكفاءات اللازمة للدخول في هذا العالم الجديد الغريب. وإلى جانب كل هذا، لم يكن يهود شرق أوربا، رغم عزلتهم وتميُّزهم، يشكِّلون وحدة على نحو ما كانوا حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فقد تهدّم نظام الشتتل تماماً، وانتشرت العلمانية في صفوفهم، وانصرف كثير من الشباب عن العقيدة اليهودية، بل سلكوا درب الجماعات الثورية. 6 ـ وكان من الممكن أن تخف حدة المشكلة عن طريق الهجرة من روسيا وبولندا ورومانيا إلي الولايات المتحدة. وبالفعل، راحت جماهير اليهود غير القادرة على التأقلم تهاجر بالمئات ثم بالآلاف ثم بمئات الآلاف، حتى بلغ عدد من هاجر من يهود اليديشية عدة ملايين. ولكن، لم ينتج عن هذه الهجرة أي تخفيف من حدة الموقف، إذ أن نسبة تزايُد اليهود كانت مرتفعة جداً، شأنها في هذا شأن نسبة تزايُد سكان أوربا بعد الثورة الصناعية. وعلى سبيل المثال، تضاعف يهود جاليشيا على مدى خمسين عاماً. أما في روسيا، فرغم معدلات الهجرة العالية إلى الولايات المتحدة، ورغم اندماج أعداد لا بأس بها، فإن معدل تزايُد السكان اليهود كان يفوق معدل الهجرة والاندماج ويفوق معدل الزيادة بين الروس أنفسهم. فقد كان عدد اليهود عام 1850 نحو 2,350,000، ولكنه تضاعف خلال خمسين عاماً ليصبح 5000.000 عام 1895. ومن المعروف أن عدد سكان كيشينيف كان قد زاد من عشرة آلاف إلى ثمانية عشر ألفاً في عشرين عاماً، قبل قوع المذبحة التي كثيراً ما تُذكَر في الأدبيات الصهيونية. ويذكر أبراهام ليون أن عدد اليهود قد تضاعف خمس مرات بين عامي 1825 و1925، فتكون نسبة الزيادة أكثر مرة ونصف المرة من نسبة الزيادة بين شعوب أوربا. وقد أدَّى كل هذا إلى تعثُّر عملية التحديث عدة سنوات، ثم إلى توقفها شبه الكامل مع بداية القرن العشرين. وأدَّى هذا، بالتالي، إلى تصعيد حدة الصراع الطبقي وإلى الثورات الاجتماعية الحادة التي انتهت بالثورة البلشفية. وتمثَّل هذا التعثر في صدور قوانين مايو عام 1881 التي حرَّمت على أعضاء الجماعة اليهودية الانتقال خارج منطقة الاستيطان اليهودية في روسيا، وفي المذابح المتكررة التي وقعت في ذلك الوقت. ويمكن التأريخ لظهور الحركة الصهيونية بين اليهود بهذا التاريخ. ففي هذه الفترة طُرح بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل جدي الحل الصهيوني للمسألة اليهودية، وهو الحل الذي يرى ضرورة إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين ليهاجر إليها اليهود. وقد تحالفت العناصر الصهيونية، متمثلة في الصهيونية التوطينية في الغرب، مع الصهيونية الاستيطانية في شرق أوربا، ومع بعض القطاعات الدينية التي اكتشفت خطر سقوط الجيتو على اليهودية كما عرفوها وخبروها. والحل الصهيوني لمسألة يهود شرق أوربا هو، في جوهره، الحل الاستعماري الذي يتلخص في تصدير المشاكل إلى الشرق، سواء أكانت هذه المشاكل متمثلة في الفائض السلعي أم كانت متمثلة في الفائض البشري الذي كان اليهود يشكِّلون نسبة كبيرة منه. وفي هذه الحالة، تم ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية (أي تقسيم الدولة العثمانية) ،فيتم حل المسألة اليهودية (فائض يهودي لا نَفْع فيه) بتصديره إلى الشرق وتوطينه في فلسطين، ويقوم المستوطنون هناك بتأسيس قاعدة للاستعمار الغربي تحمي مصالحه. وهكذا، ينجح الغرب في التخلص من فائضه البشري ويوظفه في خدمته. أما الفائض اليهودي ذاته، فإنه ينجح بذلك في تحقيق الانتماء إلى الغرب خارج أوربا ولكن من خلال التشكيل الإمبريالي الغربي، وذلك بعد أن فشل في تحقيق هذا الانتماء داخلها من خلال التشكيل الحضاري والقومي الغربي. وقد طُرحت تصورات لحل المسألة اليهودية من بينها الاندماج وقومية الدياسبورا. وقد قُدِّر للمسألة اليهودية أن تُحَلّ، ولكن الصهيونية لم تكن المسئولة عن ذلك في واقع الأمر. بل إن ظهور الصهيونية يعوق إتمام هذه العملية التي ستؤدي في نهاية الأمر إلى تحوُّل اليهودية إلى انتماء ديني وحسب، وإلى سقوط الأوهام الدينية القومية التي أفرزها وضع الجماعات اليهودية المتميِّزة كجماعة وظيفية وسيطة. وقد اندمج يهود غرب أوربا في مجتمعاتهم، وازداد هذا الاندماج بعد انحسار موجة هجرة يهود اليديشية. وفي ألمانيا، حُلَّت المسألة نتيجة لظروفها الخاصة بالطريقة النازية، أي بالإبادة، وذلك بعد فشل محاولات التهجير القسري لليهود. أما في الولايات المتحدة، ورغم أن الجذور الجيتوية اليديشية (الشرق أوربية) لا يزال لها أثر في التكوين الاقتصادي والنفسي للجماعة اليهودية، مثل تركُّزهم في أحياء خاصة بهم وزيادة عددهم في الصناعات الاستهلاكية والمهن الحرة، إلا أن أعضاء الجماعة اليهودية قد حققوا على وجه العموم الاندماج الاقتصادي والحضاري شبه الكامل. ومن ثم، فإن الهجرة من صفوف يهود أمريكا إلى إسرائيل تكاد تنعدم. وقد حلَّت الثورة البلشفية المسألة اليهودية في روسيا، ثم في بولندا، بتحقيق المساواة بين الأقليات الدينية والعرْقية كافة. ومن الضروري، ونحن ندرس المسألة اليهودية، أن نميِّز بينها وبين المسألة الإسرائيلية. فالمسألة اليهودية هي مشكلة يهود أوربا، وبخاصة يهود اليديشية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. أما المسألة الإسرائيلية، فهي مشكلة التجمع الاستيطاني الصهيوني، خصوصاً جيل الصابرا الذي وُلد على أرض فلسطين، ونشأ فيها، ولا يعرف لنفسه وطناً آخر. وقد تشابكت المسألتان، ولكن يظل لكل مسألة حركياتها وآلياتها ومسرحها التاريخي والجغرافي المختلف. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الإعتاق
Emancipation كلمة «إمانسبيشن emancipation» الإنجليزية يمكن أن تُترجَم إما بكلمة «عتق» أو «إعتاق» ونستعمل في هذه الموسوعة مصطلح «إعتاق» كما في عبارة «إعتاق الأقنان في روسيا القيصرية» على أساس أن عملية تحرير اليهود قد تمت، لا بمبادرة من أعضاء الجماعات اليهودية، وإنما نتيجةً لحركيات اجتماعية وسياسية عامة داخل المجتمعات الغربية، كما أن التحرر والتحديث كانا يُفرَضان في كثير من الأحيان فرضاً على أعضاء الجماعات اليهودية، وبخاصة في شرق أوربا. ولفظة «الإعتاق» من الفعل المتعدي «أعتق» الذي يفيد وقوع الفعل على العبد (مثلاً (. وحركة الإعتاق هي ثمرة تطبيق قيم حركة الاستنارة الأوربية ومُثُلها على أعضاء الجماعات اليهودية كالتسامح، والمساواة بين البشر، والإيمان بأن الإنسان نتاج بيئته وليس مولوداً بكل صفاته، والإيمان بأن العقل هو المصدر الأساسي وربما الوحيد للمعرفة. وحركة الإعتاق هي في جوهرها حركة تحديث للمجتمع ككل، بما في ذلك أقلياته. لكن إعتاق اليهود لم يكن شيئاً فريداً نادراً أو مقصوراً عليهم وإنما كان جزءاً من حركة عامة في أوربا في القرن التاسع عشر الميلادي وتضم أقليات وفئات أخرى كثيرة: الزنوج، والنساء، والأقنان، والكاثوليك في البلاد البروتستانتية، والبروتستانت في البلاد الكاثوليكية. وقد حصل أعضاء هذه الأقليات على حقوقهم كاملة كمواطنين. ولكن الدولة القومية العلمانية الحديثة التي حوَّلت نفسها إلى المطلق الأوحد، وفصلت نفسها عن الدين، وعن القيم المطلقة بشكل عام، منحتهم هذه الحقوق، ثم طلبت إليهم أن يقوموا بدورهم بفصل حياتهم داخل الدولة (كمواطنين) عن انتماءاتهم الدينية، أو عن أية انتماءات قد تتعارض مع الانتماء القومي. أما اليهود، فقد كان عليهم أن يتخلوا عن خصوصيتهم الإثنية الدينية وانعزاليتهم التقليدية وعن ولائهم الغامض إلى أرض الميعاد البعيدة مقابل أن يصبحوا مواطنين لهم كل الحقوق. وحركة الإعتاق ذات شقين: شق سياسي يتمثل في إعطاء اليهود حقوقهم السياسية والمدنية، وشق اجتماعي هو إعطاء اليهود حقوقهم الاقتصادية وإتاحة فرص العمل والحراك الاجتماعي أمامهم. وثمة شق ثقافي مرتبط بالشقين السابقين. وقد تمثَّل الإعتاق السياسي والمدني في هدم أسوار الجيتو وإسقاط كثير من مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال، وحصول اليهود على المساواة السياسية. وفيما يلي نورد بعض التواريخ المهمة الخاصة بمنح اليهود حقوقهم، مع ملاحظة أن كل هذه القوانين والإعلانات الدستورية والتصرفات قد صدرت في أقل من مائة وخمسين عاماً، وهي فترة قصيرة للغاية حتى لو نُظر إليها من وجهة نظر الفرد اليهودي وليس فقط من وجهة نظر التاريخ الإنساني أو تواريخ الجماعات اليهودية في العالم: 1787 يصدرالإمبراطور جوزيف الثاني (النمسا) براءة التسامح. 1788 يعلن دستور الولايات المتحدة أنه لن يطالب أي مواطن يبحث عن عمل ... أن يدخل امتحاناً دينياً. 1789 ينص إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا على أن: "الناس يولدون ويظلون أحراراً متساوين في الحقوق". 1791 يمنح المجلس الوطني الفرنسي اليهود الجنسية الفرنسية والحقوق المدنية الكاملة وجيوش نابليون تحمل لواء الإعتاق أينما ذهبت. 1795 يحصل اليهود في هولندا على حقوق متساوية، ثم يتم انتخاب أول رئيس يهودي للبرلمان في عام 1798. 1797 إلغاء الجيتو في إيطاليا. 1812 يعلن فريدريك وليم الثاني، ملك بروسيا، أن اليهود مواطنون بروسيون. 1839 إعلان المساواة في الحقوق في كندا. 1848 يعلن المجلس الوطني الألماني في فرانكفورت أن «الولاء الديني للإنسان لن يُقرِّر أو يُحدِّد حقوقه الوطنية أو السياسية» . وقد ظل هذا المبدأ هو النموذج الذي يُحتذَى في كل الدساتير التي أصدرتها الدويلات الألمانية إلى أن صدر دستور ألمانيا الموحَّد. 1867 إجراء تعديلات دستورية في الإمبراطورية النمساوية المجرية لإعطاء اليهود حقوقهم. 1870 سقوط روما في أيدي القوات الاتحادية التي قررت على الفور منح الحقوق السياسية لكل اليهود في إيطاليا. 1871 يلغي الدستور الإمبراطوري الألماني سائر القواعد والقوانين المبنية على أسس دينية. 1874 يمنح الدستور السويسري الحرية الدينية للكافة. 1887 تلغي معاهدة برلين كل القوانين التي تحدّ من حرية اليهود في رومانيا وبلغاريا. 1917 سقوط القيصرية في روسيا وإلغاء الامتيازات والقيود الدينية والقومية كافة. 1936 يعلن دستور الاتحاد السوفيتي أن «المناداة بالعزلة أو الكراهية العنصرية أو القومية جريمة يعاقب عليها القانون» . وقد نتج عن حركة الإعتاق ظهور طبقة وسطى بين اليهود. ولكن، لم يَعُد ليهود الجيتو، بخبراتهم الخاصة، مجال في المجتمعات الجديدة، ولذلك ازداد معدل الهجرة. وقامت في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية محاولات مماثلة لدمج اليهود، وتحديثهم، والقضاء على هامشيتهم الثقافية والإنتاجية، وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج في المجتمع الجديد، وهو ما كان يُطلَق عليه «إنتاجية اليهود» . وقد أصدرت الحكومات أيضاً التشريعات التي تُلزم أعضاء الجماعات اليهودية بتغيير أسلوب حياتهم حتى يندمجوا في المجتمع. ومما يجدر ذكره أن عملية الإعتاق كانت تتم أساساً في أوربا. أما في العالم الجديد، فلم تكن ثمة حاجة إلى ذلك إذ لم تكن هناك قيود تُذكَر على أعضاء الجماعة اليهودية. وكان الإعتاق يتم بالنسبة إلى اليهود الإشكناز المتميِّزين اقتصادياً وثقافياً عن المجتمعات التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها. أما السفارد، فكان عدد كبير منهم يتمتع بمعظم الحقوق السياسية. وقد ترك الإعتاق أثراً عميقاً في اليهودية، فأُعيد بعث القاعدة التلمودية التي تقضي بأن «شريعة الدولة هي الشريعة» . وكانت هذه القاعدة تشير فيما قبل إلى القوانين المدنية فحسب، ولكن نطاقها أخذ يتسع بحيث أصبحت تنطبق على جميع القوانين التي من شأنها عَزْل اليهود، مثل قوانين الطعام. وقد تعثرت حركة إعتاق أعضاء الجماعات اليهودية، فحدثت انتكاسات وانتفاضات ضد اليهود، وبخاصة في ألمانيا ودول شرق أوربا. وكان وضع اليهود مرتبطاً بالحركة السياسية والاجتماعية في المجتمع ككل. فإذا كان المناخ السياسي السائد مناسباً لانتشار قيم الحرية وتطبيقها، سار الإعتاق إلى الأمام. أما إذا انتكست قضية حقوق الفرد، فإن حقوق اليهود كانت تنتكس معها. وبعد هزيمة نابليون، تراجعت عملية الإعتاق بالنسبة إلى شعوب أوربا، وبالنسبة إلى كل الأقليات بما فيها الجماعات اليهودية. أما أثناء ثورة 1848، فقد حقق اليهود تقدماً ملحوظاً ومهماً. ولذا، فمع سيادة التفكير الرجعي والعنصري والإمبريالي في أوربا، في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، ومع تعثُّر التحديث في شرق أوربا، تراجعت عملية الإعتاق بين شعوب أوربا وحلت محلها فكرة التفاوت بين الشعوب. ومما ساهم في تعثُّر حركة الإعتاق أنها لم تكن ثمرة جهود أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، كما أنها لم تنبع من تجربتهم الحضارية وإنما جاءت نتيجةً للتطور الخارجي للمجتمع بمبادرة من العالم غير اليهودي. ولم يكن أعضاء الجماعات اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) مهيئين نفسياً أو حضارياً لتقبُّل الوضع الجديد، وهو ما جعل عملية دمجهم عسيرة. لكل هذا، أدَّت عملية الإعتاق إلى ظهور بعض المشاكل والأزمات ليهود أوربا. فعلى سبيل المثال، أدَّت حركة الإعتاق إلى ظهور أزمة هوية بين اليهود، إذ كان عليهم إعادة تعريف أنفسهم كجماعة دينية وحسب، وهو ما أثار وبحدة قضية الشعائر والمفاهيم اليهودية التي سُمِّيت «قومية» مثل الرغبة في العودة إلى صهيون أو الحديث عن الشعب اليهودي. وتُعَدُّ الفرق اليهودية الحديثة المختلفة، مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة والأرثوذكسية، محاولةً للإجابة عن مشكلة الهوية هذه. كما أن عملية الإعتاق التي تمت بمبادرة العالم غير اليهودي كانت كثيراً ما تدفع بعض أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشبه بأعضاء الأغلبية وبأسلوب حياتهم وتبنِّي سائر الأشكال الدينية والحضارية السائدة في المجتمع بشكل متطرف، الأمر الذي نجم عنه انصهار أعداد كبيرة من اليهود في المجتمع الأم وتفسُّخ أعداد أخرى منهم أخلاقياً بسبب فقدان الهوية. وقد حدث العكس أيضاً إذ رفض بعض أعضاء الجماعات اليهودية حركة الإعتاق وآثروا الانسحاب إلى الماضي. وتحت تأثير الفكر العنصري والإمبريالي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وفشل بعض قطاعات اليهود في تحقيق الحراك الاجتماعي الذي كانت تطمح إليه، ووبخاصة بسبب تعثُّر التحديث في روسيا وبولندا، ظهرت المُثُل الصهيونية بديلاً لفكرة الإعتاق والاندماج. وتحمل كلمة «إعتاق» ، وكذلك كلمة «انعتاق» ، إيحاءات سلبية في الأدبيات الصهيونية. وتزعم هذه الأدبيات أحياناً أن حركة الإعتاق قد فشلت تماماً، وأن أعضاء الجماعات لا يزالون يعانون من التمييز القانوني والسياسي. وموقف الصهاينة هذا ناجم عن أن توقعاتهم من حركة الإعتاق فاقت ما كان ممكناً بالفعل. فالتقدم التاريخي والتحولات الاجتماعية لا تسير، كما نعلم، على وتيرة واحدة، وإنما تأخذ شكل خط متعرج. وقد كان معدل إعتاق أعضاء الجماعات عالياً للغاية إذا ما قورن بمعدل إعتاق الأقليات الدينية والعرْقية الأخرى، فبدأت حركة الدفاع عن الحقوق المدنية للزنوج في الولايات المتحدة، منذ عهد طويل ولكنها لم تؤت أُكُلها بعد. ومع هذا، لم يجرؤ أحد على إعلان فشل هذه الحركة. أما الصهاينة من أمثال بيريتس سمولنسكين، فكانوا، بعد مرور أقل من خمسين عاماً على ظهور هذه الحركة الفكرية والاجتماعية والسياسية، ينعونها للعالم. ولعل هذا يعود إلى انتشار الأفكار الخاصة بالشعب المختار وما يصاحب ذلك من توقعات متطرفة أحياناً. كما يعود هذا ولاشك إلى قلة ذكاء القيادة الصهيونية، وإلى افتقارها إلى التكوين الثقافي والسياسي المناسب لتقييم ظاهرة مثل الإعتاق أو الانعتاق، وكذلك افتقارها إلى رؤية كاملة للكون وإلى رؤية تاريخية مركبة. ومع أن الصهاينة نعوا حركة الإعتاق والانعتاق، فإنهم يقفون ضدها في واقع الأمر بشكل مبدئي، وذلك لأنهم يؤمنون بأن العلاقة بين اليهود والأغيار علاقة تضاد جذري، كما أنهم ينطلقون من تصوُّر أن اليهود عنصر قومي له خصوصيته وتفرُّده ولا يمكنه الاندماج في العناصر الأخرى. ولذا، تصبح القضية بالنسبة إليهم هي تهجير اليهود إلى وطنهم القومي الافتراضي وليس الدفاع عن حقوقهم المدنية والسياسية. وتتجلى مثل هذه المفاهيم في موقف الصهاينة من يهود الاتحاد السوفيتي (سابقاً) ، فالحركة الصهيونية لا تحاول أن تكسب لليهود السوفييت حقوقاً مدنية جديدة، ولا تحاول الدفاع عن حقوقهم التي اكتسبوها بمقتضى القانون السوفيتي، وإنما تبذل قصارى جهدها لتهجيرهم إلى إسرائيل باعتبارهم أعضاء من الشعب اليهودي لا يمكنهم العيش في المجتمع السوفيتي. ولكن، ورغم الادعاءات الصهيونية، فإن الأغلبية الساحقة من يهود العالم الموجودين في العالم الغربي يتمتعون بثمرة نجاح حركة الإعتاق، ومن ثم يطلق عليهم «يهود مرحلة ما بعد الانعتاق» . فيهود الولايات المتحدة مندمجون تماماً في مجتمعاتهم، وقد حصلوا على الحقوق المدنية والسياسية كافة، ويساهمون في مجتمعهم كمواطنين أمريكيين. ويهود الاتحاد السوفيتي لا يختلفون عن ذلك كثيراً. فرغم عدم سيادة المُثُل الديموقراطية والليبرالية في المجتمع السوفيتي حتى عهد قريب، فإن اليهود السوفييت حصلوا على حقوق سياسية مماثلة لحقوق المواطنين في مجتمعهم، وبالتالي فقد تحققت مُثُل المساواة بالنسبة إليهم. وهم مندمجون حضارياً في بيئتهم ولا يتسمون بأيِّ تمايز وظيفي أو مهني (إلا بدرجات قليلة للغاية) ، فليس لهم مؤسسات قانونية مقصورة عليهم. ومعاناة اليهود السوفييت لم تكن مقصورة عليهم بوصفهم يهوداً، وإنما هي ناجمة عن انتمائهم إلى المجتمع السوفيتي الاشتراكي، وكذلك فإن دوافع الهجرة عند اليهود السوفييت هي دوافع مرتبطة تماماً بحركيات المجتمع السوفيتي وليس بأية حركيات يهودية مستقلة. ولذا، فإن أغلبية المهاجرين من اليهود السوفييت كانت تتجه إلى الولايات المتحدة، وإن اتجهوا إلى الدولة الصهيونية فإن دوافعهم كانت في العادة اقتصادية محضة. ومن هذا المنظور، فإن مُثُل الاستنارة والانعتاق قد تحققت تماماً بالنسبة لأغلبية يهود العالم. وأدَّى نجاح حركة إعتاق اليهود إلى ظهور مشاكل خاصة بمرحلة ما بعد الانعتاق. وفي مواجهة حقيقة نجاح حركة الإعتاق، يصبح من العسير على الصهاينة الدفاع عن فكرة فشلها. ولذا، تلجأ الأدبيات الصهيونية إلى إثارة الشك بشأن مدى إيجابية حركة الإعتاق باعتبار أنها تؤدي إلى الاندماج والإبادة الصامتة. وقد طالب المفكر الصهيوني حاييم كابلان بالكف عن الإعتاق والرجوع عن مُثُله، والنظر إلى أعضاء الجماعات لا باعتبارهم أفراداً لكلٍّ حقوقه وواجباته وإنما باعتبارهم جماعة عضوية. الانعتاق Emancipation «الانعتاق» من الفعل «انعتق» الذي جاء على زنة الفعل المطاوع، وهو فعل لازم بطبيعة تشكيله حيث نقول «أعتق السيدُ العبدَ فانعتق العبدُ» . وهو مصطلح يُستخدَم للإشارة إلى تحرُّر بعض الأقليات في المجتمع الغربي إبان القرن التاسع عشر الميلادي أو ما قبله. أما مصطلح «الإعتاق» ، فيشير إلى تحرُّر أعضاء الجماعات اليهودية. والعلاقة البنيوية بين كلمتي «الانعتاق» و «الإعتاق» هي نفسها العلاقة بين كلمتي «التحرر» و «التحرير» ، أو ما يكون بين اللازم والمتعدي من الأفعال بصفة عامة. ولم تكن هناك حركة تحرُّر في صفوف الجماعات اليهودية، كما أن التحرر لم يكن تعبيراً عن تحولات اجتماعية داخل هذه الجماعات وإنما كان تعبيراً عن حركة داخل المجتمع الغربي أثرت فيهم وغيَّرت من الأنساق التقليدية لحياتهم بشكل جذري وحررتهم. وهم في الحقيقة لم يسعوا إلى إعتاق أنفسهم، ولم يثوروا من أجله وإنما تم إعتاقهم على يد الآخرين. ولذا، فإن مصطلح «إعتاق» يُعبِّر عن الظاهرة منظوراً إليها من ناحية التحولات الاجتماعية التي أثرت في الجماعة اليهودية، أما مصطلح «انعتاق» فيُعبِّر عن الظاهرة نفسها منظوراً إليها من ناحية استجابتهم لما وقع عليهم من مؤثرات. مرحلة ما بعد الانعتاق Post-Emancipation Era يُطلَق على يهود العالم الغربي يهود مرحلة «ما بعد الانعتاق» ، وهي عبارة تفترض أن عملية إعتاق اليهود قد اكتملت وأن أعضاء الجماعات اليهودية قد أُعتقوا وانعتقوا تماماً. ولكن الأدبيات الصهيونية تذهب إلى أن اكتمال هذه العملية لم تكن كل ثمراته إيجابية بل أدَّى إلى ظهور مشاكل جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي كان يواجهها اليهود قبل تلك المرحلة. فأعضاء الجماعات اليهودية، قبل إعتاقهم، كانوا يواجهون مشكلة عزلتهم عن بقية أعضاء المجتمع، كما كانوا يواجهون مشكلة عدم حصولهم على حقوقهم. وكان المجتمع بدوره يشكو من خصوصيتهم وتكاتفهم المتطرف. ولكن، بعد الإعتاق والانعتاق، نجد أن الوضع قد انقلب تماماً. إذ أصبح الخطر الأكبر الذي يتهدد اليهود، من وجهة نظر الصهاينة وبعض الدارسين، هو الاندماج وأحياناً الانصهار أو ضياع الهوية وأي شكل من أشكال الخصوصية. ويعود هذا إلى تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي وانتشار مُثُل حركة الاستنارة، وهي حركة تؤكد أهمية العام على الخاص، وتطرح فكرة الإنسان الطبيعي الأممي كمثل أعلى، ومن ثم فإنها تعادي الخصوصية والهوية. وقد أدَّت عملية الإعتاق (المرتبطة بالعلمنة) إلى ضعف الدين اليهودي بمؤسساته المختلفة والذي كان يحتفظ لأعضاء الجماعات اليهودية بشيء من الهوية كما كان يمنعهم من الزواج المختلط. كما أن تزايد انتشار مُثُل الإعتاق قد أدَّى إلى تراجع الأفكار العنصرية المختلفة وإلى تراجع ظاهرة معاداة اليهود، وهي الأخرى من أهم دعائم ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» . ومن القضايا الأساسية الأخرى ليهودية ما بعد الانعتاق الحوار اليهودي المسيحي الذي يفترض وجود تراث يهودي مسيحي مشترك، ومثل هذا الحوار لم يكن أمراً مطروحاً في الماضي. غير أن اليهودية، باعتبارها نسقاً دينياً، ليست مهيأة للدخول في هذا الحوار، نظراً لخاصيتها الجيولوجية التراكمية، ولعدم تحديدها عقائدها الأساسية. كما أن اليهود جماعات إثنية منقسمة إلى فرق لا تعترف الواحدة بالأخرى. ويخشى كثير من اليهود المتدينين (الأرثوذكس) أن يؤدي هذا الحوار إلى توسيع رقعة الاتفاق بين اليهودية والمسيحية إلى درجة يصبح التنصر معها أمراً سهلاً وربما منطقياً. وهذا ما حدث فعلاً في ألمانيا بعد ظهور اليهودية الإصلاحية التي أعادت صياغة اليهودية على أسس المسيحية البروتستانتية، الأمر الذي أدَّى في النهاية إلى تنصُّر أعداد كبيرة من يهود ألمانيا. ومن الصعب على الصهاينة أو غيرهم الاحتجاج على النتائج السلبية لإعتاق اليهود، إذ أن المُثُل العليا للمجتمعات الغربية التي يعيش فيها معظم أعضاء الجماعات اليهودية هي مُثُل علمانية عقلانية من نتاج عصر الاستنارة، تشجع على الاندماج وتمازج الأفراد، وعلى امتزاج هويتهم وخصوصيتهم في هوية قومية عامة عظمى. ولذا، فإن هذه المجتمعات هي مجتمعات تقبل من اليهود احتجاجهم على معاداة اليهود ولكنها تجد أن من الصعب عليها أن تقبل الاحتجاج على نتائج عملية الإعتاق. ولكن أهم المشاكل التي يواجهها اليهود واليهودية، في مرحلة ما بعد الانعتاق، هي ظهور الصهيونية باعتبارها حركة تدَّعي التحدث باسم كل اليهود، وكذلك تأسيس الدولة الصهيونية التي تطلق على نفسها اسم «الدولة اليهودية» . ويهود مرحلة ما بعد الانعتاق يتمتعون، كما أسلفنا، بدرجة عالية من الاندماج في مجتمعاتهم، ويشعرون بالانتماء الكامل لها والولاء العميق نحوها. ولكن الصهيونية تضع هذا موضع التساؤل إن لم يكن موضع الشك أيضاً. كما أن سلوك الدولة الصهيونية، وبخاصة بعد اندلاع الانتفاضة المجيدة، أصبح يسبب لهم كثيراً من الحرج. (انظر: «موقف الجماعات اليهودية من الصهيونية» (. جوزيف الثاني (1780-1790 ( Joscph II إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، ابن جوزيف الثاني وماريا تريزا. وهو من أشهر حكام أوربا ممن أُطلق عليهم «المستبدون المستنيرون» . حاول قدر استطاعته أن يُصلح الإمبراطورية النمساوية المجرية وأن يحدِّثها، بعد أن تلقَّى تعليمه الحقيقي من كتابات فولتير والفلاسفة الموسوعيين الفرنسيين، بحيث أصبح من أكبر المدافعين عن مُثُل حركة الاستنارة. وكان إيمانه عميقاً بمقدرة الدولة المطلقة على أن تُصلح كل شيء إن هي عملت بهدي العقل. كما كان من المتحمسين للتجارة الحرة وضرورة تقليل نفوذ الكنيسة. ولذا، فبعد أن تقلَّد الحكم، قام بإصلاح النظام التعليمي في الإمبراطورية وبفصل القضاء عن الجناح التنفيذي، وأصلح نظام الصحة العامة، وألغى نظام الرق، وأصدر براءة التسامح (1782) التي حددت حقوق الجماعات غير الكاثوليكية في الإمبراطورية. وقد اصطدم بالكنيسة الكاثوليكية إذ أنه أسس كليات تابعة للدولة لتخريج القساوسة، وقلَّص سلطة الأساقفة، وحد من علاقة الكنيسة بالبابا. بل قام جوزيف الثاني بحل 700 دير لا تعمل في وظائف نافعة مثل التدريس أو التمريض، وشطب حوالي 36 ألفاً من قوائم الرهبان وأعطاهم تعويضات كي يعودوا إلى مواطنهم الأصلية. وقد أدَّت سرعة تنفيذ القرارات الخاصة بحل الأديرة إلى تدمير عدد كبير من الأعمال الفنية. وقد حاول البابا التدخل شخصياً للتخفيف من الأثر السلبي، لكن دون جدوى. ويبدو أن حماس جوزيف الثاني الزائد لتغيير كل شيء قد جلب عليه عداء الكثيرين من سكان المناطق المحافظة. وأثناء حكمه، تم تقسيم بولندا، وضمت النمسا أجزاء منها، وضمنها جاليشيا. وقد وجَّه جوزيف الثاني اهتمامه للمسألة اليهودية، في محاولته تحديث إمبراطوريته. فحاول أن يجعل أعضاء الجماعات اليهودية أكثر نفعاً للدولة، تماماً كما فعل مع الكنيسة الكاثوليكية والأديرة، فأصدر قوانين تحظر على أعضاء الجماعات اليهودية بيع الخمور أو جمع الضرائب أو إدارة الفنادق، وفرض علىهم أن يتسموا بأسماء ألمانية تُختار من قائمة أُعدت خصيصاً لهذا الغرض، وذلك حتى يتسنى دمجهم في المجتمع. كما منع استخدام العبرية أو اليديشية في المعاملات التجارية أو الوثائق الرسمية، وألغى المحاكم الحاخامية والزي اليهودي الخاص. ولإبقاء عدد اليهود قليلاً كما هو، لم يُلغ جوزيف الثاني القوانين التي كانت ترمي إلى الحد من حجم العائلات اليهودية. وقد أصدر في عام 1782 براءة التسامح التي أكدت الحقوق القائمة لأعضاء الأقليات غير الكاثوليكية وأضافت لها حقوقاً جديدة. وبالنسبة لأعضاء الجماعة اليهودية، أعطت البراءة اليهود الحق في حرية التنقل والسكنى في أي مكان واختيار أية مهنة أو وظيفة. وظلت قوانين وتشريعات جوزيف الثاني أساس التعامل مع أعضاء الجماعات اليهودية في الإمبراطورية النمساوية المجرية حتى نشوب ثورة 1848. وقد قوبلت إصلاحات جوزيف الثاني بالترحاب من بعض زعماء الاستنارة مثل فيسيلي. أما مندلسون، فقد عبَّر عن شكوكه نحوها، كما أن المتدينين وصفوها بأنها كارثة. ومهما كانت استجابة أعضاء الجماعة اليهودية، فإن هذه القوانين، بما في ذلك براءة التسامح، قد أتاحت الفرصة أمام كل الأقليات غير الكاثوليكية ليُحقِّقوا حراكاً اجتماعياً كبيراً وليندمجوا في المجتمع. براءة التسامح Toleranz Patent «براءة التسامح» فرمان أصدره جوزيف الثاني في عام 1782 وطُبِّق في بادئ الأمر على فيينا والنمسا ثم طُبِّق على سائر مقاطعات الإمبراطورية النمساوية المجرية. وهي واحدة من سلسلة البراءات التي مُنحت للأقليات غير الكاثوليكية، ومن بينها اليهود، تتضمن حقوقهم القائمة وتضيف لها حقوقاً جديدة وتحدد واجباتهم. (انظر: «جوزيف الثاني» ـ «النمسا» ـ «جاليشيا» ) . التحديث المتعثر Setbacks in Modernization «التحديث المتعثر» مصطلح نستخدمه لنشير إلى تلك الفترة من تاريخ روسيا، السابقة على الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية، ومن تاريخ معظم بلاد شرق أوربا (بولندا ورومانيا والمجر، وغيرها) في الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية وانضمام هذه البلاد إلى المعسكر الاشتراكي، وهما فترتان لم تتمكن فيهما النظم الحاكمة من إنجاز عملية التحديث. ونحن نذهب إلى أن السبب الأساسي لتعثُّر التحديث في هذه الدول هو عدم وجود مشروع استعماري لديها أساساً، أو أن مشروعها الاستعماري لم يكن ناجحاً، أو كان باهظ التكاليف لأنه كان بعد في مراحله الأولى (ويُقال إن تكاليف ضم وإدارة المستعمرات التابعة للإمبراطورية القيصرية الروسية كانت تفوق كثيراً عائدها، ولذا كان هناك كثير من المفكرين الروس ذوي الاتجاه السوفيتي والعنصري والرجعي ممن يعادون التوسع الإمبريالي الروسي) . وقد أثر تعثُّر التحديث في هذه البلاد في عمليات إعتاق اليهود ومحاولة اندماج أعضاء الجماعات اليهودية إذ أن تعثُّر التحديث أدَّى إلى ظهور رؤى شمولية واستبدادية تستبعد الأقليات وتحاول منعهم من الاندماج ومن المشاركة في السلطة. كما أن تعثُّر التحديث، على المستوى البنيوي، أدَّى إلى بطء النمو الاقتصادي، وهذا ما كان يعني عدم وجود فرص للحراك الاجتماعي أمام أعضاء الأقلية والأغلبية. ولكن النظم الاشتراكية نجحت حينذاك في استئناف التحديث وبالتالي في إعتاق اليهود ومنحهم حقوقهم المدنية والسياسية الكاملة. وعلى أية حال، فإن الصهاينة لا يتحدثون عن تعثُّر التحديث وإنما عن فشله، وبالتالي عن استحالة اندماج اليهود، مع أن التعثُّر أمر مؤقت يقف بين النجاح والفشل، بينما الفشل أمر نهائي مطلق يستطيع المرء أن يؤسس بناءً عليه أحكاماً نهائية ذات طابع اختزالي. كما نستخدم المصطلح للإشارة إلى ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى حين جُرِّدت ألمانيا من مستعمراتها بعد إبرام اتفاقية فرساي عام 1919، فتعثرت عملية نموها وتحديثها، ولم يُستأنَف التحديث إلا على الطريقة الشمولية النازية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الاستنارة اليهودية (الهسكلاه)
Haskalah يُستخدَم في الكتابات العربية مصطلح «الاستنارة اليهودية» للإشارة للحركة التي انتشرت بين أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا في منتصف القرن الثامن عشر (في ألمانيا وغيرها من الدول) . ولكننا نؤثر استخدام مصطلح «التنوير اليهودي» باعتبار أن هذه الحركة قد أتت بمثل وقيم من خارج الموروث الديني والفكري اليهودي، وباعتبار أن هذه المثل والقيم فُرضت على أعضاء الجماعات اليهودية إما من خلال الدولة أو من خلال طليعة ثقافية يهودية تشربت أفكار حركة الاستنارة الغربية ثم حاولت تنوير اليهود. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يتلقون مُثُل الاستنارة بشكل متفاوت؛ فمنهم من تبناها بحماس وطبقها، ومنهم من خضع لها وسايرها، وأخيراً هناك من تصدى لها وقاومها. الهسكلاه Haskalah «هسكلاه» كلمة عبرية مشتقة من الجذر العبري «سيخيل» ، ومعناها «عقل» أو «ذكاء» ثم اشتُقت منها كلمة «سيكّيل» بمعنى «نوَّر» ثم استُخدمت الكلمة بمعنى «استنارة» ، والاسم منها «مسكيل» وجمعه «مسكليم» . وفي هذه الموسوعة، نستخدم مصطلح «الاستنارة» للإشارة إلى الحركة المعروفة بهذا الاسم في الحضارة الغربية. ونستخدم كلمة «تنوير» للإشارة إلى أثر هذه الحركة في بعض المفكرين الغربيين اليهود وفي أعضاء الجماعات اليهودية. كما تُستخدَم الكلمة للإشارة للمحاولات التي بذلها بعض المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لتطبيق فكر ومُثُل عصر الاستنارة على أعضاء الجماعات اليهودية. التنوير اليهودي: تاريخ Haskalah: History كلمة «هسكلاه» العبرية تعني «التنوير» ، ويُعبَّر عنها أيضاً في الأدبيات العربية بكلمة «الاستنارة» . وقد ظهر المصطلح عام 1832 للإشارة إلى حركة في الآداب المكتوبة بالعبرية حاول دعاتها أن يبتعدوا عن الأشكال الأدبية التقليدية المرتبطة إلى حدٍّ كبير بالدين وأن يستعيروا أشكال الأدب العلماني الغربي. ولكن التنوير لم يكن مجرد حركة أدبية وإنما كان أيضاً رؤية متكاملة نسميها «العقلانية المادية» . وتُستخدَم الكلمة بالمعنى العام للإشارة إلى الحركة الفكرية الاجتماعية التي ظهرت بين يهود غرب أوربا (في ألمانيا ووسطها) ثم انتشرت منها إلى شرقها. وقد بدأت حركة التنوير في صورة تيار أساسي بين اليهود منذ منتصف القرن الثامن عشر واستمرت حتى عام 1880. ورغم انحسارها كحركة فكرية واعية، إلا أن مقولاتها ظلت سائدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ظاهر أو كامن حتى تم اندماج أعضاء الجماعات اليهودية واستيعابهم في المجتمع الغربي العلماني. وتنطلق حركة التنوير اليهودي من الأفكار الأساسية في حركة الاستنارة الغربية مثل الإيمان بالعقل باعتباره مصدراً أساسياً وربما وحيداً للمعرفة إلى ثقة كاملة بالعلم وبحتمية التعدد، وبنسبية المعرفة والقيم، وبإمكانية إصلاح الإنسان عن طريق تغيير بيئته وخلق المواطن الذي يدين بالولاء للدولة. كما تدور حركة التنوير اليهودية في إطار الرؤية الآلية للكون والإيمان بالإنسان الطبيعي أو الأممي، كما تقع في كل تناقضات حركة الاستنارة الغربية مثل التناقض بين النزعة العقلية المجردة التي تتجه نحو العام والنزعة الحسية التجريبية التي تتجه نحو الخاص، وهو تناقض يضرب بجذوره في الرؤية العلمية للكون التي تبدأ برصد الأشياء المادية المحسوسة والملموسة وتنتهي في عالم القانون العام الرياضي المجرد. ولذا نجد أن الفكر العقلاني المادي يبدأ بالتعامل مع الملموسات والمحسوسات داخل حدودها، ولكنه ينتهي بأن ينظر لها باعتبارها ظواهر مادية عامة مجردة خاضعة لقانون مادي عام مجرد، لا تتمتع بأية خصوصية أو قداسة. ولذا فالواقع الذي ينتجه العقل المادي لا قسمات له ولا حدود. وكرد فعل لذلك، ظهر الفكر المعادي للاستنارة (الإيمان بالطبيعة واللاعقل والقوة والأرض والحيوية) ليستعيد قدراً من القداسة للعالم ولكنها قداسة مصدرها المادة، فهي كامنة فيها لا تتجاوزها (ولذا فهي حركة «لا عقلانية مادية» ) . طالب دعاة التنوير (والعقلانية المادية) بأن يُمنَح اليهود حقوقهم السياسية والمدنية (أي إعتاقهم) ، وأن تتاح لهم الفرص الاقتصادية، وأن يتخلص أعضاء الجماعات اليهودية من أية خصوصية تتسبب في عزلتهم عن أعضاء المجتمع، وأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، وأن يكون ولاؤهم الأول والأخير للبلاد التي ينتمون إليها لا لقوميتهم الدينية التي لا تستند إلى سند عقلي أو موضوعي. وكان دعاة التنوير اليهودي يرون أن هذا ممكن إذا اكتسب اليهود مقومات الحضارة الغربية العلمانية، وإذا ما قاموا بفصل الدين اليهودي عما يُسمَّى «القومية اليهودية» حتى يتلاءموا مع الدولة العلمانية القومية في أوربا، أي إذا قاموا بتحديث اليهود واليهودية، وتحولوا من كونهم جماعة وظيفية هامشية ليصبحوا جزءاً من البناء الطبقي والثقافي للمجتمع. وقد ظهر من بين صفوف يهود البلاط من المارانو والإشكناز شخصيات تولت قيادة الجماعة اليهودية، وأصبح لها مكانة تفوق كثيراً مكانة الحاخامات. ولم يكن يهود البلاط، على عكس التاجر والمرابي اليهودي القديم، لا في مركز المجتمع على وجه الحصر، ولا في مسامه أو على هامشه، بل كانوا على مقربة من أعضاء الطبقة الحاكمة يتعاملون معهم ويزودونهم بالأموال ويشترون لهم التحف والسلع الترفيهية اللازمة لمظاهر أبهة الملكيات والإمارات المطلقة. وكان هذا يتطلب معرفة وثيقة لا بالاحتياجات الاقتصادية للطبقة وحسب وإنما بأسلوب حياتها أيضاً، ذلك الأسلوب الذي بدأ يهود البلاط يستوعبونه ويتأثرون به. ولكن يهود البلاط كانوا يقفون على قمة هرم مالي تجاري يهودي يضم طبقات اليهود المختلفة من كبار التجار إلى التجار البائعين والمتسولين. وكان هذا الهرم عابراً للقارات متعدد الجنسيات، يمتد بطول أوربا وعرضها وتصل أطرافه إلى الدولة العثمانية والعالم الجديد. وكان على يهودي البلاط، رغم عالميته، أن يظل يهودياً حتى يتمتع بشبكة الاتصالات هذه، وحتى يظل يلعب دوره كعضو في جماعة وظيفية وسيطة. ولهذا، كان يهود البلاط يعيشون بين العالمين المسيحي واليهودي، يتحركون بسهولة داخل الحضارة الغربية التي كانوا يعرفون لغتها، كما كانوا مُلمين بالفلسفة والعلوم والاقتصاد، ومُلمين في الوقت نفسه بالتكوين الثقافي والديني المتميز لأعضاء الجماعات اليهودية. ومن هنا، فإن القيادات الجديدة للجماعات اليهودية لم تكن يهودية ولا دينية خالصة. ومن أهم العناصر التي ساهمت في فك قبضة الأفكار الدينية التقليدية يهود المارانو الذين كان يُشار إلى قطاعات منهم بأنهم «السفارد» أو «اليهود البرتغاليون» أو «المسيحيون الجدد» . وقد أسس المارانو مراكز اقتصادية متميِّزة في أوربا، مثل: بوردو وبايون وأمستردام وهامبورج ولندن. وحسب بعض النظريات، كان المارانو مسيحيين في الظاهر يهوداً في الباطن. ولكنهم، حسب بعض النظريات الأخرى، كانوا مسيحيين ظاهراً وباطناً، أي جزءاً عضوياً من التشكيل الحضاري الغربي. ولكنهم، مع هذا، ولأسباب مختلفة، تهودوا واندمجوا في الجماعة اليهودية بعد خروجهم من شبه جزيرة أيبريا. ولذا، فقد كانوا حَمَلة الحضارة الغربية داخل الجماعة اليهودية، عن وعي أو عن غير وعي، ينشرون قيمها بينهم. كما أن بعضهم ممن كان يبطن اليهودية، يحمل في وجدانه صورة مثالية لليهودية ارتطمت بالواقع كما حدث لأروييل داكوستا وإسبينوزا، وهو ما جعلهم عناصر ثورية داخل الجماعة اليهودية تبشر بالعقل (المادي) وبالقيم المجردة. وإلى جانب كل هذا، كانوا، نتيجة التعددية التي مارسوها، من حملة لواء الشك الديني. وقد تزامن خروج المارانو مع تعمُّق أزمة اليهودية الحاخامية إذ كانوا عنصر هدم أساسياً لها، فهم الذين ساندوا شبتاي تسفي، ومن بين صفوفهم خرج إسبينوزا. وقد بدأ المارنو في إشاعة مُثُل الحضارة الغربية بين الجماعات اليهودية، كما ساهم يهود البلاط (القيادة الحقيقية للجماعات ورمز النجاح الكبير والقدوة التي تُحتذَى) في ترويج أسلوب الحياة الغربي من خلال أنفسهم ومن خلال أتباعهم والمحيطين بهم الذين تشبهوا بهم. وقد كان المارانو ويهود البلاط، كما أسلفنا، ذوي خبرة بالعالم المسيحي الذي بدأ يتعلمن، وبالعالم اليهودي الذي كان متحجراً. وفرضت عليهم خبرتهم هذه عملية المقارنة بين العالمين، وبالتالي طَرْح التساؤلات بشأن الموروث الثقافي الديني اليهودي. ولعل الاندماج النسبي لهذا العدد الكبير من اليهود، ودخولهم عالم الحضارة الغربية الجديدة والاقتداء به، جعل كثيراً من المصطلحات الدينية اليهودية (مثل النفي والشعب المختار) تفقد كثيراً من مدلولاتها بالنسبة لهم. ومعنى هذا أن يهود المارانو لعبوا دوراً مماثلاً للدور الذي يلعبه بعض مثقفي العالم الثالث الذين يذهبون إلى الغرب لتلقِّي العلم أو البحث عن الرزق، لكن بعضهم يعود إلى بلاده جسدياً وحسب إذ يكتشفون أن من العسير عليهم العودة الروحية الكاملة إلى أوطانهم بعد رحلة الذهاب. ولذا، فإنهم حينما يعودون يحملون رايات التغريب ويكونون بمنزلة معاول هدم في موروثهم الحضاري. وكان مهد حركة التنوير هو البلاد التي كانت تضم جماعات يهودية صغيرة ذات صبغة غربية مثل يهود هولندا وإيطاليا. وقد حقق أعضاء هذه الجماعات معدلات عالية من الاندماج نظراً لصغر حجمها ونظراً لوجود قيادة من المارانو. كما أن كثيراً من أعضاء هذه الجماعات قد تلقوا تعليماً علمانياً وحققوا نجاحاً ملحوظاً في مهن مثل الطب. ويبدو أن فشل حركة شبتاي تسفي قد خلق ميلاً عاماً بين الجماعات اليهودية نحو رفض النزعة المشيحانية ككل، ورغبةً في الاندماج في المجتمعات التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية بين ظهرانيها. كما أن ظهور حركة مشيحانية، مثل الحركة الفرانكية، كان يعني أن اليهودية قد دخلت مرحلة أزمتها الأخيرة، فهذه الحركة كانت حركة عدمية تماماً تُعبِّر عن رغبة اليهود في التخلص من الشريعة. ولكن العنصر الأساسي والحاسم، الذي أدَّى إلى انتشار قيم ومُثُل التنوير بين اليهود، هو التحولات التي كان المجتمع الغربي يخوضها: تزايُد معدلات العلمنة، وسيادة القيم النفعية التي أتاحت الفرص أمام أعضاء الجماعات للتحرك من الهامش الثقافي والاقتصادي والوظيفي للمجتمع نحو مركزه. وهي تحولات غيَّرت أسلوب حياتهم، كما غيَّرت البناء الوظيفي والمهني لأعداد كبيرة منهم. وقد بدأت حركة التنوير، بالمعنى المحدَّد، في برلين. فالمجتمع المركنتالي في ألمانيا تحت حكم فريدريك الثاني الأعظم (1740 ـ 1786) خلق مناخاً مواتياً شجع اليهود على الاستيطان في بروسيا والاشتغال بالتجارة، ومنح بعض قطاعاتهم حقوقهم كاملة، فنشأت طبقة رأسمالية تجارية وجدت أن من مصلحتها الاندماج في المجتمع وأصبحت بمثابة القدوة أو النموذج لبقية اليهود. وحملت هذه الطبقة مُثُل التنوير التي طرحها المجتمع الغربي. ويُعَدُّ موسى مندلسون، الذي كان يعمل محاسباً وتاجراً كما كان متزوجاً من حفيدة أحد يهود البلاط، أهم مفكري حركة التنوير. أصدر عام 1750 مجلة أسبوعية تُسمَّى كوهيليت موسار (أي الواعظ الأخلاقي) صدرت منها ثلاثة أعداد وحسب، وهي المجلة التي تُعَدُّ أول منبر للتعبير عن أفكار حركة التنوير. ومع هذا، يرى بعض المؤرخين أن تاريخ نشأة حركة التنوير هو عام 1783، فقد أصدر جوزيف الثاني براءة التسامح عام 1782، وفي العام التالي نشر مندلسون ترجمته الألمانية لأسفار موسى الخمسة بحروف عبرية مع تعليق ذي طابع عقلاني. وقد ساهم معه في هذه الترجمة والتعليق رابطة أصدقاء العبرية التي أصدرت في الفترة 1783 ـ 1811 فصلية عبرية تُسمَّى هاميسائيف (أي الحاصد أو الجامع) كان محتواها تافهاً ومملاً، واعتمدت أساساً على الترجمات من الألمانية، إلا أن أثرها كان عميقاً للغاية، وبخاصة خارج ألمانيا. وقد رفض كُتَّاب هذه المجلة عبرية الحاخامات، وحاولوا العودة إلى الكتاب المقدَّس بأسلوبه الكلاسيكي، وزخرفوا أسلوبهم بكلمات أنيقة مصطنعة كانوا يعدونها دليلاً على الذوق الأدبي الرفيع. نشرت المجلة قصائد في مدح الحكومة والطبيعة، وقصصاً وعظية، وشروحاً للكتاب المقدَّس، ودراسات في اللغويات العبرية، ومقالات في تواريخ الجماعات اليهودية. وكان معظم المؤلفين محافظين في آرائهم السياسية. وقد حققت مُثٌل التنوير نجاحاً ساحقاً في ألمانيا حتى أنها أسقطت الشكل العبراني للحركة كما أنهم رفضوا اليديشية باعتبارها ألمانية فاسدة، واختار يهود ألمانيا الاندماج الثقافي الكامل في حضارة بلادهم. ولم تستمر حركة التنوير ذات الشكل العبراني إلا في برسلاو حتى عام 1830. ومن أهم دعاة الاستنارة في ألمانيا، نفتالي هيرتز فيسيلي وجبريل رايسر وبنديفيد لازاروس. انتشرت مُثُل التنوير، ابتداءً من عام 1820، في الإمبراطورية النمساوية (بوهيميا وشمال إيطاليا وجاليشيا) . وارتبطت الحركة هناك بالألمانية منذ البداية، إذ كان مرسوم التسامح الذي أصدره جوزيف الثاني يمنح اليهود الحقوق السياسية بمقدار ما يحققونه من اندماج ثقافي واقتصادي. وكان نفتالي فيسيلي من قيادة حركة التنوير هناك، وبين 1821 ـ 1832 أصدر دعاة التنوير في فيينا مجلة سنوية تُسمَّى بيكوري هاعيتيم (أي بواكير ثمار هذه الأزمنة) نشرت دراسات لغوية وتاريخية وسيراً انطلاقاً من مبادئ علم اليهودية، كما نشرت كتابات تسخر من الحياة التقليدية لأعضاء الجماعات اليهودية (خصوصاً الحسيديين منهم) ، وكذلك دراسات تاريخية. ومن الجوانب المهمة لحركة التنوير التي تستحق الإشارة دور المرأة اليهودية في هذه العملية. ويُعَدُّ هذا تحولاً عميقاً وربما ثورياً في مجرى تواريخ الجماعات اليهودية، فالشريعة اليهودية لا تطالب المرأة بالذهاب إلى المعبد اليهودي أو الصلاة. ولم يكن النساء يتعلمن اللغة العبرية، وإن كن يتعلمن الأبجدية العبرية لتلاوة بعض الأدعية التي لم يكنَّ يفهمنها. ونظراً لجهل النساء بالعبرية، كنَّ يقرأن أدباً مكتوباً باليديشية ذا طابع ديني ترفيهي وأحياناً ذا طابع دنيوي محض، أي أن معدلات العلمنة كانت أعلى بين النساء منها بين الرجال. ولكن، بعد التحول عن اليديشية وتأكيد أهمية الألمانية، بدأت النساء اليهوديات يقرأن الآداب الألمانية بدرجة أعلى من الرجال. وإذا أضفنا إلى هذا رغبة بنات الطبقات الثرية بين اليهود في الاندماج بالمجتمع الألماني وفي ممارسة حياتهن كاملة، لأمكننا فهم طبيعة نشاطهن الثقافي الذي أخذ شكل الصالون الأدبي. ومن أهم المثقفات الألمانيات اليهوديات اللائي لعبن دوراً أساسياً في ظاهرة الصالون الأدبي راحيل فارنهاجن. وانتقلت حركة التنوير، في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، من ألمانيا وجاليشيا إلى روسيا وأصبح مركزها هناك في منتصف الأربعينيات، وبخاصة في ليتوانيا، حيث وُضعت أسس الأدب الحديث المكتوب بالعبرية ونُشرت أول رواية عبرية عام 1854 كما ظهرت عدة مجلات أسبوعية. ويُعَدُّ إسحق دوف لفنسون أهم دعاة الاستنارة في روسيا (ويُطلَق عليه «مندلسون روسيا» ) . ومن أشهر الجمعيات المنادية بالتنوير جمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا التي أسَّست عام 1863 عدة مدارس لتعليم الحرف وغيرها من الفنون الدنيوية. وبدأ لفيف من الكاتبين بالعبرية في التحول عن الأسلوب المتأنق الذي تبناه دعاة التنوير الأوائل واتجهوا نحو النقد الاجتماعي. ومن الملحوظ أن حركة التنوير اليهودية في روسيا لم تستبعد اليديشية كأداة للتعبير، على عكس حركات التنوير في ألمانيا والنمسا. ولكن إلى جانب الدعوة لليديشية، كان هناك فريق يدعو إلى الاستجابة لحركة الحكومة الروسية لترويس رعاياها، أي صبغهم بالصبغة الروسية. وتميل الكتابات التي تتناول ظاهرة التنوير إلى تقسيمها تقسيماً جغرافياً كما فعلنا. ويقسمها البعض الآخر تقسيماً لغوياً: الحركة الألمانية أو الروسية أو اليديشية أو البولندية، وهكذا. وثمة تقسيم ثالث على أساس الأجيال، فيقال: الجيل الأول من دعاة التنوير (مندلسون وأتباعه) ، والجيل الثاني (ويضم تلاميذ مندلسون ومفكريه مثل جايجر وزونز وجرايتز) . ولكننا نلاحظ أن هذا التقسيم الأخير يتداخل مع التقسيم الجغرافي. وقد أصبحت حركة التنوير قوة فكرية وسياسية واجتماعية ذات بال في ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية، وبشكل أقل في روسيا حيث هبت على حياة اليهود الثقافية رياح معظم الحركات الفكرية العلمانية الغربية، مثل: الرومانسية والمثالية الفلسفية والوضعية والاشتراكية والداروينية والعنصرية. وقد أصبحت كلها، فيما بعد، ضمن مكونات الفكرة الصهيونية، وأصبح دعاة التنوير شخصيات أساسية في الجماعة اليهودية يتحدثون باسمها إلى العالم غير اليهودي. ولقد تزايد التأثير العميق لحركة التنوير على يهود العالم الغربي كافة إلى أن سادت مُثُلها وتمت علمنتهم وتحديثهم، فأصبحوا إما ملحدين أو لاأدريين أو مؤمنين بصياغات مخففة من اليهودية كاليهودية الإصلاحية. ولكن يُلاحَظ أن أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا (فرنسا وإنجلترا وهولندا) لم يلعبوا دوراً كبيراً في حركة التنوير، ذلك لأن المسألة لم تكن تعنيهم كثيراً بسبب تحقيقهم معدلات عالية من الاندماج وحصولهم على حقوقهم منذ بداية استقرارهم في هذه البلاد. وعلى النقيض من هذا، يقف يهود شرق أوربا الذين لم تضرب حركة التنوير بجذور قوية بينهم. وبين الفريقين كان يقف يهود وسط أوربا (ألمانيا والنمسا وغيرهما) الذين كانوا يمثلون العصب الحقيقي لحركة التنوير، فكان منهم موسى مندلسون، وظهرت بينهم اليهودية الإصلاحية وكذلك علم اليهودية. كما يُلاحَظ أن الفكرة الصهيونية (فيما بعد) ظهرت أول الأمر بينهم، فمنهم تيودور هرتزل وماكس نوردو. وكانت لغة المؤتمرات الصهيونية الأولى هي الألمانية. لكن البعد الألماني الواضح لحركة التنوير لا ينفي أنه كانت توجد مؤثرات فكرية فرنسية على المفكرين، ذلك لأن الفلسفة العقلانية وصلت إلى قمة ازدهارها في فرنسا. ويمكننا أن نميِّز، من منظور مدى انتشارها ونجاحها وإخفاقها، بين نمطين أساسيين في حركة التنوير. فهناك نمط غربي في ألمانيا والنمسا وجاليشيا حيث حققت مُثُل التنوير نجاحاً ملحوظاً، ونمط شرقي في روسيا (بولندا أساساً) حيث لم تنجح هذه المُثُل كما كان مقدراً لها. وكلمة «غربي» هنا هي الكلمة التي أطلقها يهود شرق أوربا (الأوست يودين) أو يهود اليديشية على يهود ألمانيا والنمسا ووسط أوربا. وقد أدَّى نجاح مُثُل التنوير بين يهود الغرب وإخفاقها النسبي في الشرق إلى انقسام العالم الغربي، فكان يهود الغرب المندمجون يشعرون بالخوف من يهود اليديشية وأحياناً يشعرون تجاههم بالاحتقار، في حين كان يهود الشرق يشعرون بأن يهود الغرب فقدوا هويتهم وأنهم يتشبهون بالأغيار بشكل يبعث على الضيق وأحياناً الاشمئزاز. وهو انقسام انعكس داخل الحركة الصهيونية فيما بعد وتبدَّى في انقسامها إلى صهيونية استيطانية (في شرق أوربا) وصهيونية توطينية (في وسطها وغربها) . ويعود الاختلاف بين النمطين إلى اختلافات في المحيطين اللذين وُجد فيهما أعضاء كل جماعة. ويُلاحَظ أن عملية التحديث حققت قدراً من النجاح في بلاد الغرب، وخلقت فرصاً للحراك الاجتماعي أمام أعضاء الجماعات اليهودية. أما في شرق أوربا، فقد تأخر التحديث ثم تعثَّر بل توقَّف بعض الوقت، وهو ما أغلق أبواب الحراك الاجتماعي أمامهم. ولذا، فعلى حين كانت توجد شرائح اجتماعية كبيرة في الغرب تطمح إلى الاندماج في المجتمع غير اليهودي لم توجد مثل هذه الشرائح في الشرق وظل دعاة التنوير قلة قليلة. ومن هنا نجد أن دعاة التنوير في الغرب كانت لديهم طموحات الانتماء إلى النخبة غير اليهودية وهي طموحات لم تصل في الشرق إلى الدرجة نفسها من القوة. وكان اليهود في ألمانيا يمتلكون الخبرات والأموال التي تؤهلهم للانخراط في المجتمع الجديد الذي كان مستعداً لأن يستفيد منهم. أما في روسيا، فقد ارتبط أعضاء الجماعة هناك بحرف، مثل التجارة البدائية والربا والخمور، أو بوظائف هامشية لم تَعُد مطلوبة. ولذا، فقدت حركة التنوير في الغرب قشرتها اليهودية، في حين تحولت هذه القشرة إلى محارة في الشرق. وأدَّى هذا الوضع إلى استقطاب داخل الجماعة اليهودية في الشرق، فكان دعاة التنوير عادةً من الأثرياء أو البورجوازيين أو المرتبطين بهم حيث كان بوسعهم أن يستفيدوا اقتصادياً من عملية الدمج والتغريب، وهذا مقابل الجماهير اليهودية البورجوازية الصغيرة التي كان الاندماج يعني بالنسبة إليهم الهبوط في السلم الاقتصادي إلى مرتبة العمال. وتتميَّز الجماعات اليهودية في الغرب بصغر عددها، وهو ما سهَّل عملية دمج أعضائها. أما في شرق أوربا، فكانت الكتلة البشرية اليهودية ضخمة. ومما زاد الطين بلة الانفجار السكاني الذي حدث في صفوفها في القرن التاسع عشر، ويمكن القول بأنه كانت هناك جماهير يهودية في الشرق ولم تكن توجد جماهير في الغرب. وساعد ذلك أيضاً على ألمنة يهود ألمانيا، إذ أن الكتابة العبرية كانت تعني كتابة بلا جماهير، بينما نجد أنه برغم صغر حجم قراء العبرية في الشرق كان هناك أعداد لا بأس بها من طلبة المدارس التلمودية العليا (اليشيفا) الذين يعرفون العبرية. ومما ساهم في عدم انتشار مُثُل التنوير في روسيا وبولندا على عكس ألمانيا أن المحيط الثقافي الذي أحاط بيهود ألمانيا (بلد بيتهوفن وهايني) كان متقدماً مصقولاً وأغرى كثيراً من اليهود بالانضمام إليه. أما المستوى الحضاري المحيط بيهود الشرق، بجوه الإقطاعي الخانق وحكوماته الأوتوقراطية وأقنانه المتخلفين، فلم يكن فيه ما يغري بالانتماء أو الاندماج. ولذا، لم تفقد حركة التنوير في شرق أوربا شكلها العبري واليديشي. وإذا كان الوسط الفلاحي المحيط بيهود الشرق متخلفاً، فإن يهود الشرق أنفسهم كانوا متدنين حضارياً وملتصقين تماماً بطرقهم التقليدية من لغة يديشية إلى زي خاص. وجعل ذلك من التكيف مع الوضع الحضاري الجديد ومع مُثُل التنوير أمراً عسيراً. وثمة أسباب أخرى أدَّت إلى إضعاف انتشار مُثُل التنوير في الشرق، بل وفي الغرب أيضاً، وإن كان أثرها في الشرق أكثر عمقاً منه في الغرب. وحركة الاستنارة كانت سطحية وساذجة في رؤيتها للإنسان، فقد رفضت كل أنواع الخصوصية بكل مستوياتها وأصرت على أن يتحول الإنسان الفرد المتجذر في تراثه إلى مواطن عام لا جذور له. وكان التصور السائد أن عملية التخلص من الخصوصية مسألة يسيرة سهلة خاضعة لإرادة الفرد دون أي إدراك لمدى ارتباط الهوية بالمستويات العميقة للذات الإنسانية. وغني عن القول أن مثل هذه الرؤية منافية للحقائق النفسية ومنافية لواقع يهود اليديشية الذين كانوا يتمتعون بدرجة عالية من الخصوصية باعتبارهم أقلية قومية داخل روسيا القيصرية. وكان اليهودي يشعر أنه بتخليه الكامل وغير المشروط عن خصوصيته يمسخ نفسه، الأمر الذي كان يُنفِّر كثيراً من أعضاء الجماعة من محاولة الاندماج هذه. أما أولئك الذين كانوا يقبلون فكر حركة الاستنارة ويحاولون التخلي عن الخصوصية، فإن بعضهم كان يبالغ في التشبه بأعضاء الأغلبية واصطناع الأشكال الحضارية السائدة والابتعاد عن التراث اليهودي المحلي. وقد كانت هذه العملية تثير الشك والاشمئزاز في نفوس أعضاء الأغلبية وأعضاء الجماعة اليهودية الذين لم يندمجوا. وظهرت سذاجة فكرة عصر الاستنارة في محاولة الحكومات المطلقة فرض الإصلاحات من أعلى، وكأنها شيء خارجي، عن طريق التشريعات القانونية، دون تغيير البنية الاقتصادية والسياسية للمجتمع. وكان الإعتاق يُعَدُّ منحة من القيصر، الأب الرحيم، لأبنائه اليهود الذين كان من واجبهم إثبات جدارتهم بهذه المنحة بأن يصبحوا مواطنين صالحين! وقد فُرضت الإصلاحات من خلال أجهزة حكومية متخلفة وبدائية. ويُلاحَظ أن الجهاز الحكومي في ألمانيا والنمسا كان أكثر حداثة وكفاءة منه في روسيا، كما أن النظام الحاكم في ألمانيا كان مدركاً لنفع أعضاء الجماعة والدور الذي يمكن أن يلعبوه في عملية التحديث. هذا على عكس الطبقة الحاكمة في روسيا وبولندا، وبدرجة أقل في النمسا، التي لم تجد دوراً خاصاً لليهود. وساعد على انتكاس حركة التنوير، في نهاية الأمر، ظهور القوميات الأوتوقراطية المتخلفة ذات المُثُل العضوية في روسيا وبولندا، ومن قبلهما في ألمانيا. وهي قوميات لم تتبن مُثُل الإخاء والتسامح شأنها في هذا شأن القومية الفرنسية، وإنما تبنت رؤية ثنائية حادة تقسم الناس إلى الأنا والآخر. ومما ساعد على تعميق هذا الاتجاه، ظهور الفكر الرومانسي المحافظ لما يُسمَّى الحركة المعادية للاستنارة، والأفكار العنصرية المختلفة التي شاعت في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر بوصفها جزءاً من الهجمة الإمبريالية على العالم. ثم أدَّى تعثُّر التحديث في شرق أوربا، وتوقُّفه تقريباً عام 1881، إلى سحب الأرض من تحت أقدام دعاة التنوير. وتحوَّل كثير من دعاة حركة التنوير إلى دعاة للعقيدة الصهيونية بسبب الظروف المواتية. وقد أشرنا إلى أن فكر حركة التنوير كان يحوي داخله منذ البداية تناقضاً أساسياً بين النزعة العقلانية التي تؤكد العام والمجرد وترفض الخصوصية ومن ثم تؤدي إلى الاندماج من جهة، ومن جهة أخرى النزعة (غير العقلانية) الإمبريقية الحسية (الرومانسية) التي تؤكد الخاص ومن ثم تؤدي إلى العزلة. وانعكس هذا التناقض في فكر مندلسون ثم في علم اليهودية. ويجب تَذكُّر أن اليهودية المحافظة لم تخرج من التراث الديني التقليدي وإنما هي وليدة حركة التنوير، وعلم اليهودية، والرؤية النقدية والعلمية للتاريخ. ومع هذا، ورغم انحسار حركة التنوير بوصفها حركة فكرية واعية، ظلت مقولاتها سائدة بين أعضاء الجماعات بشكل ظاهر وكامن، كما أن بنية المجتمع الغربي ذاتها تغيَّرت بشكل أصبح معه التراجع عن مُثُل الاستنارة أمراً عسيراً وصعباً. فلم تَعُد هناك حاجة إلى جماعات وظيفية وسيطة، وأصبحت المساواة بين جميع الأفراد حقيقة تكاد تكون من المسلمات التي تستند إليها النظم السياسية. وزادت معدلات العلمنة وعدم الاكتراث بالدين في المجتمع ككل بحيث لم يَعُد التمييز بين الأفراد يتم على أساس ديني. وحينما كان التمييز يتم على أساس عرْقي، كما هو الحال في الولايات المتحدة، فإن اليهود كانوا يُعتبَرون من الجنس الأبيض. ولذا، يمكن القول بأنه، برغم تراجع حركة التنوير بين اليهود وضَعْف حركة الاستنارة في العالم الغربي وتعثُّرها، فإن مُثُلهما سادت في نهاية الأمر المجتمع الغربي وبين أعضاء الجماعات اليهودية. التنويري اليهودي: فكر Haskalah Thought انطلق دعاة حركة التنوير اليهودية من المنطلقات نفسها التي انطلقت منها حركة الاستنارة الغربية بكل محاسنها ومساوئها وبكل تعميماتها وتناقضاتها (وأهم هذه التناقضات التناقض الحاد بين الاتجاه نحو العام والمجرد من جهة والاتجاه نحو الخاص والمحسوس من جهة أخرى ثم تصفية الثاني لحساب الأول) . ولكن، حركة التنوير اليهودية كان لها طابعها الخاص وموضوعاتها المتميِّزة، نظراً للخصوصية النسبية للجماعات اليهودية في المجتمع الغربي. ومن الموضوعات الأساسية التي طرحها الفكر التنويري اليهودي مسألة الشخصية اليهودية وخصوصيتها المفرطة وطفيليتها. فقد رأى دعاة التنوير أنها شخصية جيتوية متمسكة بتراثها وهويتها بشكل يفرض عليها العزلة. وقد تبنَّى دعاة التنوير الصورة النمطية الاختزالية التي ترسمها أدبيات معاداة اليهود لليهودي (وهي الصورة التي تبناها الصهاينة فيما بعد) . كما بيَّن دعاة التنوير ما تصوروه طفيلية اليهود وهامشيتهم، وهي سمات مرتبطة بالوظائف التقليدية لليهود ومسألة التجارة والربا (أي دور الجماعات اليهودية كجماعة وظيفية) ، فطالب دعاة التنوير بضرورة تغيير ذلك حتى يمكن تحويل اليهود من عناصر هامشية منعزلة إلى عناصر منتجة مندمجة، أي تحويل اليهود إلى قطاع اقتصادي منتج بحيث يمكنهم التكيف مع الوضع الاقتصادي الجديد. كما طالبوا بضرورة تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية. ولم يكن للدعوة إلى تحديث وظائف اليهود وحرفهم ومهنهم مضمون اقتصادي وحسب وإنما كان لها مضمون ثقافي ونفسي عميق، إذ كانت دعوة إلى أن يتحرك أعضاء الجماعة من مسام المجتمع كجماعة وظيفية وسيطة منعزلة لها ثقافتها الخاصة إلى نخاعه أو صلبه. فيصبحون مثل بقية أعضاء المجتمع، يتحدثون بلغته ويرتدون أزياءه وينتمون إليه ويدينون له وحده بالولاء. ولذا، كان من القضايا الأساسية التي طرحتها حركة التنوير إشكالية اللغة إذ كانت الجماعات اليهودية في شرق أوربا تتحدث اليديشية. ولذا، شجع دعاة التنوير الاندماج اللغوي، فنادوا بما سموه «النقاء اللغوي» . ذلك أن تنقية اللغة التي كان يتحدث بها اليهود كفيلة، حسب تصوُّرهم، برفع مستواهم الحضاري. ولذلك، طالبوا بألا يستعمل اليهود اليديشية، وأن يتعلموا بدلاً من ذلك اللغة الأم سواء كانت الروسية أو الألمانية أو البولندية. كما دعوا إلى إحياء اللغة العبرية باعتبارها لغة التراث اليهودي الأصلي. ومع هذا، كان هناك من دعاة التنوير في روسيا وبولندا من كتب أدبياته باليديشية وطالب بأن تصبح اليديشية اللغة القومية ليهود شرق أوربا. وكانت قضية التربية القضية الأساسية بالنسبة إلى دعاة التنوير بسبب ما تصوروه من استغراق الجماعات اليهودية في التخلف والخصوصية. فقد كان ما تصوروه من الاعتقاد السائد بين أعضاء الجماعات اليهودية أن التلمود هو الكتاب الوحيد الجدير بالدراسة، وأن الدراسة العلمية غير الدينية لابد أن تبقى ثانوية وتوظَّف في خدمة الدراسة الدينية. ونادى دعاة التنوير اليهودي بأن تكون المدارس التلمودية العليا (يشيفا) مدارس لإعداد الحاخامات وحدهم، وطالبوا اليهود بأن تتم العملية التعليمية خارج الإطار الديني وأن تشمل الجماهير كلها وليس الأرستقراطية الفكرية وحدها من الحاخامات وغيرهم. كما طالبوا إخوانهم في الدين بأن يرسلوا أولادهم إلى المدارس غير اليهودية حتى يتقنوا كل الفنون العلمانية، مثل الهندسة والزراعة، وشجعوا ممارسة الأعمال اليدوية، كما دافعوا عن تعليم المرأة. وبالفعل، بدأت المدارس اليهودية العلمانية تظهر، لأول مرة في تاريخ الجماعات اليهودية الأوربية، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وافتُتحت أول مدرسة يهودية لتعليم المرأة في روسيا عام 1836. وكان دعاة التنوير يرون أن التعليم العلماني هو السبيل إلى تحديث اليهود ودمجهم وعلمنتهم. ومن القضايا الأساسية التي طرحها دعاة حركة التنوير كذلك، قضية ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، فظهر مؤرخون يهود عديدون مثل هاينريش جرايتز ونحمان كروكمال، كما ظهر علم اليهودية الذي يُعَدُّ موريتز ستاينشنايدر وسولومون ستاينهايم من أهم أعلامه. وقد حاول دعاة التنوير إعادة تنظيم الجماعة اليهودية من الداخل، فطالبوا بإلغاء القهال وأشكال الإدارة الذاتية التقليدية، وكانوا في هذا يستجيبون لدعوة الدولة المركزية إلى أن يدين المواطنون لها وحدها بالولاء. ولكن، مع تغيير حياة اليهود الاجتماعية والاقتصادية، أي بعد تحديثهم، كان ضرورياً أن يتم تحديث الديانة نفسها حتى لا ينصرف عنها الشباب اليهودي الذي كان قد بدأ يتساءل عن مدى جدوى وجدية مصطلحات مثل «المنفى» أو «صهيون» أو «العودة» . وقد وجه دعاة التنوير سهام نقدهم إلى التراث القومي الديني اليهودي، فهاجموا فكرة الماشيَّح وأسطورة العودة، وحولوا فكرة جبل صهيون إلى مفهوم روحي أو إلى اسم المدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلا بوصفها فكرة مثالية في قلب الإنسان. وأصبح الخلاص هو انتشار العقل والعدالة بين الشعوب غير اليهودية، ولم يَعُد مرهوناً بالعودة إلى أرض الميعاد. وهاجم دعاة التنوير التراث اليهودي الشفوي أو الشريعة الشفوية وكُتبها الدينية مثل التلمود والشولحان عاروخ، وأبقوا على التراث اليهودي المكتوب وحده. وذهبوا إلى أن من حقهم العودة إلى التراث الأصلي نفسه بدون التقيد باليهودية الحاخامية، كما هاجموا الحركات والكتب الصوفية العديدة التي أفرزها التراث اليهودي، مثل الحسيدية وكتب القبَّالاه. وحاولوا أن يُدخلوا نزعة عقلانية على اليهودية، فأحيوا كتابات المفكر العربي (الإسلامي) المؤمن باليهودية موسى بن ميمون الذي كان يطالب منذ العصور الوسطى بإدخال التعليم غير الديني على الدراسات الدينية اليهودية. ويُعَدُّ المفكر الألماني موسى مندلسون، الذي تأثر بأعمال موسى بن ميمون، أباً للتنوير اليهودي. ولكن من الأهمية بمكان تبيان أن حركة الإصلاح الديني التي حققت نجاحاً فائقاً في ألمانيا وانتقلت منها إلى الولايات المتحدة، حيث يشكل اليهود الإصلاحيون والمحافظون الأغلبية الساحقة، فشلت تماماً في شرق أوربا. ولذا، وبدلاً من حركة الإصلاح الديني، نجد أن ما انتشر بين شباب اليهود هو النزعتان الإلحادية والثورية. وقد زعزع هذا كيان السلطة الدينية التي كانت تتحكم في اليهود، الأمر الذي جعل هذه السلطة تقاوم التيارات التنويرية وتحاول إفشالها. وهو ما كان يضطر دعاة التنوير إلى اللجوء أحياناً إلى السلطات الحكومية لتساعدهم في فرض القيم العصرية على اليهود. وقد نجح الحسيديون، ثم الصهاينة في نهاية الأمر، في السيطرة على الجماهير اليهودية. ورغم فشل حركة التنوير اليهودي في إنجاز كل أهدافها، فإنها تركت أثاراً عميقة في اليهودية. ولعل أهم هذه الآثار هو ظهور اليهودية الإصلاحية ودعاة الاندماج من الليبراليين والثوريين اليهود الذين طالبوا بحل مشاكل اليهود، أي المسألة اليهودية، عن طريق الثورة الديموقراطية البورجوازية أو الثورة الاجتماعية الاشتراكية. غير أن حركة التنوير مسئولة أيضاً بشكل ما عن ظهور الصهيونية. وقد هاجم دعاة التنوير فكرة انتظار الماشيَّح الذي سيأتي بالخلاص، ونادوا بأن على اليهود الحصول على الخلاص بأنفسهم. وقد أزالت هذه الدعوة الحاجز الوجداني الذي كان يقف بين اليهود (المتدينين وغير المتدينين) والصهيونية، إذ أصبحت العودة إلى فلسطين ممكنة دون انتظار مقدم الماشيَّح. كما هاجم دعاة التنوير مفاهيم أخرى، مثل العودة والشعب المقدَّس، بحيث أسقطوا البعد الديني المجازي، وكان هذا تمهيداً لتحويلها إلى مفاهيم ذات طابع دنيوي وضعي حرفي فتحوَّلت صهيون إلى موقع للاستيطان وتحوَّل الشعب المقدَّس إلى شعب بالمعنى العرْقي أو الإثني. كما أن فكر حركة التنوير كان يهدف إلى تطبيع اليهود، أي أن تكون الشخصية اليهودية شخصية طبيعية، ويصبح اليهود أمة مثل كل الأمم، وتطوَّر هذا المفهوم ليصبح الدعوة إلى تأسيس الدولة الصهيونية حتى يكون للشعب اليهودي دولته المستقلة شأنه في هذا شأن كل الشعوب. وخلقت حركة التنوير في شرق أوربا طبقة وسطى يهودية متشربة ببعض الأشكال الثقافية اليهودية الخاصة ولها ولاء كامل لتراثها الديني الغربي، ولكنها كانت في الوقت نفسه مُشبَّعة بالأفكار السياسية والاجتماعية الغربية من قومية إلى إشتراكية. وهذا الازدواج الفكري، أو التعايش بين نقيضين، هو الذي أفرز القيادات والزعامات الصهيونية القادرة على التحرك في إطار معتقداتها التقليدية المتكلسة، والتي تجيد في الوقت نفسه استخدام المصطلحات والوسائل العلمانية. وقد عمَّق التناقض الأساسي الكامن في فكر حركة الاستنارة الغربية (الاتجاه نحو العام والمجرد والآلي مقابل الاتجاه نحو الخاص والحسي والعضوي) هذا التناقض. فعلى حين أن النزعة الأولى نحو العام تطالب بدمج اليهود وبتخليهم عن خصوصيتهم، تتجه النزعة الحسية (والرومانسية) نحو تأكيدها والمطالبة بتقوية الوعي القومي. وهذا التناقض يظهر حتى عند مندلسون نفسه، أهم دعاة التنوير. فاليهودية هي دين العقل (العام) ، ولكن شعائرها مُرسَلة ومُوحى بها (الخاص) . ولذا، فإن العقائد الأساسية عامة ومُرسَلة لكل البشر، أما الشعائر فهي مقصورة على اليهودية وهي مصدر هويتهم وعلى اليهود الحفاظ عليها. وقد اتبع صموئيل لوتساتو الإستراتيجية نفسها في فلسفته. وأخذت رقعة العام في الانكماش في كتابات المفكرين اليهود (كما حدث في الحضارة الغربية نفسها) حتى نصل إلى علم اليهودية، وهو علم كان من ناحية يتكون من دراسات علمية نقدية عقلانية تهدف إلى الكشف العلمي عن الحقيقة التاريخية أو الاجتماعية أو الأنثروبولوجية الكامنة وراء القصص الديني، ولكنه كان، من ناحية أخرى، علماً يهدف إلى اكتشاف ماضي اليهود وإنجازاتهم الحضارية المتميِّزة والمنفردة حتى يكتشفوا خصوصيتهم ويقووا وعيهم القومي بها. ويظهر هذا التناقض في التأرجح بشأن قضية اللغة، فقد بدأت حركة التنوير بمهاجمة اليديشية باعتبارها لغة غير طبيعية شاذة، وألمانية منحطة وغير عقلانية، وطالبوا بالعودة إلى العبرية باعتبارها لغة طبيعية وربما عقلانية. ولكن العبرية هي عودة للماضي، وهي بعث رومانسي للغة لم يَعُد يتحدث بها أحد، فأُسقطت العبرية، وتم تبنِّي الألمانية أو اللغة القومية سواء الروسية أو البولندية. ثم ظهرت الدعوة إلى اليديشية نفسها باعتبارها اللغة العضوية والمحلية والجماهيرية. وتظهر الازدواجية في الآداب المكتوبة بالعبرية فهو دعوة إلى الانفتاح على الآداب الغربية وتبنِّي أشكالها الحديثة، ولكن لغة هذه الآداب العبرية لغة ميتة تم بعثها. كما يظهر التناقض في حركة الإصلاح الديني اليهودي، إذ كان من ثمراته اليهودية الإصلاحية التي تدعو للاندماج وإسقاط العزلة، والتمسك بالعقلانية. ولكن من ثمراته أيضاً اليهودية المحافظة التي رفضت الشريعة اليهودية التقليدية وكثيراً من الأشكال التقليدية، ولكنها حوَّلت هذه الأشكال نفسها إلى تراث شعبي عضوي يشبه المطلق. ومن ثم، فهي تهاجم اليهودية الحاخامية التقليدية، والعقيدة اليهودية بكل مطلقاتها، ولكنها تتمسك بالتراث العضوي اليهودي بوصفه مطلقاً لا يمكن التساؤل عنه. ومن هنا، كان الهجوم العقلاني على أنبياء اليهود وعلى التراث الديني اليهودي باعتباره تراثاً غيبياً معادياً للإنسان. ثم يتبع ذلك البعث الرومانسي للبطولات العبرية لفترة ما قبل اليهودية، مثل شمشون وشاؤول، وهي بطولات تجسِّد عناصر لا عقلانية خارقة. ويظهر التناقض كذلك في الدعوة إلى العودة إلى الطبيعة والاندماج بها، فهي تعني أن يترك اليهودي الجيتو المظلم ويترك مغارته اليهودية ليختلط بعالم الأغيار ويقوم بالعمل اليدوي والأعمال الزراعية والإنتاجية المختلفة التي حُرم منها. ولكن هذه الدعوة تصبح، كذلك، دعوة إلى العودة إلى الطابع المحلي وإلى التراث القومي العضوي الطبيعي. ويتضح التناقض نفسه، في موقف الحركة الصهيونية من الغيبيات الدينية. فقد نظرت الحركة الصهيونية للمفاهيم الدينية باعتبارها مفاهيم لا عقلانية متجاوزة للمادة، ولذا دعت اليهود لأن يكونوا طبيعيين لا يختلفون عن البشر ولا يتحدثون إلا عن القانون الطبيعي (المادي) العام ولا يدورون إلا في إطاره. وانطلاقاً من هذا تم رفض الدين والماشيَّح وكل الغيبيات. ولكن تم تبنِّي بعض هذه الأفكار والغيبيات المرفوضة (مثل الشعب اليهودي والأرض) بعد أن أُفرغت من مضمونها الديني وتم إضفاء المطلقية عليها، أي أنه تمت استعادة القداسة من داخل المادة ومن ثم تم تشجيع الخصوصية والتفرُّد. فالشعب اليهودي شعب مثل كل الشعوب، ولكنه شعب ذو رسالة خاصة وحقوق مطلقة. وهو يؤسس دولة ديموقراطية مثل كل الدول الأخرى، ولكن هذه الدولة تتمتع بقداسة لا نظير لها حتى أنها تحل محل الرب في وجدان اليهود. والمستوطن الصهيوني سيعود إلى الطبيعة يلتصق بها، ويعمل بيديه في الأرض، ويتحرر من الاستغلال والملكية الخاصة ومن كل ما يميِّز الإنسان عن أخيه الإنسان. ولكننا نكتشف أن الأرض ليست الأرض بشكل عام بل الأرض المقدَّسة الخاصة المقصورة عليه. ومن ثم نجد أن هذا الداعي إلى الإخاء الإنساني والعالمي يقتل العرب ويرفض السماح لهم بأن يزرعوا الأرض معه. ولعل هذا الجانب في الصهيونية هو سر جاذبيتها للعالم الغربي، فهي محاولة ماهرة لحسم التناقض الكامن في الفكر العلماني. وهذا التناقض هو الذي جعل بوسع الصهيونية التوصل للخطاب الصهيوني المراوغ، بمقدرته التعبوية الهائلة والذي جعل من الممكن استيعاب يهود الغرب من دعاة الاندماج ويهود الشرق من دعاة الانعزال والهجرة الاستيطانية. دعاة التنوير اليهودي) المسكليم) Maskilim «مَسْكليم» كلمة عبرية مفردها «مَسْكيل» وهي لفظة تكريم عبرية وتعني «العالم» أو «الرجل المستنير» ، وهي مشتقة من كلمة «سيكيل» ومعناها «ذكاء» والتي استخدمت بعد ذلك بمعنى «استنارة» . وقد استُخدمت هذه الكلمة لأول مرة في إيطاليا في القرن الرابع عشر الميلادي، ثم صارت تعني في البلاد السلافية، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، العالم اليهودي الذي يتصف بحب المعرفة ويكافح من أجل البعث الحضاري لليهود ويبشر بحركة التنوير اليهودية ومُثُل حركة الاستنارة الغربية. وقد أحدَث دعاة التنوير ثورة في عالم اليهود وفي مسار تواريخهم، إذ قدموا أنفسهم باعتبارهم أعلم بمصلحة اليهود من القيادة التقليدية، وعلى أنهم بما لديهم من علم ومعرفة بالعالم الحديث أكثر قدرة على التعبير عن هذه المصالح. وكانوا يرون أنفسهم، أساساً، بشراً لا يهود اً، وطليعة حضارة إنسانية عالمية يبشرون بها بين اليهود الذين يتمسكون بحضارتهم المتخلفة. وحاول دعاة التنوير إعادة صياغة الهوية اليهودية وتحديثها، فكانوا يتقدمون بالبرامج والمشاريع للحكومات الغربية المختلفة حتى يتم تحديث اليهود. وعلى سبيل المثال، تعاون هرتز هومبرج مع الحكومة النمساوية لفرض الصبغة الألمانية على يهود جاليشيا وأسس فيها ما يزيد على مائة مدرسة يهودية ألمانية في الفترة بين 1787 و1800. ويمكن أن نفرِّق بين دعاة التنوير في شرق أوربا من جهة ودعاة التنوير في وسطها (والذي كان يُطلَق عليه في الأدبيات اليهودية اسم «الغرب» ) من جهة أخرى. ففي الغرب، تمكَّن دعاة التنوير من أن يمسكوا بزمام الموقف ويقوموا بتغيير معالم حياة الجماعة اليهودية، الأمر الذي يتضح في اليهودية الإصلاحية وغيرها من الحركات. أما في شرق أوربا، فكان الوضع جد مختلف، إذ ظل دعاة التنوير أقلية صغيرة مُحاصَرة، ولم يستطع سوى الأثرياء منهم المجاهرة بآرائهم. أما الفقراء، فكانوا يهربون إلى مراكز التنوير في الغرب. ونظراً لصغر عددهم وهامشيتهم، لم تظهر حركة دينية إصلاحية في الشرق على غرار ما حدث في الغرب. وآمن دعاة التنوير بقوة الدولة باعتبارها قوة مطلقة، واستغلوا المقولة الدينية اليهودية «شريعة الدولة هي الشريعة» لإعطاء شرعية دينية لهيمنة الدولة على اليهود وغير اليهود. واستعان دعاة التنوير بالسلطات الحكومية لضرب القوى التقليدية داخل الجماعة اليهودية، وقاموا بنضال لا هوادة فيه ضد الحسيديين، وساعدوا السلطات في اضطهاد التساديك (زعماء الحسيدية) وفي مصادرة كتبهم. وظل هذا الوضع قائماً حتى نهاية القرن حينما بدأ دعاة التنوير يتبنون مُثُلاً اجتماعية ثورية فانقلب الحال، واستعانت القيادة التقليدية بالسلطات ضد دعاة التنوير الثوريين، مؤكدة لها أن اليهود المتمسكين بالتقاليد الدينية هم وحدهم الخاضعون للحكومة المتعاونون معها. وقدم دعاة التنوير نقداً متكاملاً للشخصية اليهودية التقليدية، في طفيليتها وهامشيتها وعدم انتمائها. وهو النقد الذي ورثه كل من الصهاينة والمعادون لليهود. ومن الملاحَظ أن كلمة «مسكليم» لها إيحاءات قدحية في الكتابات الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية. المسكليم Maskilim «مسكليم» كلمة عبرية تشير إلى دعاة حركة التنوير بين اليهود. انظر: «دعاة التنوير اليهودي (المسكليم) » . نفتالي فيسيلي (1725-1805) Naphtali Wessely واحد من أهم دعاة التنوير الألمان، وشاعر يكتب بالعبرية. وهو أحد أصدقاء مندلسون وأحد أخلص أتباعه. وُلد لأسرة ثرية، فكان أبوه وجده من قبله يمتلكان مصنعاً للأسلحة ويعملان متعهدي تموين للأسرة المالكة الدنماركية، أي أنهما كانا من يهود البلاط. تلقَّى فيسيلي تعليماً دينياً وغير ديني، وأتقن بعض اللغات الأوربية واللغة العبرية. وقضى بضعة أعوام في أمستردام وكوبنهاجن حيث تعرَّف إلى مندلسون. نشر فيسيلي بعض الدراسات الدينية من بينها تعليق على أحد كتب التلمود. ولكنه ذاع صيته حينما نشر عام 1782 كتيباً بالعبرية بعنوان دبري شالوم فائيميت (كلمات السلام والحق) كان بمنزلة مانفستو لحركة التنوير بعد صدور براءة التسامح عام 1782، وقد تُرجم هذا الكتيب إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية. كما ساهم فيسيلي في التعليق على كتاب أسفار موسى الخمسة الذي أعده مندلسون. وفي عام 1788، نشر سيفر هاميدوت (كتاب الأخلاق) وهو تحليل نظري للقضايا الأخلاقية. ولكن أهم أعماله هو قصيدته البطولية شيري تيفئيريت (قصائد المجد) وهي ملحمة عن الخروج مقسمة إلى ستة أقسام وثمانية عشر كتاباً. وقد استغرق تأليفها نحو عشرين عاماً وأصبحت نموذجاً لمعظم الجهود الشعرية لحركة التنوير، وهي متأثرة بقصيدة الشاعر البولندي كلوبستوك «المسيح» .وليست للقصيدة قيمة أدبية تذكر، وهي أيضاً ليست قصيدة تاريخية تحاول الحفاظ على الإيهام التاريخي، وإنما هي تعبير عن أفكار حركة التنوير وُمُثلها: فموسى، قائد العبرانيين، يشبه دعاة حركة التنوير الألمان، بل ويشبه موسى مندلسون على وجه التحديد. ويُعَدُّ إسهام فيسيلي الأساسي في الأدب المكتوب بالعبرية أسلوبه الذي كان يتسم بالبلاغة برغم زخرفته وتأنقه الزائد، وقد كان أسلوبه نموذجاً للأدباء الذين يكتبون بالعبرية من بعده وقد أدخل فيسيلي تعديلات على عروض الشعر المكتوب بالعبرية إذ تبنَّى الوزن المقطعي والسطر المكون من اثنى عشر مقطعاً والمسمى «الإسكندري» وساهم فيسيلي في نشر أفكار مندلسون التربوية، وفي توجيه النقد للأفكار التربوية السائدة في عصره بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب. وكان مهتماً بالتعليم الديني اليهودي، ولكنه ذهب إلى أن الدراسات التلمودية دراسات غير علمية وأن من الواجب توجيه اليهود نحو دراسة الحرف وأن يتلقوا تعليماً دنيوياً يهيِّئهم للاشتراك في الحياة حولهم. واقترح أن يتضمن هذا التعليم مبادئ العلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا واللغة الألمانية. وحاول أن يبرر دعوته العقلانية على أسس دينية، فقال: إن معرفة التاريخ تقوي معرفة اليهودي بتراثه، في حين تساعده معرفة الجغرافيا على فهم الشعائر المقدَّسة. وقد لاقت آراؤه معارضة حادة من الحاخامات. ولكن أفكاره، مع هذا، ساهمت في صياغة أفكار التربويين اليهود ممن جاءوا بعده، سواء كانوا من دعاة حركة التنوير أو كانوا من معارضيها. وبعد ظهور براءة التسامح، سنحت أمامه الفرصة لوضع أفكاره موضع التنفيذ حينما أسس ديفيد فرايدلاندر عام 1778 المدرسة اليهودية الحرة، إذ تبنت هذه المدرسة منهجاً جديداً يمزج الدراسات الدينية بالدراسات الدنيوية. فكانت النصوص الدينية تُدرَّس بالعبرية، ولكن إلى جانب ذلك كانت هناك دروس دينية أيضاً تُدرَّس بالألمانية التي حلت محل اليديشية كلغة للتدريس. وكانت هذه المدرسة نموذجاً للمدارس الأخرى التي أُسِّست بعد ذلك. موسى مندلسون (1729-1786) Moses Mendelson رائد حركة التنوير اليهودية. وُلد في دساو (ألمانيا الوسطى) لأب فقير يعمل في كتابة مخطوطات التوراة أي لفائف الشريعة. وأُصيب بمرض في طفولته تسبَّب في تقوُّس عموده الفقري وأثر في جهازه العصبي. وتلقَّى مندلسون تعليماً تقليدياً على يد حاخام ثم سافر إلى برلين حيث درس الطب والفلسفة واللغات اليونانية واللاتينية والإنجليزية والفرنسية، وكان هذا أمراً غير عادي بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في أوربا آنذاك. اشتغل مندلسون مدرساً خصوصياً لأولاد صاحب مصنع حرير ألماني يهودي ثم عمل محاسباً عنده، واستوعبت الوظيفة كثيراً من وقته، ولكنها أتاحت له فرصة الإقامة في برلين كيهودي يتمتع بالحماية بسبب نفعه. وظل يعمل طيلة حياته تاجراً وتزوج من حفيدة يهودي البلاط صموئيل أوبنهايمر. صادق مندلسون عديداً من المثقفين الألمان في عصره من بينهم كانط ولسينج الذي كتب مسرحية نيثان الحكيم (1779) واستخدم مندلسون فيها كنموذج لبطل المسرحية اليهودي الذي يتحدث عن الأخوَّة وحب الجنس البشري. قرأ مندلسون أعمال موسى بن ميمون وتأثر بنزعته العقلانية، كما تأثر بأعمال لايبنتز وإسبينوزا. وذاع صيته في بداية الأمر بسبب كتاباته في فلسفة الجمال التي تُعَدُّ إسهاماً لابأس به في هذا الحقل الفلسفي، ثم نشر كتاب فايدون (1767) تناول فيه موضوع الخلود الشخصي في شكل حوار أفلاطوني يؤكد فيه فكرة خلود الروح وأن الموت لا يعني الفناء الكامل، وبيَّن أن الرب الخيِّر ما كان ليغرس هذه الفكرة في روح الإنسان إن لم يكن هناك خلود حقيقي للروح. ويتضح في الكتاب مدى تأثر مندلسون بمفكري عصر العقل والاستنارة والفلاسفة الربوبيين، الذين كانوا يؤمنون بالخالق دون إيمان بأي دين ولا حتى بالآخرة. وقد ذاع صيت مندلسون بعد هذا الكتاب وكان يشار إليه بأنه «أفلاطون الألمان وسقراط اليهود» . ورُشح مندلسون لأكاديمية العلوم في برلين ولكن الملك شطب اسمه من قائمة المرشحين. ودخل مندلسون في نقاش حاد مع المفكر الديني المسيحي السويسري يوحنان لافاتر الذي طلب إلى مندلسون أن يثبت زيف الدلائل على صدق العقيدة المسيحية أو أن يفعل ما كان سيفعله سقراط لو كان في الموقف نفسه، أي أن يتنصَّر. لكل هذا، دخل مندلسون مرحلة فكرية ثانية ظهر فيها اهتمامه باليهود واليهودية، فبذل قصارى جهده كي يقضي على العزلة الفعلية والنفسية لليهود. وحاول أن يحطم ما أسماه بالجيتو العقلي الداخلي الذي أنشأه اليهود حول أنفسهم لموازنة الجيتو الفعلي الخارجي الذي كانوا يعيشون فيه حتى عهد قريب، فأنشأ مدرسة للأطفال في برلين لتعليم الألمانية والحرف اليدوية إلى جانب العلوم التقليدية، وهاجم استخدام اليديشية، وأصدر عام 1750 مجلة لنشر ثمار الثقافة العالمية بعنوان كوهيليت موسار (الواعظ الأخلاقي) مقلداً أسلوب مجلتي إسبكتاتور وتاتلر، ولكنها منيت بالفشل ولم يظهر منها سوى ثلاثة أعداد. ثم نشر عام 1783 مجلة هاميئاسيف (الحاصد أو الجامع) التي كانت تُعَدُّ أهم مجلات حركة التنوير، واستمر نشرها حتى عام 1811. ونشر مندلسون عام 1770 طبعة مشروحة من سفر الجامعة، كما نشر تعليقاً بالعبرية على كتاب موسى بن ميمون عن المنطق. وانتهى مندلسون من ترجمة أسفار موسى الخمسة إلى الألمانية والتي كُتبت بحروف عبرية، وكتب تعليقاً بالعبرية (بيور) عام 1783. وقد نُشرت الترجمة مع تعليقات وشروح كتبها معه مؤلفون يهود آخرون من بينهم نفتالي فيسلي وهيرتز هومبرج وياروسلاف. ويُعَدُّ هذا العمل من أهم أعمال عصر الإعتاق والتنوير، فهو الخطوة الأولى التي خطاها أعضاء الجماعة اليهودية نحو الحضارة الغربية العلمانية الحديثة، وقد حرَّم الحاخامات تداولها. كما ترجم مندلسون بعد ذلك المزامير ونشيد الأنشاد إلى الألمانية، وكتب كريستيان دوم عمله الشهير عن نفع اليهود وتحسين أحوالهم بخصوص إصلاح مكانة اليهود المدنية، الذي يتناول فيه هذه القضية بعد أن حثه مندلسون على ذلك. ويُقال إنه اشترك معه في كتابته وإن كان اختلف معه بعد ظهور الكتاب، لأن دوم طالب بمنح اليهود بعض الحقوق المدنية وأوصى بعزلهم داخل الجيتو والاحتفاظ بمؤسسات الإدارة الذاتية وألا يشغلوا وظائف عامة. وفي عام 1782، قام أحد أصدقاء مندلسون بترجمة كتاب منَسَّى بن إسرائيل الذي يدافع فيه عن اليهود ونفعهم، وكتب له مندلسون المقدمة. وأثار الكتاب نقاشاً حاداً لأنه نادى بضرورة إلغاء حق الحاخامات في طرد اليهود من حظيرة الدين (حيريم) . ورد عليه أحد النقاد مبيناً أن مثل هذا المطلب غير منطقي لأن القسر الديني هو أحد أعمدة اليهودية، وزعم أن مندلسون اقترب (في موقعه هذا) من المسيحية التي لا تستند إلى الشرائع والقواعد وإنزال العقوبات بمن لاينفذها وإنما إلى العقائد الأخلاقية غير المرتبطة بنظام عقوبات. واضطُر مندلسون إلى كتابة أورشليم: أو عن السلطة الدينية والعقيدة اليهودية (1783) للرد على الانتقادات الموجهة إليه. والكتاب في جزئه الأول يشبه كتاب إسبينوزا في دفاعه عن الحرية الدينية وحرية الضمير إذ أن للدولة وحدها، من وجهة نظره، حق استخدام القوة من أجل مصلحة المواطنين. ولكن لا الدولة ذاتها ولا الكنيسة لها الحق في فرض أية قيود على عقيدة الإنسان، أو على مبادئه، ولا يمكن تحديد مكانة الإنسان في المجتمع أو حقوقه بناء على عقيدته. ومن ثم طالب مندلسون بمنح كل فرد حرية العقيدة، ليقرر كلٌّ ما يشاء حسبما يمليه عليه ضميره وتصوُّره الأخلاقي. وإذا ما أرادت الكنيسة أو أية مؤسسة دينية أن تبشر بعقيدتها، فلابد أن تلجأ إلى الإقناع لا القسر وطالب بفصل الدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن ما يقرره الضمير الفردي لا يتجاوز البتة رقعة حياة الفرد، إذ يظل للدولة الحق الكامل فيما يختص بالمصلحة العامة والحياة العامة. وهذا يعني أن مندلسون كان يحاول أن يطرح على اليهود التحدي الذي طرحه عليهم عصر الإعتاق والانعتاق بأن يصبح اليهودي مواطناً لا عضواً في جماعة إثنية دينية، وأن يكون ولاؤه فيما يختص بالحياة العامة للدولة وحدها. ويمكنه أن يحتفظ بولائه فيما يختص بالدين لأعضاء جماعته الدينية حسبما يمليه عليه ضميره، أي أن يصبح اليهودي مواطناً في الشارع يهودياً في منزله. ويتوجه مندلسون في الجزء الثاني من الكتاب لمشكلة اليهود واليهودية، فيوجه سهام نقده إلى سيطرة الحاخامات، ويحاول أن يطرح تصوراً لليهودية عقلانياً في أساسه، ولكن للوحي فيه مكاناً، فيذهب إلى أن هناك أسساً ثلاثة لليهودية هي: وجود الإله، والإيمان بالعناية الإلهية، وخلود الروح. وهذه الأسس حقائق بدهية مثل الحقائق الرياضية، كما تشكل الأساس الفلسفي لكل الأديان قاطبة. ومن ثم، لا يوجد تعارض بين العقل واليهودية في الجانب العقيدي، ولا يوجد بالتالي داع للقسر الديني. ولكن اليهودية ليست ديناً بالمعنى المتعارف عليه فهي ليست ديناً مرسلاً وإنما مجموعة من القوانين والقواعد الأخلاقية السلوكية والشعائر المرسلة، فهي ديانة لا تهدف إلى تقنين طريقة تفكير اليهودي وإنما لوضع أسس لسلوكه. واليهودية لا تطلب الإيمان بأية عقائد يهودية محددة أو حقائق خاصة بالخلاص، ولا تنقل معرفة ربانية خاصة، ولا توجد وصية واحدة من الوصايا العشر تتحدث عن الإيمان وإنما تتحدث كلها عن السلوك. وعندما تحدَّث الرب مع موسى في سيناء لم يذكر له أية عقائد بل ذكر له طريقة للسلوك يطبقها اليهود في حياتهم، أي أن العقل يصل إلى العقائد (العامة والجوهرية) ، والوحي يقرر الشعائر (الخاصة والمحلية) ، وكأن العقل يمثل المضمون والوحي يمثل الشكل. ويتبع مندلسون في هذا تمييز عصر العقل والاستنارة بين الحقائق العقلية والحقائق التاريخية أو الدنيوية. فالأولى لا تتطلب سوى عملية عقلية لإثباتها وتقبُّلها فهي عامة ومجردة، أما الثانية فتتطلب قرائن حسية لإثباتها فهي محددة بالزمان والمكان. ويقول مندلسون إن المملكة العبرانية المتحدة كانت ثيوقراطية، أي أن العقيدة والدولة كانتا متوحدتين، ولذا فمن كان يرفض الانصياع للأوامر والنواهي الدينية يخرق قانون الدولة ويتمرد عليها. وقد سقطت الدولة، ولكن لم تسقط القوانين أو الشريعة مع هذا لأنها مُرسَلة من الرب، ولذا فهي ملزمة لليهود وحدهم ولكل من يُولد يهودياً ولكنها لا تنطبق على غير اليهود ممن أُرسلت إليهم شريعة نوح. ويشير مندلسون إلى أن اليهود الذين كانوا يتنصَّرون، في القرون الأولى من العصر المسيحي، كانوا يستمرون في ممارسة الشعائر اليهودية، على عكس غير اليهود الذين تنصَّروا، فهؤلاء لم يكونوا مُلزَمين باتباع هذه الشعائر وتنفيذها، أي أنه ربط هنا بين الدين والعرْق أو الإثنية. وبذا، يكون مندلسون قد أعاد تعريف اليهودية تعريفاً إثنياً، وهذه هي الصياغة الصهيونية. ويرى مندلسون أن القوانين الشعائرية والأوامر والنواهي تحتفظ لليهود بروابطهم، وتمنحهم خصوصيتهم وتفرُّدهم، وهذه الصياغة تقترب هي الأخرى من الصياغات الصهيونية للقضية نفسها. وعلى هذا، فإن مندلسون يقبل (في الأمور الجوهرية) اللاهوت الطبيعي والفكر الديني لفلسفة الربوبية، ولكنه في الوقت نفسه يقبل التوراة في الشعائر. وقد قال ليو بايك، عن حق، إن اليهودية أصبحت بالنسبة إلى مندلسون خليطاً من الشريعة والديانة الطبيعية (الربوبية) . ولكن هذا تجلٍّ للتناقض الأساسي الكامن في فكر حركة الاستنارة الغربي بين النزوع العقلي نحو العام والمجرد والنزوع الحسي والتجريبي والرومانسي نحو الخاص والمتعيّن. وتجب ملاحظة الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة الربوبية، فبينما يرى مندلسون أن العقل والوحي مختلفان وأن الأول يسبق الثاني، يرى فلاسفة الفكر الربوبي أن العقل حينما يصفو يقترب من الوحي الأمر الذي يفترض وحدة العقل والوحي. كما ينبغي أيضاً إيضاح الفرق بين فلسفة مندلسون وفلسفة موسى بن ميمون والرؤية الدينية العقلانية. فموسى بن ميمون يرى أن معرفة الإنسان بالحقيقة تستند إلى العقل والوحي، ورغم أن الديانات في جوهرها عقلانية ولا يمكن أن يُوجَد تناقض بين مضمون الدين والعقل، فإن الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة دون وحي. أما مندلسون، فيرفض مسألة الطريق المزدوج لمعرفة الحقيقة والمصدرالمزدوج للحقيقة نفسها، فالوحي لا يمكنه أن يقنع أي إنسان بحقيقة شيء لم يدركه عقله. فكأن العقل هو النقطة المرجعية النهائية والمطلقة في كل الحقائق الأساسية. ومع هذا، وكما أسلفنا، فإن الوحي له دوره، فهو مصدر الشعائر الخاصة بكل دين. ولأن مندلسون ترك مكاناً في نسقه الفكري للوحي، فإنه يختتم كتاب أورشليم بالدفاع عن استقلالية الأديان وخصوصية كل منها، ويرى أن محاولة مزج كل الأديان في دين واحد مسألة غير ممكنة، ذلك أن تعدُّد الأديان أمر مهم للغاية. وتعريف مندلسون لليهود يقترب إلى حدٍّ كبير من تعريف إسبينوزا الذي يرى أن شريعة اليهود أُرسلت لليهود دون سواهم. وبينما كان إسبينوزا يرى أن هذه الشريعة فقدت حيويتها ووظيفتها مع نهاية الدولة العبرانية، كان مندلسون يؤمن بأنها مازالت ذات فاعلية. كما يرفض مندلسون حلولية إسبينوزا المتطرفة، فالرب حالٌّ ومفارق في آن واحد وهو رب يرسل الأوامر والنواهي ولكنه رحيم. والإله ليس مجرد نظام منطقي (النظام الضروري والكلي للأشياء) أو قانون طبيعي غير شخصي (كما كان إسبينوزا يتصوّر) . وهذا يعني أن مندلسون احتفظ بشيء من الثنائية الأساسية التي تسم أي تفكير ديني وإن أصبحت باهتة للغاية. ولذا، فحينما علم أن صديقه ليسنج اعترف قبل موته بأنه من المؤمنين بفكر إسبينوزا وحلوليته وإلحاده، أصيبب مندلسون بالذعر وألَّف كتاباً يهاجم فيه إسبينوزا، وكان آخر كتبه. ويبدو أن الجهد العصبي الذي بذله في كتابته كان فوق طاقته إذ تُوفي بعد عدة أيام من تسليم مخطوط الكتاب للناشر. ولكن، برغم وقوف مندلسون ضد النزعة العقلانية المتطرفة، فإن رؤيته في جوهرها رؤية عقلية عقلانية لاتاريخية تنحو نحو العام والمجرد تختلف عن النزعة الحسية والتجريبية والنزعة الرومانسية التي ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر والتي تؤكد الخاص والمحلي والمتعيِّن واللاعقلاني. ويُلاحَظ كذلك أن تأكيد مندلسون أهمية الشعائر الدينية اليهودية، وكذلك إسقاطه أهمية العقائد، يقف في مواجهة تطوُّر اليهودية اللاحقة إذ أن الاتجاه التنويري في اليهودية ركز على العقائد باعتبارها الجزء العقلاني من اليهودية والجزء المشترك مع بقية البشر، وأهمل الشعائر باعتبار أنها مصدر العزلة والخصوصية. ثم تطوَّر هذا الاتجاه في اليهودية المحافظة بحيث أصبح ما يميِّز اليهودية عقائدها الخاصة والفريدة، ولعل هذا يُفسِّر سبب تجاوز فلسفته الدينية بعد موته. وتأثر كل من كانط، وهيجل، في رؤيتهما لليهودية، بآراء مندلسون، إذ نظرا إليها باعتبارها ديناً شعائرياً عقلانياً عقلياً بارداً لا يتطلب الإيمان وإنما الممارسة الدينية وحسب مقابل المسيحية التي تؤكد عالم الباطن والروح. وخلص هيجل في مقدماته إلى أن اليهودية قد أصبحت مجرد حفرية مقابل المسيحية التي لا تزال ديناً حياً. وذاع صيت مندلسون لدرجة أن اليهود أطلقوا عليه لقب «موسى الثالث» ، (باعتبار أن النبي موسى هو الأول، أما الثاني فهو موسى بن ميمون) . ورغم أن مندلسون هو الأب الحقيقي لحركة التنوير، فإنه كان من بعض النواحي شخصية انتقالية إذ كانت تسيطر عليه أحياناً تحفظات كثيرة بشأن ترجمة كل العلوم الدينية. كما كان يعارض التعليم المشترك بين اليهود والأغيار خشية أن يؤدي مثل هذا التعليم إلى تحوُّل اليهود عن دينهم. وقد هاجمه المفكر الصهيوني بيريتس سمولنسكين لأنه طالب بفصل الدين عن القومية، ولأنه أعلن أن اليهودية لا يمكنها الاستمرار إلا بوصفها ديناً وحسب، وهو الأمر الذي يتنافى مع جوهر اليهودية كما يراها سمولنسكين، فهي دين وقومية في آن واحد. وقد تنصَّر أبناء مندلسون كلهم إلا واحداً، وهذه حقيقة يسوقها بعض اليهود الأرثوذكس والصهاينة دليلاً على أن حركة التنوير كانت حتماً ستؤدي إلى اختفاء اليهودية وإلى انصهار اليهود. ولكنهم لو نظروا إلى مصير عائلة هرتزل وأبنائه، حيث تنصَّر أحدهم وجُنَّ الآخر وانتحر، أما ابنته فكان سلوكها الجنسي شائناً إذ يُقال إنها احترفت البغاء، نقول لو نظروا إلى مصير عائلة هرتزل لاكتشفوا أن ما يحدث لأبناء زعيم حركة سياسية أو فكرية ما، خصوصاً بعد وفاته، لا يصلح لأن يكون معياراً وحيداً للحكم على هذه الحركة. دانيال إيتزيج (1733-1799 ( Daniel Itzig مصرفي ألماني يهودي وابن تاجر خيول، غيَّر اسمه عدة مرات، كان يُدعَى إتيزيج بن ديفيد جافي. تزوج في أسرة ثرية، وبدأ حياته المهنية مسئولاً عن الفضة في دار السك الملكية، وأصبح رئيس الجماعة اليهود ليصبح ضمن اليهود المحميين (بالألمانية: شوتسيودين Schutzjuden) ، أي اليهود الذين يتمتعون بوضع خاص بسبب تميُّزهم (مُنح إيتزيج حقوق التجار المسيحيين عام 1761) . وصلت حياته المهنية إلى قمتها مع حرب السنين السبع 1756 ـ 1763 (كما هو الحال مع كثير من التجار اليهود ويهود البلاط) وذلك حينما طلب فريدريك الثاني منه ومن يهودي بلاط آخر الاشتراك في تمويل الحرب من خلال إصدار مجموعة من النقود المعدنية التي تقل عن قيمتها الحقيقية. وبعد الحرب، استثمر أمواله في صناعة الجلد والسلع الحديدية وأصبح أغنى رجل في بروسيا (بل ويُقال في أوربا كلها) ، وبنى قصراً لنفسه وأسس مصرفاً. وأصبح ممثلاً لكل يهود بروسيا. وكان رئيساً للجنة التي شُكِّلت لدراسة حال الجماعة اليهودية ولتقديم الاقتراحات التي تهدف إلى تحسين أحوالها. ثم عُيِّن مستشاراً مالياً لوليام الثاني الذي منحه حقوق المواطنة الكاملة، له ولكل أعضاء أسرته باعتبارهم يهوداً نافعين (غير قابلين للترحيل) ، وكانوا بذلك أول من حصل على هذا الحق. وفي عام 1797، عُيِّن في منصب مصرفي البلاط ومفتش إنشاء الطرق. وكان إيتزيج يرى ضرورة تحويل اليهود إلى عنصر منتج، ولذا قرَّر أن يفتح مدرسة لأبناء الأسر اليهودية الفقيرة كي يتعلموا فيها العلوم العلمانية إلى جانب العلوم الدينية وكان هذا يمثل ثورة حقيقية. وقد أدار هذه المدرسة (بعد موته) زوج ابنته ديفيد فرايدلاندر (المصلح الديني) ثم لازاروس بنديفيد. وكان ملحقاً بالمدرسة دار لنشر الكتب العبرية. قام إيتزيج (بإيعاز من زوج ابنته وموسى مندلسون) بمنع الحاخام هيرشل لفين (حاخام برلين الأكبر) من إصدار أمر بطرد فيسيلس من حظيرة الدين (حيريم) بعد أن أصدر كتابه كلمات السلام والحقيقة (1782 ـ 1785) . وكان إيتزيج مع هذا يرى ضرورة احتفاظ اليهود بعقيدتهم، فقرر في وصيته أن يُحْرَم من الميراث من يتنصَّر من ذريته. ولكنه، نظراً لتردده في موقفه، عاد وألغى هذا الشرط. وكانت مخاوفه في محلها، إذ لم يبق أحد من نسله يهودياً. ولنا أن نلاحظ ما يلي: 1 ـ يُعَدُّ إيتزيج نموذجاً جيداً لشخصية يهودي البلاط الانتقالية الذي يقف بين العالمين اليهودي والمسيحي. 2 ـ بسبب هذا نجده يلعب دوراً نشيطاً أساسياً في حركة التنوير والإصلاح الديني، وبخاصة في المجال التعليمي. 3 ـ كانت شخصيات مثل إيتزج هي النموذج الجديد الذي يُحتذَى لدى الشباب من أعضاء الجماعات اليهودية. ومنطق مثل هذه الشخصيات وسر نجاحها هو التخفف من اليهودية إلى درجة تقترب من التخلي عنها (أي أن يصبح يهودياً غير يهودي) وعادةً ما يكون نسل مثل هؤلاء غير يهود اسماً وفعلاً، كما حدث لنسل إيتزيج. 4 ـ ساهم إيتزيج بذلك في تقويض دعائم الإيمان الديني اليهودي ووضع أسس دنيوية للنجاح على أساس شروط الأغيار وساهم بذلك هو (وغيره) في خَلْق التربة الخصبة والجو المواتي لظهور الحركة الصهيونية، وهي حركة ترفض اليهودية وتقرر النجاح في عالم الأغيار من خلال آلياتهم وبشروطهم، والمشاركة في السلطة حتى يصبح اليهود شعباً مثل كل الشعوب. هرتز هومبرج (1749-1841 ( Herz Homberg تربوي ألماني يهودي من رواد حركة التنوير ودعاتها. تلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً في بداية حياته، ثم تعلَّم الألمانية في السر، وبعدها تعلَّم الرياضيات وعدة لغات أجنبية في برلين وهامبورج. وتأثر هومبرج بأفكار روسو في التربية، وبقي من عام 1775 حتى 1782 مدرساً لابن مندلسون. ولكنه، وقد جذبته إصلاحات جوزيف الثاني (إمبراطور النمسا) ، انخرط في سلك التدريس في تريستا، وكان أول يهودي في براغ ينجح في امتحان اختيار مدرسين للعمل في مدارس حكومية. وبعد أن قرر الإمبراطور عدم السماح لليهود بالعمل إلا بعد تعلُّم الألمانية، وكانت قد تأسست مدارس يهودية لتحقيق هذا الهدف، عُيِّن هومبرج مشرفاً عاماً على هذه المدارس ورقيباً على الكتب في جاليشيا. ووضع كتيباً وجَّهه إلى الحاخامات يقترح عليهم فيه ضرورة أن يكون التعليم اليهودي متكيفاً مع الحضارة الأوربية، كما دافع عن تعليم العبرية والألمانية والحرف اليدوية وعن تعليم الفقراء. وأسس هومبرج مائة وسبعاً من المدارس والفصول لتعليم اليهودية، كما أنشأ مدرسة لتخريج المدرسين، ولكن اليهود لم يرسلوا أولادهم إلى هذه المدارس. وألقى هومبرج باللوم على الحاخامات باعتبارهم المسئولين عن فشل اليهود في أداء واجبهم نحو الدولة، واتهمهم بأنهم يحتفظون بولائهم لإرتس يسرائيل ويتحاشون الخدمة العسكرية. وقد اقترح هومبرج على السلطات إلغاء المعاهد التقليدية، كما طالبهم بمنع استخدام العبرية وبأن يُفْرَض على كل الهيئات اليهودية أن تستخدم مدرسين تم تدريبهم تدريباً حديثاً. وطالب بأن يُوجَّه اليهود إلى الحرف المنتجة وأن تُمنَح الحقوق المدنية لليهود الذين يطبقون قانون الدولة، كما طالب بأن تقوم الدولة بإلغاء كل ما يميِّز اليهود عن الأغيار بما في ذلك اللحية والأزياء الخاصة. ورغم أن الدولة كانت تقف وراء التجربة، إلا أنها فشلت فشلاً ذريعاً بسبب معارضة اليهود. ويبدو أن هومبرج كان عقلانياً لا يدرك أن اللحظة التاريخية تساهم في صياغة الإنسان. ودفعه رفضه اليهودية الحاخامية إلى أن يطرح اقتراحات ثورية صبيانية مستحيلة مثل إلغاء منصب الحاخام وتدمير كل الكتابات الحاخامية وإلغاء الشريعة الشفوية. استقر هومبرج بعد ذلك في فيينا وكان رقيباً على الكتب. ووضع عدة كتب دينية مدرسية اقترح في أحدها عقد اختبار إجباري لكل من ينوي الزواج من اليهود. وعمل بين 1816 و1841 في براغ مشرفاً على المدارس اليهودية. وتم تعميد أولاده الأربعة في حياته. لازاروس بنديفيد (1762-1832) Lazarus Bendavid أحد دعاة حركة التنوير بين يهود ألمانيا، وله كتابات في الفلسفة أحرزت ذيوعاً في وقتها، كما أن سله كتابات تناولت موضوعات يهودية نادى فيها بإصلاح اليهودية. وكان يرى أن الطريقة الوحيدة لوقف تنصُّر اليهود هي اليهودية الإصلاحية. وقد تقبَّل بنديفيد فكرة نقد العهد القديم، وكان يذهب إلى أن الشعائر هي سبب ضعف اليهودية في عصره، ونادى بإلغائها. كما طالب بالابتعاد عن الشريعة الشفوية، وبيَّن أن الإيمان بالماشيَّح ليس إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأن حصول اليهود على حقوقهم ومساواتهم بالأغيار هو في واقع الأمر عودة الماشيَّح. أيزيك لفنسون (1788-1860 ( Isaac Levinsohn مؤسس حركة التنوير في روسيا، ويُسميه البعض «مندلسون روسيا» . وُلد لأسرة يهودية ثرية، ونشأ في بلدة على حدود جاليشيا النمساوية. علَّم نفسه البولندية والألمانية والفرنسية، ويُعَدُّ من أوائل اليهود الذين أتقنوا اللغة الروسية. وعمل كمترجم للقوات الروسية أثناء الغزو الفرنسي عام 1812. تنقَّل بين عامي 1813 و1820 بين عدد من مدن شرق جاليشيا مثل برودي وتارنبول، وقام بالتدريس في المدارس اليهودية الحديثة، وهناك تعرَّف إلى عدد من دعاة التنوير اليهود. وفي عام 1823، استقر في مدينة كرمنتز ليكرِّس جهده ونشاطه في نشر فكره المتصل بإصلاح أوضاع اليهود. بدأ نشاطه الأدبي حينما كان في جاليشيا، فنشر قصيدة بالعبرية، كما نشر ترجمة يديشية للتعريفة الجمركية الروسية الرسمية، وأعد كتاباً بالعبرية لتعليم قواعد اللغة الروسية، إلا أنه لم يُنشَر. وشهد عام 1828 ظهور أهم كتب لفنسون شهادة في إسرائيل الذي يوجه فيه نقداً لاذعاً للمدارس الأولية الخاصة (حيدر) التي يتمركز منهجها حول التلمود وهي مدارس تتبع طرقاً غير منهجية في التدريس ويُستخدَم فيها العقاب البدني، ولذا سماها لفنسون «غرف الموت» . وقد عارض لفنسون استخدام اليديشية كلغة للتدريس، وطالب باستخدام اللغة الألمانية أو الروسية. وحث اليهود على تعلُّم اللغات الأجنبية والمواد العلمانية. كما طالب لفنسون اليهود بإعادة بناء حياتهم الاقتصادية والاجتماعية على أساس الابتعاد عن التجارة والاشتغال بالحرف الإنتاجية المختلفة. ولتدعيم وجهة نظره، كان لفنسون يشير دائماً إلى ممارسات مشاهير اليهود في الماضي. وقد أغضبت أفكاره الدوائر الأرثوذكسية، ولكن كثيراً من الشباب اعتبر كتابه شهادة في إسرائيل إنجيلاً جديداً. وحصل لفنسون على جائزة مقدارها ألف روبل عن هذا الكتاب، وذلك لاتفاق أفكاره مع اتجاهات الحكومة الروسية لإصلاح أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا. وانتهى لفنسون من تأليف كتابه الثاني بيت يهودا (عام 1829) ، ولكنه لم ينشره إلا بعد عشرة أعوام؛ نظراً للمعارضة الشديدة من قبل الحاخامات لطبعه، فهو عبارة عن تفسير لليهودية في ضوء فلسفة التاريخ. وفي محاولته الإجابة عن إمكانية إصلاح اليهود واليهودية، يتبع لفنسون تفسير مندلسون الذي يرى في اليهودية قانوناً شاملاً فيما عدا القانون الإلهي، كما تشتمل على قانون مدني يختص بممارسات المجتمع والعلوم المطلوبة للحفاظ عليه وتطويره. وهذا القانون، كما يرى لفنسون، يمكن تعديله وإصلاحه طبقاً لروح العصر ومتطلبات الشعب. وفي الجزء الثاني من الكتاب، يقدِّم لفنسون عرضاً تاريخياً لتعاليم حكماء اليهود ومن بينهم مندلسون. ويُنهي لفنسون كتابه ببرنامج لإصلاح حياة اليهود في روسيا يشتمل على العناصر التالية: أ) تأسيس مدارس أولية للبنين والبنات من الطبقات الفقيرة وضرورة تعليمهم حرفاً مختلفة. كما طالب بتأسيس كليات مركزية في وارسو وفلنا وأوديسا ليدرس فيها الموهوبون من الطلبة التلمود والقوانين والعلوم واللغات المختلفة. ب) تعيين حاخام أكبر ذى صلاحيات كبيرة بحيث يمكنه تعيين حاخامات ووعاظ في مدن روسيا يخضعون لإشرافه على أن تساعده محكمة عليا دينية. كما طالب بتعيين لجنة من قيادات الجماعة للدفاع عن الفقراء والناس العاديين ضد قياداتهم وضد الأغنياء الذين يستغلونهم أسوأ استغلال. جـ) تعيين وعاظ ليقوموا بحثِّ الناس على السلوك القويم وتشجيعهم على امتهان الحرف المختلفة، وليوضحوا لهم واجباتهم تجاه الإله وتجاه أنفسهم وتجاه الآخرين وتجاه الدولة وتجاه البشرية عامة. د) توجيه يهود روسيا إلى العمل بالزراعة. وقد اشترت الحكومة الروسية ألفي نسخة من هذا الكتاب لتوزيعها في المعابد والمدارس العبرية. ورغم توجيه لفنسون النقد لطريقة حياة اليهود، وتأكيده ضرورة أن تُطبَّق إصلاحاته المقترحة دون أخذ موافقتهم، إلا أنه دافع عن اليهودية كديانة. ففي عام 1838، كتب دفاعاً حاراً ضد هجمات المرتدين وضد تهمة الدم في كتابه الذي يُسمَّى لا يوجد دم، وتُرجم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية فيما بعد. ومن أهم كتبه الأخرى زروبابل الذي صدر بعد وفاته في أوديسا عام 1863 في شكل غير كامل، ثم صدر بعد ذلك في عدة طبعات مختلفة. وفي هذا الكتاب، دافع لفنسون عن التلمود واليهودية ضد هجمات ماكول (المبشر الإنجليزي) ، كما نشر هجوماً باليديشية على الحسيدية. جبريل رايسر (1806-1863) Gabriel Riesser محامي ألماني يهودي، وأحد أهم دعاة حركة التنوير. وُلد في هامبورج ودرس القانون في كيلي وهايدلبرج. لم يوفَّق في محاولته الاشتغال بالمحاماة والقضاء، ولكنه على عكس كثير من معاصريه لم يتنصَّر ليحقق غرضه، وبدلاً من ذلك أصرّ على أن يدافع عن حق اليهود، كمواطنين، في أن يحصلوا على حقوقهم كاملة. ودخل في محاجة مع المفكر الديني العقلاني هـ. أ. ج. باولوس الذي ذهب إلى أن تمسُّك اليهود بدينهم جعل منهم أمة، ولذا ليس لهم الحق في أن يكونوا مواطنين، بل هم رعايا موضوعون تحت الحماية وحسب. كما أن باولوس ذهب إلى أن محاولة اليهود الاندماج في الشعب الألماني، هي محاولة زائفة، ستؤدي إما إلى طردهم أو إلى إبادتهم. وقد رد رايسر على ذلك بأن إيمان اليهود بدينهم هو مسألة عقيدة شخصية، ومن ثم فهم متساوون مع المواطنين الألمان كافة حيث عاش الألمان واليهود في ألمانيا منذ عدة أجيال. ولم يكن رايسر محافظاً على شعائر دينه في حياته الخاصة، ولكنه أصر على حق اليهود في ممارسة هذه الشعائر. وكان رايسر من أهم أعضاء معبد هامبورج الإصلاحي واليهودية الإصلاحية. ونجح رايسر في كثير من جهوده إذ شغل عدة وظائف إلى أن أصبح عضواً في البرلمان في فرانكفورت (1848 ـ 1849) ، كما أصبح نائباً لرئيسه وعضواً في اللجنة الدستورية، ثم شغل منصب عضو في محكمة هامبورج العليا، وكان أول ألماني يهودي يُعيَّن في مثل هذا المنصب كما سُمِّي شارع باسمه في هامبورج. جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا Society for the Promotion of Culture among the Jews of Russia جمعية ثقافية روسية أسسها عام 1863 في سانت بطرسبرج عدد من أثرياء الجماعة اليهودية في روسيا بغرض نشر الثقافة الروسية بين الجماهير اليهودية والإسراع بعملية التحديث والترويس بينهم. وكانت عملية التحديث والنمو الاقتصادي التي بدأتها الحكومة القيصرية، والتي اتخذت شكلاً أكثر ليبرالية في عهد ألكسندر الثاني (1855 ـ 1881) ، قد أتاحت فرصة الحراك الاجتماعي والاقتصادي لأعضاء الجماعة اليهودية. ومن ثم، نشأت طبقة من التجار والأثرياء اليهود المتعاونين مع الحكومة في عملية التحديث والداعين للدمج والترويس بين الجماهير اليهودية. وأعرب ليون روزنتال، أحد مؤسسي الجمعية، عن أن الدافع وراء تأسيس الجمعية هو الاتهامات التي كانت توجَّه للجماعة اليهودية والقائلة بأن الانعزال الديني والثقافي والاجتماعي لليهود وطفيليتهم الاقتصادية هما السبب الرئيسي وراء عدم إعتاقهم وعدم منحهم حقوقهم المدنية. وكان القطاع الأكبر من الجماهير اليهودية رافضاً لعملية التحديث نظراً لما تسببت فيه من ضياع وظائفهم التقليدية وتدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، كما كان هذا القطاع من الجماهير رافضاً مسألة الدمج والترويس. ولكن هذا التحول كان ضرورياً في نظر أثرياء اليهود المتروِّسين حرصاً على مكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الطبقية، خصوصاً أن عملية التحديث والتحوُّل الاقتصادي صاحبتها ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية بالنسبة للجماهير الروسية بشكل عام، وهو ما كان يهدد بوضع أعضاء الجماعة اليهودية وغيرهم من الأقليات الدينية أو الإثنية أو العرْقية في موضع هجوم واتهام في حالة تأزُّم الأوضاع الاجتماعية وأثناء زيادة حدَّة الإفقار، وهو ما حدث بالفعل بعد تعثُّر عملية التحديث عام 1882. وقد واجه تأسيس الجمعية، في البداية، عدة اعتراضات من أكثر من جهة، فاليهود الأرثوذكس رفضوا المشروع خوفاً من آثاره السلبية على العقيدة اليهودية. أما دعاة التنوير، فطالبوا باتخاذ إجراءات أسرع وأكثر راديكالية. وأما الحكومة الروسية، فكانت تخشى من تحوُّل هذه الجمعية إلى مؤسسة ذات قاعدة شعبية عريضة، ولذلك رفضت فتح أية فروع لها في أنحاء البلاد، وبخاصة داخل منطقة الاستيطان، الأمر الذي أدَّى إلى تقليص تأثيرها في الجماهير فيما بعد. وبعد مفاوضات طويلة، تقرَّر تحديد هدف الجمعية وتم النص على أنه تنمية الثقافة بين يهود روسيا ودعم المؤلفين والعلماء والطلبة اليهود، أما السبيل إلى ذلك فيتحدَّد في تعليم اللغة الروسية للجماهير اليهودية وإصدار الكتب والترجمات والدوريات باللغتين الروسية والعبرية. كما تقرَّر أن تعمل الجمعية تحت إشراف وزارة التعليم، وأن تقبل أعضاء من جميع الأديان والأجناس والطبقات والمراكز. وكان أول من ساهم في تأسيس وتمويل صندوق الجمعية أثرياء اليهود من رجال المال، خصوصاً ليو روزنتال وعائلة جونزبورج التي انتُخب أحد أعضائها رئيساً لمجلس إدارة لجنة الجمعية. وكانت الجمعية تعتمد على تمويل عدد من أثرياء اليهود وهو ما ترك أثره في طبيعة الجمعية ومشاريعها وتوجهاتها. وقد انضم للجمعية عدد من المثقفين والمفكرين اليهود، مثل: أبراهام لفنسون، وأبراهام مابو، ويهودا جوردون، ومندل موخير سفاريم، وغيرهم، كما جرت محاولات لجذب مفكرين وكُتَّاب وشخصيات عامة ليبرالية غير يهودية. وبرزت داخل الجمعية، منذ بدايتها، بعض الخلافات حول كيفية مخاطبة الجماهير ونشر الثقافة بينهم واللغة التي يجب نشرها. فكان هناك اتجاه يمثله ليو روزنتال يرى ضرورة بناء الجديد دون هَدْم القديم ودون المساس بالقيم والتقاليد التي تحترمها الجماهير اليهودية، وبالتالي فإن على الجمعية توفير تعليم محايد لا يثير شكوك الجماهير أو مخاوفها أو يصدم معتقداتها بل يوفر لها قدراً من المعرفة بالعلوم والجغرافيا والتاريخ. كما فضَّل هذا الاتجاه استخدام اللغة العبرية في نشر الثقافة بين الشباب اليهودي والاهتمام بإصدار الكتب والدوريات العبرية. كما رفض هذا الاتجاه استخدام اليديشية، مع العلم بأن الغالبية الساحقة من الجماهير اليهودية في روسيا لم تكن تعرف العبرية، فقد كانت لغة ميتة تقتصر معرفتها على الأرستقراطية الدينية من كبار الحاخامات وخريجي المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . ولم يكن الاتجاه نحو بعث العبرية اتجاهاً شعبياً أو تقليدياً وإنما كان اتجاهاً صهيونياً يرفض وضع أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء العالم ويرمي إلى بعث قومي ومن ثم إلى الاهتمام بالعبرية. ومن ناحية أخرى، كان هناك اتجاه آخر داخل الجمعية يمثله د. شولسون وأ. هاركابي يدعو إلى ضرورة نشر اللغة الروسية بين أعضاء الجماعات اليهودية والمساهمة في تطوير وبلورة أدب روسي يهودي والعمل على هدم الحواجز التي تفصل بين اليهود وسائر أفراد الشعب الروسي والتصدي لجميع الاتهامات الكاذبة الموجهة لليهود أو اليهودية. كما كان هناك اتجاه أكثر تطرفاً بالنسبة لمسألة الترويس داخل الجمعية، وبخاصة في فرعها في أوديسا (تأسس عام 1867) ، ويمثله رابينوفيتش وليو بنسكر، وكان هذا الاتجاه يطالب بترويس يهود روسيا بشكل كامل وسريع. وبالإضافة إلى كل هذا، كانت هناك مجموعة صغيرة يمثلها الحاخام شواباخر، وهو حاخام أوديسا، تطالب بتخصيص قسم داخل الجمعية لتعليم اللغة الألمانية للشباب حتى يكون في استطاعتهم الاطلاع على الأعمال اليهودية المهمة التي كُتبت بهذه اللغة إلى جانب أن اللغة الألمانية كانت تعني فتح مجال التعرف على الثقافة الأوربية بشكل عام. واستقر رأي الجمعية في نهاية الأمر (عام 1864) على أن يكون نشر اللغة الروسية هو الهدف الأساسي وراء جميع أنشطتها حيث إن ذلك هو السبيل الوحيد لمشاركة الجماهير اليهودية في الحياة الروسية. وعندما أصبح يهودا ليب جوردون سكرتيراً للجمعية عام 1872، أدخل بعض التعديلات على الجانب التنفيذي وقام بنشر هذه التعديلات في الصحافة العبرية حيث تضمنت الدعوة إلى ضرورة العمل على تطوير التعليم المهني والفني والمؤسسات الخاصة بها. وأعلنت الجمعية عن استعدادها لمساعدة الحرفيين اليهود على الاستيطان في جميع أنحاء الإمبراطورية الروسية، وطالبت الجمعية بإدخال تعديلات وتغييرات في الأطر الإدارية للجماعات اليهودية، والتأكيد على مبدأ دعاة التنوير الخاص بأن انعتاق اليهود سيتحقق فقط بعد أن يحقق اليهود تقدماً وتحسناً في المجال الروحي والأخلاقي. وتركزت أنشطة الجمعية في مجالات النشر والتعليم. ففي مجال النشر، اهتمت الجمعية بتوفير المراجع التي تساعد على تعليم اللغة الروسية، كما قامت بترجمة ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» إلى الروسية حتى يتعرف إليه القارئ الروسي، وخصصت منحاً للكُتَّاب اليهود لتشجيعهم على الكتابة بالروسية. وتم التخطيط لإصدار نشرة فكرية وأدبية سنوية تضم أعمالهم، غير أنها لم تُصدر سوى نشرة واحدة نتيجة عدد من الصعوبات من بينها عدم وجود عدد كاف من الكتابات والمواهب الأدبية، بالإضافة إلى القيود الرقابية والمخاوف الداخلية من توجيه أية انتقادات للعقيدة اليهودية. كما قامت الجمعية بدعم عدد من الجرائد الأسبوعية وبتمويل إصدار ملحق باللغة الروسية لجريدة هاكارميل الأسبوعية. وكان من أهم إنجازات الجمعية القيام بتجميع آراء الحاخامات الواردة في التلمود وإصدارها باللغة العبرية عام 1871 ثم بالروسية عامي 1874 و1876. وكان الغرض من هذا العمل توفير مرجع للحاخامات لتحضير خطبهم بلغة البلاد، بالإضافة إلى تعريف الجمهور غير اليهودي بالقواعد والمبادئ الأساسية في التلمود. كما قامت الجمعية بترجمة العهد القديم إلى الروسية، وذلك أملاً في تحقيق النتائج الإيجابية التي حققتها هذه الخطوة في ألمانيا لحركة الاستنارة اليهودية. وفي عام 1873، قامت الجمعية بإصدار ترجمة جديدة للتوراة، كما خصَّصت أموالاً كثيرة لترجمة كتب الصلوات اليهودية (سدور) وكتب صلوات الأعياد (محزور) ، وكذلك لتأليف عدد من الكتب المدرسية بالروسية ولدعم المفكرين اليهود لإجراء بحوث حول ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، كما خصَّصت الجمعية منحاً لمؤلفي الكتب باللغة العبرية في الرياضيات والفيزياء والطبيعة والكيمياء والجيولوجيا. وقامت الجمعية أيضاً بدعم الدوريات العبرية، وهي دوريات كانت مهتمة بشكل خاص بالعلوم الطبيعية وبالتاريخ والسير الذاتية اليهودية. وإلى جانب ذلك، ساهمت الجمعية في إصدار كتابين في الجغرافيا والتاريخ الروسي. وكانت الجمعية، سواء بجناحها المؤيد للغة الروسية أو جناحها المؤيد للغة العبرية، معارضة للغة اليديشية باعتبار أنها تمثل مرحلة بائدة. ورغم ذلك، أظهرت الجمعية استعدادها لدعم مجلة أسبوعية يديشية باعتبار أن ذلك سيساعد على توصيل المعرفة والمعلومات إلى قطاع أوسع من الجماهير اليهودية. كما خصصت بعض الموارد المالية لإصدار كتب باليديشية حول التاريخ اليهودي والروسي، ولكنها تراجعت عن ذلك عقب الانتقادات التي وُجِّهت لهذه الخطوة في كلٍّ من الصحافة الروسية والصحافة الروسية ـ اليهودية. أما بالنسبة للأنشطة التعليمية، فقد خصصت الجمعية جزءاً كبيراً من ميزانيتها لدعم ومساعدة الطلبة اليهود في مؤسسات التعليم العالي الروسية، وبخاصة في سانت بطرسبرج، حيث اعتبرهم دعاة التنوير أفضل المرشحين لقيادة الجماعة اليهودية. كما ساعدت الجمعية الطلبة على الدراسة في الجامعات والمعاهد الأجنبية، ولكن الحكومة الروسية منعت ذلك عام 1879 باعتبار أنه مخالف للوائح الجمعية. وفي أعقاب الإصلاحات التي طُبِّقت على شبكة المدارس اليهودية الحكومية والتي أدَّت إلى إغلاق كثير من هذه المدارس، قرَّرت الجمعية إقامة صندوق خاص لسد احتياجات المدارس الثانوية والابتدائية. كما اقترحت إدخال تعليم اللغة الروسية كمادة إجبارية في هذه المدارس، وإقامة قسم خاص للمواد العبرية، ودعم فصول الحرف الملحقة بالمدارس، والمساعدة في تأسيس معاهد للمعلمين داخل منطقة الاستيطان، والسماح بإلحاق عدد من الطلبة بهذه المدارس على نفقة الجمعية. كما شاركت الجمعية في تأسيس المكتبات العامة. وزاد حجم العضوية في الجمعية من 175 عام 1864 إلى 287 عام 1873 ثم إلى 740 عام 1888. وكان المصدر الأساسي لتمويل الجمعية، وبخاصة في السنوات العشر الأولى، عائلتا جونزبورج وليو روزنتال. وخلال سنوات وجودها الـ 25 أنفقت 286 ألف روبل على الطلبة اليهود في المدارس العامة والتعليم العالي. وشهدت التسعينيات من القرن التاسع عشر بعض التجديدات في الجمعية حيث انضم إليها عدد من الشباب المتعلم والمثقف الذي جاء بأفكار ومشاريع جديدة. فقامت الجمعية عام 1891 بتأسيس لجنة تاريخية للبحث في تاريخ الجماعة اليهودية في روسيا. وتحوَّلت هذه اللجنة عام 1908 إلى الجمعية التاريخية والإثنوغرافية اليهودية. وفي عام 1894، تأسست لجنة للتعليم الشعبي اهتمت بالمدارس اليهودية، خصوصاً تلك التي تضم مناهج عبرية. كما اهتمت بتدريب معلمي العبرية، فانعقد مؤتمر للمعلمين عام 1903 في روسيا البيضاء. وتم افتتاح فروع جديدة للجمعية في موسكو (1894) وريجا (1898) وكييف (1908) . وفي عام 1900، وصل حجم العضوية إلى 3010 عضو. وفي عام 1906، تم تعديل قوانين الجمعية بحيث أصبح من حقها افتتاح المدارس والمكتبات وتنظيم المحاضرات والحلقات الدراسية لتدريب المعلمين، كما تقرَّر فتح فروع لها في المناطق التي تزيد العضوية فيها على 25 عضواً. وفي عام 1912، وصل عدد الفروع 30 فرعاً في كل أنحاء روسيا تضم 7000 عضو. كما كان للجمعية عام 1910 عشرة مدارس، إلى جانب 98 مدرسة تشرف عليها بشكل جزئي. وفي العام نفسه، بدأت الجمعية في إصدار جريدتها الخاصة التي تتناول قضايا التعليم والثقافة والمكتبات. وفي عام 1912، تأسست لجنة لدراسة كيفية إصلاح وتطوير المدارس اليهودية التقليدية مثل المدرسة الأولية الخاصة (الحيدر) . ونظراً لأن الجمعية كانت المؤسسة اليهودية الوحيدة المسموح لها بمزاولة الأنشطة التعليمية والثقافية، فقد انضم إليها في أوائل القرن العشرين عدد من الزعماء الصهاينة والمنادين بالقومية اليهودية مثل آحاد هعام وبياليك. وبعد فشل ثورة 1905، انضمت إلى هذه الجمعية عناصر من الأحزاب الاشتراكية اليهودية، ونتج عن ذلك وجود ثلاثة تيارات متصارعة داخل الجمعية: التيار المطالب بالاندماج والارتباط الوثيق بالثقافة الروسية، والتيار الصهيوني العبري، ثم التيار اليديشي الممثَّل في عناصر حزب البوند. وافتتحت الجمعية خلال الحرب العالمية الأولى 215 مدرسة تضم 130 ألفاً من الأطفال اليهود واللاجئين، وبعد ثورة فبراير الروسية اتَّجه الصهاينة لتأسيس اتحادهم التعليمي والثقافي الخاص تحت اسم «تاربوت» ، كما أقام مؤيدو اليديشية جمعية خاصة بهم. وبعد الثورة البلشفية، تمت تصفية جميع أفرع الجمعية في الأقاليم وإغلاق مدارسها وإنهاء أنشطتها التعليمية. وظل المركز الرئيسي في بتروجراد يعمل، ثم تم حل الجمعية بشكل نهائي عام 1930 وألحقت مكتبتها التي ضمت 50 ألف كتاب و1000 مخطوطة إلى معهد الثقافة اليهودية البروليتارية في كييف. صالونات النساء الألمانيات اليهوديات Salons of German Jewish Women «صالونات النساء اليهوديات» صالونات فكرية أقامتها بعض بنات أثرياء اليهود في فيينا وبرلين في بداية القرن التاسع عشر، وأصبحت مركزاً يلتقي فيه أعضاء النخبة الثقافية والسياسية في أوربا مع بعضهم البعض، ومع البارزين من أعضاء الجماعة اليهودية. وظاهرة الصالونات ظاهرة مرتبطة تماماً بحركة التنوير اليهودية ثم بداية انفتاح الجماعة اليهودية على عالم غير اليهود وبداية علمنة أعضائها ودمجهم بل صهرهم وأحياناً تنصيرهم. ولعل قيام النساء بهذا الدور القيادي في عملية التقارب بين الجماعة اليهودية وعالم غير اليهود يعود إلى مُركَّب من الأسباب الثقافية والاقتصادية. وأهم الأسباب بطبيعة الحال هو أن المجتمع الغربي بأسره كان قد بدأ يتحول من مجتمع تقليدي مبني على الفصل بين الطبقات والجماعات إلى مجتمع حديث تديره دولة قومية علمانية مركزية. ولم يكن هناك مفر من القضاء على كل الجيوب الإثنية والدينية والجماعات الوظيفية بحيث يتم دمجها في بنية المجتمع ككل. والجماعة اليهودية كانت إحدى هذه الجماعات، كما أن الصالونات كانت آلية من آليات الدمج إذ أن احتكاك أعضاء القيادة اليهودية بالثقافة غير اليهودية كان يسهم ولا شك في زيادة اقترابهم منها واستيعابهم لها ومن ثم وصولها إلى كل أعضاء الجماعة، ذلك أنه، مع تحوُّل النخبة، يَسهُل تحوُّل الجماهير. وقبل أعضاء الأرستقراطية الألمانية، رغم ما عرف عنهم من عنصرية، ارتياد هذه الصالونات لأنها كانت تتسم بقدر كبير من الحرية والانفتاح، ومن ثم كانت مجالاً لتبادل الأفكار غير متاح في المجتمع. ولابد أن نتذكر أن الفكر العقلاني وجد طريقه إلى أعضاء الأرستقراطية الغربية وعبَّر عن نفسه في ظاهرة الحكومات المطلقة المستنيرة التي كانت تبغي إصلاح المجتمع من أعلى، ومن خلال تشريعات حكومية. كما أن انتشار الرؤية النفعية والمركنتالية في المجتمع، جعل بالإمكان تقبُّل اليهودي أو أي شخص آخر ما دام أثبت نفعه. أما من الناحية الاقتصادية المباشرة، فيعود ظهور الصالونات إلى حرب الأعوام السبعة (1756 ـ 1763) ، إذ أعطى فريدريك الأكبر مجموعة من العقود للمتعهدين العسكريين اليهود، الذين أثبتوا كفاءتهم في سد حاجاته من السلع والمواد المختلفة ونفعهم لبروسيا. وتمكَّن هؤلاء المتعهدون من مراكمة الثروات إبَّان هذه الحرب، وكثير من المزايا التي منحها إياهم الإمبراطور مكافأة لهم على الخدمات التي أدوها لوطنهم بروسيا. وقد اضطر كثير من أعضاء الأرستقراطية الألمانية إلى اقتراض المال من المموِّلين اليهود في هذه الفترة. ولكل هذا، ازداد اختلاط أعضاء الأرستقراطية الألمانية بأثرياء اليهود. وفي إطار هذا، يمكن القول بأن الصالونات كانت تمثل مرحلة انتقالية في تاريخ الجماعات اليهودية، فهي مرحلة كانت الجماعات اليهودية لا تزال تلعب فيها دور الجماعة الوظيفية، ولكن قوة الدولة المركزية كانت آخذة في التزايد، ومن ثم بدأت عملية الاستغناء عن الجماعات الوظيفية. كما أن الجماعة الوظيفية اليهودية ذاتها كانت قد بدأت تراكم الثروات وهو ما جعلها مستعدة لارتياد قطاعات اقتصادية جديدة داخل الاقتصاد الوطني وفي صلبه. وعلى المستوى الثقافي، نجد الوضع نفسه، فأعضاء النخبة في الجماعة اليهودية كانوا لا يزالون (يهوداً) يتَّسمون بشيء من الخصوصية التي يتمتع بها أعضاء الجماعات الوظيفية. ولكنهم كانوا في الوقت نفسه قد بدأوا يتحركون في عالم الألمان، ويتشربون شيئاً من ثقافتهم، ويتطلعون إلى فقدان ما تبقى لديهم من خصوصية، ويندمجون تماماً في عالم ثقافة الأغلبية. ويظل سؤال أخير: لماذا النساء اليهوديات دون الرجال؟ وللإجابة على هذا السؤال، لابد من الإشارة إلى مفارقة غريبة وهي أن التراث الديني اليهودي كان يحرم على المرأة المشاركة في الحياة العامة (الدينية) والدراسة الدينية، وكان هذا يعني أن كثيراً من الفتيات اليهوديات من أبناء الأسر الثرية بدأن يتلقين تعليماً غربياً علمانياً، فأصبحن أكثر إلماماً بالعلوم والثقافة الغربية وأكثر كفاءة في التعامل مع العالم الغربي وأكثر تملكاً لناصية خطابه الحضاري. ولذا، كان بمقدورهم أن يلعبن دور الوسيط بين أعضاء الجماعة اليهودية والنخبة الألمانية. كما أن ثراء أسرهن حررهن من الدور التقليدي للمرأة، فأصبح لديهن الوقت والثقافة والثراء الكافي لمثل هذه الصالونات. وبدأ مندلسون تقليد الصالونات هذا حين خصص ليلة يلتقي فيها المثقفون اليهود مع غير اليهود ليتبادلوا الأفكار. وكان أول صالون تفتحه مثقفة يهودية هو صالون هنريتا هرتز (1764 ـ 1847) وهي زوجة ماركوس هرتز أحد تلاميذ مندلسون، الذي كان يكبرها سناً، فتولى إكمال عملية تعليمها. وكانت تجيد عشر لغات من بينها العبرية، وكان صالونها ملتقى لمعظم المفكرين والأدباء مثل جوته وميرابو وأعضاء الأرستقراطية الألمانية. وتزوجت هنريتا هرتز من أحد رواد الصالون بعد موت زوجها، وتنصَّرت. ومن أهم الصالونات الأخرى صالون دوروثيا فايت (1763 ـ 1879) وهي ابنة مندلسون التي تزوجت مصرفياً يهودياً، ولكنها طلقت زوجها وتزوجت من الكاتب الألماني فريدريك فون شليجيل واعتنقت المسيحية البروتستانتية، ثم تكثلكا معاً. وكان صالون راحيل ليفين فارنهاجن (1771 ـ 1833) أهم الصالونات جميعاً، وكان ملتقى النخبة. وبعد زيجتين فاشلتين، التقت بضابط يهودي يصغرها سناً بأربعة عشر عاماً فتزوجا. وحينما استقرت في فيينا، فتحت صالونها هناك، فكان مندوبو بروسيا لمؤتمر فيينا يلتقون فيه. وكانت الصالونات نقطة تجمُّع للحركة الرومانتيكية ولحركة ألمانيا الفتاة. وكانت ظاهرة صالون النساء اليهوديات ظاهرة مؤقتة، فمع نمو عدد أعضاء النخبة الثقافية والسياسية في المجتمع، ومع تنوُّع حاجاتها الفكرية، بدأت تظهر مؤسسات متخصصة للوفاء بهذه الحاجات، مثل الجماعات المهنية والنادي الثقافي والمجلات والصحف. كما أن تزايُد النزعة القومية الألمانية، وما صاحبها من معاداة اليهود، ساهم في تشجيع أعضاء النخبة على الانصراف عن هذه الصالونات. ولعل تنصُّر كثير من القائمات على مثل هذه الصالونات ساهم أيضاً في القضاء عليها إذ أن ذلك يعني أنها عجزت عن مد أية جسور بين الجماعة اليهودية وحضارة الأغيار. وأخيراً، مع تزايد معدلات الاندماج والعلمنة، بدأت أعداد أكبر من الرجال تمتلك ناصية الخطاب الحضاري الغربي وتتحرك بكفاءة أكبر في المجتمع وتعقد صلات مع المجتمع المضيف دون حاجة إلى صالونات النساء اليهوديات. دوروثيا شليجل (1764 – 1839 ( Dorothea Schlegel كبرى بنات موسى مندلسون، تزوجت في سن العشرين من المصرفي الألماني سيمون فيت (من أسرة فيت الشهيرة في عالم المصارف) وأنجبت منه أربعة أولاد، وكان ينعقد في منزلها واحد من أشهر الصالونات الأدبية. وقد صوَّرها الفيلسوف والكاتب الرومانسي الألماني فريدريش فون شليجل (1772 - 1829) في روايته التي لم يكملها لونسيد على أنها المثل الأعلى للمرأة. وتقبلت دوروثيا مبدأه الخاص بالحب الحر (أي ممارسة الجنس بلا أية حدود أو قيود أخلاقية) وذهبت وعاشت معه وكتبت رواية رومانسية تحت تأثيره (وتحت تأثير جوته) تُسمَّى فلورنتين كما ترجمت رواية مدام دي ستايل كورنين. وفي عام 1802، تنصَّرت على المذهب البروتستانتي، وبعد ستة أعوام تكثلكلت مع شليجل، وعندها تزوجا زواجاً شرعياً واستقرا في فيينا حيث أصبح منزلهما مركزاً اجتماعياً وثقافياً. وقد أقنعت ابنيها فيليب وجوناس بأن يتكثلكا، وعاشت بقية حياتها مع ابنها فيليب في فرانكفورت. وحياة دوروثيا شليجل حياة مثيرة، ولكنها مع هذا تنتمي إلى نمط آخذ في الشيوع وهو نمط اليهودي غير اليهودي. وإذا كان الجيل الأول هو موسى مندلسون الذي بدأ يترك عالم اليهودية الحاخامية وراءه، فإن ابنته بدأت تُسرع الخطى نحو عالم أوربا للحصول على تأشيرة دخول فتنصَّرت، ومع الجيل الثالث يصبح التنصُّر حدثاً عادياً. ولذا تنصَّر كل أولاد مندلسون وتيودور هرتزل. كما أن صالونها الأدبي تعبير عن الظاهرة نفسها، أي رغبة كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في أن يتركوا عالمهم اليهودي لينضموا لعالم الأغيار، فكان الصالون هو الأرضية التي يلتقون فيها بأقرانهم من الأغيار. راحيل فارنهاجن (1771-1833 ( Rahel Varnhagen سيدة صالون ألمانية وُلدت لعائلة يهودية ثرية في برلين، واسمها الأصلي راحيل ليفاين. نشأت راحيل في بيئة يهودية أرثوذكسية، ولكنها كانت تخجل من أصلها اليهودي الذي اعتبرته «كالخنجر الذي غُرس في قلبها» وسعت للهروب منه. وقد تنصَّر أخوها بعد وفاة والدهما، ولم تمانع راحيل، هي الأخرى، فكرة التنصُّر، ولكنها لم تقدم على ذلك بسبب اعتمادها مالياً على والدتها. وأتاحت لها خطبتها لنبيل بروسي الدخول في دائرة الأرستقراطية الألمانية. وبرغم أن هذه الخطبة فُسخت بعد أربع سنوات بسبب رفض عائلة النبيل الألماني زواجه من يهودية، إلا أن بيتها كان قد تحوَّل إلى ملتقى للأدباء والمفكرين والسياسيين وغيرهم من الشخصيات اللامعة آنذاك يمثلون مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية والأدبية والسياسية. وكان من بين راود صالونها الأديب الألماني الكبير جوته. وفي عام 1801 خُطبت راحيل للمرة الثانية لسكرتير المفوضية الإسبانية لدى بروسيا وفُسخت الخطبة مرة أخرى عام 1804. وفي عام 1810، اتخذت راحيل اسم روبرتس بدلاً من اسم ليفاين وهو نفسه الاسم الذي اتخذه أخوها بعد أن تنصَّر. وفي عام 1814، تزوجت من دبلوماسي بروسي يصغرها بأربعة عشر عاماً اسمه كارل أوجست فارنهاجن، واعتنقت المسيحية البروتستانتية. وبعد زواجها، تحوَّل بيتها مرة ثانية إلى ملتقى للشخصيات الفكرية والسياسية، وغلب على صالونها هذه المرة الطابع السياسي حيث ضم كثيراً من المتعاطفين مع حركة ألمانيا الفتاة أمثال هنريش هايني. واكتسبت راحيل بفضل شخصيتها وذكائها إعجاب الكثيرين من رواد صالونها، وتمتعت بنفوذ واسع، وتعتبر راحيل إحدى ألمع السيدات اليهوديات الأوربيات في عصرها. وظلت راحيل طوال حياتها رافضة ليهوديتها، واعتبرتها نوعاً من البلاء ابتليت به وأحد أسباب تعاستها. ومع هذا، يُقال إنها اتجهت في أواخر أيامها لقبول أصلها اليهودي، ويبدو أن هذا التحول بدأ عقب اندلاع مظاهرات معادية لليهود في ألمانيا أثار تعاطفها مع اليهود. علْم اليهودية Wissenchaft des Judentums (Science of Judaism) «علْم اليهودية» علم أسسه في القرن التاسع عشر المفكرون الألمان اليهود ذوو التوجه العلماني والاهتمام التاريخي، بهدف دراسة اليهودية واليهود دراسةً تاريخية وعلمية لاكتشاف الخصوصية اليهودية. وكلمة «علم» ترجمة للكلمة الألمانية «فيزنشافت» وهي تشير إلى الدراسة المنهجية في العلوم الإنسانية والتاريخ والتي تتبنَّى طريقة علمية تعتمد كل وسائل البحث الدقيق وتنطوي على احترام الحقائق والخصوصية التاريخية. ويُلاحَظ أن ثمة تناقضاً كامناً في الأهداف، فهي من ناحية موضوعية متطرفة فيما يتعلق بناحية البحث العلمي، ولكنها ذاتية ذات قصد محدَّد فيما يتعلق بالبحث عن الخصوصية التاريخية. ويعود هذا التناقض الأساسي إلى ذلك التناقض الكامن في فكر حركة الاستنارة آنذاك. فهي حركة عقلانية تؤكد أهمية الموقف العلمي والموضوعي والتجريدي والحقائق العامة والعالمية. ولكن هناك أيضاً جانباً آخر وهو الجانب التجريبي الحسي الذي يؤكد أهمية التجربة المباشرة والخصوصية. ودعَّم ذلك ظهور الحركة الرومانسية التي تهتم بالعاطفة والماضي واللون المحلي والخصوصية والتطور. وتأثر أعضاء النخبة المثقفة اليهودية بحضارتهم الغربية، فمندلسون مثلاً يرى أن اليهودية دين عام عقلاني ولكن شعائرها خاصة مقصورة على اليهود. ونتيجةً للتطور التاريخي، يُلاحَظ تناقص رقعة العام واتساع مساحة الخصوصية حتى تصبح هي الرقعة الأساسية بين أعضاء الجيل الثاني من دعاة التنوير اليهودي الذين دعوا من الناحية النظرية إلى دراسة اليهودية لاكتشاف الماضي وليس رفضه أو تقديسه. وأحد الافتراضات الأساسية الكامنة وراء علْم اليهودية أن المؤسسات والأفكار اليهودية تطوَّرت بحسب قوانين تطوُّر المجتمعات التي وُجدت فيها، وأن هذه المؤسسات لم تكن أحسن أو أسوأ حالاً من أية مؤسسات اجتماعية أو ثقافية غير يهودية أخرى. ولكن هناك افتراضاً آخر يتناقض تماماً مع الأول وهو أن ثمة خصوصية يهودية تُعبِّر عن نفسها من خلال هذه المؤسسات. وينعكس هذا التناقض في أهداف علْم اليهودية على النحو التالي: 1 ـ ستؤدي عملية اكتشاف اليهودية إلى اكتشاف جوهرها الحقيقي، وبالتالي يمكن التخلص من التراكمات الخرافية التلمودية التي علقت بها. ومن ثم يمكن القول بأن علم اليهودية هو جزء من حركة الإصلاح الديني اليهودي. وقد حاول هذا العلم أن يبين دنيوية وتاريخية التراث الديني اليهودي، أي أنه نتاج ظروف تاريخية محددة، وبالتالي نزع عنه أية قداسة أو مطلقية وهو ما فتح الطريق أمام إمكانية التحرر منه ورفضه واكتشاف سوابق تاريخية داخله تبرر الإصلاح. فعلى سبيل المثال، تمكَّن ليوبولد زونز، من خلال الدراسة العلمية التاريخية، أن يبيِّن أن لغة الصلوات اليهودية لم تكن دائماً العبرية، ومن ثم لا يوجد أي مبرر للسلطات الألمانية لأن تغلق معبداً يهودياً كانت تُقام فيه الصلوات بالألمانية على أساس أن هذا مناف للتراث اليهودي كما ادعى اليهود الأرثوذكس، أي أن اليهودي أصبح بوسعه التحرر من قبضة تراثه الذي كان يكرس عزلته المقدَّسة وأن يندمج في مجتمعه. كما أن تدهور وتخلُّف المؤسسات اليهودية، وهي جزء من تشكيلات حضارية أكبر، لا يمكن أن يُستخدَم مسوغاً للتمييز ضد اليهود باعتبار أن هذا التخلف جزء من كل أكبر غير يهودي. وإذا كان التخلف نتيجةً لاعتبارات تاريخية وبيئية، فإن من الممكن تجاوزه من خلال عملية الإصلاح. 2 ـ ستؤدي عملية اكتشاف اليهودية إلى اكتشاف خصوصيتها وقوانينها العضوية. وسيؤدي اكتشاف الخصوصية إلى إظهار الشخصية اليهودية المستقلة وإنجازاتها الحضارية، الأمر الذي سيعيد لليهود هويتهم واحترامهم أمام الشعوب الأوربية. كما أن اكتشاف هذه الخصوصية سيقوي وعي اليهود بأنفسهم وتراثهم وهويتهم المستقلة ووعيهم بذاتهم القومية. فكأن الهدف الثاني مناقض تماماً للهدف الأول. وقد اكتسب الهدف الثاني إلحاحاً غير عادي نظراً لتزايد انصراف الشباب من اليهود عن اليهودية بعد حركة الإعتاق والدمج ونظراً لبعدهم عن تراثهم الديني بل احتقارهم اليهودية (وهذا أمر لم يكن مقصوراً على الشباب من اليهود فالموقف نفسه كان شائعاً بين كل شباب أوربا مع تزايد معدلات العلمنة) . وأدَّى كل ذلك إلى تراجُع اليهودية وإلى انصهار اليهود، ومن ثم أصبح اكتشاف التراث ضرورة ملحة لوقف هذا التراجع وهذا الانصهار، أي أن هذه العملية كانت، من هذا المنظور، تصدياً لحركة الإصلاح الديني ولليهودية الإصلاحية. وبالتدريج، أصبح الهدف الأساسي من الاكتشاف ليس الدراسة وإنما تقديس التراث. وبالتالي، نجد أن علم اليهودية مرتبط باليهودية المحافظة. ومع هذا، كان لمفكري اليهودية الإصلاحية بعض الإسهامات في هذا الحقل (والفكر الديني الإصلاحي اليهودي تعبير عن الجانب العقلي العقلاني في فكر حركة الاستنارة) . ولم يكن من الممكن أن تنشأ حركة علم اليهودية من داخل المدارس التلمودية العليا (يشيفا) ، حيث إن خريجي هذه المعاهد الدينية لم يكونوا مُعَدِّين الإعداد الثقافي اللازم لكتابة دراسات تاريخية أو اجتماعية في التراث الديني. ومن هنا نجد أن كل المشتغلين في حقل علم اليهودية من خريجي المدارس التي أسستها الحكومات الغربية التي كانت مقرراتها غير دينية أو مُختلَطة (أي دينية دنيوية) . وقد قام ليوبولد زونز، وصديقه إدوارد جانز (1798 ـ 1839) ، وهو قانوني من أتباع هيجل، وموسى موزر (1796 ـ 1838) ، وهو تاجر مثقف، وآخرون، بتأسيس رابطة الثقافة اليهودية وعلم اليهودية. وكان من أعضاء هذه الجماعة الشاعر هايني. وكانت الجماعة تهدف إلى اكتشاف الثقافة اليهودية، ونشرها بين الشباب، وتشجيعهم على الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية والإنتاجية. وقد حُلَّت الرابطة عام 1824 بعد أن تنصَّر رئيسها جانز وتبعه هايني. ولكنها، مع هذا، كانت قد أسست هذا النوع من الدراسة وجمعت تحت مظلتها كثيراً من الدارسين، مثل: المؤرخ كروكمال والمؤرخ جرايتز وجايجر وفرانكل وصموئيل ولوتساتو وستاينشنايدر وغيرهم. كما أصدرت حولية نشرت عشرات الدراسات المهمة. وتفرَّع علم اليهودية إلى كثير من المجالات والموضوعات، مثل: نقد العهد القديم ودراسة التلمود والأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود والتاريخ والآثار والفلسفة الدينية. وكان يُشار إلى علم اليهودية في بعض بلدان أوربا بعبارة «الدراسات اليهودية» ، أو بالكلمة اللاتينية «جودايكا» . وكان التركيز الأساسي على تاريخ الأفكار والأدب، حتى أصبح ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» تاريخ أفكار أساساً، في حين احتل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي مكاناً ثانوياً تحت تأثير الفلسفة الألمانية المثالية، كما أن الدراسات اليهودية كانت تحتوي على قدر كبير من الاعتذاريات. وأدَّت هذه الدراسات إلى تراكُم قدر كبير من المعلومات والحقائق عن التجارب التاريخية للجماعات اليهودية، وبالتالي ساهمت في الترويج لمفهوم وجود هوية يهودية تاريخية إثنية مستقلة. واستمرت الدراسات العلمية لليهودية وأُسِّست كراسٍيّ في الجامعات وأنشئت معاهد مستقلة لهذا الغرض. ولم يعد يُستخدَم مصطلح «علم اليهودية» في الوقت الحاضر، ويُستخدَم بدلاً منه مصطلح «الدراسات اليهودية» . صموئيل لوتساتو (1800-1865) Samuel Luzzatto ويُعرَف أيضاً باسم «شادال» المكوَّن من الحروف الأولى لاسمه، فصموئيل هو شموئيل بالعبرية، وهو مفكر إيطالي يهودي وُلد في تريسته لأسرة سفاردية إيطالية. وهو من نسل موشيه حاييم لوتساتو الشاعر القبَّالي الإيطالي مؤسس الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث. كان أبوه عاملاً عارفاً بالقبَّالاه، حيث تلقَّى تعليماً دينياً، كما درس هو في إحدى المدارس التي أسسها نفتالي فيسيلي بناء على براءة التسامح التي أصدرها جوزيف الثاني. وكانت ثمة مقررات مُختلَطة، دينية ودنيوية، تدرس في هذه المدارس. تعلم في المدرسة اللغات الحديثة والجغرافيا والعلوم الطبيعية، وعُيِّن أستاذاً في أول كلية حاخامية حديثة في العالم في بادوا، وظل في هذا المنصب طيلة حياته. ووفر له منصبه إمكانية التفرغ للبحث العلمي، فنشر ديوان يهوذا اللاوي عام 1864، كما كتب أول تعليق نقدي على الكتاب المقدَّس وترجم أسفار موسى الخمسة والصلوات العبرية إلى الإيطالية، وكتب العديد من الكتيبات بالإيطالية والعبرية عن النحو والفلسفة والدراسات اللاهوتية، ونُشرت رسائله بعد موته في تسعة أجزاء. تأثر لوتساتو بكل من الاتجاهات الرومانسية في عصره وبقيم العقلانية النقدية. وينعكس هذا في أعماله التي تتأرجح بين قبول كل من العقل والوحي وبين النقد والنقل، فقد هاجم القبَّالاه وتقاليدها. ويُعدُّ لوتساتو أحد كبار المساهمين في علم اليهودية النقدي، كما تناول كتب العهد القديم تناولاً نقدياً، فأكد أن سفر الجامعة أُلف في تاريخ متأخر عن التاريخ الذي يُفترَض أنه تم تأليفه فيه، بل وعارض رؤيته التشاؤمية العدمية. ولكنه، مع هذا، أصر على أن سفر أشعياء من تأليف مؤلف واحد استخدم أساليب مختلفة، في حين يذهب معظم علماء العهد القديم إلى أن الجزء الذي يلي الإصحاح الأربعين من تأليف أنبياء آخرين. وبرغم موقفه هذا، فإنه لم يتردد في إدخال بعض التعديلات على هذا السفر وعلى أسفار العهد القديم باستثناء أسفار موسى الخمسة التي كان يرى أنها وحدها من وحي إلهي. وبيَّن لوتساتو أن كتاب الزوهار لا يمكن أن يكون قد تم تأليفه في القرن الثاني الميلادي كما كان الزعم. ويتجلى تأرجحه، بين الموقف العقلي والعاطفي والإيماني والعلمي والعقلاني واللاعقلاني، في إصراره على أن العهد القديم لا يخاف النور أو النقد، ومع هذا فقد أصر في الوقت نفسه على ضرورة عدم توجيه النقد إليه. ومن بعض الوجوه، فإن لوتساتو يشبه مندلسون. فهو يحاول المزج بين العقل والوحي، كما يُعرِّف اليهودية بأنها عقيدة لا تتنافى مع العقل، مع أن شعائرها مُرسَلة من الإله. ويرى لوتساتو أن العقيدة الوحيدة المطلقة في اليهودية هي الإيمان بالإله الواحد، فهي وحدها الملزمة لليهودي، أما ما عداها فيمكن الأخذ والرد بشأنه، كما أن بوسع اليهود أن يختلفوا فيما بينهم بشأن كل القضايا الدينية الأخرى دون أن يُعَدُّوا مهرطقين. وضرب مثلاً بالفيلسوف قريشقش وتلميذه يوسف ألبو اللذين اختلفا مع موسى بن ميمون لأنه لم يميِّز في عقائده الثلاث عشرة بين العقائد الأساسية والعقائد الفرعية. ورفض قريشقش مفهوم حرية الإرادة، وآمن جيرونيدس بقدم العالم، ولم يشك أحد في إيمانهما، ذلك أن جوهر اليهودية العقائدي عقلاني عالمي، فهي ديانة العدالة وحب الخير، وهي ديانة تهدف من هذا المنظور إلى حماية المجتمع الإنساني والإنسانية جمعاء. ولكن البحث عن الحقائق العامة المطلقة هو مجال الفلسفة. فالإله لا يتواصل مع الإنسان من خلال الحقيقة المجردة المطلقة إذ أن المجتمع الإنساني لا يمكن أن يؤسَّس على مثل هذه الحقيقة. ومن هنا، كان هجوم لوتساتو على ابن ميمون وبن عزرا وإسبينوزا، ومن هنا أيضاً تَبرُز أهمية الدين وحتمية الوحي، فالدين لا يهدف إلى نشر الحقيقة المجردة وإنما إلى نشر الفضيلة وهداية الناس إلى طريق الخير. وهو يؤمن بالمعجزات التي وردت في التوراة، وبأنها حقائق ليست عقلية إذ شاهدها ستمائة ألف يهودي في سيناء. كما يؤمن بمعجزات الأنبياء، فهي أحداث تتجاوز العقل والزمان والمكان والسبب والنتيجة التي تقع في عالم المحسوسات. وتتضح ازدواجية العقل والوحي في تمييزه بين الروح الهيلينية والروح العبرانية، وهو نمط إدراكي كان يشكل أساساً فكرياً للحضارة الغربية في القرن التاسع عشر (ثم للعنصرية الغربية بعد ذلك) . فالروح الهيلينية هي روح الجمال والشكل والعقل والاتزان والعلم، وهي الروح التي أدَّت إلى تَراكُم المعلومات، ولكنها أيضاً أدَّت إلى عقلانية لا معنى لها وعالم متقدم بلا روح. أما الروح العبرانية، كما أسلفنا، فلها جانبها العالمي متمثلاً في دعوتها إلى العدل والحق والخير. ولكن ثمة جانباً آخر لليهودية. ويذهب لوتساتو، شأنه في هذا شأن مندلسون، إلى أن الجانب العقائدي العام في اليهودية ليس مهماً على الإطلاق، فالمهم هو الجانب الشعائري الخاص. بل إنه يذهب إلى أنها دين يُركِّز على الممارسة والشعائر وسلوك الإنسان بالدرجة الأولى، فالتوراة لا تهدف إلى ضمان انتشار الحقيقة الصحيحة المجردة مثل النزعة الهيلينية وإنما إلى إصلاح أخلاق الإنسان من خلال طاعة الشريعة وتنفيذ الأوامر والنواهي بشكل متعيِّن كما في النزعة العبرانية. ولكن هذا ليس الهدف الوحيد للشعائر، فهي تهدف أيضاً إلى الحفاظ على الهوية اليهودية وعلى تَفرُّد اليهود وعلى تقوية وعيهم القومي وعلى عزلهم عن الشعوب الأخرى. ومن هنا تسمية اليهودية «الإبراهيمية» (نسبة إلى إبراهيم) لتأكيد خصوصيتها ولتأكيد الجانب الإثني فيها. ثم يربط لوتساتو بين الخاص والعام في اليهودية إذ يقول: إن اليهودي، بحفاظه على يهوديته وإثنيته وتَفرُّده، إنما يدافع عن القيم العالمية العامة في دينه، وبالتالي فحفاظه على هويته فيه خدمة للإنسانية وتخليه عنها لا يخدم الإنسانية قط وإنما يشكل تخلياً عنها لأن اليهودية هي قلب العالم الذي يمكنه أن يأتي بالتوازن له، ومن ثم يتحول اليهود إلى مركز عملية الخلاص الكونية، وهذا أحد المفاهيم القبَّالية الأساسية. وهكذا يحدث التداخل بين القومية والدين. وقد كان لوتساتو يرى أن العبرية ليست لغة مقدَّسة وحسب وإنما لغة قومية أيضاً، وكذا الكتاب المقدَّس، فهو كتاب مقدَّس وكتاب قومي. وهذه الصيغة تشبه الصيغة الصهيونية الحلولية التي يتداخل فيها المقدَّس مع القومي. ويُلاحَظ أن نقد لوتساتو للعقل ليس نقداً لحدوده وحسب وإنما يشكل انسحاباً مما هو إنساني وعالمي وعام إلى ما هو يهودي ومحلي وخاص. ولذا، كان لوتساتو يرى أن النضال الحديث من أجل الحقوق المدنية لليهود يشكل خطراً قد يؤدي إلى الإبادة، لأن اليهودية ليست ديناً وحسب وإنما هي وعي قومي أيضاً. موريتز ستاينشنايدر (1816-1907 ( Moritz Steinschneider أحد مؤسسي علم اليهودية، وبخاصة في حقل البيبليوجرافيا. وُلد في مورافيا، ودرس دراسات دينية ودنيوية، وأتقن عدداً من اللغات الأوربية من بينها الفرنسية والإيطالية كما أتقن العبرية. وذهب إلى برلين حيث تعرَّف إلى زونز وجايجر واستقر في برلين عام 1845. انصب اهتمامه على دراسة علاقة اليهود بالحضارات الأخرى، واهتم بشكل خاص بعلاقة اليهود بالحضارة العربية، ودورهم باعتبارهم مترجمين وناقلين للحضارة العربية والهيلينية في العصور الوسطى في الغرب. وكان موقفه رافضاً تماماً للصهيونية إذ كان يرى أن اليهودية قد ماتت، وأن علم اليهودية هو العلم الذي سيقوم بعملية دفنها. سولومون ستاينهايم (1789-1866) Solomon Steinheim مفكر ديني ألماني يهودي كان يعمل طبيباً. حاول في كتاباته أن يبيِّن الفرق بين الوحي والعقل وأن يبيِّن أن الحقيقة (من ثم) ثنائية. والوحي، في رأيه، يفوق العقل منزلةً، والشعب اليهودي هو حامل عبء رسالة مُوحى بها من الإله، وهذا هو سرّ بقائه. ويُلاحَظ تأثره بالفلسفة الرومانسية الألمانية وبفكرة الشعب العضوي بعد ربطها بالديباجات الدينية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الرأسمالية والجماعات اليهودية: مقدمة
Capitalism and the Jewish Communities: Introduction يمكن القول، بشكل عام، بأن يهود العالمين العربي والإسلامي لم يلعبوا دوراً اقتصادياً متميِّزاً، ولم يضطلعوا بوظائف اقتصادية خاصة مقصورة عليهم دون بقية أعضاء المجتمع، ومن ثم فإنهم لم يلعبوا دوراً خاصاً أو متميِّزاً في نشأة الرأسمالية أو في المشروعات الرأسمالية الحرة في العالم العربي أو الإسلامي، وخصوصاً أن الرأسمالية لم تنبع من داخل البلاد العربية والإسلامية وإنما وفدت من أوربا، وبخاصة مع الجيوش الاستعمارية. كما يُلاحَظ أن البلاد العربية والإسلامية التي أسست نظاماً اقتصادياً يتبع نموذج الاقتصاد الحر، مثل تركيا ودول الخليج ولبنان، لم يكن فيها جماعات يهودية كبيرة. وحتى حين وُجدت جماعات يهودية كبيرة نسبياً في بعض البلاد، كما هو الحال في المغرب، فإنها لم تساهم بشكل خاص في التاريخ الاقتصادي لهذه البلاد. لكن هذا التعميم لا ينفي، بطبيعة الحال، وجود أي شكل من أشكال التمايز بين الجماعة اليهودية والأغلبية، فهذا ضد طبيعة الأشياء. فالأقليات الدينية والإثنية والعرْقية لعبت دائماً وأبداً دوراً متميِّزاً في المجتمعات التقليدية؛ إذ كانت قطاعات منها تتحول إلى جماعات وظيفية، وجماعات وظيفية وسيطة على وجه التحديد. وكان تقسيم العمل يتم أحياناً في هذه المجتمعات التقليدية حسب الأوضاع الإثنية والدينية. ولا يشكل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي استثناءً من القاعدة، لكن درجة تميُّزهم الاقتصادي لم تكن حادة، كما أنهم لم يكونوا قط الأقلية الوحيدة التي تلعب دوراً اقتصادياً متميِّزاً. ومن ناحية أخرى، كان كثير من الحرف والوظائف التي كان يشتغل بها أعضاء الجماعة اليهودية غير مقصورة عليهم بل كان يشتغل بها المسلمون والمسيحيون. أما في العالم الغربي، فقد كان الأمر جد مختلف، إذ لعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دوراً محدَّداً بارزاً الأمر الذي حدا بكثير من المفكرين الغربيين، مثل كارل ماركس وماكس فيبر ووارنر سومبارت، إلى دراسة قضية العلاقة الخاصة بين أعضاء الجماعات اليهودية وظهور الرأسمالية في العالم الغربي وتطوُّرها ومدى مساهمتهم فيها. وأصبحت القضية نفسها إشكالية أساسية في الفكر الاشتراكي وأدبيات معاداة اليهود والفكر الصهيوني ذاته. وتُركِّز الأدبيات الخاصة بهذه الإشكالية على عنصرين أساسيين يربطان بين أعضاء الجماعات اليهودية والعقيدة اليهودية من جهة، والرأسمالية من جهة أخرى: 1 ـ تجربة الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية داخل التشكيل الحضاري الغربي (دون تسمية المصطلح بطبيعة الحال (. 2 ـ النسق الديني اليهودي ذاته. ولا يميِّز ماركس وفيبر وسومبارت بين اليهودية واليهود (خصوصاً ماركس الذي يكاد يفترض ترادفهما (. ويؤكد فيبر أهمية العنصر الديني (الفكر الديني اليهودي) على حساب العناصر التاريخية. أما سومبارت، فإنه يؤكد أهمية العنصرين معاً، ولكنه يعطي لأطروحته الخاصة بمسئولية اليهود (خصوصاً المارانو) عن ظهور الرأسمالية صفة الحتمية بل والعرْقية إذ يرى وجود علاقة سببية بسيطة بين اليهود والرأسمالية. ويميِّز المفكرون الثلاثة بين شكلين من أشكال الرأسمالية: 1 ـ رأسمالية المجتمعات التقليدية أو الإقطاعية والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الشكلية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية المنبوذة» ، ويسميها سومبارت «الرأسمالية التجارية» . ويستخدم ماركس وإنجلز المصطلح الأخير أيضاً (ونسميها نحن في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» ) . 2 ـ رأسمالية المجتمعات الحديثة والتي يُسمِّيها ماركس «الرأسمالية الصناعية أو الحقيقية» ، ويسميها فيبر «الرأسمالية الرشيدة» ، ويُطلق عليها سومبارت مصطلح «رأسمالية الاستثمارات» . ويتسم الشكل الأول بأنه رأسمالية تعمل بنَقْل البضائع من مجتمع إلى آخر، أما نشاطها فيتركز على عمليات التبادل دون أن تقوم بإنتاج أية سلع جديدة ولا تُضيف أي فائض قيمة. أما الشكل الثاني، فإنه يقوم بالاستثمار والمخاطرة وإنتاج السلع الجديدة. ولذا، نجد أن مركز الرأسمالية الأولى هو سوق الأوراق المالية، أما الثانية فمركزها المصنع. ومن ثم، نجد أن الرأسمالية الأولى هي مجرد جيب رأسمالي (تجاري مالي) في المجتمع الإقطاعي يعيش فيه وبه، على نقيض الرأسمالية الحقيقية التي تُولَد في المدينة خارج المجتمع الإقطاعي وتقف على الطرف النقيض منه وتقضي عليه في نهاية الأمر. وقد ربط هؤلاء المفكرون بين أعضاء الجماعة اليهودية من جهة والرأسمالية التجارية من جهة أخرى. ولعل هذا من أهم أسباب عدم تحدُّد وضع اليهود داخل الحضارة الغربية من وجهة نظرهم، فهم ممثلون لقوى رأسمالية ولكنها رأسمالية المجتمع الإقطاعي. ولذا ارتبط وجودهم في الأذهان بعدة قوى متناقضة: الطبقات الحاكمة التقليدية، والقوى الرأسمالية المعادية لها، ثم القوى الثورية التي وقفت ضد الفريقين. ويمكننا أن نحيل القارئ إلى المداخل الثلاثة (في هذا القسم) عن ماركس وإنجلز ثم فيبر وسومبارت، ونؤكد على أهمية ما قاله فيبر بشأن محاولة تفسير ظاهرة عدم إسهام اليهود في نشأة الرأسمالية الرشيدة رغم أن اليهودية لعبت دوراً أساسياً في ترشيد الحضارة الغربية. وفي محاولتنا رصد دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية سنفرِّق بين العقيدة اليهودية من جهة والجماعات اليهودية من جهة أخرى. كما سنحاول الابتعاد عن طرح أي تصور خاص بوجود علاقة سببية واضحة بين اليهود وظهور الرأسمالية في الغرب. وسيكون نموذجنا التفسيري لهذه العلاقة هو مفهوم الجماعة الوظيفية الوسيطة. العقيدة اليهودية والرأسمالية Judaism and Capitalism ليس بإمكان الدارس المدقق إنكار أن النسق الديني اليهودي، في صياغته الأولى التوراتية، ثم في صياغاته التلمودية ثم القبَّالية، يحوي داخله استعداداً كامناً أو قابلية لظهور الرأسمالية، وهذا جانب وفَّاه فيبر حقه من الدراسة. ولكن من الواضح أن فيبر لم يكن ملماً بالتحولات العميقة التي دخلت اليهودية بعد هيمنة الفكر القبَّالي عليها وانتشار التصوف بين أعضاء الجماعات أو لعله لم يدرك أهميتها. والقبَّالاه اللوريانية فكر حلولي (روحي) متطرف يضع اليهودي في مركز الكون باعتباره امتداداً للخالق ويعمق من إحساس اليهودي بأنه من الشعب المختار، كما يُصعِّد حدة التوقعات المشيحانية. فالحلولية تعني حلول الإله في الأشياء حتى يتوحَّد بها ولا يُوجَد مستقلاً عنها فتصبح المخلوقات في قداسة الخالق مساوية له فتُرَدُّ كل الأشياء إلى مبدأ واحد، كامن في المادة ولا يعلو عليها، وكل هذا يساعد على تزايُد معدلات العلمنة. أما النزعة المشيحانية والإحساس بالاختيار فهي عناصر تعزل اليهودي عن واقعه المباشر وعن الجماعات الإنسانية المحيطة به فيصبح عنصراً موضوعياً وشخصاً غريباً، وهذه صفات أساسية تخلق استعداداً كامناً لدى صاحبها لتبنِّي أخلاقيات الرأسمالية المجردة والسوق الحر الذي يرى كل الظواهر باعتبارها خاضعة تماماً لآليات العرض والطلب. وتَجدُر الإشارة إلى أن العلاقة بين التصوف (الحلولي) والتجارة أمر مثير للغاية ويحتاج إلى مزيد من الدراسة، وبخاصة في ضوء علاقة الجماعة الوظيفية بالرؤية الحلولية للكون (المكان والزمان والإنسان) ومركب الشعب المختار (انظر: «الجماعات الوظيفية والحلولية الكمونية الواحدية» ) . دور الجماعات اليهودية في ظهور الرأسمالية The Role of the Jewish Communities in the Emergence of Capitalism إذا كانت ثمة عناصر داخل النسق الديني تخلق عند أعضاء الجماعات اليهودية استعداداً كامناً لتقبُّل أخلاق الرأسمالية، ومن ثم المساهمة في تطويرها، فإن تجربتهم التاريخية داخل التشكيل الحضاري الغربي هي التي بلورت وضعهم وحوَّلت الاستعداد الكامن والقابلية إلى حقيقة تاريخية واقعة. وأهم سمات هذه التجربة أن أعضاء الجماعات اليهودية قد نُظر إليهم، منذ البداية (داخل التشكيل الحضاري الغربي) ، باعتبارهم الشعب الشاهد، أي أنهم ليسوا جزءاً من جماعة الأغلبية المسيحية، كما أصبحوا أقناناً للبلاط ومن بعد ذلك يهود أرندا ثم يهود بلاط، أي أن اليهود ظلوا خارج نطاق العلاقات الاقتصادية والدينية والأخلاقية للمجتمع الإقطاعي. فاليهودي كان غريباً بمعنى الكلمة، ونحن نرى أن انتشار القبَّالاه ساهم ولا شك في تعميق هذه العزلة والغربة إذ أضفت على دور اليهود، كوسطاء وغرباء، قدراً عالياً من القداسة، بحيث أصبح اليهودي هو الوسيط الكوني بين الإله والعالم، مجرد أداة لتوصيل الإرادة الإلهية لبقية البشر. وترتبط رؤية الخلاص بمدى قيامه بتنفيذ الأوامر والنواهي، أي أن القداسة حوسلت اليهودي تماماً. ولكن هذه الوساطة الكونية كانت صدى (وربما تبريراً وتسويغاً أيضاً) لعملية وساطة أخرى؛ إذ اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب، منذ بدايات العصور الوسطى حتى بدايات الثورة التجارية، بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة، فكانوا يقومون بنقل الفائض الزراعي والسلع الترفية، ويؤدون وظائف مالية وتجارية مختلفة في غاية الحيوية للمجتمع الإقطاعي، مع أنها لم تكن من صميم العلاقات الإنتاجية لهذا المجتمع، كما لم يكن بوسع بقية أعضاء المجتمع القيام بها. وكان المجتمع يُظهر التسامح تجاه اليهود مادام في حاجة إليهم، ولكنهم لم يُعطوا قط حقوقاً قانونية محدَّدة (مثل حقوق وواجبات أهل الذمة في الإسلام) . وكانت تَصدُر مواثيق خاصة تؤمِّن حقوقهم وتحدِّد واجباتهم ومقدار الضرائب المفروضة عليهم وأماكن إقامتهم وتُزوِّدهم بالحماية وتمنحهم المزايا. وكانت هذه المواثيق تُلغَى في أي وقت تنتفي فيه الحاجة إلى اليهود وإلى دورهم الاقتصادي، وبالتالي كان يتم طردهم، أي أن حوسلة أعضاء الجماعات اليهودية تمت تماماً. وكان يُشار إلىهم باعتبارهم أقنان بلاط، أي أنهم كانوا خاضعين للملك أو الإمبراطور مباشرة بل يُعَدُّون ملكية خاصة له وأداة من أدواته، يدينون له وحده بالولاء، الأمر الذي حقق لهم قسطاً كبيراً من حرية الحركة، لكن ذلك زاد في الوقت نفسه من عزلتهم عن بقية قطاعات المجتمع. ونتج عن ذلك أن وجود أعضاء الجماعات اليهودية في إطارالحضارة الغربية كان يتسم بعدم التجذر أو الانتماء الكامل لأي تشكيل ثقافي أو طبقي محدَّد، فتحولوا إلى عنصر بشري حركي يحتفظ برأسماله على هيئة نقود سائلة يمكن نقلها بسهولة من مكان إلى آخر. ودعم هذا الاتجاه عدم السماح لليهود، في معظم الأحوال، بشراء العقارات الثابتة. لقد تحوَّل اليهود، نظراً لغربتهم وعدم تَجذُّرهم وبسبب الطبيعة السائلة لثروتهم، إلى عنصر بشري متحرك وموضوعي ومجرد: موضوعي لأنه يُنظَر إليه دائماً من الخارج، ومجرد لأنه لا يوجد داخل سياق مُحدَّد. وأصبح أعضاء الجماعة يجسدون ضرباً من الاقتصاد الحركي المجرد داخل الاقتصاد الزراعي الثابت الطبيعي. ووصل هذا التجريد إلى قمته في التنظيم الكامل لعلاقة اليهود بالمجتمع، وفي إحلال العلاقات القانونية التعاقدية محل العلاقات التقليدية الشخصية المبنية على كلمة الشرف والثقة التي كانت سائدة في المجتمع الإقطاعي. فكانت المواثيق التي تُمنَح لليهود تحاول أن تنظم كل جوانب العلاقات الممكنة بين المجتمع المسيحي وأعضاء الجماعة اليهودية، وهي علاقات كان الهدف منها، بالنسبة إلى الطرفين، الربح الاقتصادي المحض. وفكرة القانون اللاشخصي والعلاقات البشرية (علاقات إنسانية بين أشياء وعلاقات إنتاج بين بشر) هما الجوهر النفعي للاقتصاد والمجتمع الرأسماليين. ويمكننا القول بأن اليهود أصبحوا نواة الجيسيلشافت Gesellschaft (المجتمع التعاقدي الذري المفتت) في داخل الجماينشافت Gemeinschaft (الجماعة العضوية التراحمية المترابطة التقليدية) . وأدَّى عدم انتماء اليهود وتجريدهم - إلى جانب وجود التبادل الاختياري بين اليهودية والرأسمالية - إلى تحوُّل أعضاء الجماعة إلى الخميرة التي ساعدت على نشوء الرأسمالية، دون أن يكونوا بالضرورة السبب الوحيد أو حتى الأساسي في العملية التاريخية المركَّبة التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية. ويظهر دور أعضاء الجماعات اليهودية، كخميرة للنظام الرأسمالي في الغرب، في كثير من النشاطات التي لعبوها وفي إبداعاتهم. فهم من أوائل منْ طوَّروا فكرة الأسهم والسندات التي تحقق تراكماً رأسمالياً يمكن توجيهه إلى أي مجال استثماري قد يظهر، أي أنهم أسرعوا بعملية تجريد النقود بفصلها عن الأفراد وعن الرغبات البشرية والعواطف والأخلاق، وزادوا كفاءتها كرأسمال، وجعلوا مقياس الكفاءة الذي يُطبَّق عليها هو معدل الربحية وحسب. وبالطبع، كان اليهودي الذي تم استبعاده من النظام الإقطاعي يقع خارج نطاق القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع (وهو في هذا لا يختلف عن عضو الجماعة الوظيفية الذي ينظر له المجتمع المضيف باعتباره شيئاً لا قداسة له، ومجرد آلة يستفاد منها ثم تُنبَذ) . كما أن قيمه التجارية الموضوعية المجردة كانت مختلفة عن القيم المسيحية التي كانت تنظر بعين الشك إلى النشاط التجاري ككل، وإلى الربا على وجه الخصوص، وتهدف إلى أن تجعل من السوق مكاناً يلتزم بالحد الأدنى من الأخلاق وبأفكار مثل فكرة الثمن العادل والأجر الكافي، مع ضرورة إتاحة الفرصة لكل التجار لتحقيق ربح معقول مع وضع حدٍّ أقصى للأرباح. وأدَّت هذه الأخلاقيات، المتخلفة من منظور رأسمالي دنيوي، والتي تخلط بين الاقتصاد والأخلاق، إلى الحد من حركية التجارة. أما العنصر اليهودي، فلم يكن يدين بالولاء لمثل هذه الأخلاقيات. بل ظهر بين أعضاء الجماعات اليهودية مقياسان أخلاقيان: أحدهما يُطبَّق على الجماعة اليهودية (باعتبارها جماعة مقدَّسة لها حرمتها) والآخر يُطبَّق على المجتمع ككل (باعتباره لا حُرمة له ولا قداسة) . ولذا، لعب العنصر اليهودي دوراً أساسياً في تحطيم الأخلاقيات المسيحية الاقتصادية الإقطاعية وفي تقويض هذا الضرب من الاقتصاد المحافظ الذي تتداخل فيه العناصر الاقتصادية مع العناصر الأخلاقية والدينية. فساهم أعضاء الجماعة في عملية العلمنة والترشيد، أي فصل العنصر الاقتصادي عن العناصر الأخرى، بحيث يصبح النشاط الاقتصادي مرجعية ذاته ولا يتم ضبطه من خلال مرجعيات (أخلاقية أو دينية أو إنسانية) متجاوزة له. وأدَّى هذا إلى ظهور اقتصاد تجاري مبني على التنافس وعلى محاولة تعظيم الربح (اقتصاد يطرح فكرة الإنتاج بلا حدود وإشباع حاجات المستهلك التي لا تنتهي) . كما أن أعضاء الجماعة، بسبب عدم انتمائهم، كانوا من أكثر العناصر حركية والتزاماً بالقوانين الاقتصادية للسوق كقيمة مطلقة. فنجد أنهم حاولوا دائماً أن يوسِّعوا نطاق السوق وانتشاره، وهي العملية التي انتهت إلى تحويل المجتمع بأسره إلى النمط الرأسمالي والتي أطلق عليها ماركس تعبير «تهويد المجتمع» . وكانوا يبحثون عن أسواق جديدة وعن زبائن جدد وعن سلع جديدة. كما أنهم كانوا على استعداد لأن ينتجوا سلعاً أقل جودة وأقل تكلفة عما كان ينتجه (في العصر الوسيط) الحرفي أو التاجر الذي يعتز بحرفته وتجارته، والذي تعوَّد على إنتاج سلعة بعينها يرقى بها إلى مستوى معيَّن من الجودة ولا يمكنه أن يتنازل عنه أو يتهاون فيه، فالواقع أن حرفته كانت جزءاً من ميراثه الشخصي. وكان اليهودي، في محاولة توسيع نطاق السوق، من أوائل العناصر التي شجعت على استخدام الإعلانات على حين كان كثير من المفكرين الغربيين، حتى منتصف القرن الثامن عشر، يهاجمون الإعلانات باعتبارها عملاً غير أخلاقي، بل صدر في باريس عام 1761 قانون يمنع الإعلانات أو الجري وراء الزبائن لحثهم على الشراء. ويمكننا أن نرى هنا، مرة أخرى، أن الأخلاق المسيحية والتقليدية تحد من حركية السوق، على عكس الأخلاقيات الحركية (العلمانية) للجماعة الوظيفية التي لا تأبه بالحرمات ولا تعبأ بالمطلقات ولا تهتم بأية قيم، سوى قيم الربح والخسارة والبقاء. وربما كان من العناصر الأساسية التي جعلت من أعضاء الجماعة اليهودية خميرة للنظام الرأسمالي أنهم، نظراً لانتشارهم (شتاتهم) على هيئة جماعات منفصلة مترابطة، كانوا عنصراً بشرياً متعدد الجنسيات، عابراً للقارات، إن صح التعبير. فقد كان ليهود بولندا علاقات تجارية ومالية وثيقة مع يهود ألمانيا ومع يهود العالم الإسلامي، وهلم جراً. وساهم هذا في تسهيل عملية التجارة الدولية وتوسيع نطاق السوق، كما سهل عملية جمع المعلومات التجارية، الأمر الذي جعلهم قادرين على المنافسة. وقد لعب يهود شرق أوربا دوراً خاصاً، فالباعة اليهود، وكذلك اليهود الذين كانوا يقومون بأعمال الفنادق الصغيرة وتقطير الخمور وبيعها وإنتاج الماشية في المناطق الريفية وجمع الضرائب لحساب كبار الملاك، ساعدوا على إدخال عناصر التبادل واقتصاد المال. وكان نشاط صغار التجار اليهود في المناطق الريفية يشجع إنتاج فائض زراعي لزيادة استهلاك البضائع غير الزراعية، كما كان يساهم في إبعاد جزء من قوة العمل الزراعي عن الأراضي، وتوجيهها إلى صناعة الأكواخ المنزلية وخدمات النقل. وهذا النشاط هو الذي ساعد على خلق قوة عمل غير زراعي في المناطق الريفية تعتمد على الأجور أكثر من اعتمادها على العائد من الأرض. وبظهور النظرية المركنتالية، زاد الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات اليهودية داخل النظام الرأسمالي. فهذه النظرية تجعل مصلحة الدولة المبدأ الأعلى المقبول لدى الجميع، والإطار المرجعي بحيث يتم الحكم على الإنسان لا بحسب انتمائه الديني وإنما بمدى نفعه للدولة. وقد ظهرت في هذه الفترة فكرة مدى نفع اليهود وفُتح المجال أمامهم للإسهام في جميع النشاطات الاقتصادية. وابتداءً من منتصف القرن السابع عشر، استعان الملوك والأمراء في وسط أوربا (في ألمانيا وغيرها من الدول) باليهود في كثير من النشاطات الاقتصادية، مثل: التجارة الدولية، وتمويل الجيوش، وعقد القروض والصفقات. وهؤلاء هم الذين يُطلَق عليهم مصطلح «يهود البلاط» . لكل ما تقدَّم، نجد أن تاريخ الجماعات اليهودية في الغرب مرتبط بتاريخ الرأسمالية في كثير من الوجوه. ومن الملاحظ أن كثيراً من الدول التي كانت لها مشاريع تجارية أو استعمارية، كانت ترى أن العنصر اليهودي عنصر أساسي في هذه العملية ويمكن الاستفادة من خبراته ورأسماله كما يمكن توظيفه في أماكن نائية وجديدة، فهو عنصر حركي وحسب. وقد تم توطين اليهود في بولندا في القرن الثالث عشر مع التجار الألمان، لتشجيع الاقتصاد التجاري. ثم تم توطينهم في أوكرانيا بعد ضمها إلى بولندا للسبب نفسه. كما تم توطين اليهود في كثير من المستعمرات الاستيطانية والمراكز التجارية التابعة لإنجلترا وهولندا في العالم الجديد. وقد رحب كرومويل بتوطين اليهود في إنجلترا لكي ينعشوا الاقتصاد الإنجليزي ولكي يكونوا جواسيس يأتون له بالمعلومات التجارية. وسمحت فرنسا ليهود المارانو المطرودين من إسبانيا بالاستيطان في بعض المراكز التجارية المهمة فيها، مثل بايون وبوردو. وكان توطين أعضاء الجماعات اليهودية يأخذ، في العادة، النمط التالي: يبدأ توطين اليهود السفارد، بمالهم من خبرات تجارية مالية ورؤوس أموال واتصالات دولية، في الدول الغربية والدولة العثمانية ثم يتبعهم في معظم الأحوال جماعات من اليهود الإشكناز الذين بدأوا في الهجرة بعد ثورة شميلنكي. ولكن، ورغم أهمية الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية كخميرة ساعدت في نشوء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فإنهم كجماعة وظيفية وسيطة ظلوا مرتبطين بالطبقة الحاكمة في المجتمعات الإقطاعية تابعين لها يخدمونها ويخدمون مصالحها. فالتجارة والربا اليهوديان، أي ما يسميه فيبر «رأسمالية المنبوذين» ، لم يشكلا نقيضاً للمجتمع الإقطاعي وإنما خلية داخله. ولذا، كانت هذه التجارة اليهودية تقع ضحية عملية ظهور الرأسمالية الرشيدة المحلية رغم أنها ساهمت هي نفسها في الإعداد لها وتخميرها وإن كانت ساهمت أيضاً في قمعها وتأخير ولادتها كما حدث في بولندا. وربما يكون من المفيد في هذا المضمار أن نفرق بين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا في قمع الرأسمالية المحلية وبين الدور الذي لعبه أعضاء الجماعة اليهودية في هولندا وإنجلترا وفرنسا في تطويرها. ولكن أعضاء الجماعات اليهودية، سواء أكانوا أداة قمع في بولندا أم كانوا أداة للتطوير في هولندا، ظلوا دائماً أداةً وحسب لخدمة هدف ما. وهم، في هذا، يشبهون الجماعات الوظيفية الوسيطة في كل مكان. ولقد كانت جيوب اليونانيين والإيطاليين في مصر تمثل عنصراً تجارياً نشيطاً حيث بنوا المصانع، مثل مضارب الأرز ومطاحن الدقيق، ولكنهم لم يغامروا قط في الصناعة الثقيلة أو تلك التي تتطلب استثمارات ضخمة بعيدة المدى. فقد ساهموا في حركة التصنيع التي ساعدت على نشوء طبقة رأسمالية محلية، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه يحاولون وقف نموها من خلال الهيمنة الاستعمارية. ثم تزايدت قوة الطبقة الجديدة بالتدريج، فطردت الجماعات الوظيفية الوسيطة الغربية لتتولى هي كل النشاطات التجارية والاستثمارية ثم الصناعية. أثر الرأسمالية الرشيدة فى الجماعات اليهودية The Impact of Rational Capitalism on the Jewish Communities بعد تناول الدور الذي لعبه أعضاء الجماعات اليهودية في تكوين الرأسمالية والاقتصاد التجاري، يمكننا الآن أن نترك المرحلة التكوينية لنرى أثر ظهور الرأسمالية (الرشيدة) عليهم ومقدار إسهامهم في الاقتصاد الرأسمالي ذاته. وسنلاحظ أن دور يهود غرب أوربا يختلف عن الدور الذي لعبه يهود وسط أوربا وشرقها. ويعود هذا إلى معدلات النمو الرأسمالي في هذه البلاد وإلى علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بالمجتمع ككل ووضعهم فيه. ففي فرنسا وإنجلترا وهولندا لعب اليهود دوراً ثانوياً، أو لنقل دور الجزء في الكل الاقتصادي الأكبر الذي كان قد اكتسب كثيراً من ملامحه الرأسمالية الحديثة في غيبة أعضاء الجماعات اليهودية، وكان لهذه الدول مشاريعها الاستعمارية الضخمة، ولذا لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد سوى دور جزئي منشط. أما في شرق أوربا، فلم تكن المجتمعات الأوربية هناك متطورة بما فيه الكفاية ولم يُقدَّر للرأسمالية الرشيدة التي نشأت في مرحلة متأخرة أن تتطور، كما لم يكن لديها مشروع استعماري مهم. وانتهى الأمر بأن حل النمط الاشتراكي في الإنتاج محل النمط الرأسمالي. ولهذا، انخرط أعضاء الجماعات اليهودية هناك إما في الطبقة العاملة وإما في الطبقة البورجوازية الصغيرة. وكان من بينهم كذلك رأسماليون ولكنهم كانوا نسبة صغيرة. وفي وسط أوربا، وبخاصة في ألمانيا، ظهر النظام الرأسمالي الذي أخذ يتطور بسرعة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتبلور لألمانيا مشروعها الاستعماري الخاص، وكان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون عنصراً مهماً في عملية التطور الرأسمالي هذه. ولكن الرأسمالية الألمانية تم ضربها وتم كذلك ضرب مشروعها الاستعماري ثم تحوَّلت ألمانيا نفسها إلى ما يشبه المستعمرة بعد اتفاقية فرساي (1919) . وحينما عاودت ألمانيا محاولة التصنيع مرة أخرى، لم يتم ذلك حسب النمط الرأسمالي الحر وإنما تم بتدخل الدولة، وقد راح رأس المال الذي يملكه بعض أعضاء الجماعات اليهودية ضحية هذه العملية. ويتضح تباين معدلات إسهام أعضاء الجماعة في نمو الرأسمالية من بلد إلى آخر من خلال علاقتهم بالمدن ومدى تركُّزهم فيها. فظهور المدن وازدياد أهميتها كان يعني أن الوظائف المالية والتجارية الهامشية القديمة أصبحت تحتل المركز. وقد صاحب ذلك تحوُّل في وَضْع أعضاء الجماعات اليهودية، فبدلاً من كونهم عنصراً بشرياً متحركاً يحمل رأس مال متحركاً ويتحرك على أطراف المجتمع، تحوَّلوا إلى عنصر بشري يقطن المدينة في داخل المجتمع وليس على هامشه، أي أنهم أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني. وأتاح ظهور الرأسمالية فرصة أمام رأس المال الذي يمتلكه يهود (ومن ثم فإنه قد اتسم بدرجة عالية من الحركية) لدخول الاقتصاد الجديد بنسبة أعلى من رأس المال المحلي (غير اليهودي) الثابت المُستثمَر في العقارات والمزارع، وهو الأمر الذي تم إنجازه في إنجلترا وفرنسا ثم ألمانيا. أما في شرق أوربا، فرغم أن تركُّز أعضاء الجماعة اليهودية في المدن قد ازداد، فإن السياق الطبقي لهذه العملية كان مختلفاً، فقد ساهم وجودهم في المدن في تحويل أعداد منهم إلى طبقة عاملة. أما فيما يتصل بعلاقة الصهيونية بالرأسمالية، فيمكن القول بأنها ليست مباشرة. فالصهيونية ليست جزءاً من التشكيل القومي الغربي، وإنما هي جزء من التشكيل الإمبريالي الغربي يخدم مصالحه الإستراتيجية تحت ظروف خاصة هي ظروف الاستيطان في فلسطين. ولذا، لم تصر الإمبريالية الغربية، أو البورجوازيون من أعضاء الجماعة اليهودية في الغرب، على أن يأخذ المشروع الصهيوني شكلاً رأسمالياً محدَّداً، بل سمحت له وللدولة الصهيونية الوظيفية من بعده باتخاذ الشكل الاقتصادي المناسب الذي يضمن بقاءه حتى يستمر في خدمتها. وقد توصَّل الصهاينة إلى أن الأشكال الجماعية في الإنتاج التي تستخدم ديباجات اشتراكية هي أنسب الطرق لتنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي. ولذا، فعلى حين كانت الولايات المتحدة (المكارثية) تحارب الشيوعية في الولايات المتحدة، كان الصهاينة في الخمسينيات يرفعون لواء الاشتراكية، ويحتفلون بعيد العمال في مايو، وينتسبون إلى الدولية الاشتراكية ويتلقون المعونات بسخاء من الحكومات ومن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الرأسمالي، ويقومون على خدمة الإمبريالية. ديفيد ريكاردو (1772-1823) David Ricardo اقتصادي بريطاني، وُلد في لندن لعائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي كانت قد استقرت في هولندا (مسقط رأس إسبينوزا) ثم هاجرت إلى إنجلترا عام 1760 قادمة من أمستردام. أرسلته أسرته إلى هولندا للدراسة، فعاد إلى لندن عام 1786 حيث اشتغل مع والده الذي كان سمساراً ناجحاً في البورصة. ولكنه، في عام 1793، انفصل عن عائلته حيث تزوج من سيدة من طائفة الكويكرز، كما ترك العقيدة اليهودية وانضم إلى الكنيسة. ثم عمل ريكاردو في البورصة بمفرده وحقق ثروة فاقت ثروة أبيه. وفي عام 1814، اعتزل البورصة وعالم المال واتجه إلى دراسة الاقتصاد ليصبح أحد أهم مؤسسي علم الاقتصاد السياسي الحديث. ويعود اهتمامه بهذا المجال إلى عام 1799 حينما قرأ ثروة الأمم لآدم سميث، حيث بدأ بعد هذا التاريخ في الكتابة حول بعض القضايا المالية والاقتصادية المهمة في إنجلترا آنذاك. كما نشأت علاقة فكرية بينه وبين الاقتصاديين جيمس ميل وتوماس مالثوس، الأمر الذي زاد من اهتمامه بدراسة الاقتصاد. وتوثقت علاقته بفيلسوف النفعية (المادية) جيريمي بنتام (أي أنه كان على علاقة وطيدة بأهم المفكرين العلمانيين في إنجلترا آنذاك) . وأهم أعمال ريكاردو على الإطلاق هو مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب (1817) ويضم أهم تحليلاته ونظرياته الخاصة بالسياسات المالية والضريبية والتجارة الدولية والتي أصبحت أساساً لكثير من المفاهيم الاقتصادية الحديثة. تناول في تحليلاته: قيمة العمل، وعلاقة الأرباح بالأجور، وعلاقة مستوى الأجور بالنمو السكاني، وندرة الموارد الطبيعية، والقوانين التي تحكم عملية توزيع الثروة. وقدم ريكاردو تحليلاً للآثار الاقتصادية للسياسات الضريبية على التراكم الرأسمالي ولتوزيع الدخل القومي ومستوى الأسعار، كما اكتملت نظريته في التجارة الدولية. ومن أهم إسهاماته، استنتاجه أن ما يحدد قيمة السلعة هو قيمة الجهد المبذول فيها، ومن ثم فقد استبعد الريع وإيجار الأرض كمصدر للقيمة، أي أن ساعة قيمتها 100 جنيه تتطلب عشرة أضعاف العمل المطلوب لإنتاج حذاء قيمته 10 جنيهات. كما طوَّر ريكاردو مفهوم الأجور وحد الكفاف، وهو يرى أن الأجور خاضعة لما سماه «القانون الصارم للأجور» والذي يؤدي إلى استقرار الأجور عند حد الكفاف. فإن زادت الأجور على حد الكفاف، فإن الطبقة العاملة ستتزايد عدداً وسيزداد التنافس بين أعضائها فتزداد أثمان السلع وتقل الأجور ويستقر كل شيء عند حد الكفاف مرة أخرى. أما فيما يتصل بالتجارة الدولية، فكان يطالب بحرية التجارة وحرية انتقال السلع، وكان يرى أن آليات السوق في حد ذاتها كفيلة بتحقيق التوازن. وظلت نظريات ريكاردو تسيطر على السياسات الاقتصادية البريطانية مدة خمسين عاماً. وقد دخل ريكاردو البرلمان عام 1819 ليس عن طريق الانتخاب ولكن عن طريق شراء مقعد له (كما جرت العادة آنذاك) . ورغم انفصاله عن اليهودية، دافع ريكاردو داخل البرلمان عن إسقاط الأهلية القانونية عن أعضاء الجماعة اليهودية في إنجلترا. وكان موقفه هذا نابعاً من رؤيته الليبرالية، فهو لم يكن يرى أن ثمة دوراً خاصاً لليهود أو للرأسمالية اليهودية، كما أن كتاباته عن النظرية الاقتصادية لا تتعرض لوضع اليهود أو دورهم داخل التشكيل الرأسمالي الغربي (وهو الأمر الذي ناقشه ماركس وفيبر وسومبارت والفكر الاشتراكي الغربي ككل) . ويُعتبَر ريكاردو من أهم الفلاسفة الاقتصاديين الكلاسيكيين الذين قدَّموا رؤية اقتصادية (مادية) محضة، فهو لم يشغل باله بالاعتبارات الأخلاقية أو النفسية فقدَّم رؤية أحادية علمية (بالمعنى الضيق) من خلال أسلوب مجرد شبه رياضي لا يستخدم أية استشهادات تاريخية بقدر ما يلجأ لاستشهادات مجردة افتراضية. وجعل ريكاردو العامل الاقتصادي هو العامل الأساسي أو المبدأ الواحد الذي يُرَدُّ إليه سلوك الإنسان (القوة الدافعة له التي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده) . كما أنه، شأنه شأن الفلاسفة النفعيين، جعل حب الذات الدافع الأساسي في سلوك الإنسان، ومن ثم فإن المنافسة هي الآلية الكبرى. وعلى هذا، ساهم ريكاردو مساهمة فعالة في وضع أسس علم الاقتصاد الحديث وفي فصله عن المنظومات الدينية والأخلاقية وعن العلوم الأخرى، وجعله مجموعة من المبادئ تتعامل مع المصادر المادية. كما طوَّر النماذج الرياضية المجردة، وهو ما يعني استبعاد العناصر الإنسانية والأخلاقية. ويظهر في كتاباته الإنسان الاقتصادي الذي لا يبحث إلا عن مصلحته، واليد الخفية التي طرحها سميث تفقد أي مضمون ديني أو إنساني لتصبح جزءاً من الآلية الاجتماعية الصماء (قوة لا متعينة لا تعرف التمايز الفردي) . ويمكن أن نضع ريكاردو في إطار أولئك المفكرين اليهود السفارديين (الممتدين من إسبينوزا إلى دريدا) الذين قاموا بتفكيك ظاهرة الإنسان تماماً ورأوه في ضوء مجموعة من الحتميات المادية الصارمة وردوه إلى بعض الأصول المادية دون أية مثاليات أو غيبيات. وعالم ريكاردو المادي الآلي لا يختلف كثيراً عن عالم إسبينوزا في ماديته وآليته الصارمة، فهو عالم تسوده المادية الصلبة التي لا تحتمل أية فراغات أو ثغرات أو مسافات، ومن هنا جاءت سيادة النماذج الرياضية والهندسية في كتابات كل منهما. ويثير ريكاردو قضية أساسية فيما يتعلق بالمعادين لليهودية، فالكثيرون منهم يفسرون سلوك ماركس وفكره على أساس يهوديته. وحينما يُشار إلى حقيقة أن أباه قد تنصَّر وأنه عمَّد الطفل ماركس في طفولته، فإنه عادةً ما يُقال: ولكنه مع هذا ظل يهودياً. وهم يفعلون ذلك ليبينوا أن اليهود مسئولون عن الشيوعية وأن الشيوعية ثورة يهودية. والمشكلة التي تظهر هنا هو أن ريكاردو فيلسوف الرأسمالية الحرة في أقصى أشكالها تجريداً وتطرفاً هو الآخر يهودي متنصِّر. ولعل الفارق الوحيد هو أن أصول ماركس إشكنازية بينما أصول ريكاردو سفاردية! وإذا قبلنا منطق تصنيف الشيوعية كحركة ذات أصول يهودية لأن مؤسسها من أصول يهودية، فلابد أن نقبل أيضاً مقولة أن الرأسمالية هي الأخرى حركة ذات أصول يهودية، ذلك أن واحداً من أهم فلاسفتها ذوو أصول يهودية. وغني عن القول أن هذا منطق متهافت يشبه منطق الصهاينة الذين ينسبون لليهود صفات عجائبية! رؤية كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Karl Marx and Friedrich Engels on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities تظهر موضوعات الفكر الاشتراكي بشأن اليهود في كتابات كارل ماركس (1818 - 1883) وفريدريك إنجلز (1820 - 1895) بدرجات متفاوتة من الحدة وبأشكال مختلفة. فالأطروحات الغربية العرْقية، على سبيل المثال، لها أصداؤها في كتابات هذين المفكرين، ولكنها مجرد أصداء. وهذا على عكس الأطروحة الاجتماعية التي تربط بين اليهود والتجارة أو الرأسمالية البدائية التجارية، فهي أكثر عمقاً وتَجذُّراً ومركزية. ويُلاحَظ أن أياً منهما لا يطرح حلاًّ صهيونياً للمسألة اليهودية. كما يجب أن نذكر أيضاً أن أياً منهما لم يُعر المسألة اليهودية أو أعضاء الجماعات اليهودية اهتماماً خاصاً. فرغم الخلفية اليهودية لماركس، فإن الموضوع اليهودي لم يشغل باله كثيراً. وقد أشار المؤرخ الألماني اليهودي هاينريش جرايتز في خطاب منه إلى ماركس إلى أن كتابه تاريخ اليهود يقع خارج نطاق اهتماماته. ولم يكن جرايتز نفسه ـ على ما يبدو ـ يعرف شيئاً عن كتاب ماركس المسألة اليهودية، رغم أنه تعرَّف إلى المؤلف عام 1877. لكن عدم اهتمام ماركس وإنجلز بالمسألة اليهودية أمر مفهوم في إطار اهتماماتهما التي انصبت بالدرجة الأولى على الظاهرة الرأسمالية بقطبيها الأساسيين: أصحاب العمل والعمال. ومما زاد من عدم اهتمامهما أنهما - على ما يبدو - كانا لا يعرفان الكثير عن يهود شرق أوربا (يهود اليديشية) الذين كانوا يشكلون آنذاك أكبر جماعة يهودية في العالم كانت تضم نحو 80% من يهود العالم. ومن ثم، فإنهما لم يكونا يعرفان الكثير عن اليهود من أعضاء الطبقة العاملة. ومع هذا، لابد أن نشير هنا إلى أن عملية تحوُّل كثير من اليهود في شرق أوربا إلى عمال لم تتضح معالمها إلا مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. كما أن ماركس وإنجلز قضيا معظم حياتهما في إنجلترا بعيداً عن يهود شرق أوربا. وقد مات ماركس قبل أن تبدأ روسيا وبولندا في تصدير الفائض البشري اليهودي إلى إنجلترا وإلى غيرها من الدول. أما إنجلز الذي عاش حتى نهاية القرن التاسع عشر، فشاهد وصول المهاجرين اليهود إلى إنجلترا وتحوُّلهم إلى طبقة عاملة. وكان لهذا أعمق الأثر فيه وفي إليانور ابنة كارل ماركس التي اكتشفت ما زعمت أنه هويتها اليهودية مرة أخرى من خلالهم، وإن كان الاكتشاف تم لأسباب اجتماعية ثورية لاعلاقة لها بأي انتماء يهودي ديني أو حتى إثني. لكل ما تقدَّم، لا يتناول المفكران الاشتراكيان المسألة اليهودية إلا بشكل عرضي وغير منهجي. كما ظهرت بعض كتاباتهما في الموضوع إبَّان المرحلة الأولى من حياتهما قبل أن يتبلور فكرهما، وقبل أن تتضح كثير من معالمه. والعمل الأساسي الذي خطه ماركس في هذا الموضوع هو المسألة اليهودية (1844) ، الذي كتبه وهو بعد في مقتبل حياته، حينما كان فكره لا يزال هيجلياً بشكل فاقع، كما كان أسلوبه يتسم بالتناقضات والتقابلات اللفظية الطريفة والسحرية والسطحية، مثل: «المسيحية هي الفكر السامي لليهودية» ، و «اليهودية هي التطبيق العادي للمسيحية» ، و «التحرر الاجتماعي لليهودي إنما هو تحرير المجتمع من اليهودية» ، و «لم يجر تحرير الإنسان من الملكية بل نال الإنسان حرية الملكية» . ومن الصعب الوصول إلى وضوح في الأفكار من خلال هذا الأسلوب إذ أن حركيته ومنطقه يفرضان على كاتبه مواقف متطرفة يتطلبها التقابل الهندسي اللفظي. وإلى جانب كل هذا، فمن المعروف أن ماركس كانت له تحيزاته الشخصية الحادة والواضحة مثل أية شخصية عظيمة أو أي مفكر ضخم، فكان لا يتورع عن الإفصاح عنها بأسلوب قاطع له أنياب وأظفار الأمر الذي يؤدي إلى التضحية بكلٍّ من الإبهام والتركيب. وسنحاول أن نعرض في هذا المدخل أفكار ماركس وإنجلز في المسألة اليهودية بادئين بماركس. وبطبيعة الحال، يشكل كتيب المسألة اليهودية النص الماركسي الأساسي، ولكننا لن نهمل الإشارات المتفرقة في الكتابات الأخرى لماركس مثل الخطابات والمقالات. ولا يوجد في العمل الكلاسيكي الأساسي لماركس رأس المال (الجزء الأول، عام 1867) سوى إشارات نادرة متفرقة هنا وهناك تلقي مزيداً من الضوء على موقفه ولكنها لا تعِّدله بشكل جوهري. ولفهم موقف ماركس من اليهود واليهودية، يجب أن نضعه أولاً في سياقه الشخصي والحضاري. جاء ماركس من أسرة يهودية متدينة، فعمه من حاخامات مدينة تريير التي وُلد هو فيها. وجاءت أمه من هولندا، من أسرة تشتهر بوجود عدد كبير من الحاخامات فيها. ولكن اليهودية كانت قد دخلت في ذلك الوقت مرحلة أزمتها الحادة نتيجةً لمواجهتها مع الحضارة العلمانية، وتَصاعُد الهجوم عليها من داخلها. فهناك اليهودية الإصلاحية، وعلم اليهودية، وهناك حركات التنوير المختلفة التي كانت تبيِّن أن الموروث الديني اليهودي يشكل عبئاً ثقيلاً لا طائل من ورائه. لكن الهجمات من الخارج كانت أكثر حدة، فقد شهدت الفترة نفسها الهجوم العقلاني والعلماني الشرس على ظاهرة الدين ككل باعتبارها تعبيراً عن حرمان الإنسان. وشهدت هذه الفترة حركة نقد قوية للعهد القديم، كما شهدت نشر كتاب لودفيج فيورباخ جوهر المسيحية (1841) الذي حاول فيه تبيان أن الإنسان هو الذي خلق الإله وليس العكس، أي أن الإله إن هو إلا إسقاط للطموحات السامية عند الإنسان، وهي فكرة استفاد بها ماركس. وقد أخذ الهجوم على الدين ككل شكل الهجوم على العنصر السامي (الأخلاقي) وتمجيد العنصر الهيليني (الجمالي) . لكل هذا، ليس من الصعب فهم سبب تنصُّر والد ماركس، خصوصاً أن التنصُّر كان يعني دخول الحضارة الغربية، كما كان يعني أن بوسعه ممارسة مهنة المحاماة في المحاكم البروسية التي لم يكن مسموحاً لغير المسيحيين بالعمل فيها. وقد عُمِّد كل أولاده ومن بينهم كارل الذي عُمِّد وهو في سن السادسة. ولكن يبدو أن ماركس كان مثل كثير من اليهود المتنصرين في عصره، ممن تركوا اليهودية فعلاً وتبنوا المسيحية اسماً وحسب، أو لم يتبنوا أي دين على الإطلاق على طريقة إسبينوزا، وأصبحوا علمانيين بمعنى الكلمة غير مكترثين بالدين. وربما كان هذا العنصر في خلفية ماركس مسئولاً عن فشله الكامل في إدراك أهمية العنصر الديني في تشكيل القوى السياسية والتاريخية. وعلى كلٍّ، فهذه نقطة قصور في عصر الاستنارة ككل حيث جرى تجاهُل أهمية الدين بسبب الالتزام بفكرة الإنسان الطبيعي أو الإنسان العقلاني المادي. ومن هنا نجد بعض العبارات السطحية، مثل «في كلمة واحدة، أكره كل الآلهة» ، وهي عبارة من مسرحية بروميثيوس للكاتب الإغريقي أيسخيلوس جعلها ماركس شعاراً لرسالته في الدكتوراه. ومن هنا نجد بعض الشعارات السطحية التي أطلقها ماركس مثل: «الدين أفيون الشعب» والتي لا تعبِّر بالضرورة عن كلية وتركيبية موقفه من الدين. ومن هنا نجد رؤيته السطحية للدين باعتباره جزءاً من بناء فوقي غير حقيقي خاضع بشكل مطلق للظروف الاجتماعية والاقتصادية يعبِّر في نهاية الأمر عن بناء تحتي حقيقي (اقتصادي مادي) . أما الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية التي ترى أن الدين مقولة تحليلية وعنصر مهم في الحضارة الإنسانية، فلم تظهر إلا في مرحلة لاحقة، واتضح أثرها في تفكير ورنر سومبارت وماكس فيبر اللذين طرحا إشكالية أصول الرأسمالية وعلاقتها بالدين اليهودي أو بالبروتستانتية (على عكس الكاثوليكية) بشكل أكثر تركيباً وعمقاً وأصالة، وبشكل يحاول تحاشي السببية البسيطة الصلبة. وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن ماركس شارك في العنصرية العامة التي كانت تسم الحضارة الغربية في ذلك الوقت، وإلى أن الصورة الإدراكية لليهود في ذهنه لم تكن تختلف كثيراً عن الصورة الإدراكية التي صاغتها العنصرية الغربية، واستمر إدراكه لليهود من خلال هذه الصورة طوال حياته. وقد وردت هذه العبارات في كتابات ماركس (الرسائل والكتب) : ـ «اليهودي ذو الابتسامة الباهتة» . ـ «يهودي فيينا الملعون» . ـ «المؤلف.. هذا الخنزير.. يهودي اسمه ماير» . وتصبح الأمور أكثر سوءاً إذا كان اليهودي من العاملين بالشئون المالية: ـ «اليهودي بامبرجر جزء من معبد/ بورصة باريس» . ـ «يهودي البورصة» . وأحياناً تتسع العنصرية لتصبح عنصرية ضد كل الأجناس الأخرى: ـ «يدل شكل رأس لاسال وشعره على أنه سليل الزنوج الذين انضموا لقطيع موسى إبَّان الخروج من مصر» . ـ «هو أيضاً الييد» (و «الييد» لفظة تحقير ليهود بولندا) . ـ «وهو لاعازا الأبرص ـ النموذج البدائي لليهودي» . وقد استمرت عنصرية ماركس حتى آخر أيام حياته، إذ نجده يستخدم العبارات التالية: ـ «الممارسة البورجوازية لليهودي القذر» . ـ «هذه المدينة مليئة بالذباب واليهود» . ووردت هذه العبارة في رأس المال: ـ «يعرف الرأسمالي أن كل السلع هي مجرد نقود تشبه اليهود المختنين من الداخل» . ولكن يُلاحَظ أن الإشارات تناقصت على مر الأيام حتى أصبحت نادرة، كما أن مثل هذه الأقوال لا يمكن أن يُحاسَب ماركس عليها، رغم عنصريتها الكريهة، لأننا نتعامل في نهاية الأمر معه باعتباره مفكراً يقدم نسقاً فكرياً، وهذه العبارات لا تشكل عنصراً أساسياً في هذا النسق. وثمة جانب آخر لموقف ماركس، ورثه من عصر الاستنارة، وهو أن الهجوم على المسيحية كان أمراً لا يزال محفوفاً بالمخاطر بعض الشيء في الحضارة الغربية. ولذا، كان الهجوم على المسيحية وعلى الكنيسة يأخذ شكل هجوم على ما يمكن تسميته «المسيحية البدائية» ، أي اليهودية. فالهجوم على اليهودية هو، في واقع الأمر، هجوم على المسيحية. وقد كان هذا هو أحد أشكال الخطاب العلماني في ذلك العصر وإحدى شفراته المفهومة لدى الجميع. ولا شك في أن ماركس قد تأثر بهذا الجانب من الخطاب الفلسفي، كما أنه كان يتسم بالجراءة غير العادية، بل والوقاحة أحياناً، في التعبير. ولذا، فإن هجومه على اليهودية لم يكن ينبع من مثل هذه الذرائع وحسب وإنما من رؤية متكاملة لليهودية، في علاقتها بالمسيحية، ولعلاقة الدين ككل بالمجتمع المدني البورجوازي، مجتمع العلاقات البرانية والتعاقدية التي يغترب فيها الإنسان عن نفسه. ولكن ماركس هو، في نهاية الأمر، إحدى الثمرات المتألقة للفكر الألماني في القرن التاسع عشر. وقد تواترت فكرة أساسية في كتابات المفكرين الألمان وهي التمييز بين الجماينشافت، أي الجماعة العضوية المترابطة التقليدية، مقابل الجيسيلشافت، أي المجتمع التعاقدي الذري المفتت. وهو تمييز له جانبان: أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن الفكرة الواحدة نفسها في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءاً من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة ويحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ويصبح لا وجود له خارجها. ونظراً للارتباط العضوي للإنسان بجماعته وتطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تُعبِّر عن جوهر الإنسان بدلاً من أن تشكل اغتراباً عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة قيداً على الإنسان أو حدوداً له، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة. ومن هنا، فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا يتناقض فيها الذات والموضوع. كل هذا يقف ضد الجماعات التعاقدية (المجتمع التعاقدي الحديث) التي تتألف من أشخاص أنانيين فرديين، لكل مصلحته الشخصية المحددة التي قد تتفق مع مصلحة المجتمع أو تختلف عنها. وكل فرد يحاول أن يحقق مصلحته ومنفعته هو دون الالتفات إلى الآخرين أو إلى الكل الاجتماعي، ومن ثم فإن المجتمع مبني على التنافس بوصفه قيمة مطلقة. والمجتمع هنا لا يُعبِّر عن جوهر الإنسان وإنما يجابهه باعتباره شيئاً غريباً عنه. ويصبح القانون للسبب نفسه قيداً على الإنسان لا وسيلة لتحقيق جوهره. والرابطة بين البشر رابطة تعاقدية خارجية برانية موضوعية. ولذا، فإن انتماء الإنسان إلى مثل هذا المجتمع هو انتماء ذرة منغلقة على نفسها؛ تجاور الذرات الأخرى ولا تلتحم بها، ومن ثم ينشأ تناقض حاد بين الذات والموضوع. وهذا التمييز بين شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي ورؤية الكون هو تمييز بين فكرين، فكر عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) وفكر معاداة الاستنارة (القرن التاسع عشر) . وكلاهما يُعَدُّ أساساً للفكر الغربي الحديث برغم تناقضهما. وما يهمنا هنا أن هذا التمييز الذي تغلغل في الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصاً الألماني، يكمن وراء الهجوم على اليهود واليهودية باعتبار أن اليهودي جزء من الاقتصاد التجاري (الموضوعي التعاقدي) مقابل الاقتصاد الزراعي (العضوي المبني على الارتباط الداخلي) ولا يمكن أن نفهم تحليل ماركس للمسألة اليهودية دون أن نأخذ هذا البعد في الاعتبار. وقد كتب ماركس كتيبه رداً على برونو باور الذي أصدر كتيباً بعنوان المسألة اليهودية عام 1843 أنكر فيه على اليهود حقهم في الانعتاق باعتبارهم أعداء للتقدم ولأنهم يتمسكون بخصوصيتهم وعزلتهم. بل إن باور يقول إن ما يسميه «الانعزالية المسيحية» إن هي إلا وريثة الانعزالية اليهودية. واليهود، بحسب رأيه، لم يتخلوا عن دينهم وقوميتهم (الوهمية) ، بل يذهب إلى أنهم يتسمون بالدهاء بسبب جذورهم الشرقية (السامية) ، مقابل الحضارة الغربية الهيلينية الآرية. ولكنهم، لهذا السبب ذاته، بليدو الإحساس ولا يتسمون بأي إبداع. وقد أشار باور إلى أن اليهود يسيطرون على البورصة وعلى البلاط. ولذا، حتى إذا تغيَّر وضعهم السياسي، فإن طبيعتهم الحضارية والاقتصادية قد لا تتغيَّر. ثم هاجم باور اليهودية الإصلاحية التي دعت إلى العودة إلى ما تصورته الموسوية الحقة الصافية، فمثل هذه الموسوية في نظره غير ممكنة إلا في أرض كنعان وداخل دولة يهودية مستقلة، وهذا هو الحل الصهيوني. ولكن الأطروحة الصهيونية خافتة للغاية في فكر باور، فالفكر العرْقي لم يكن قد اكتسح أوربا بعد، كما حدث لاحقاً، حيث تركت هذه العرْقية أثرها في تيار مهم في الفكر الاشتراكي الغربي. ومن ثم، فإننا نجد أن باور لا يزال يتحرك في الإطار العقلاني الليبرالي الآلي، إطار فكر الاستنارة الذي ساد أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، أي أنه كان يرى إمكانية إصلاح اليهود وضرورة إعطائهم حقوقهم السياسية بل ودمجهم، شريطة أن يتخلوا تماماً عن أية خصوصية. وبالفعل، يقول باور إنه يمكن إعتاق اليهود إذا ما أعدوا أنفسهم لذلك عن طريق الاختلاط بحرية وعلى قدم المساواة بالمسيحيين. فيجب أن ينسلخوا من عقيدتهم الشرقية، وعلى المجتمع ككل أن يلغي الدين حتى يتم الانعتاق السياسي الكامل. قَبلَ ماركس كل مقدمات باور بشأن اليهود واليهودية، بل إن نبرته كانت أكثر حدة وأكثر عداء لليهود. ولكنه رفض نتائجه بشأن رؤيته للدولة وطريقة الانعتاق وحدود هذا الانعتاق السياسي أو المدني، فباور بحسب تصور ماركس لم يدرك أهمية البُعد الاجتماعي في عملية الإعتاق باعتباره بُعداً لصيقاً ومستوى كامناً تحتياً للبعد السياسي والديني، وهو ما حاول تغطيته في دراسته. وبهذه الطريقة، تمكَّن ماركس من تحويل المسألة اليهودية من قضية أقلية دينية أو إثنية إلى قضية عامة تخص الحضارة الغربية والنظام السياسي والاجتماعي الغربي ككل. وكما أسلفنا، يميِّز الفكر الألماني الرومانسي، ثم من بعده الاشتراكي، بين الجماعة العضوية المتكاملة التي تُعبِّر عن الجوهر الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى المجتمع التعاقدي الذي يخفي هذا الجوهر ويطمسه ويجعل الإنسان يغترب عن ذاته. وتظهر الفكرة نفسها على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تمييز ماركس بين المواطن وعضو المجتمع المدني. أما المواطن (ممثل النوع البشري) فهو عضو الجماعة السياسية المتكاملة (متمثلة في الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) وهذه الدولة هي مجال الحرية الكامل الذي يتحقق من خلاله الإنسان ولا يغترب عن جوهره. وليس بإمكان هذه الدولة أن تقوم بدورها هذا إلا بعد أن تصبح عقلانية تماماً، بأن تفصل نفسها تماماً عن كل المؤسسات غير العقلانية غير الإنسانية، مثل الكنيسة والملكية والأرستقراطية، بحيث تصبح أداة الجماعة السياسية التي يعيش داخلها المواطن ممثلاً للنوع. ويُلاحَظ أن الافتراض أو الأمل هنا هو ألا يكون القانون الخارجي للدولة إلا تعبيراً عن القانون الداخلي للإنسان ورغباته الذاتية. ولكن كيف يمكن للذات أن تلتقي بالموضوع ويلتقي الخاص بالعام والمحلي بالعالمي؟ يتجاوز ماركس هذه الثنائية بتبنِّي الفكرة المحورية في فلسفة الاستنارة، وهي تصوُّر وجود عقل (وجوهر) إنساني عالمي عام ثابت لا تتغيَّر قوانينه أو سماته، ويحاول الإفصاح عن نفسه في كل مكان وزمان، ويمكن أن تتحقق عملية الإفصاح بشكل كامل إذا أزيلت العوائق من طريقها. والمشروع الثوري يصبح، إذن، عملية إزالة للعوائق وتأسيس للدولة التي تجسد هذا العقل وهذا الجوهر حتى يمكنها أن تُعبِّر عن الإنسان العقلاني وجوهره. وغني عن الذكر أن مثل هذه الدولة ومثل هذا الموقف يرفضان تماماً أية خصوصية باعتبارها قيوداً على هذه العقلانية العامة. ويقف عضو المجتمع المدني (أي «المجتمع البورجوازي» ) على الطرف النقيض من المواطن. ففي المجتمع المدني، يتحول الأفراد إلى وحدات ذرية أو ينظر الإنسان إلى الآخرين باعتبارهم أدوات، وينحط هو نفسه إلى مجرد وسيلة ويصبح لعبة في يد القوى الغريبة عنه. وتشكل الليبرالية السياسية، والإعتاق السياسي لأعضاء المجتمع، تقدماً هائلاً. لكن الإعتاق السياسي ليس آخر أشكال الإعتاق الإنساني، بل إن الليبرالية لم تستكمل عملية إعتاق الدولة تماماً. فقد أصبحت الدولة أداة للأثرياء، كما أنها لم تتحرر من الدين تماماً، بل احتفظت بموقف يستند إلى التفاوت الطبقي ولا يرفض الدين كليةً. وما حدث في المجتمع المدني أن الإنسان لم يتحرر من الدين بل تلقَّى الحرية الدينية. ولم يجر تحريره من الملكية، بل نال حرية الملكية. ولم يتحرر من أنانية الصناعة، بل نال حرية الصناعة. والحرية هنا هي حرية الإنسان بوصفه ذرة منعزلة، حرية تُعبِّر عن نفسها لا في شيء داخلي عضوي إنساني جواني وإنما في حق الملكية الذي هو حق الإنسان في التمتع بثروته، والتصرف فيها وفق مشيئته، دون الاهتمام بسائر الناس وبصورة مستقلة عن المجتمع. إنه الحق في الأنانية. وهذه الحرية الفردية، مع تطبيقها، هي التي تؤلف أساس المجتمع البورجوازي. ويصبح الأمن هو أسمى مبادئ المجتمع البورجوازي (المدني) . ولكن هذا الأمن ليس إلا تعبيراً عن التفتت والذرية. فالأمن هو قانون الشرطة لا قانون الإنسان المتكامل ولا قانون الدولة الحقيقية العقلانية. وهو ليس وسيلة يترفَّع بها المجتمع البورجوازي عن أنانيته (ذَريته وتعاقديته) وإنما هو ضمان الأنانية. وهكذا، بدلاً من أن يكون الإنسان كائناً بشرياً اجتماعياً يعيش في مجتمع متكامل ويُعبِّر عن جوهره الإنساني، فإن الحياة البشرية نفسها (أي المجتمع) تظهر في شكل إطار خارجي عن الفرد، أي تحديد لحريته الأولية. والرابطة الوحيدة التي توحِّد بينهما ليست الرابطة العضوية الداخلية وإنما رابطة الضرورة الطبيعية والحاجة والمصلحة الخاصة، ورابطة الحفاظ على الملكية وعلى الذات الأنانية المنغلقة على نفسها، أي أنها رابطة خارجية آلية واغتراب عن الجوهر. ويستخدم ماركس أيضاً فكرة الجماعة العضوية التراحمية المترابطة (جماينشافت) والمجتمع التعاقدي الذري المفتَّت (جيسيلشافت) في وصفه للدين، إذ يذهب إلى أن الدين، أي دين، يلعب دوراً حاسماً في عملية اغتراب الإنسان عن جوهره وتخليه عنه. فالإنسان ما دام سجين الدين وتحت سيطرته، لا يمكنه إلا أن يُموضع جوهره، أي يحوِّله إلى موضوع بأن يجعله كائناً غريباً عنه خرافياً متعالياً عليه. ويضرب ماركس مثلاً بالمسيح الذي يصبح الوسيط الذي يُحمِّله الإنسان كل ألوهيته، فالإنسان يُسقط إلوهيته (جوهره) على المسيح بدلاً من أن ينظر إلى نفسه باعتباره هو نفسه الإله أو الجوهر الأسمى أو المطلق (وهي نفسها فكرة فيورباخ) . ومن ثم يغترب الإنسان عن نفسه، تماماً كما يحدث حينما يكون الإنسان تحت سيطرة الحاجة الأنانية، فإنه حينئذ لا يمكن إلا أن يصبح عملياً (برانياً خارجياً وفي علاقة آلية مع كل ما حوله) ، ولا يمكنه إلا أن يخلق أشياء عملية ويضع منتوجاته ونشاطاته تحت سيطرة جوهر غريب عنه وينسب إليها مدلول جوهر غريب هو المال. فالمال هو جوهر الإنسان المنفصل عن الإنسان والذي تَموضع خارجه وهو جوهر يسيطر عليه ويستعبده، تماماً مثل الرب الذي هو أيضاً جوهر الإنسان المنفصل عنه. ويمكننا أن نكتشف بنية أساسية هنا وهي جوهر إنساني أو عقل إنساني عام يمكنه أن يتحقق أو يغترب عن نفسه. ويأخذ الاغتراب شكل إسقاط الجوهر الإنساني الداخلي على شيء غير إنساني خارجي (الإله أو المال) . ولذا، فإن كلاًّ من الدين والمجتمع البورجوازي يؤديان إلى النتيجة نفسها، أي اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني، وبالتالي إلى تفتُّت المجتمع وتحوُّل الجماعة العضوية إلى مجتمع تعاقدي والإنسان العضوي الجواني إلى إنسان آلي براني. وهذا يعني أن الجانب المعرفي يلتقي تماماً مع الجانب الاقتصادي الاجتماعي. ولكن علاقة البورجوازية بالدين لا تقتصر على التقابل البنيوي وإنما ثمة علاقة سببية تاريخية. فالمجتمع البورجوازي لم يكن بوسعه التوصل إلى الانفصال التام عن مجرى الدولة (الواقعية الحقيقية، أي العقلانية، التي يُعبِّر الإنسان من خلالها عن جوهره) ، وإلى تمزيق جميع الروابط الاجتماعية للإنسان، وإلى إحلال النزعة الأنانية والحاجة الأنانية محلها، وإلى تفكيك عالم الناس إلى عالم أفراد ذريين بعضهم أعداء لبعض، لم يكن بوسع المجتمع البورجوازي التوصل إلى ذلك كله إلا في ظل المسيحية التي حولت جميع علاقات الإنسان (القومية والطبيعية والأخلاقية) من أشياء داخلية جوانية إلى علاقات خارجة عن الإنسان. وبهذه الطريقة، أي من خلال انتشار المثُل المسيحية، تمكَّن المجتمع المدني (البورجوازي) من أن يُمزِّق كل أواصر النوع الإنساني وأن يُحل الأنانية محل هذه الأواصر. ومن هنا يقول ماركس إن المجتمع المدني البورجوازي يبلغ اكتماله وذروته في العالم المسيحي. والآن، ما علاقة كل هذا باليهود واليهودية؟ لابد أن نشير إلى الاعتقاد السائد في الفكر الاشتراكي والاجتماعي الغربي بأن اليهود يُكوِّنون حلقة مغلقة من المموِّلين الدوليين المتحالفين مع النخب الحاكمة. وهو تصوُّر، برغم جزئيته، لم يكن منافياً تماماً للحقيقة التاريخية. فيهود البلاط كانوا ظاهرة أوربية بمعنى الكلمة. كانوا يتركزون في وسط أوربا وألمانيا، فلم تمتد دائرة وجودهم لتشمل فرنسا أو إنجلترا. وكان هناك روتشيلد (آخر يهودي بلاط) وصديق مترنيخ والذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع أسرة الهابسبورج وبعض الأسر الملكية الحاكمة الأخرى. ولم يكن دور يهود الأرندا في بولندا بعيداً عن الأذهان. كما أن المرابين اليهود في الألزاس ووادي الراين كانوا يستولون على الأراضي المرهونة بعد فَشَل ملاكها في تسديد ديونهم بدرجات متزايدة في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، ومعنى ذلك أن اليهود أو قطاعاً منهم كانوا مرتبطين تماماً بالقوى الرجعية وقوى الاستغلال. وقد تغيَّر الوضع كما أسلفنا، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فانخرطت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعات اليهودية في صفوف الطبقة العاملة في شرق أوربا. ونضيف، إلى كل هذا، أن الهجوم على النخبة الحاكمة الرجعية كان يأخذ أحياناً طابع الهجوم على اليهود بشكل عام، لا على المموِّلين اليهود وحسب. ونضيف إلى هذا عنصراً آخر وهو الكره العميق الذي يكنه ماركس للرأسمالية التجارية والتي نسميها في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» . وبحسب وجهة نظره، تعيش المشاريع التجارية، على عكس المشاريع الصناعية، في الشقوق بين المجتمعات وداخلها. فالاتجار والتبادل لم ينشأ داخل الجماعات الإنسانية وإنما فيما بينها، ومن هنا كان بوسع نمطين اقتصاديين متناقضين (الزراعي والتجاري) أن يتعايشا معاً في المجتمع الإقطاعي. وميَّز ماركس بين هذه الرأسمالية التجارية من جهة والرأسمالية الصناعية «الحقة» (أو «الرشيدة» في مصطلح فيبر فيما بعد) من جهة أخرى؛ والأولى تشجع حركة التبادل، وعملية التبادل عملية أساسية، ولكنها في الواقع لا تضيف أية قيمة حقيقية للمُنتَج، فالرأسمالي التجاري كان يتاجر في سلع تقع خارج النشاط الإنتاجي، وقد سماها ماركس «رأسمالية شكلية» حتى يبرهن على انفصالها عن الإنتاج، فهي رأسمالية تعيش بطريقة طفيلية على المجتمعات المتخلفة، وهي جزء من هذا التخلف رغم استفادتها منه. ومع هذا، تلعب هذه الرأسمالية الطفيلية دوراً ثورياً إذ تصيب المجتمعات التقليدية بالتفكك وتُقلِّل تماسكها، ولكنها مع هذا غير قادرة على بناء مجتمعات جديدة. ومن هنا جاء كُره ماركس للمشروعات التجارية والمالية الخالصة وإسقاط هذا الكره على رؤيته للتاريخ، فهاجم سياسات وطرق تلك الأمم التي ارتبطت بهذه المشاريع ارتباطاً قوياً في العصور القديمة والوسيطة والحديثة، اليونانيين والفينيقيين واللومبارد، واليهود بطبيعة الحال. وكما يقول ماركس في رأس المال كانت الأمم التجارية تعيش كآلهة أبيقور في العوالم الوسيطة للكون، أو كما كان يعيش اليهود في مسام المجتمع البولندي. كما كانت تجارة المدن التجارية المستقلة الأولى والأمم التجارية تعتمد على بربرية أو تَخلُّف الأمم المنتجة التي قاموا فيما بينها بدور الوساطة. ويُلاحَظ أن ماركس يجعل من كلمات «يهودي» و «تاجر» و «لومبارد» و «مرابي» مترادفات، ويتجلى هذا الترادف أيضاً في كتابه الصراع الطبقي في فرنسا حيث يتحدث عن «يهود البورصة» و «يهود الأعمال المالية» بل ويَسقُط أحياناً في العنصرية حين يتحدث عن "لاسال الزنجي اليهودي" وهي عرْقية ضد كلٍّ من السود واليهود. ولكن مثل هذه العبارات القبيحة وغير الأخلاقية نادرة في كتابات ماركس كما أسلفنا، ولعلها تسربت إلى مصطلحه من الخطاب السياسي الغربي الشائع. والتطور التاريخي الصحيح من وجهة نظر ماركس وإنجلز هو اختفاء الرأسمالية التجارية وكل المؤسسات التي تعيش في الشقوق، ليتبلور المجتمع في عمال ورأسماليين، أي إلى أشخاص مرتبطين بالعملية الإنتاجية ولا يخشون المخاطرة بالاستثمار فيها. وقد استمر كُره ماركس للتجارة حتى النهاية. ولهذا، فإن رؤيته للمجتمع المثالي (الشيوعي) تخلو من أية شبكة للتوزيع، فمن كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، أي أن هناك وجوداً عضوياً كاملاً يلتحم فيه الجزء بالكل والذات بالموضوع، وبالتالي يختفي الوسيط التاجر والمموِّل تماماً. ويُقال إن هذا الموقف يضرب بجذوره في العصور الوسطى المسيحية وهو موقف الرفض العميق للأعمال المالية والتجارية بوصفها أعمالاً حقيرة. وعلى كلٍّ، فإن الجماعة العضوية المترابطة التقليدية هي في جوهرها المجتمع الزراعي - في العصور الوسطى ـ الخالي من التنافس والوسطاء. ولكن، إذا كانت هناك علاقة بنيوية وسببية قوية بين الدين واغتراب الإنسان عن جوهره وبين الدين المسيحي والبورجوازية، أي تنظيم المجتمع على أسس بورجوازية (وهي علاقة تؤدي إلى التفتت والذرية) ، فإن ثمة ما يشبه الترادف بين اليهودية والبورجوازية بل التوحد الكامل بينهما. فجوهر اليهودية الحقيقي تحقَّق في المجتمع البورجوازي الذي هو في واقع الأمر علمنة لليهودية. بل يمكن القول بأن اليهودية هي البورجوازية، فكما أن المجتمع البورجوازي لا يبلغ اكتماله إلا في العالم المسيحي، فإن اليهودية لا تبلغ ذروتها إلا مع اكتمال المجتمع البورجوازي. فالبورجوازية هي أعلى مراحل المسيحية، واليهودية هي أعلى مراحل البورجوازية (هذا إن أردنا استخدام الخطاب اللينيني في توصيف الأمور) . ويتناول ماركس النسق الديني اليهودي من خلال بعض الأفكار الخاطئة، في تصوُّرنا، والتي شاعت في الفكر الألماني عن اليهودية، وهي تعود إلى فكر موسى مندلسون ومنه انتقلت إلى كانط فهيجل. يقول ماركس: شريعة اليهود غير العقلانية إن هي إلا صورة دينية ممسوخة للأخلاق والقانون بشكل عام. إن هذه الشريعة هي فكرة الحقوق الشكلية الخالصة التي يحيط بها عالم الأنانية نفسه (أي أن المجتمع الذري يحل محل الجماعة العضوية المتماسكة) . إن أسمى أنواع العلاقات الإنسانية داخل اليهودية هو العلاقة القانونية، علاقة الإنسان بقوانين لا تستمد فعاليتها من كونها قوانين نابعة من إرادته هو نفسه وجوهره وإنما تستمد هذه الفعالية من أن هذه القوانين هي سيده وأن أي انحراف عنها يقابله العقاب. ففكرة الشريعة اليهودية، بشعائرها الكثيرة، تقف (في تصوُّر ماركس) على الطرف النقيض من فكرة الدولة الحقة التي يحقق الإنسان جوهره من خلالها. لكل هذا، نجد أن نزعات التفتت الذري الناجمة عن الأنانية والتي تؤدي إلى اغتراب الإنسان عن جوهره، والتي بدأتها المسيحية، تصل إلى درجة عالية من التبلور في المجتمع البورجوازي، ثم إلى ذروتها في اليهودية. ورغم أن المسيحية هي التي بدأت هذا الاتجاه إلا أنها ظلت أكثر سمواً وأكثر روحانية من اليهودية. فالأنانية الروحانية عند المسيحي (البحث عن الخلاص الفردي) تصبح في الحياة العملية الكاملة، وبشكل حتمي، الأنانية المادية عند اليهودي (البحث عن الربح) ، وتتحوَّل الحاجة السماوية إلى حاجة دنيوية، وتتحول الذاتية المسيحية إلى أنانية يهودية. ومن ثم، فإن المسيحية هي الفكر السامي واليهودية هي التطبيق السوقي والعملي لها. ولكن هذا التطبيق لم يصبح عاماً وشاملاً في المجتمع إلا بعد أن توصلت المسيحية نظرياً، باعتبارها ديناً متكاملاً، إلى جَعْل الإنسان غريباً عن نفسه وعن الطبيعة. وعندئذ فقط استطاعت اليهودية التوصل إلى السيطرة العامة، وإلى إبعاد الإنسان والطبيعة إلى خارج ذاتيهما، وجعلت منهما شيئاً تجارياً خاضعاً للحاجة والأنانية وللمتاجرة. وحتى العلاقات بين الرجل والمرأة تصبح موضوعاً للتجارة، فالمرأة تصبح سلعة يُتاجَر بها. وقد ساهمت المسيحية في نشوء المجتمع البورجوازي. ومن أحشاء هذا المجتمع يتولَّد البورجوازي اليهودي دون انقطاع. ونحن لا نجد اليهودي المعاصر في التوراة أو التلمود وحسب، بل نجده في المجتمع البورجوازي الحالي، وهو ليس جوهراً مجرداً منعزلاً عن حركيات المجتمع وإنما هو جوهر عملي مطلق (وكذلك جوهر البورجوازية أيضاً) . ومن ثم، فلا يمكن الحديث عن حدود اجتماعية لليهودي، وإنما يمكن أن نتحدث عن حدود يهودية للمجتمع، أي عن حدود يهودية بورجوازية للمجتمع الإنساني. في إطار هذا، يمكننا أن نفهم عبارات ماركس عن أن جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية، وأن المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه، وأن «التبادل التجاري هو إله اليهود الحقيقي، وأمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش» . ويتضمن الدين اليهودي «ازدراءً للفن والتاريخ والإنسان كغاية في ذاتها» . و «تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع» . فاليهودية هنا ليست مجرد نسق ديني وإنما هي البورجوازية المتبلورة، وقد وصلت اليهودية إلى ذروة تحقُّقها في المجتمع المدني البورجوازي من خلال التطور التاريخي. فاليهودية، إذن، استمرت بسبب التاريخ لا بالرغم منه. وعناد اليهود وبقاؤهم لا يمكن تفسيرهما عن طريق دينهم وإنما يمكن تفسيرهما بالأساس الإنساني (أي التاريخي) لدينهم، وهو الحاجة العملية والأنانية. اليهودية، إذن، ليست مجرد بناء فوقي ونظام معرفي وإنما هي أيضاً جزء من نظام اقتصادي تحتي هو البورجوازية، ترتبط به ارتباطاً عضوياً يَصعُب معه فَصْل الواحد عن الآخر، فالبورجوازية تلد اليهودي دائماً من أحشائها بشكل حتمي عضوي. ويمكننا الآن أن نتحدث عن عملية تهويد المجتمع، أي سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية والتي يلعب اليهود دوراً أساسياً فيها رغم أنهم ليسوا وحدهم المضطلعين بها. ويتناول ماركس إشكالية أصول الرأسمالية ويرى، مثل سومبارت، أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً في تغيير النظام الاجتماعي الزراعي عن طريق تفتيته، ولكنه لا يوافقه على أنهم مسئولون عن ظهور الرأسمالية الحقة أو الرشيدة. فهو يتفق مع فيبر في أن هذه عملية ضخمة لم يلعب فيها اليهود غير دور ثانوي سلبي. ومع هذا، يختلف ماركس مع فيبر ويتفق مع سومبارت في أن روح الرأسمالية مُستمدَّة من اليهودية لا البروتستانتية. وربما كان ما يريد ماركس قوله هو أن النموذج المعرفي الذري المُتفتَّت الأناني يُوجَد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية. وهكذا، ورغم أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في بناء الرأسمالية الرشيدة كجماعة بشرية إثنية، فإن اليهودية (كنسق ديني) لعبت دوراً فعالاً فيها. كما أن سيادة النمط المعرفي المتمثل في اليهودية يعني في واقع الأمر انتصار الرأسمالية الكامل. واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية. وتاريخ المجتمع البورجوازي هو تاريخ تهويد أوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي (انظر: «تهويد المجتمع» ) . ولذا، فإن ماركس يرى أن الحديث عن الإعتاق السياسي لليهود أمر غير ذي موضوع في الواقع إذ أن اليهود تحرَّروا بالفعل ولكن على الطريقة اليهودية. «فاليهودي الذي لا يُحسَب له حساب في فيينا (مثلاً) هو الذي يقرِّر بقوته المالية مصير المملكة كلها. واليهودي الذي قد يكون في أصغر الدول الألمانية محروماً من الحقوق، هو الذي يقرر مصير أوربا» . لقد تحرَّر اليهود بالنسبة نفسها التي بها تحوَّل المسيحيون إلى يهود، أي أن إعتاق اليهود تم على الطريقة البورجوازية ومن داخل المجتمع البورجوازي حينما تم تفتيت المجتمع تماماً وهيمنت قيم المنفعة والأنانية عليه. والحديث عن الإعتاق السياسي لليهود هو تعبير عن تناقض أساسي في المجتمع البورجوازي، وهو التناقض القائم بين السياسة وقوة المال «فالسياسة نظرياً، فوق قوة المال. ولكنها، عملياً، أصبحت مجرد سجينة له» . ثم نصل إلى الحلول التي يطرحها ماركس. ولقد سبق أن بيَّنا أن اغتراب الإنسان عن جوهره يعود أساساً - في تصوُّر ماركس - إلى ظاهرة الدين الذي يجعل الإله موضوعاً يواجه الذات الإنسانية كشيء غريب عنها. ومن ثم، فإن إلغاء الدين شرط ضروري للتحرر. فالدولة التي تفترض الدين مسبقاً ليست بعد دولة حقيقية، أي أنها لا تُعبِّر عن جوهر الإنسان. وأي دولة تفترض الدين مقولة أو إطاراً، لابد أن تُولِّد استلاباً للإنسان. ويقتبس ماركس، باستحسان، رأي باور في استحالة إعتاق اليهود داخل إطار الدولة (الدينية المسيحية) ، إذ يُولِّد ذلك تعارضاً لا تنفصم عراه بين اليهودي والمسيحي. ولكن كيف يمكن حل مثل هذا التعارض؟ يرى ماركس أن حل أية مشكلة إنما يكون بنفيها وإلغائها، ومن هنا كان ترحيبه بحل باور، أي حل المشكلة بجعل التعارض الديني مستحيلاً بإلغاء الدين ذاته بحيث لا يرى اليهودي أو المسيحي، أيٌّ منهما، في دين الآخر، إلا درجات مختلفة من الروح الإنسانية. وفي مقاله «حول نقد فلسفة الحق عند هيجل» يقول ماركس: «إن إلغاء الدين، باعتباره السعادة البشرية الوهمية، دعوة إلى السعادة الحقيقية. فدعوة البشر إلى التخلي عن أوهامهم بشأن أحوالهم هي دعوة إلى التخلي عن الحالة التي تتطلب الأوهام» (ويبدو أن الموازنات اللفظية داء مزمن في كتابات ماركس الأولى) . وعندئذ سيكتشف الإنسان «أن الدين ليس إلا مجرد جلود أفاع مختلفة نَزعَها التاريخ عنه وألقى بها، وأنه هو الأفعى التي استخدمت الجلد كمجرد غطاء» . وحينذاك «لن يجد، المسيحي واليهودي، نفسيهما في حالة تعارض ديني وإنما في علاقة نقدية بحتة، علاقة تَعارُض علمية بشرية. وعندئذ يؤلف العلم وحدتهما ولا تُحَل التناقضات في العالم إلا عن طريق العلم» . وهكذا يصبح العلم، أو العقل العام أو العقل المادي، هو المطلق الوحيد بدلاً من الإله، وهذا هو جوهر الفكر الإنساني العلماني الغربي. وهو حل باور، وهو حل قد يؤدي بالفعل إلى تحرُّر سياسي ولكن غير كاف برغم أهميته. فهو تحرُّر على المستوى السياسي وعلى مستوى الأفكار فقط. ولكن، كما بيَّن ماركس، يوجد جانب اقتصادي مادي صلب يَجُبُّ الجانب السياسي ويجعل المساواة في الحقوق السياسية أمراً مزعوماً. وهذا الجانب، يجسِّد الأنانية الكامنة في الإنسان وكل نزعات التفتت. والدولة، مجال حرية الإنسان ووسيلة تحقيق تكامله، تخضع هي نفسها لسطوة المموِّلين. ولأن حل أية قضية، بالنسبة إلى ماركس، لا يمكن أن يتم إلا بنفيها وإلغائها، فإننا نجده يرى أن المجتمع «لن يحرِّر نفسه إلا بتحرره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية» . و «حين ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً» ، وذلك لأن رؤية اليهودي للعالم، أي النموذج المعرفي الذي يحمله، لم يَعُد لها ما يجسِّدها، ولأن أساس اليهودية نفسها، أي الحاجة العملية، قد اختفت (تمت أنسنتها) وتم تجاوُز الصراع بين وجود الإنسان الفردي ووجوده المادي بوجوده كعضو في النوع البشري. وهكذا، فإن «إعتاق اليهود في معناه الأخير يعني إعتاق الإنسانية من اليهودية» . ولتلخيص الأمور، يمكن القول بأن التحرر الإنساني من منظور ماركس لا يتم في المحيط السياسي، أي داخل الدولة البورجوازية القائمة، وإنما يتم خارجها (الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) . فالتحرُّر سيكون تحرُّراً من الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى الأنانية أي المتاجرة والمبادلة، ومن الأفكار التي تُنمي الأنانية مثل التراث اليهودي المسيحي ومن الدين بشكل عام. ولا يمكن إنجاز مثل هذا التحرر الكامل إلا من خلال تحرير الدولة ذاتها من تلك الظروف ومن هذه الأفكار بحيث تصبح مجالاً لحرية الإنسان. وإذا كان ماركس قد كتب كتيباً، فإن إنجلز لم يكتب سوى ملاحظات عابرة، ويُقال إنه تُوجَد مخطوطة ضمن أوراقه الموجودة في موسكو بعنوان «يهود ألمانيا» ولكنها لم تُنشَر لسبب غير معروف. ويمكن تقسيم ملاحظات إنجلز بشأن المسألة اليهودية إلى قسمين: ما قبل عام 1878، وما بعده. وهذا التاريخ هو تاريخ نشر كتابه ضد دوهرنج. ويُلاحَظ أن فكر إنجلز بشأن اليهود واليهودية في فترة ما قبل عام 1878 لا يختلف كثيراً عن الخطاب الاشتراكي السائد الذي يرى اليهود كجزء عضوي من الرأسمالية التجارية والتي سميناها «جماعة وظيفية وسيطة» . وقد لاحظ إنجلز أن اليهودي إما تاجر وإما مراب، وأن التجار اليهود احتكروا تَبادُل السلع المصنوعة في أوربا بالمحاصيل الزراعية في بولندا، وربما تكون هذه إشارة إلى يهود البلاط في علاقتهم بيهود الأرندا. ويرى إنجلز (في مقال له في نيويورك تربيون 5 مارس 1852) أن هذا هو الوضع السائد في كل شرق أوربا بل وفي الدولة العثمانية. فالحرفي والتاجر الصغير والصانع الصغير، في روسيا وألمانيا والقسطنطينية، ألماني، في حين نجد أن المرابي وصاحب الحانة وجابي الضرائب والبائع الجوال هو عادةً يهودي يتحدث الألمانية الفاسدة (هذه هي طريقة إنجلز في الإشارة إلى اليديشية) ! والواقع أن الصورة كانت أكثر تركيباً مما تصوره إنجلز عن الدولة العثمانية. اليهود، إذن، جماعة وظيفية وسيطة (الرأسمالية الشكلية) . ومع أن إنجلز يُلاحظ وجود أثرياء اليهود في الغرب، فإنه لا يربط بين ذلك وبين الرأسمالية الصناعية «الرشيدة» بحسب مصطلح فيبر، أو «الحقيقية» بحسب مصطلح ماركس، وإنما يربط بينهم وبين البورصة وحسب. ويرى أن ثمة علاقة قوية تربط أعضاء الجماعات اليهودية بعضهم بالبعض ولكنها علاقة وظيفية وليست قومية (وفق مفهوم قومية اليهود الوهمية عند ماركس ومفهوم الطبقة/الأمة عند ليون) . فالمموِّل الألماني اليهودي يرفع قبعته بالتحية للمصرفي اليهودي الفرنسي، وسوق الأوراق المالية مؤسسة طفيلية لا علاقة لها بالإنتاج، فما هي إلا مؤسسة يقوم فيها المموِّلون اليهود بتوزيع فائض القيمة الذي سرقوه من العمال. وبرغم طفيلية هذا الدور الذي يلعبه المموِّلون اليهود، فإن له أبعاده الثورية إذ ساعد على سرعة تركيز رأس المال وبالتالي ساعد على بلورة المجتمع واستقطابه. وانطلاقاً من مثل هذه الأطروحات، كتب إنجلز مقالاً في مجلة النجم الشمالي (إنجليزية) يدافع فيه عن كتيِّب معاد لليهود صدر في باريس عام 1846. فذهب إلى أن الكتيب لا يهاجم لويس فيليب وإنما يهاجم في واقع الأمر روتشيلد الأول، ملك اليهود، وأنه بذلك أخذ الاتجاه الصحيح. ومما عمق من هجوم إنجلز على اليهود أنه كان يؤيد نضال بولندا من أجل الاستقلال والحفاظ على هويتها القومية، وبالتالي كان معارضاً لليهود والألمان (في بوزنان) الذين كانوا يؤيدون ضمها إلى ألمانيا وصبغها بالصبغة الألمانية. وكان اليهود، بوصفهم عنصراً ألمانياً، يقفون إلى جانب الألمان في هذه المعركة. وقد هاجم إنجلز يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أغلبية يهود العالم، بطريقة تنم عن كراهيته لهم، فنعتهم بأنهم صورة مضحكة لكل اليهود، ووصف اليديشية مرة أخرى بأنها ألمانية فاسدة. بل إنه كان يرى أن اضطهاد الروس لليهود في عام 1848 إن هو إلا جزء من عملية تحوُّل اجتماعي تحاول البورجوازية (الطبقة المحلية الصاعدة) من خلالها أن تحمي نفسها من الباعة الجائلين (اليهود) الذين يفسدون كل الأمور، ويمنعون عملية التبلور الثورية. ويُلاحَظ في كتابات إنجلز في هذه المرحلة أن ثمة ترادفاً بين كلمات «يهودي» و «مُضارب» و «مالي» . وقد ترجم إنجلز بعض أعمال فورييه، دون أن يستبعد هجومه الشرس على اليهود. بل إنه هاجم هس ولاسال بهذه الطريقة العنصرية الشرسة، فأطلق على لاسال صفة «اليهودي السخيف» و «إفراييم النبيه» وأشار إليه باعتباره نموذجاً ليهود شرق أوربا الذين هم على أتم استعداد لاستغلال أي شخص لأهدافهم. وتحدَّث باشمئزاز شديد عن هذا اليهودي «المدهنن» (من الدهن) الذي يرغب في زخرفة نفسه ويرغب في الانتماء إلى الطبقات الأرستقراطية. وظلت هذه هي الملامح الأساسية لفكر إنجلز حتى عام 1878 حين نُشر كتاب ضد دوهرنج الذي نلاحظ فيه نغمة مختلفة تماماً. فهو يشن هجوماً على معاداة اليهود، ويحاول أن يفسر الظاهرة بغضب بعض الطبقات الهابطة على ما يحدث لها نتيجة تغيرات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود. وهو يرى أن هذه الظاهرة تتحقق في بلاد متخلفة مثل روسيا والنمسا وبروسيا وليس في إنجلترا أو الولايات المتحدة. وهنا يظهر تحيُّز إنجلز للعملية التاريخية الكبرى التي كان يرى أنها الاتجاه الحتمي للتاريخ الذي سيحسم كل الخلافات والتناقضات الاجتماعية بحيث تصبح تناقضاً واحداً بسيطاً: التناقض بين الرأسماليين والعمال. فالطبقات، مثل: اليونكرز (صغار الملاك الزراعيين الألمان) والبورجوازية الصغيرة والحرفيين وصغار التجار، كلها طبقات رجعية تَسقُط بسبب منافسة الرأسمالية الجديدة الصاعدة. ويلعب المموِّلون والتجار اليهود دوراً أساسياً في هذه العملية، فلا يهم إن كانت هذه الرأسمالية الجديدة وهذه القوى الصاعدة سامية أو آرية، مُعمَّدة أو مُختَّنة، فهي تنجز وظيفتها التاريخية وتساعد الأمم المتخلفة مثل البروسيين والنمساويين على أن يصلوا إلى مرحلة أعلى من التقدم وتبسيط التناقضات. ولكن، في غياب رأسمالية قوية صاعدة لا تستأثر بالناتج القومي، فإن مسرح النشاط المالي الأساسي يصبح هو البورصة التي يتركز فيها اليهود، ويظل الإنتاج في أيدي بعض الفلاحين وملاك الأراضي والحرفيين. لكن أعضاء هذه الطبقات هم من بقايا العصور الوسطى الذين يهاجمون اليهود بعنف ويعتقدون أنهم هم الرأسمالية الصاعدة. وتشن هذه الطبقات الهجوم تحت عباءة الاشتراكية (ومن ثم سماها إنجلز «الاشتراكية الإقطاعية» ) . وأشار إنجلز إلى أن اليهود ليسوا حقاً من كبار المموِّلين، وبيَّن أنه لا يوجد يهودي واحد بين مليونيرات أمريكا الشمالية الذين يملكون من الثروات ما يجعل روتشيلد يبدو كما لو كان شحاذاً. وفي إطار هذا التحليل، يتخلى إنجلز عن كثير من مقولاته العنصرية، فهو يتحدث عن روتشيلد باعتباره رأسمالياً وحسب ويقرن بينه وبين رأسمالي مسيحي آخر. فالإطار المرجعي هنا هو الوظيفة التي يضطلع بها كل منهما وليس انتماؤهما الديني أو الإثني. وهو يشير إلى يهود شرق أوربا باعتبارهم ممثلي أدنى مراحل التجارة في أوربا، ولكنه يتحدث عن حيلهم التجارية الوضيعة لا باعتبارها خاصية يهودية وإنما باعتبارها سمة من سمات الإنتاج الرأسمالي في مراحله المتدنية. وقد أشار إنجلز إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود في إنجلترا بل وفي شرق أوربا (وهم من يهود اليديشية) ، وهذا يعني أن يهود أوربا ما عادوا يوجدون في شقوق المجتمع ومسامه وإنما أصبحوا جزءاً منه، أي جزءاً من العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب المجتمع إلى عمال ورأسماليين. وربما يُفسِّر هذا تصريحه الإيجابي عام 1890 عن اليهود: "إننا مدينون لهم، فمنهم هايني وماركس وغيرهما". ومع هذا، لم يعلق إنجلز بتاتاً على المشروع الصهيوني، ولا على كتاب هس روما والقدس. ومن المعروف أن إنجلز لم يكن يُبدي اهتماماً كبيراً بالأمم الصغيرة. ولذا، فمن الممكن تصوُّر أنه لم يكن لديه أيُّ تعاطف مع هذا المشروع. كما أن الصهيونية لا تنتمي إلى العملية التاريخية الكبرى وإنما هي محاولة لتحاشيها وتعطيلها. ولكن بالإمكان النظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره أداة لخلق حالة من عدم الاتزان في المنطقة العربية وتفتيت المجتمعات الرجعية القائمة فيها، أي أن الدولة الصهيونية يمكن أن تلعب في المنطقة العربية الدور نفسه الذي لعبه المموِّلون اليهود مقابل اليونكرز والبورجوازيات الصغيرة، وبالتالي فإن دورها سيكون تقدمياً. وقد أيَّد إنجلز الاستعمار الفرنسي للجزائر من هذا المنظور. ويمكننا الآن أن نحاول إصدار بعض التعميمات على تناول ماركس وإنجلز للمسألة اليهودية. ويمكننا أن نقول إنهما نتاج (أو سجينا) تجربتهما الغربية على وجه العموم والألمانية على وجه الخصوص، وهذا أمر طبيعي ومُتوقَّع. ويظهر هذا الجانب من فكرهما، أكثر ما يظهر، في فشلهما الكامل في التمييز بين اليهودية واليهود وفي تصوُّرهما أن النسق الديني اليهودي المتنوع هو نسق واحد له جوهر واحد، يُعبِّر عن نفسه من خلال اليهود، يظهر في عبارات مثل: «إله إسرائيل الطماع» ، و «جوهر اليهود هو كذا» ... إلخ. ولكن التناول العلمي لهذه القضية لابد أن يؤكد تنوُّع اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً ويؤكد في الوقت نفسه عدم تجانُس الجماعات اليهودية المختلفة. ولابد أن هناك علاقة ما بين الأنساق العقائدية اليهودية المختلفة والجماعات اليهودية المختلفة، ولكنها على أية حال ليست علاقة عضوية سببية كاملة صلبة كما يتخيل ماركس وإنما علاقة تتسم بالسببية الفضفاضة وتختلف من بلد إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى. ومن الواضح أن ماركس وإنجلز لم تكن لديهما أدنى معرفة بيهود العالم الشرقي والإسلامي. كما أن معرفتهم بالجماعات اليهودية في أوربا ذاتها لم تكن قوية بما فيه الكفاية. ولذا، لا تُوجَد عندهما إشارات إلى الفروق الحضارية والطبقية بين السفارد والإشكناز داخل أوربا. كما لا يوجد لديهما إدراك للفروق الحضارية بين مختلف الجماعات اليهودية إذ يبدو أن تجربتهم كانت مركَّزة أساساً على يهود ألمانيا مع معرفة سطحية بيهود شرق أوربا. كما أنهما لم يتعرضا للدور الخاص الذي لعبه يهود المارانو في نشأة الرأسمالية الغربية. وبسبب قصور معرفتهما، فإنهما يشيران إلى اليهود بشكل عام وإلى المسألة اليهودية بشكل مجرد بدلاً من الحديث عن مسائل يهودية مختلفة. وقد تمادى الماركسيون بعد ذلك وزادوا درجة التعميم والتجريد وأصبحت كتابات ماركس وإنجلز العابرة مصدراً للتعميم العالمي والشامل (والذي يُقال له علمي!) على اليهود. ولعل جَهْل ماركس وإنجلز بما كان يدور في شرق أوربا الذي كان يضم أغلبية يهود العالم، وبثقافة الجماعة اليهودية فيها (فاليديشية بالنسبة إلى إنجلز هي مجرد ألمانية فاسدة) ، مع الرغبة في الوصول إلى مستوى تعميمي مرتفع لا يستند إلى معطيات مادية وحضارية كافية، هو الذي جعلهما يتبنىان رؤية استقطابية للموضوع. فاليهود إما أنهم قومية عالمية وإما أنهم ليسوا بقومية على الإطلاق، ولم يطرأ لهما على بال وجود قومية شرق أوربية (نسميها «القومية اليديشية» ) مثل العديد من القوميات الأخرى هناك. وتصوَّر ماركس وإنجلز أن هناك حلين لا ثالث لهما: إما الصهيونية أو الاندماج الكامل. وهذا الموقف الاستقطابي هو الذي سقط فيه البلاشفة بعد ذلك فلم يتمكنوا من فهم طرح البوند للقضية وظلوا يتخبطون إلى أن تبنُّوا حل بيروبيجان وهو حل يَصدُر عن قَدْر من التقبل لفكرة القومية اليديشية. أما النقطة الأخيرة، فهي الخاصة بتناول ماركس وإنجلز لأصول الرأسمالية. فبرغم الإسهام التاريخي لكل من ماركس وإنجلز في عملية دراسة أصول وتطوُّر ومصير الرأسمالية، فإنهما لم يدركا دور الدين في هذه العملية إلا بشكل بدائي وبسيط للغاية. وهذا ميراث فكر عصر الاستنارة وثمرة النموذج الفلسفي المادي الذي تبنياه والذي يحوِّل كل الأفكار، وضمنها العقائد الدينية، إلى مادة اقتصادية في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير! كما أنهما لم يستفيدا بالدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية العامة، التي لم تظهر بشكل مكثف إلا في نهاية القرن التاسع عشر، عن الأديان المختلفة ودورها في النظم الحضارية الاجتماعية. ولذا، وبرغم الإشارات المهمة في كتاباتهما عن المسيحية واليهودية فإن هذه الإشارات لا تصل بأية حال لعُمْق كتابات فيبر أو سومبارت. وقد ورث البلاشفة كل نقاط القصور لدى ماركس وإنجلز. ورغم توافر المعطيات المادية والمعلومات اللازمة بشأن الجماعة اليهودية في منطقة الاستيطان، فإن الرؤية الماركسية شكلت الإطار المعرفي للبلاشفة، فتحركوا من خلالها ومن خلالها وحدها. رؤية ماكس فيبر (1864-1920) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Max Weber on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities ساهم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864 ـ 1920) في دراسة اليهود واليهودية من عدة جوانب. وأهم مفهوم في كتاباته هو مفهوم «الترشيد» ، أي توظيف الوسائل بأعلى درجة من الكفاءة في خدمة الأهداف، وذلك عن طريق إخضاع الظواهر بشكل متزايد للمنطق الرياضي والهيمنة المنهجية المنظمة على كل جوانب الحياة على أساس قوانين عامة ومبادئ تستبعد الالتفات إلى المعايير التقليدية أو الحماسة الكاريزمية، أو الالتفات إلى أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو إنسانية. وهو يرى أن الترشيد هو السمة الأساسية لتاريخ البشرية المعاصرة، بل وتاريخ البشرية العام، فتاريخ الحضارة هو التقدم المستمر نحو مزيد من الترشيد. والترشيد ـ حسب رأيه ـ ليس سمة معزولة من سمات الحضارة الغربية، بل هو السمة الأساسية، وهو مصدر خصوصيتها. ويربط فيبر هذه السمة بظواهر أخرى، مثل معمار الكاتدرائيات القوطية وظهور العلم الطبيعي المبني على التحليل الرياضي، ويرى أنها عملية كامنة في الحضارة الغربية، فهي كامنة في القانون الروماني، وفي مفهوم الملكية باعتباره حقاً مطلقاً، وفي انفصال الكنيسة في الغرب عن العالم الدنيوي بحيث تركت ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ثم في بنية المدينة الغربية واستقلالها عن التشكيل الإقطاعي. ولعبت اليهودية بوصفها ديانة توحيدية دوراً أساسياً في عملية الترشيد هذه. إذ تضع الديانات التوحيدية مسافة بين الخالق والمخلوق. ولذا، لم يَعُد هدف المؤمن هو الاتزان مع الدنيا (عالم الطبيعة) كما هو الحال في الديانات الحلولية وإنما التحكم فيها. هذه المحاولة للتحكم في كل العالم بكل تفاصيله، باسم مثل أعلى مُوحَّد، هي خطوة أولى نحو الترشيد، إذ لا يتعامل المرء مع الواقع على أساس ارتجالي وإنما يتعامل معه بشكل متكامل. وهذا ترشيد تقليدي مُتوجِّه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، ولكن هذا النوع من الترشيد حل محله الترشيد الحديث، وهو الترشيد المتحرِّر من القيم، والمتوجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروقه أو حسبما تمليه عليه رغباته أو مصلحته. فالترشيد التقليدي كان يتم في إطار المطلق الديني، أما الترشيد الحديث فلا علاقة له بأيِّ مطلق ويتم في إطار نسبي كامل، ولذا نسميه «الترشيد الإجرائي» (ويُسمَّى أيضاً «الترشيد الأداتي» ) . ولكن فيبر يرى أن اليهودية لم تصل بعملية الترشيد إلى نهايتها المنطقية، ومن ثم لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً ومركزياً في تطوُّر الرأسمالية. أي أن فيبر ـ على عكس سومبارت ـ يقول إن الجماعات اليهودية لم تساهم بشكل مباشر وأساسي في نشوء الرأسمالية الرشيدة حتى وإن كان لها إسهامها غير المباشر من خلال عناصر الترشيد الموجودة في النسق الديني (وبخاصة كتب الأنبياء) ومن خلال تقويضها دعائم المجتمع التقليدي بإدخال عناصر اقتصاد التبادل. ويعود ذلك إلى الأسباب التالية: 1 ـ لم يكن تَوجُّه اليهود إلى هذه الحياة الدنيا بحدة تَوجُّه الجماعات البيوريتانية البروتستانتية التي جعلت هزيمة العالم وتَراكُم الثروة شاهداً على الرضا الإلهي، وهو تَوجُّه أدَّى في نهاية الأمر إلى ظهور المجتمع العلماني الرأسمالي. 2 ـ يرى فيبر أن المثل الأعلى اليهودي هو العالم التلمودي الذي يدرس النصوص المقدَّسة وليس التاجر الذي يراكم الثروات. والعالم التلمودي كان في معظم الأحيان تاجراً أو مرابياً، ولكنه كان يعمل بالتجارة والربا بعض الوقت وحسب، ولذا لم يكن بوسعه الوصول بعملية الترشيد إلى منتهاها. 3 ـ ولكن أهم الأسباب هو وجود عناصر غير رشيدة في الرؤية اليهودية للخلاص (مثل خصوصية يهوه وفكرة الشعب المختار والأخلاقيات المزدوجة) أدَّت إلى عزلة اليهود النفسية، التي عمقتها العزلة الشعائرية. وحينما حضر اليهود إلى أوربا احتفظوا بالوضع نفسه. وقد حلَّ اليهود غرباءً أو ضيوفاً على المجتمع المضيف لا حقوق لهم بل يتحدَّد وضعهم من خلال المواثيق المحددة بزمن، والتي تمنحهم المزايا وتزوِّدهم بالحماية. ولم يتمكَّن اليهود من الانضمام إلى نقابات الحرفيين ولم يعملوا في عدد كبير من المهن، ولذا أصبحوا شعباً منبوذاً. ولأنهم شعب منبوذ، كانت الأشكال الرأسمالية التي ظهرت بينهم هي رأسمالية المنبوذين؛ رأسمالية تستند إلى المعايير المزدوجة ومرتبطة بالجماعة اليهودية وشعائرها الدينية وتستفيد من أواصر القرابة وتنمو في أحضان الحاكم والنظام الإقطاعي وتتركز في المضاربات والمشاريع الرأسمالية المضمونة التي تضمنها الحكومة، وهي كلها عمليات غير رشيدة ولا تؤثر في كل مجالات الحياة (كما هو الحال مع الرأسمالية الرشيدة) . ووصف فيبر لرأسمالية المنبوذين والرأسمالية التقليدية هو وصف دقيق لنشاط أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة. ولم يظهر بين اليهود حب للعمل في ذاته أو حب للثروة كهدف في ذاته، وإنما كان الهدف من العمل ومراكمة الثروة هو تحقيق الراحة لليهود حتى يمكنهم دراسة التوراة. وهم لم يقيموا استثمارات بعيدة الأمد، بل ظلت استثماراتهم تهدف لتحقيق الربح السريع. ولذا، فإنهم لم يساهموا في إنشاء الصناعة الغربية الحديثة. كما لم يكن أمامهم مجال للتجريب، فالمؤسسات القائمة كانت تحقِّق لهم ما يريدون من ثروة. ولم يكن بوسعهم، كغرباء، أن يجربوا إلا بإذن السلطة الحاكمة أو القوي التي يتبعونها (وقد كان البيوريتان يحتقرون هذا النوع من الرأسمالية الذي يركز على العقود الحكومية واحتكارات الدولة ومشاريع الأمراء والمضاربات) . ويُبيِّن فيبر كذلك أن اليهودي لا يشعر بانعدام الأمن الداخلي الذي يشعر به المؤمن بتعاليم كالفن. فانعدام الأمن الذي يشعر به اليهودي كان خارجياً، أي الخوف من عالم الأغيار. أما في داخل الجيتو، بين جماعته الوظيفية الوسيطة، فقد كان اليهودي يشعر بالأمن تماماً لأنه داخل الجيتو يعرف أنه فرد من الشعب المختار ولا يخطر بباله أنه قد لا يُكتَب له الخلاص حتى بعد تنفيذ الوصايا التي وردت في التوراة. فالعلاقة التعاقدية تؤكد له إمكانية الخلاص. وهو لم يكن في حاجة لعلامة من الخالق ليفهم الإرادة الربانية الغامضة، فقد كانت لديه الشريعة التي يمكنه أن يدرسها ويعرف كل شيء فيها. ورغم أن النشاط الاقتصادي لليهودي كان يتم في عالم الأغيار، فقد كان هناك عالمه المقدَّس الذي يعود إليه. ومن هنا ظهرت هوة بين النشاط التجاري والقيم الدينية، فالعمل التجاري لا يصب في الموقف الديني، والعمل لكسب الرزق لا يُعَدُّ في اليهودية نهاية في ذاته ولا هو وسيلة لتمجيد الخالق. ويمكن القول بأن تراكم الثروة هو دليل على عدالة الخالق، ولكن الهدف الأساسي والنقطة المرجعية يظلان بالنسبة إلى اليهودي الحياة التقية بحسب الوصايا والأوامر والنواهي، بل إن فكرة غزو العالم ذاتها تم الاستغناء عنها عن طريق فكرة انتظار الماشيَّح، وعدم الانغماس في التعجيل بالنهاية. وكان ضرورياً لليهودي أن ينتظر في صبر وأناة حتى يعود الماشيَّح، وهو ما يعني موقفاً انسحابياً من الدنيا. ويضيف فيبر عنصراً آخر في دراساته عن المدينة، فهو يفسر عدم نشوء الرأسمالية الرشيدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بأنها نشأت في المدينة المسيحية، حيث كانت هذه المدينة في العصر الوسيط مؤسسة دنيوية مستقلة عن الكنيسة وعن الدولة، وكانت تضم أفراداً يقسمون يمين الولاء كأفراد لا كأعضاء في قبيلة أو عائلة، وهذا يعني ضمور وتهميش علاقات القرابة التي ترتبط بشعائر محددة (مثل عبادة الأسلاف) . ورغم أن نقابات الحرفيين والتجار كانت أساساً مسيحية ورموزها مسيحية، فإنها ظلت مؤسسات دنيوية يمكن لأي غريب أن ينتمي إليها بعد أن يقسم يمين الولاء لها. وقد ساهمت المدينة بهذه الطريقة في فصل شئون العمل والتجارة عن شئون الأسرة والعشيرة. وكان من شأن هذا كله أن يساهم في عملية الترشيد الآنفة الذكر. ومن المعروف أن اليهود لم يصبحوا قط جزءاً من المدينة. ورغم أنهم كانوا يحصلون على حق الإقامة فيها، فإنهم ظلوا غرباء عنها لا ينتمون إليها، بل كانوا أعدى أعدائها في بعض المناطق نظراً لتبعيتهم للنخب الإقطاعية الحاكمة. وانطلاقاً من هذا، يرى فيبر أن الرأسمالية الرشيدة (أي التي تستند إلى أسس عامة موضوعية رشيدة بالمعنى الإجرائي والتي يهدف الإنتاج فيها إلى تعظيم الأرباح وليس إشباع الرغبات) لم تُولَد بين اليهود وإنما وُلدت في صفوف البروتستانت، خصوصاً البيوريتان (المستوطنين البروتستانت في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة) وغيرهم من أتباع المفكر الديني البروتستانتي كالفن، فهم الذين لعبوا الدور الأساسي في ظهور الرأسمالية الرشيدة. فالأخلاقيات البروتستانتية التي هيمنت عليهم جعلتهم يؤمنون بالعمل كغاية في ذاته وخلقت فيهم إحساساً عميقاً بعدم الطمأنينة (لأن الإله بعيد تماماً لا يمكن فهمه أو الوصول إليه أو التواصل معه) . وبسبب هذا الإحساس بالبُعد والعزلة، يجعل المؤمن الهدف من حياته هو غزو العالم وغزو ذاته وتوظيفهما لخدمة الإله (بما ينتج عن ذلك من عملية ترشيد كاملة) والهيمنة على العالم لإدخال الإحساس بالطمأنينة على ذاته. ومراكمة الثروة في هذه الدنيا هي أهم النشاطات باعتبارها علامة على الاختيار والنجاح الذي سيؤدي إلى النعيم في الآخرة. ولأن الثروة علامة من الإله، فإن على المؤمن ألا يبددها بل عليه أن يراكمها، أي أن الإنسان البروتستانتي ينكر على نفسه المتعة ويقوم بمراكمة الثروة كغاية في ذاتها. وأطروحة فيبر بشأن علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بعملية الترشيد أو بنشأة الرأسمالية خصبة للغاية ولها مقدرة تفسيرية عالية، فهي لا تحاول فقط تفسير جانب مهم في التاريخ الاقتصادي لأوربا، بل تحاول أيضاً تفسير تطوُّر اليهودية كنسق ديني وتطوُّر وضع اليهود داخل الحضارة الغربية، وهي بذلك أكثر تركيبية من كتيب ماركس المسألة اليهودية الذي كتبه في شبابه قبل نضوجه. ونشير هنا إلى كثير من نقط النقص في تناول فيبر للموضوع، وهو أمر متوقع نظراً لاتساع حدود الموضوع: 1 ـ ربما كان أهم نقط النقص في تصوُّرنا هو إغفال فيبر أهمية فكرة التوحيد باعتبارها فكرة تشكل قفزة نوعية للفكر الديني، وبدلاً من ذلك كان تركيزه على عناصر ثانوية (مثل العهد بين يهوه واليهود) ، وهي عناصر مهمة ولكنها لا ترقى في أهميتها إلى فكرة التوحيد. كما لم يدرك فيبر أن التوحيد في العقيدة اليهودية ظل مشوباً بعناصر حلولية وثنية، وأن اليهودية سقطت في الواحدية الكونية التي تنبذها العقائد التوحيدية الحقة. 2 ـ يُفرِّق فيبر بين عبادة يهوه وعبادة بعل مع أن من المعروف أن اليهودية دخلها كثير من العناصر من عبادة بعل حتى أصبحت عبادة يسرائيل خليطاً غير متجانس من العبادتين. 3 ـ يفترض فيبر وجود قدر كبير من الوحدة في أسفار الأنبياء، وهو الأمر الذي لا تسانده قراءة متعمقة لهذه الأسفار. 4 ـ يتسم تحليل فيبر للفريسيين بالابتسار الشديد كما أنه لم يشر إلى الاتجاهات الأخرى، خصوصاً الأسينيين والغيورين الذين عبَّروا عن مصالح ومطامح الجماهير الشعبية. 5 ـ معرفة فيبر بالتلمود سطحية للغاية، ولذا فهو لم يدرك أنه كتاب متناقض وأن كثيراً من أفكار الأنبياء اختفت وحلت محلها صيغ سحرية أبعد ما تكون عن الترشيد. ويبدو أن معرفة فيبر بالتيارات الفلسفية المختلفة التي ظهرت بين الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً، كانت ضعيفة. 6 ـ لم يذكر فيبر القبَّالاه من قريب أو بعيد رغم أنها سيطرت على التفكير الديني اليهودي منذ القرن السابع عشر. 7 ـ يفصل فيبر، وبحدة، بين الأشكال الرأسمالية في المجتمع التقليدي والرأسمالية الرشيدة. ومع الإقرار بالأهمية المنهجية والتفسيرية لهذا الفصل، يظل من الضروري أن ندرك أن الظاهرتين تتداخلان على مستوى التاريخ المتعين وأن اليهود لعبوا بالفعل دوراً في تحطيم المجتمع التقليدي القديم كما بيَّن ماركس. 8 ـ ينظر فيبر إلى تواريخ الجماعات اليهودية من الداخل كما لو كان هناك تاريخ يهودي مستقل عما حولهم من تشكيلات حضارية، ومن هنا محاولته تفسير فكرة «الشعب المنبوذ» بأنها نتاج الجيتو الداخلي الذي فرضه اليهود على أنفسهم. 9 ـ لم يتعرض فيبر لقضية يهود المارانو وإسهامهم في نشأة الرأسمالية. وحاول سومبارت أن يطرح وجهة نظر مختلفة، حيث بيَّن أن اليهود هم أهم القطاعات البشرية التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية الرشيدة في الغرب. وغنيٌّ عن القول أن فيبر وماركس وسومبارت، وغيرهم من المفكرين الغربيين، يتناولون وضع الجماعات اليهودية في الغرب وكأنه وضع عالمي. وربما يعود هذا إلى جهلهم بأحوال يهود الدولة العثمانية ويهود الهند والفلاشاه والصين بل ويهود جورجيا في روسيا. ومن هنا كان جنوحهم نحو التعميم المخل وحديثهم عن اليهود بشكل عام ومجرَّد. رؤية فرنر سومبارت (1863-1941) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية Werner Sombart on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities يرى العالم الألماني فرنر سومبارت (1863 ـ 1941) أن ثمة علاقة قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (وبخاصة يهود المارانو) من جهة وظهور الرأسمالية وتطوُّرها من جهة أخرى. ويبدو أن هذا السؤال مطروح على سومبارت منذ بداية رحلته الفكرية، وأنه حاول أن يعثر على إجابة إلى أن وجد ضالته. ويميِّز سومبارت بين نشاطين رأسماليين أحدهما «النشاط التجاري» (بالإنجليزية: كوميرشيال commercial) والآخر هو «النشاط الاستثماري» (بالإنجليزية: أنتربرينريال entrepreneurial) . والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي «رأسمالية المقاولات أو الوسطاء» ولكنها لا تؤدي المعنى المطلوب تماماً، على عكس الترجمة التي نقترحها. وهكذا، فإن النشاط الرأسمالي الاستثماري حسب تصوُّر سومبارت نشاط نيتشوي يتسم بالحيوية والتوقد الذهني والإدراك السريع وروح المغامرة والتجديد والإحساس بالقوة والرغبة في تجاوز الأخلاق والحسابات العادية (أو أخلاق العبيد في فلسفة نيتشه) . ويرى سومبارت أن المستثمر الرأسمالي يشبه أبطال ملحمة بيولف الأنجلو ساكسوني، فيما يُسمَّى «العصر البطولي» ، وهي فترة قبل العصور الوسطى في الغرب وقبل دخول المسيحية. فهؤلاء الأبطال يجدون لذة غير عادية في الكفاح والصراع باعتبارهما هدفين في ذاتيهما، ويدخلون الحروب التي ليس وراءها عائد مادي، وهم يدخلون في علاقة مباشرة متعينة مع الأشياء، وهي هنا العملية الإنتاجية. كل هذا يقف على الطرف النقيض من الرأسمالية التجارية التي تنظر إلى العالم بمنظار موضوعي. وهذا التقسيم هو، في واقع الأمر، تعبير عن التقسيم الثنائي الأساسي في علم الاجتماع الألماني بين المجتمع التقليدي العضوي المترابط (الجماينشافت) ، والجماعة التعاقدية الذرية المفتتة (الجيسيلشافت) . والرأسمالية الاستثمارية تعبير عن الجماعة الأولى، والرأسمالية التجارية تعبير عن الثانية. ومن الواضح أن التمييز بين هذين النوعين من الرأسمالية هو تعبير عن الصراع بين رؤية الاستنارة الآلية والرؤية العضوية المعادية للاستنارة. وتبنِّي سومبارت للفكر العضوي هو في جوهره احتجاج على تزايد معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع الغربي. كما أننا سنلاحظ أن الرأسمالية التجارية هي رأسمالية المجتمعات الإقطاعية التي تضطلع بها الجماعات الوظيفية الوسيطة على عكس النشاط الرأسمالي الاستثماري، وهو ما يعادل الرأسمالية الرشيدة عند فيبر. ويرى سومبارت أن أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في تطوُّر الرأسمالية بشكل عام، وإن كانت هناك عدة عناصر جعلت ارتباطهم بالرأسمالية التجارية أكثر قوة من ارتباطهم بالرأسمالية الاستثمارية. ويورد سومبارت عدة أسباب لهذه الظاهرة بعضها يعود إلى النسق الديني اليهودي والبعض الآخر يعود إلى وضعهم في المجتمعات الغربية: 1 ـ لم تُحرِّم اليهودية التجارة، ولم تنظر إليها نظرة سلبية، وإنما قامت بتنظيمها بل تشجيعها. وأبدت اهتماماً خاصاً بالأعمال المالية من أجل تحقيق الربح. 2 ـ حرَّمت اليهودية الإقراض بالربا بين اليهود ولكنها أحلته بين اليهودي وغير اليهودي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام اليهودي للاشتغال بالأعمال المالية ومراكمة رأس المال. 3 ـ تشجِّع اليهودية الاعتدال والتحكم في الذات وعدم التعبير عن العواطف والدوافع بشكل تلقائي إلا من خلال قنوات شرعية مُعتَرف بها دينياً. ويعني هذا، في واقع الأمر، تحويل طاقات حيوية هائلة للنشاطات الاقتصادية. ويرى سومبارت أن هذا هو الترشيد الاقتصادي بعينه. 4 ـ يشير سومبارت إلى النسق الديني اليهودي، فيُلاحظ أن اليهودية مجردة من الأسرار والطقوس ذات الطابع الرمزي، وهو ما يعني أنها تنمي عقلية رشيدة عقلانية تميل نحو الحساب وتبتعد عن المغامرة. 5 ـ العلاقة بين اليهودي والخالق علاقة تعاقدية، فالخالق ليس عنصراً محاطاً بالأسرار وإنما عنصر مجرد غير شخصي لا يمكن للمؤمن الدخول معه في علاقة شخصية، وبالتالي تظل العلاقة معه مجردة غير شخصية. 6 ـ ربطت اليهودية بين القداسة والثواب والعقاب في العالم الآخر من جهة وفكرة التعاقد من جهة أخرى. فمن يؤدي وصايا الخالق لابد أن يُكافأ على أفعاله بحسب العلاقة التعاقدية. وشجع هذا ظهور اتجاه إنمائي بحيث يمكن للمؤمن أن يرجئ تحقيق رغباته في سبيل المكافأة النهائية، وهذا ضرب من التقشف ذي التوجه الدنيوي على نقيض التقشف الديني ذي التوجه الأخروي. 7 ـ يُلاحظ سومبارت أن اليهودية ديانة معادية للطبيعة تهدف إلى غزوها والهيمنة عليها، وهذا هو أحد أهداف الرأسمالية. كل هذه العناصر في النسق الديني اليهودي تتفق تماماً مع روح الرأسمالية، الأمر الذي جعل اليهود مرشحين لأن يضطلعوا بالوظائف التجارية أكثر من أي قطاع بشري آخر. ومما ساعد على تحقيق هذا الاتجاه عناصر خاصة بالتجربة التاريخية لليهود قوَّت هذا الاتجاه وساعدته على التحقق، منها: 1 ـ تشتُّت اليهود، أي انتشارهم خارج فلسطين في ربوع الأرض، وهذا ما جعلهم يكوِّنون شبكة مالية تجارية ضخمة ويعطون العلاقات التجارية طابعها الدولي اللازم لنشوء الرأسمالية. 2 ـ وحين تشتَّت اليهود، خرجوا من بيئة صحراوية يحملون معهم الروح السامية التجارية إلى الشمال الذي تسود فيه الروح الآرية وروح المغامرة. ويبدو أن الصحراء في ذهن سومبارت هي رمز الحسابات الرشيدة الباردة وهي البيئة التي يتحول فيها الإنسان إلى مخلوق أناني ذري يرغب في البقاء، ونقيضها الطبيعة الثرية في الشمال التي تشجع على اتساع الأفق وارتياد المجهول. وهنا نرى صورة أخرى من الجماينشافت (الجماعة المترابطة) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) . ويرى سومبارت أن المدينة الحديثة ليست إلا صحراء كبيرة تضم أشخاصاً أنانيين لا يكترثون إلا بمصالحهم. 3 ـ يبدو أن الحياة في الصحراء أو العقلية الصحراوية التي تشجع على الحساب تجعل الإنسان شخصية مرتبة ترفض التلقائية، على عكس حياة الريف في أحضان الطبيعة، أي أن الحياة في الصحراء تشجع على ما يمكن أن نسميه «الشخصية التعاقدية» . 4 ـ ظل اليهود، بعد انتشارهم خارج فلسطين، غرباء عن المجتمعات التي حلوا بها، ومن المعروف أن الغريب يقوم بتثوير المجتمعات التي يحل بها، كما أنه يضطلع بوظائف يأنف أعضاء المجتمع من ممارستها. 5 ـ يرى سومبارت أن أعضاء الجماعة اليهودية ساعدوا الدولة الحديثة على أن تصبح ما هي عليه ربما لكونهم يهود بلاط. وهذه الدولة هي الإطار الذي تطوَّرت من خلاله الرأسمالية الحديثة. 6 ـ طوَّر اليهود أيضاً كثيراً من الآليات اللازمة لظهور النظام التجاري والحسابات المعقدة. 7 ـ كان لدى اليهود رؤوس الأموال الكافية للاستثمار، ولتمويل المشاريع المختلفة، ومن الواضح أن سومبارت يفكر هنا في يهود المارانو الذين لم يُشر إليهم أيٌّ من فيبر وماركس. ولعل المشكلة الأساسية في أطروحة سومبارت هي أنه يجعل من اليهود سبباً في نشوء الرأسمالية ويستبعد العناصر الأخرى مثل حركة الإصلاح الديني. ولو أن اليهود هم السبب الأساسي لكانت الرأسمالية قد ظهرت في شرق أوربا حيث كانوا مُركَّزين (أو حتى في وسطها) ، ولكنها ظهرت أساساً في غرب أوربا، في إنجلترا التي لم يكن يوجد فيها يهود على الإطلاق، وفي فرنسا وهولندا اللتين ضمتا أقليات يهودية صغيرة. ويبدو أن سومبارت لم يكن ملماً بقدر كاف بعدم تجانس التراث الديني اليهودي وبخاصيته الجيولوجية، فبينما كان يتحدث عن اليهودية كديانة تعاقدية، كانت الحسيدية (الصوفية) قد اكتسحت معظم يهود العالم منذ قرنين أو ثلاثة قرون. ومع هذا، تَجدُر الإشارة إلى عدم وجود تَعارُض بين الحلولية والتجارة، بل إن الفكر الحلولي يشجع على الاهتمام بالعالم المادي ويخلع عليه القداسة. ولكن هذا يختلف عن طرح سومبارت للقضية، فهو يتحرك في إطار التلمود واليهودية الحاخامية أو ربما العهد القديم وحسب. ولم يأخذ سومبارت في الاعتبار أن خصوصية وضع اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، كجماعة وظيفية وسيطة، والتي جعلتهم يساهمون بشكل واضح في نشوء الرأسمالية، هي ذاتها التي وضعت حدوداً على حركتهم بحيث ظل إسهامهم هو إسهام الجزء في حركة الكل. ولتوثيق هذا التعميم قد يكون من المفيد دراسة مدى إسهام يهود أمستردام (وكان معظم أثريائهم من المارانو) في نمو الرأسمالية الهولندية بشيء من التفصيل. بلغ دخل عضو الجماعة اليهودية في القرن السابع عشر 1448 جلدراً مقابل 828 لغير اليهودي، وكان اليهود السفارد من أكبر مالكي الأسهم، فكانوا من كبار المساهمين في شركتي الهند الشرقية والهند الغربية الهولنديتين، وشاركوا في مختلف نشاطاتها الاقتصادية الاستيطانية، وكان 25% من أسهم شركة الهند الشرقية في أيد يهودية. ولكن الوضع كان مختلفاً في شركة الهند الغربية إذ كانت نسبة المساهمين اليهود ضئيلة للغاية (دفع 18 يهودياً نحو 36 ألف جلدر من رأسمال يبلغ ثلاثة ملايين) . ولعب اليهود السفارد دوراً في تأسيس الجماعات اليهودية في نيويورك ولندن وفي أنحاء العالم الجديد، كما استوطنوا في البرازيل وكوراساو وكايان وسورينام التي كان يُوجَد فيها أربعمائة مزرعة عام 1733 منها 115 في يد اليهود. وحسب سجلات أمستردام لعام 1609، وهي أقدم السجلات، لم يكن يوجد سوى 24 يهودياً سفاردياً برتغالياً بين 731 مودعاً، ومن 708 مودعين عام 1611 لم يكن يوجد سوى 28 يهودياً. وبين أكبر 320 مودعاً، لم يكن يوجد سوى عشرة يهود. وفي عام 1620، كان عدد المودعين 1202، بينهم 106 فقط من اليهود. وظلت النسبة ثابتة، ففي عام 1674 بلغ عدد المودعين 1302 من بينهم 265 يهودياً، ومن بين 685 يدفعون أعلى ضرائب كان يوجد يهودي واحد فقط. وفي عام 1631، لم يكن يوجد سوى ستة يهود. ومن المجموعة الثانية من دافعي الضرائب لم يكن يوجد سوى 15 يهودياً، أي أنه لم يكن يوجد سوى 21 يهودياً ثرياً في أمستردام عام 1631. وتغيَّرت الصورة قليلاً في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، فكان يوجد 13 يهودياً يحتفظون بحسابات ضخمة في بنك أمستردام (عام 1646) . وكان هناك 245 يهودياً ثرياً، من بينهم ستة كان كل منهم يمتلك 100,000 جلدر. ومع هذا، كانت ثروة اليهود صغيرة بالنسبة إلى الثروة الكلية، فكان أثرياء اليهود هؤلاء (245) يمتلكون 3,621,800 جلدر من مجموع 185,582,000 جلدر يملكها الأثرياء في أمستردام، أي أن اليهود كانوا يمتلكون نحو 2% من الثروة. وهذا هو النمط العام الذي ساد غرب أوربا والبلاد التي ظهرت فيها رأسماليات قوية في مرحلة مبكرة، وبالتالي كانت لها تجارب استعمارية. وهو نمط وجود ثروة في يد بعض المموِّلين اليهود بنسبة تفوق كثيراً نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن تظل هذه الثروة جزءاً من كل، ولا يمكن أن يُطلَق عليها «رأسمال يهودي» حيث إن ما يُحدِّد حركة رأس المال هو الحركة الاقتصادية للمجتمع ككل، وليس كون رأس المال مملوكاً من قبَل بعض الممولين من أعضاء الجماعات اليهودية. يهود المارانو كعنصر تحديث وعلمنة في المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية The Marranos as Agents of Modernization and Secularization in Europe and among Jewish Communities كانت بعض الدول الغربية تشجع يهود المارانو على الاستيطان فيها، إذ كان كثير من الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، ترى أن اليهود بوسعهم أن يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية التجارية النافعة. وكانت هذه الرؤية تطابق، إلى حدٍّ ما، رؤية المارانو لأنفسهم. فكثير منهم، ممن كانوا يبطنون اليهودية، كان يستمر في التخفي حتى يستفيد من الفرص الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ كان تهوُّده يعني فقدانه إياها. ولذا، نجد أن كثيراً من المارانو بقوا في شبه جزيرة أيبريا بحثاً عن الفرصة الاقتصادية وحفاظاً على أملاكهم من المصادرة، مؤثرين ذلك على الهجرة إلى بلد بروتستانتي أو إسلامي يمنحهم حرية العبادة ولا يمنحهم الفرصة الاقتصادية نفسها. كما أن كثيراً من يهود المارانو الذين هاجروا إلى دول جديدة، بقوا على علاقاتهم مع المؤسسات التجارية في إسبانيا والبرتغال ومع أعضاء أسرهم الذين تنصَّروا بالفعل. وكان الحكم الإسباني أو البرتغالي يستفيد من خبراتهم واتصالاتهم الدولية، وبنفوذهم ورأسمالهم، برغم اضطهاد محاكم التفتيش. وثمة حالات عديدة قام فيها يهود المارانو بالتجسس لصالح الدولتين الإسبانية والبرتغالية. وثمة حالات كان يهود المارانو يهاجرون فيها من إسبانيا أو البرتغال ثم يعودون إليها للقيام بالأعمال التجارية، وهو ما يعني أنهم كانوا يضطرون إلى اعتناق المسيحية مرة أخرى، لفترة وجيزة، أو على الأقل التظاهر بذلك. ولعب المارانو دوراً مهماً وفعالاً في تأسيس الشركات التجارية والاستيطانية الكبرى، مثل شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية (الهولنديتين) ، وساهموا أيضاً في شركات منافسة أسسها البرتغاليون ليخرجوا الهولنديين من البرازيل. كما أسس المارانو، بما كان لهم من خبرة مالية، شركات تأمين وعديداً من المصارف، حيث كانوا ذوي شهرة في التعامل في بورصات الأوراق المالية. وأسسوا مصانع للصابون والأدوية، وساهموا في سك المعادن وصناعة السلاح وبناء السفن. واحتكر المارانو تقريباً التجارة الدولية في سلع مثل: المرجان والسكر والطباق والأحجار النفيسة، كما اشتغلوا بتجارة الرقيق بسبب وجود أعداد منهم في أوربا، وفي العالم الجديد، وفي مستعمرات البرتغال في أفريقيا، التي كانت تُعَدُّ مصدراً أساسياً للعبيد. وكان عدد من يهود البلاط من أصل ماراني. وساعدهم على تبوُّء مكانتهم المالية واضطلاعهم بهذه الوظيفة عاملان أساسيان: أولهما أن المارانو، بانتشارهم وهامشيتهم واحتفاظهم بالروابط بينهم وباللادينو كلغة مشتركة للتجارة الدولية، كوَّنوا أول شبكة تجارية عالمية وأول نظام ائتماني في العصر الحديث كان يربط بين معظم أطراف العالمين الإسلامي والمسيحي بشقيه الكاثوليكي والبروتستانتي. وامتد نشاطهم إلى العالم الجديد، حيث ارتبطوا بكثير من المشروعات التجارية للاستعمار الغربي. وتم كل ذلك في غيبة نظام ائتماني عالمي، أو نظام ثابت لعلاقات دولية. كما تزامن انتشارهم في العالم مع بداية علمنة المجتمع الغربي وظهور الحكومات المطلقة التي كانت تأخذ بالمنفعة والولاء لها (وليس الانتماء الديني أوغيره من الانتماءات) معياراً للحكم على الأفراد. وتجب ملاحظة أن التجارة التي اشتغل بها المارانو كانت التجارة الدولية، وأن الأعمال المصرفية التي اضطلعوا بها كانت أعمالاً مصرفية متقدمة فكانت كلتاهما (التجارة والأعمال المصرفية) لا تشبه من قريب أو بعيد التجارة البدائية التي كان يعمل بها يهود الإشكناز أو الربا الذي كانوا يشتغلون به. وكانت الصناعات التي طوروها واستثمروا فيها أموالهم ـ إلى حدٍّ كبير ـ صناعات رأسمالية بالمعنى الحديث للكلمة. كما أن ثقافتهم العالية، وأعدادهم الصغيرة، وعدم انغلاقهم، سهَّلت عملية اندماجهم في المجتمعات الغربية. ومن هنا، فإن المارانو كانوا يعيشون في صلب المجتمع الغربي، أوفي جسده، وليس في مسامه على طريقة الإشكناز. ولذا أيضاً، لم تظهر بينهم مسألة يهودية، إذ كانت المسألة اليهودية مسألة إشكنازية أساساً. ويتجلى هذا في فرنسا حيث طبَّق نابليون قوانينه بشأن إصلاح اليهود، على الأشكناز وحدهم دون السفارد. وينطبق الشيء نفسه على إنجلترا إذ أن يهود إنجلترا السفارد من عائلات مونتيفيوري ومونتاجو ودزرائيلي، وغيرها، اندمجوا تماماً في المجتمع وأُعطوا حقوقهم كافة. وبدأت الهجرة الإشكنازية من شرق أوربا، فظهرت مسألة يهودية أدَّت إلى صدور قانون الغرباء، ثم مشروع شرق أفريقيا، ثم وعد بلفور، وذلك لإبعاد الهجرة الإشكنازية عن إنجلترا. لكل هذا، قال عالم الاجتماع الألماني سومبارت «إن يهود المارانو كانوا عنصراً أساسياً في تشكيل الاقتصاد التجاري الصناعي الجديد في أوربا» . ورفض سومبارت أطروحة فيبر الخاصة بعلاقة الرأسمالية والبروتستانتية، والتي ترى أن دور اليهود فيها كان ثانوياً بسبب ارتباطهم بالحكومات والنخبة الحاكمة. ويطرح سومبارت بدلاً من ذلك نظريته الخاصة بعلاقة اليهود، خصوصاً المارانو، بقيام النظام الرأسمالي الحديث، فيرى أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً وحاسماً في تحديث وعلمنة أوربا بإدخالهم أشكالاً جديدة من الاقتصاد المجرد الذي هدم العلاقات الإقطاعية المتعينة. هذا هو دور المارانو التحديثي في العالم الغربي ككل، وهو أمر معروف وربما مُتَّفق عليه. أما دورهم في تحديث الجماعات اليهودية فهو أكثر غموضاً ويحتاج إلى إيضاح وتفسير. وقد أشرنا من قبل إلى أن هوية يهود المارانو كانت هامشية، حيث كانوا يقفون بين المجتمع المسيحي والجماعات اليهودية ولا ينتمون إلى أيٍّ منهما. وكانوا يعرفون التقاليد الحضارية لكلا المجتمعين، كما كانوا على مستوى ثقافي رفيع على عكس يهود اليديشية. ولذا، أمكنهم أن يكونوا قناة توصيل بين المجتمعين. لكن أكبر إسهام ليهود المارانو في عملية تحديث اليهود واليهودية هو هجومهم على اليهودية الحاخامية وعلى مؤسساتها كافة. وقد كان كثير من يهود المارانو يُضفون غلالة من المثالية على اليهودية أثناء تخفيهم لأنهم كانوا يرفضون السلطة الكنسية والكهنوتية، كما كانوا يتصورون أن اليهودية دين تَسامُح وحرية وعقلانية تتقبَّل النقد بسماحة. وقد اعتادوا، أثناء فترة تخفيهم، انتقاد الكنيسة وممارساتها بينهم، الأمر الذي طوَّر عقليتهم النقدية بعيداً عن أي شكل من أشكال الحوار. ولكنهم حينما ذهبوا إلى أمستردام، وجدوا صورة مغايرة تماماً لأحلامهم. فالجماعة اليهودية في الوسط البروتستانتي كانت تحاول الابتعاد قدر الإمكان عن عالم الأغيار الذي كان يتهددها بالاندماج، ولذا كانت تبذل قصارى جهدها في السيطرة على كل أعضاء الجماعة اليهودية، وفي المحافظة على التفرقة بين السفارد والإشكناز. ويرى بعض المؤرخين أن قيادات المارانو (السفارد) ومؤسساتهم (الماهاماد) كانت متأثرة وبعمق بأساليب محاكم التفتيش والدولة الإسبانية، وطبقتها على أعضاء الجماعة. لكل هذا، كان من العسير على المارانو، برؤيتهم النقدية، تقبُّل المؤسسة الحاخامية بكل انعزاليتها وتعصُّبها، فهي من وجهة نظرهم لا تختلف كثيراً عن محاكم التفتيش. ولذا، فقد استمروا في توجيه سهام نقدهم نحو المؤسسة الحاخامية وضد كثير من جوانب التراث اليهودي، الأمر الذي أضعف سيطرة القيادة الدينية وهزَّ شرعيتها. ولكن ثمة جانباً آخر في تجربة المارانو هو الذي أدَّى إلى هز اليهودية الحاخامية من جذورها، وقسَّم يهود أوربا إلى طوائف وفرق. ذلك هو الدور الذي لعبوه في الحركات المشيحانية. وكما بيَّنا، كان المارانو ينكرون أن المسيح هو الماشيَّح ولكن وجودهم في كنف حضارة مسيحية، عمَّق إحساسهم بأهمية شخصية المسيح ومركزيتها. ولذا، ظلت العقيدة المشيحانية حية قوية بينهم، وأدَّى وضعهم وخوفهم الشديد من محاكم التفتيش إلى تعميق النزعة المشيحانية بينهم وزاد من حرارتها. كما ظل المارانو، بسبب كونهم يهوداً متخفين، غير قادرين على تنفيذ الأوامر والنواهي كافة، ولذا أخذوا في تأكيد أهمية الإيمان المجرد وعدم أهمية الالتزام بالعبادات والشعائر. بل إن بعضهم جعل من خرق الشريعة فضيلة. وثمة بُعد اجتماعي سياسي لتعاظم النزعة المشيحانية بينهم، فقد كان للمارانو وضع متميز في شبه جزيرة أيبريا قبل طردهم حيث كان منهم الوزراء والملتزمون وكبار التجار. وقد تدنَّى وضعهم في البلدان الأوربية الجديدة التي استوطنوا فيها. كما أنهم، حتى بعد أن أحرزوا مكانة عالية، ظلوا بعيدين عن المشاركة في السلطة السياسية. وساهم المارانو في نشر القبَّالاه اللوريانية التي تجعل اليهود عماد الخلاص في العالم، والتي ربطت بين التصوف والنزعة المشيحانية، والتي تعوِّض اليهودي عن عدم مشاركته في السلطة السياسية بجعله شريكاً مع الخالق في خَلْق العالم، بل وفي تحقيق الرب لذاته ولوجوده. ولذا يمكن القول بأن المارانية شكل من أشكال العلمنة لا يختلف كثيراً عن الربوبية التي تؤمن بالإله الخالق وترى أنه يمكن التوصل إليه بالعقل دون حاجة إلى وحي أو رسل (وهذا هو أيضاً جوهر الماسونية الربوبية) . وإذا أضفنا إلى كل هذا ما ذكرناه من قبل عن ضعف الهوية، فيمكننا أن نرى لماذا أصبحوا تربة خصبة للنزعة المشيحانية. وقد كان شبتاي تسفي، الذي أظهر غير ما أبطن، يتبع نمط المارانو في هذا. وكان تسفي من أصل سفاردي، وانتشرت دعوته بين المارانو، بخاصة في مدينة سالونيكا التي أصبحت فيما بعد مركزاً للدونمه. وحينما ظهر تسفي، خرق الشريعة على طريقة يهود المارانو، وأبطل الأوامر والنواهي، ووعد أعضاء الجماعات اليهودية بأن يصبحوا سلطة سياسية مستقلة في فلسطين، بل ووزع كثيراً من الممالك على أتباعه على طريقة المشحاء المخلِّصين. وقد تأثر به يعقوب فرانك ( «فرانك» تعني «سفاردي» باليديشية) صاحب الحركة الفرانكية المشيحانية. ويرى البعض أن الصهيونية هي شكل من أشكال المارانية أيضاً، فهي عملية تحديث لليهودية تُسقط الشريعة وتحل إشكالية عدم المشاركة في السلطة. كما يرون أن حركة التنوير اليهودية، وفكر مندلسون، كلاهما فكر ماراني يحتفظ بالجوهر اليهودي الموسوي ويُسقط الشعائر كافة. ومن المعروف أن بعض قيادات يهود السفارد كانوا من أكثر المتحمسين لحركة الاستنارة، وأن إسبينوزا من أصل ماراني. بل يمكن أن نرى التراث الماراني مستمراً في شخصيات مثل دزرائيلي ودريدا (فيلسوف التفكيكية) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الرأسمالية اليهودية
Jewish Capitalism «الرأسمالية اليهودية» مصطلح يفترض وجود تشكيل رأسمالي يهودي مستقل، وهو أمر مناف للواقع، ولذا فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون الأمريكيون من اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» . البورجوازية اليهودية Jewish Bourgeoisie «البورجوازية» كلمة مأخوذة بالنسب إلى كلمة «بورج» أي «المدينة» ، وهي كلمة موجودة في عدة لغات أوربية. وعبارة «البورجوازية اليهودية» تفترض وجود طبقة بورجوازية مستقلة عن البورجوازيات المختلفة وهو ما يعني أيضاً وجود «تاريخ يهودي مستقل» . وحيث إن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم لا يلعبون دوراً مستقلاًّ عن المجتمعات التي يوجدون فيها، فلا يمكن الحديث عن بورجوازية يهودية بشكل عام، وإنما يمكن الحديث عن «اليهود من أعضاء البورجوازية الإنجليزية» أو «اليهود من أعضاء البورجوازية الأمريكية» وهكذا. ومع هذا، فقد لعب أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب دوراً متميِّزاً نوعاً ما في نشوء الرأسمالية، وهي قضية ناقشها كل من ماركس وفيبر وسومبارت. الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية Jewish Capitalists من المصطلحات الشائعة في الخطاب السياسي العربي والغربي مصطلح «الرأسمالية اليهودية» و «البورجوازية اليهودية» و «رأس المال اليهودي» . وهي مصطلحات، شأنها شأن مصطلحات مثل «الشخصية اليهودية» و «القومية اليهودية» ، تفترض أن ثمة وجوداً اقتصادياً يهودياً مستقلاًّ عن التشكيلات الاقتصادية المختلفة وتطوُّراً اقتصادياً يهودياً مستقلاً عن التطورات الاقتصادية العامة في المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. وهذا افتراض غير دقيق ومقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة، ويؤدي في النهاية إلى عدم فهم حركيات التطور والتغيير بين أعضاء تلك الجماعات. ولذا، فإننا نفضل استخدام مصطلح «الرأسماليون الأمريكيون اليهود» أو «الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية» أو أي مصطلح مماثل يفيد عدم وجود رأسمالية يهودية مستقلة. فالرأسمالية الأمريكية، على سبيل المثال، تضم رأسماليين أمريكيين لهم انتماءات إثنية مختلفة، فالانتماء الإثني الخاص هو الفرع والجزء، والرأسمالية الأمريكية هي الأصل والكل. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دوراً فعالاً في نشوء وتطوُّر الرأسمالية في العالم الغربي، ولكن لا يمكن اعتبارهم مسئولين عن ظهورها. فتطوُّر الرأسمالية في الغرب مرتبط بظواهر لم يكن لليهود أي دور فيها، مثل: حركات الاكتشاف والقرصنة، ثم الاستعمار التجاري الاستيطاني في القرن السادس عشر، والإصلاح الديني، والترشيد والعلمنة. وقد تناول كلٌّ من ماركس وفيبر وسومبارت هذه القضية. أما من ناحية تطوُّر اليهود كرأسماليين في إطار الحضارة الغربية، فهذا مرتبط بوضعهم كجماعة وظيفية تضطلع بوظائف مالية محددة، فقد كان منهم من اشتغل بالتجارة والربا، وكان منهم من اشتغل بالأعمال المالية الأخرى، مثل يهود الأرندا ويهود البلاط، ثم كان منهم أخيراً الرأسماليون المحدثون. وكان أعضاء الجماعة في وظائفهم المختلفة، حتى الانقلاب التجاري، تابعين للحاكم أو الطبقة الحاكمة وليس لهم أي استقلال اقتصادي عن النظم التي وجدوا فيها، فكانوا تابعين لها يعيشون على أطرافها وفي خدمتها. ومما لا شك فيه أن أعضاء الجماعات اليهودية استفادوا من العلاقات الدولية التي نشأت بينهم، فكان يهود البلاط يستوردون الحبوب من يهود الأرندا ويوفرون لبعضهم البعض نظاماً ائتمانياً يسهل عملية انتقال البضائع والأرباح، ولكنهم مع هذا ظلوا أساساً جزءاً من كل. ويمكن تقسيم دور بعض أعضاء الجماعات اليهودية كرأسماليين داخل التشكيل الحضاري الغربي، إلى ثلاثة أقسام: 1 ـ الرأسماليون من يهود اليديشية في شرق أوربا، خصوصاً روسيا. وبلغ بعضهم درجات عالية من الثراء وتخصَّصوا في بعض الصناعات والسلع مثل السكك الحديدية والغلال، كما حدث مع أسرة جونزبرج. ولكنهم كانوا قلة نادرة تعيش خارج منطقة الاستيطان بعيداً عن أية جماهير يهودية وكانت حريصة على الاندماج في المجتمع الروسي. أما داخل منطقة الاستيطان ذاتها، فكان يوجد صغار الرأسماليين الذين امتلكوا نحو نصف الصناعات داخل المنطقة. ولم يكن هؤلاء قوة سياسية حقيقية، فقد كانوا يعانون ـ شأنهم شأن بقية قطاعات المجتمع الروسي ـ من التناقض الأساسي في روسيا القيصرية بين الشكل السياسي المتكلس والوضع الاقتصادي المتطور. وكانوا يستأجرون عمالاً من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن كثيراً ما كانت تنشأ الصراعات الطبقية بين هؤلاء وأولئك فينظم العمال ضدهم الإضرابات، ويحاولون هم استئجار عمال غير يهود. وقد قامت الثورة البلشفية بالقضاء على الرأسمالية الروسية بما في ذلك الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، استمر بعض التجار اليهود في ممارسة نشاطهم، بل ازدهروا في فترة النظام الاقتصادي الجديد (نيب) ، بل كانت هناك نسبة من اليهود بين تجار السوق السوداء في الستينيات. ولكننا في هذه الحالة لا نتحدث عن رأسماليين يمتلكون وسائل الإنتاج وإنما نتحدث عن صغار الانتهازيين وتجار العملة وما شابه ذلك. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور الاقتصاد الحر في روسيا وأوكرانيا وغيرهما من الجمهوريات التي تُوجَد بها جماعات يهودية كبيرة نسبية، نتوقع أن تشتغل أعداد كبيرة منهم في القطاع التجاري والصناعي الاستهلاكي (وهذا هو النمط السائد في الغرب) . 2 ـ في وسط أوربا، خصوصاً ألمانيا، برز كثير من أعضاء الجماعات اليهودية الرأسماليين، وهؤلاء هم ورثة يهود البلاط ولعبوا دوراً مهماً في تطوُّر الرأسمالية والصناعة الألمانية. وقد تم القضاء على هؤلاء مع استيلاء هتلر على الحكم، فهاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة وفلسطين بما تبقَّى من رؤوس أموالهم وصُودرت أموال الباقين. 3 ـ أما الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في بلاد غرب أوربا والولايات المتحدة، فلهم مكانة مختلفة إذ يُلاحَظ أن النُخَب الحاكمة في هذه البلاد، بعد أن ظهرت فيها ثورة تجارية، وبعد أن ظهرت فيها طبقة بورجوازية محلية، وجدت أن استيطان الجماعات اليهودية فيها سيساعدها على تحقيق كثير من طموحاتها وسيزودها بكثير من الخدمات. ومن هذا المنظور، تم توطين اليهود في هولندا وإنجلترا في القرن السابع عشر ثم في العالم الجديد. وقد ازدهر الرأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في هذه البلاد، ولكن نسبتهم ظلت صغيرة كما ظل رأس المال الذي يمتلكونه والصناعات التي يديرونها تتضاءل في الأهمية قياساً إلى المصانع ورؤوس الأموال الضخمة في هذه البلدان. وقد لاحظ كارل ماركس في المسألة اليهودية أن أصغر رأسمالي أمريكي يجعل روتشيلد يشعر وكأنه شحاذ. ولعبت عائلة روتشيلد في إنجلترا وفرنسا، وعائلات مونتيفيوري وساسون ومونتاجو في إنجلترا، دوراً مهماً في القطاع المالي والمصرفي في بلدهم حيث ساهموا في تمويل الحكومات والحروب وفي تطوير الرأسمالية في أوربا وفي تمويل المشاريع الرأسمالية الإمبريالية خلال القرن التاسع عشر. كما تخصَّص الرأسماليون اليهود في إنجلترا مثل إسرائيل سيف وسيمون ماركس في القطاع التجاري، وبخاصة في مجال المتاجر المتكاملة متعددة الأقسام. وفي فرنسا، برز خلال القرن العشرين بعض رجال الصناعة المهمين من اليهود مثل مارسل داسو وأندريه سيتروين. ولكن رغم أهمية دورهم وحيويتهم فلم يكن لهم دور يهودي مستقل. أما الرأسماليون من يهود الولايات المتحدة، فإن تجربتهم مختلفة إلى حدٍّ ما، فقد استقروا في مجتمع استيطاني يتسم بدرجات عالية من العلمنة والحركية، وقد استفاد المهاجرون اليهود من هذا الوضع وراكموا الثروات (انظر الأبواب المعنونة «فرنسا» ـ «إنجلترا» ـ «رأسماليون من أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة» ) . أما بالنسبة لدور أعضاء الجماعات اليهودي في تطوُّر الرأسمالية في العالم العربي، فلا تمكن دراسته إلا في سياق الغزو الاستعماري الغربي للمنطقة وتحويل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي إلى مادة استيطانية تدور في فلك المنظومة الإمبريالية الغربية. وستتناول مداخل هذا الباب بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، نبدؤها بعائلة روتشيلد التي كان لها فروع مختلفة في أوربا ثم نتناول بعض الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا ثم إنجلترا وألمانيا وروسيا وجنوب أفريقيا وكندا. ثم ننتقل بعد ذلك إلى الشرق الأقصى، ونركز على الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في مصر كدراسة حالة مُمثِّلة، وأخيراً بقية العالم العربي. عائلة روتشيلد The Rothschilds عائلة من رجال المال ويهود البلاط الذين تحوَّلوا بالتدريج إلى رأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية، ويعود أصل العائلة إلى فرانكفورت في القرن السادس عشر. والاسم «روتشيلد» منقول من عبارة ألمانية تعني «الدرع الأحمر» وتشير كلمة «درع» هنا إلى ذلك الدرع الذي كان على واجهة منزل مؤسِّس العائلة إسحق أكانان. وقد حققت عائلة روتشيلد مكانة بارزة في عالم المال والبنوك في أوربا بدءاً من القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين. وتاريخ تطوُّر العائلة هو أيضاً تاريخ يهود البلاط واختفائهم وتحوُّلهم إلى مجرد أعضاء في الرأسمالية الغربية الرشيدة ثم التشكيل الإمبريالي الغربي (الذي كان يُخطِّط لاقتسام الدولة العثمانية والاستيلاء على ثروات الشرق) . ودعم الأسرة للمشروع الصهيوني في فلسطين، ليس تعبيراً عن وجود مصالح يهودية مستقلة وإنما تعبير عن معدلات الاندماج في الحضارة الغربية في تشكيلها القومي والإمبريالي. وكان ماجيراشيل روتشيلد (1743 ـ 1812) تاجر العملات القديمة هو الذي وسَّع نطاق العائلة في مجال المال والبنوك، بعد أن حقق ثروة طائلة أثناء حروب الثورة الفرنسية من خلال عمله في بلاط الأمير الألماني وليام التاسع. وقد تفرَّق أبناؤه الخمسة وتوطنوا وأسسوا أفرعاً لبيت روتشيلد في خمسة بلاد أوربية هي: إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا بالإضافة إلى ألمانيا. وبالتالي، فقد أقاموا شبكة من المؤسسات المالية المرتبطة ببعضها البعض. أسس الابن الأكبر نيثان ماير روتشيلد (1777ـ 1836) فرع بيت روتشيلد في إنجلترا، وتزوج أخت زوجة موسى مونتفيوري الثري والمالي اليهودي وزعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا. وأتاحت له هذه الزيجة دخول أوساط المجتمع اليهودي السفاردي في إنجلترا سريعاً. واكتسب نيثان ماير روتشيلد مكانة مرموقة في عالم المال أثناء الحروب النابليونية حيث ساهم في تمويل إنفاق الحكومة الإنجليزية على جيشها في أوربا، واستعان في ذلك بأخيه جيمس روتشيلد المقيم في فرنسا، كما ساهم في تمويل التحويلات البريطانية إلى حلفائها في أوربا. وقد استطاعت عائلة روتشيلد، خلال تلك الفترة، تدبير ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني للحكومات الأوربية. وبعد الحرب، كانت هذه العائلة هي الأداة الرئيسية في تحويل التعويضات الفرنسية إلى الحلفاء وفي تمويل القروض والسندات الحكومية المخصصة لعمليات إعادة البناء. واكسبته هذه المعاملات المالية مكانة متميِّزة في جميع أنحاء أوربا ودعمت مركز مؤسسته كواحدة من أبرز المؤسسات المالية الأوربية في تلك الفترة. وكان نيثان روتشيلد يتسم بالدهاء المالي والتجاري. فخلال فترة الحروب النابليونية، نجح هو وإخوته، من خلال عمليات تهريب السلع من إنجلترا إلى أوربا، في تحقيق مكاسب ضخمة. كما استغل إمكانياته في الحصول على المعلومات والأخبار بشكل سريع نسبياً، بفضل شبكة الاتصالات التي أسستها العائلة فيما بينها، لتحقيق أرباح طائلة لمؤسسته. وكان نيثان من أوائل من علموا بانتصار إنجلترا على قوات نابليون في معركة ووترلو. وكان ذلك يعني ارتفاع أسعار سندات الحكومة الإنجليزية. إلا أن نيثان أسرع ببيع حجم كبير من سنداته حتى يوهم الجميع بأن إنجلترا خسرت الحرب، وهو ما دفع الكثيرين إلى التخلص من السندات التي في حوزتهم، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى انخفاض أسعار هذه السندات بشكل حاد. وهنا قام بشراء هذه السندات بثمن بخس مُحقِّقاً من وراء ذلك أرباحاً طائلة حيث قفزت أسعار السندات إلى أعلى، عقب إعلان خبر انتصار إنجلترا وهزيمة نابليون. وظل نيثان يستغل قدرته على الحصول على المعلومات والأخبار سواء الخاصة بالتطورات السياسية أو الخاصة بالأمور المالية في التلاعب من خلال عمليات البيع والشراء الواسعة النطاق في أسعار الأسهم والسندات مُحقِّقاً لنفسه ولمؤسسته مكاسب ضخمة. وبعد وفاة نيثان ماير، تولَّى أكبر أبنائه ليونيل نيثان روتشيلد (1806ـ 1879) إدارة مصالح بيت روتشيلد في لندن. وكان ليونيل أول عضو يهودي في البرلمان الإنجليزي. وقد اشترك في عمليات مالية مهمة، من بينها تدبير قرض قيمته 16 مليون جنيه لتمويل حرب القرم. كما قدم ليونيل التمويل اللازم لدزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا، الذي كانت تربطه به صداقة وثيقة، لشراء نصيب مصر في أسهم قناة السويس عام 1875، وهي عملية تمت في كتمان وسرية تامة بعيداً عن الخزانة البريطانية، ولم يُبلَّغ البرلمان البريطاني بها إلا بعد إتمامها. ولا شك في أن مساهمة بيت روتشيلد في تقديم القروض للخديوي إسماعيل ولأعيان مصر، وما تبع ذلك من تَضخُّم المديونية المالية لمصر ثم ما جر ذلك وراءه من امتيازات أجنبية ثم تَدخُّل بريطاني في آخر الأمر بحجة الثورة العرابية، كل ذلك تم في إطار المصالح الإمبريالية الرأسمالية التي كانت تسعى لفصل أهم أجزاء الإمبراطورية العثمانية عنها تمهيداً لتحطيمها وتقسيمها. وقد اشترك ليونيل روتشيلد أيضاً في إقامة السكك الحديدية في فرنسا والنمسا بالتعاون مع فروع بيت روتشيلد في البلدين. وقد بادر روتشيلد بإقامة هذه المشاريع بعد أن تبيَّن له مدى نجاح وأهمية السكك الحديدية في إنجلترا التي كانت أول دولة تطوِّرها، وهو ما يعكس تبادل فروع بيت روتشيلد للخبرات والتجارب فيما بينها. كما قامت مؤسسته بتمويل جهود الاستعماري سيسل رودس لإقامة إمبراطورية ضخمة لصناعة وتجارة الماس في جنوب أفريقيا. ويُلاحَظ أن الزواج من داخل العائلة ظل النمط الغالب بين أعضائها، وهو تقليد كان يهدف إلى الحفاظ على الثروة داخل العائلة وتدعيم العلاقات فيما بينها. وقد تمسكت العائلة بقاعدة صارمة في زواج الأبناء. ففي حين كان يُسمَح لبنات روتشيلد بالزواج من غير اليهود، لم يُسمَح بذلك للذكور الذين كان يئول لهم النصيب الأكبر من ثروة العائلة وإدارة أعمالها. ومن الواضح أن المعيار المُستخدَم هنا معيار غير يهودي، وقد كان آل روتشيلد يحاولون بذلك الحفاظ على الثروة لا على الانتماء اليهودي. وقد كان اليهودي، حسب الشريعة، هو من يولد لأم يهودية، ولذا فإن زواج بنات روتشيلد من غير اليهود كان يعني أن أولادهم (اليهود الحقيقيين) سينشأون في بيوت غير يهودية وأن آباءهم من الأغيار. وتزوج ليونيل روتشيلد من ابنة عمه كارل روتشيلد (الذي كان قد استقر في نابولي) . واهتمت الزوجة بالمشاريع الخيرية للعائلة، وبخاصة بناء المدارس اليهودية الحرة. ونالت هذه المدارس اهتماماً خاصاً من العائلة، وكانت هذه المدارس قد أقيمت أساساً لخدمة أبناء المهاجرين اليهود الأوائل من شرق أوربا الذين جاءوا بثقافتهم اليديشية وتقاليدهم الدينية، وهو ما كان يثير قلقاً بين أعضاء الجماعة اليهودية المندمجين في إنجلترا؛ لما قد يمثله ذلك من تهديد لمواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه المدارس بالتالي، كانت تهدف إلى استيعابهم ودمجهم وصبغهم بالثقافة الإنجليزية. وقد أصبح دعم عائلة روتشيلد للصهيونية (فيما بعد) أداة لإبعاد هذه الهجرة برمتها عن بلادهم بعد أن تزايد حجمها في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه كان دعماً صهيونياً توطينياً. وقد تولَّى ناثانيل ماير روتشيلد (1840 ـ 1915) إدارة بيت روتشيلد بعد وفاة والده، وأصبح أول فرد في عائلة روتشيلد يحصل على لقب لورد. كما ورث البارونية من عمه سير أنتوني دي روتشيلد (1810 ـ 1876) . وقد كانت له علاقات صداقة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع، ومع كلٍّ من بلفور ولويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. وقد اهتم ناثانيل روتشيلد بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوربا التي تدهورت بسبب تعثُّر عملية التحديث وتعرُّض جميع الأقليات للاضطهاد. فرفض تدبير القروض للحكومة القيصرية احتجاجاً على ذلك رغم أن والده ظل يمثل الحكومة الروسية في المجالات المالية لمدة 20 عاماً. ورغم عدم تعاطفه مع الصهيونية، إلا أنه رحب بمشاريع هرتزل لتوطين اليهود. أما ابنه الأكبر ليونيل والتر روتشيلد (1868 ـ 1937) ، فقد ترك عالم المال والبنوك وتخصَّص في علوم الأحياء والطبيعة. وتعود أهمية ليونيل والتر إلى أنه كان يمتلك حديقة حيوانات خاصة، كما أن وعد بلفور أخذ شكل خطاب موجه إليه. وقد أيد ليونيل منذ عام 1917 الجهود الدبلوماسية لكلٍّ من حاييم وايزمان (الذي أصبح أول رئيس لإسرائيل) وناحوم سوكولوف الرامية إلى إصدار تعهُّد بريطاني بشأن تأسيس «وطن قومي» لليهود. وكان ليونيل روتشيلد يرى أن الوجود الصهيوني في فلسطين لابد أن يأخذ شكل دولة لا شكل وطن قومي وحسب، وأن هذا يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، ومن ثم مصالح عائلة روتشيلد. وعند إصدار وعد بلفور، كان روتشيلد رئيساً شرفياً للاتحاد الصهيوني لبريطانيا وأيرلندا. كما كان أثناء الحرب العالمية الأولى من مؤيدي إنشاء الفيلق اليهودي الذي دخل فلسطين مع الجيش البريطاني. ومن الجدير بالذكر أن عائلة روتشيلد، مثلها مثل غيرها من عائلات أثرياء اليهود المندمجين في المجتمع البريطاني، كانت في البداية رافضة لصهيونية هرتزل السياسية بسبب تَخوُّفهم مما قد تثيره من ازدواج في الولاء، وهو ما يشكل تهديداً لمكانتهم ووضعهم الاجتماعي. وقد ساهمت العائلة في تأسيس «عصبة يهود بريطانيا League of British Jews» المناهضة للصهيونية. لكن هذا الموقف تبدَّل فيما بعد حيث تبيَّن أن وجود كيان صهيوني استيطاني في المشرق العربي يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية، وذلك إلى جانب أن الصهيونية كان يتم تقديمها في ذلك الوقت كحل عملي لتحويل هجرة يهود شرق أوربا إلى فلسطين بعيداً عن إنجلترا وغرب أوربا. كما استقر في بريطانيا جيمس أرماند دي روتشيلد (1878 ـ 1957) ابن إدموند دي روتشيلد، والذي حصل على الجنسية البريطانية، وأصبح عضواً في البرلمان البريطاني وخدم في الجيش البريطاني في كلٍّ من فرنسا وفلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى. وكان من بين مهامه تجنيد المتطوعين من بين المستوطنين اليهود في فلسطين للالتحاق بالفيلق اليهودي. كما أُلحق ضابطاً بمشاريع عديدة في فلسطين، وترأَّس هيئة الاستيطان اليهودي في فلسطين التي كانت تدير المستوطنات التي أسسها والده في فلسطين. وخصَّص في وصيته عند وفاته مبالغ كبيرة لإقامة مشاريع من أهمها إنشاء مبنى الكنيست في القدس. وفي فرنسا، أسس جيمس ماير دي روتشيلد (1792 ـ 1868) فرع بيت روتشيلد في باريس عام 1812. وأصبح شخصية مالية احتفظت بنفوذها الواسع في عالم المال رغم تغيُّر الحكومات، فعمل على تدبير القروض لملوك البوربون، وكان مقرباً للملك لويس فيليب حيث تولى إدارة استثماراته المالية الخاصة، كما قدَّم قروضاً عديدة للدولة. كما شارك لفترة طويلة من عمره في رسم السياسة الخارجية الفرنسية. وفي أعقاب ثورة 1848، استمر بيت روتشيلد في تقديم خدماته المالية وقام بتدبير القروض لنابليون الثالث. وشهدت هذه الفترة منافسة شديدة بين بيت روتشيلد وبين المؤسسة المالية المملوكة للأخوين اليهوديين إسحق وإميل بيريير داخل فرنسا وخارجها. كما حصل جيمس ماير على امتياز بناء سكك حديد الشمال الفرنسية التي ظلت ملكاً لعائلة روتشيلد حتى عام 1940. وقد ورثه خمسة أبناء من بينهم ماير ألفونس جيمس دي روتشيلد (1827 ـ 1905) والذي تولَّى من بعده إدارة بيت روتشيلد عام 1854، وترأَّس سكك حديد الشمال، كما أصبح أيضاً عضواً في مجلس إدارة بنك فرنسا. وبعد هزيمة فرنسا عام 1870 ـ 1871 في الحرب الفرنسية البروسية، أدار ماير ألفونس روتشيلد المفاوضات الخاصة بالتعويضات والديون الفرنسية الواجب سدادها للجانب البروسي. ومن بين الأبناء الخمسة أيضاً، إدموند روتشيلد (1845 ـ 1934) الذي تعود أهميته إلى دعمه للنشاط الاستيطاني اليهودي في فلسطين (انظر: «إدموند روتشيلد» ) . وترأَّس حفيده إدموند (1926 ـ) رئاسة لجنة التضامن مع إسرائيل في عام 1967 التي ترأَّسها من قبله جي دي روتشيلد (1909 ـ) وهو حفيد ماير ألفونس. وقام إدموند خلال الخمسينيات والستينيات باستثمارات عديدة في إسرائيل، بخاصة في قطاعي السياحة والعقارات. كما ترأَّس جي النداء اليهودي الموحَّد. وعند وقوع فرنسا تحت الاحتلال الألماني عام 1940، تم الاستيلاء على ممتلكات العائلة وفرَّ أفرادها إلى إنجلترا والولايات المتحدة حيث ظلوا طوال فترة الحرب. واستعادت العائلة الجزء الأكبر من ممتلكاتها وثرواتها عقب انتهاء الحرب. وفي النمسا، أسس سولومون ماير دي روتشيلد (1774 ـ 1855) آخر يهودي بلاط في أوربا فرع الأسرة في فيينا. وكان صديقاً لمترنيخ زعيم الرجعية الأوربية الذي ساعده في التغلب على أزمات مالية عديدة، وصدر قرار إمبراطوري بمنح سولومون وإخوته الأربعة البارونية وذلك عام 1822 بعد بضعة أيام من حصول حكومة مترنيخ على قرض ضخم من بيت روتشيلد. كما أن علاقة سولومون روتشيلد بأفراد أسرته المنتشرين في أرجاء أوربا أتاحت له أن يكون مصدر معلومات مهماً لمترنيخ حول التطورات السياسية الجارية على الساحة الأوربية. ويُقال إنه ساعد مترنيخ على الهرب أثناء ثورة 1848 وأخفاه في منزله. ومن أهم إنجازات سولومون روتشيلد بناء أول خط سكك حديدية في النمسا وتأسيس بنك كريديتا نستالت النمساوي الذي أصبح فيما بعد بنك الدولة النمساوية. وخلفه ابنه سولومون روتشيلد (1803 ـ 1872) الذي عُيِّن في البرلمان النمساوي. وشهدت الأسرة تدهوراً حاداً في وضعها في ظل الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي شهدتها أوربا بعد الحرب العالمية الأولى والتي انتهت باستيلاء النظام النازي على مؤسستهم عام 1938 بعد ضم النمسا إلى ألمانيا النازية. وتمت تصفية فرع بيت روتشيلد في النمسا بعد رحيل لويس دي روتشيلد (1882 ـ 1955) إلى الولايات المتحدة. وفى ألمانيا، واصل أمشل ماير فون روتشيلد (1773 ـ 1855) أعمال الأسرة في فرانكفورت، وقدَّم قروضاً كبيرة لعديد من الحكام الألمان. وكان أمشل أكبر مموِّلي الحركة اليهودية الأرثوذكسية. وخلفه ماير كارل (1820 ـ 1886) من نابلي، وكان رجعياً في آرائه ومؤيداً لبروسيا وبسمارك. وقد انقرض فرع الأسرة في فرانكفورت بموت وليام كارل (1828 ـ 1901) . وقد أسس كارل ماير روتشيلد (1788 ـ 1855) فرع نابلي، وقدم خدمات مالية عديدة للدويلات الإيطالية، وخصوصاً الدولة البابوية، إلا أن هذا الفرع كان أقل الفروع أهمية، وقد أُغلق بعد عام 1861. ويتضح مما سبق أن عائلة روتشيلد، كغيرها من العائلات اليهودية المالية الكبيرة في أوربا، كانت في البداية من يهود البلاط ثم أصبحت تشكل جزءاً من نسيج الرأسمالية الرشيدة الذي كان آخذاً في التشكُّل خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي فترة اتسمت بتحولات عميقة داخل المجتمعات الأوربية وبتزايُد حدة الاضطرابات السياسية والصراعات العسكرية وبتنامي الأطماع الاستعمارية. فشارك بيت روتشيلد في تمويل الجيوش والحروب، وفي تسوية التعويضات والديون، وفي تمويل مشاريع إعادة بناء ما دمرته الحروب وفي تقديم القروض للعديد من الملوك والزعماء، وفي تمويل المشاريع والمخططات الاستعمارية والتي كان المشروع الصهيوني في فلسطين في نهاية الأمر يشكل جزءاً منها. وقد تضاءلت أهمية عائلة روتشيلد مع نمو النظام المصرفي الرأسمالي الحديث القائم على العلاقات بين المؤسسات المالية المختلفة والذي حل محل نظام التجارة والربا القديمين. كما أن نمو حجم التعاملات المالية في العالم قلَّص حجم رأس المال المتوافر في يد الرأسماليين اليهود (من عائلة روتشيلد وغيرهم) قياساً إلى حجم رؤوس الأموال المُتداوَلة داخل النظام الرأسمالي العالمي، وذلك رغم ازدياده من الناحية المطلقة. ويُعَدُّ اسم روتشيلد، في الأدبيات اليهودية والصهيونية، رمزاً للثري اليهودي الخيِّر الذي يجزل العطاء لإخوانه في الدين ولا ينساهم البتة. أما في أدبيات العداء لليهود، فهو مثل للجشع والطمع وامتصاص الدماء والتآمر العالمي من جانب الصيارفة اليهود. إميل (1800-1875) وإسحق (1806-1880) بريير Emile and Isaac Pereire أخوان فرنسيان يهوديان من رجال المال والاقتصاد والصحافة، ولدا في فرنسا لعائلة سفاردية من أصل برتغالي، وتأثرا بفكر سان سيمون الاشتراكي النزعة وانضما إلى دائرته، وكتبا عديداً من المقالات السياسية والاقتصادية في الصحف الفرنسية لاقت اهتماماً واسعاً. وفي عام 1832، قام إميل بريير بتحرير جريدة جلوب السان سيمونية ثم جريدة لي ناسيونال الصادرة عن الحزب الجمهوري في الفترة ما بين عامي 1832 و1835. وكان لاهتمام إميل بريير بالمشاريع الصناعية الحديثة، وخصوصاً السكك الحديدية، أن فتح باب التعاون في هذا المجال بين الأخوين بريير من جهة وبين عائلة روتشيلد من جهة أخرى، فاشتركا معاً في بناء خطوط السكك الحديدية المهمة في فرنسا. ولكن هذا التعاون لم يدم طويلاً إذ انتقل الأخوان بريير للتعاون مع واحد من أكبر منافسي عائلة روتشيلد وهو المالي اليهودي الثري آشيل فولد الذي عيَّنه نابليون الثالث (لويس بونابرت) وزيراً للمالية عام 1849 واشترك الطرفان معاً عام 1852 في تأسيس مصرف كريدي موبيليه وهو أول مصرف استثماري حديث في فرنسا نجح في جذب إيداعات آلاف المستثمرين الصغار. وأصبح هذا المصرف الذراع المالي للإمبراطورية الفرنسية، وساهم في إدخال تغييرات جذرية في سوق المال الفرنسي، كما نجح في الحصول على امتيازات بناء السكك الحديدية في فرنسا والنمسا وإسبانيا وروسيا. وقد شكَّل الأخوان بريير، ومصرفهما الجديد، تهديداً مباشراً لنفوذ عائلة روتشيلد وقوتها المالية في أوربا، الأمر الذي دفعها لتعبئة جميع مواردها لمواجهة هذه المنافسة الخطيرة. وانتهى هذا الصراع الضاري، الذي امتدت أحداثه بين أوربا وأمريكا اللاتينية، بانهيار مصرف كريدي موبيليه عام 1867 وضياع أموال آلاف المودعين، الأمر الذي أفقد الأخوين بريير الكثير من مصداقيتهما ومكانتهما. وقد كان الأخوان بريير عضوين في البرلمان الفرنسي خلال حقبة الستينيات من القرن التاسع عشر. كما أصدر إسحق، في الفترة ما بين عامي 1876 1880، جريدة لا ليبرتيه (الحرية) والتي سجَّل فيها آراءه الخاصة حول القضايا السياسية والاقتصادية والصناعية. ولعل الصراع الضاري الذي دار بين الأخوين بريير من جهة وعائلة روتشيلد من جهة أخرى يبين أن الحديث عن " رأسمالية يهودية مستقلة ذات مصالح مستقلة " لا أساس له من الصحة، وأنه تصوُّر صهيوني معاد لليهود في آن واحد. ومع هذا، فحينما اضطر إدموند درومون للاستقالة من جريدة لا ليبرتيه اتهم إسحق بريير بالعنصرية وكتب كتابه فرنسا اليهودية الذي يبين فيه مؤامرة الرأسمالية اليهودية ضد فرنسا وفقرائها. أندريه سيتروين (1878-1935 ( Andre Citroen من رجال الصناعة الفرنسيين. نجح بعد الحرب العالمية الأولى في تصميم وإنتاج سيارة السيتروين الصغيرة التي نالت إقبالاً شعبياً كبيراً. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فقد لعب دوراً مهماً في مجال صناعة الذخيرة الفرنسية إذ أسس مصنعاً أنتج ملايين القنابل. وبعد الحرب، حوَّل سيتروين مصنعه إلى مصنع سيارات لإنتاج سيارات صغيرة، وقد نجح نجاحاً ساحقاً (وسُمِّي «هنري فورد الفرنسي» ) . وعند وفاته عام 1935، كان ثُلُث السيارات في فرنسا يحمل شعار «ماركة سيتروين» . ومن أهم إسهاماته، مسابقة السيارات سيتروين عبر أفريقيا. وهي مسابقة أثبتت ثلاثة أشياء: 1 ـ أنه يمكن إقامة خط اتصال دائم وسريع بين الجزائر وغرب أفريقيا. 2 ـ أدَّى السباق إلى إنشاء محطات على الطريق الذي يربط المستعمرات الفرنسية. 3 ـ فتح السباق المجال أمام استخدام السيارات في حركة الاكتشافات. ولعل هذا هو إسهام سيتروين الأساسي في خدمة التشكيل الاستعماري الغربي الفرنسي. ومن إسهاماته الأخرى أنه أول من وضع نظام إشارات مرور ضوئية في باريس، واستخدم برج إيفل في الإعلانات الضوئية. وكان أول من استخدم الأضواء الكاشفة المسلطة على قوس النصر في ميدان الكونكورد. ورغم جهوده لتوسيع نشاط مؤسسته داخل وخارج فرنسا، إلا أنه اضطر إلى تصفية أعماله عام 1934 إثر مشاكل مالية مترتبة عن أزمة الكساد العالمي. وقد تم إعادة تنظيم المؤسسة بعد أن انتقلت ملكيتها لشركة ميشلن الفرنسية. مارسل داسو (1892-1986 ( Marcel Dassault مهندس فرنسي ومصمم ومنتج الطائرات. تنصَّر بعد عامين من إطلاق سراحه من معسكرات الاعتقال النازية، وعمل بالسياسة، وانتُخب في البرلمان الفرنسي. وصمَّم أول طائرة نقل تعمل بأربعة محركات، وطائرات المستير والميراج المقاتلة التي استخدمتها قوات الطيران الإسرائيلية. وقد صمَّمت الصناعات العسكرية الإسرائيلية طائرة الكفير بعد أن سربت تصميمات طائرات الميراج من شركة داسو. عائلة جولدسميد The Goldsmid Family عائلة مالية بريطانية من يهود الإشكناز تعود جذورها إلى هارون جولدسميد، الذي تُوفي عام 1782، وكان قد استقر في لندن في منتصف القرن الثامن عشر قادماً من أمستردام. وأسَّس في لندن مع ابنه الأكبر جورج جولدسميد (1743 ـ 1812) مؤسسة تجارية باسم هارون جولدسميد وابنه والتي أصبحت فيما بعد تحمل اسم جولدسميد وإلياسون. أما ابنه الثاني أشر جولدسميد (1750 ـ 1822) ، فأسس مع يعقوب موكاتا مؤسسة موكاتا وجولدسميد للسمسرة في مجال بيع وشراء سبائك الذهب والفضة. وأصبح أخواه بنيامين جولدسميد (1755 ـ 1808) وأبراهام جولدسميد (1756 ـ 1810) من رجال المال المرموقين في لندن، وبخاصة خلال حروب الثورة الفرنسية، حيث أسسا معاً عام 1777 مؤسسة للسمسرة في الأوراق المالية، ونجحا خلال فترة الحرب في كسر احتكار المؤسسات المصرفية الكبيرة على القروض العامة وهو ما أتاح للحكومة شروطاً أفضل في هذا المجال. وقد كان الأخوان من المقربين إلى العائلة المالكة البريطانية. وكان لهذه العلاقة أثر في التمهيد لانعتاق اليهود في بريطانيا فيما بعد. وقد أسَّس بنيامين أول مؤسسة إشكنازية خيرية كبيرة في بريطانيا وأدَّى النشاط المالي المهم للعائلة وعلاقتها بصفوة المجتمع البريطاني إلى تآكُل هيمنة الأرستقراطية السفاردية على الجماعة اليهودية في لندن. وقد انتحر بنيامين أثر أزمة نفسية، كما انتحر شقيقه أبراهام من بعده نتيجة أزمة مالية حادة تعرضت لها مؤسسة العائلة. ومن أبرز أفراد العائلة: ـ سير إسحق ليون جولدسميد (1778 ـ 1859) ابن أشر جولدسميد. وهو أول من حمل من بين أعضاء الجماعة اليهودية في بريطانيا لقب «البارونية» . وكان جولدسميد شريكاً في مؤسسة موكاتا وجولدسميد وحقَّق ثروة كبيرة من خلال تمويل عمليات بناء السكك الحديدية. وتركَّز نشاطه في البرتغال وتركيا والبرازيل ومنحه ملك البرتغال عام 1846 لقب بارون بالميرا تقديراً لجهوده في حل الخلافات المالية بين البرتغال والبرازيل. وكان جولدسميد ممن دافعوا بقوة عن قضية إعتاق اليهود في إنجلترا، كما كان من مؤسسي كلية يونفيرستي كوليج في لندن والتي تُعَدُّ من أوليات مؤسسات التعليم العالي غير الطائفية في إنجلترا. وقد لعب جولدسميد دوراً بارزاً أيضاً في تأسيس المعبد الإصلاحي في إنجلترا. ـ سير فرانسيس هنري جولدسميد (1808 ـ 1878) ابن إسحق ليون جولدسميد، والذي دافع مع والده عن قضية إعتاق يهود إنجلترا إلى أن تحقَّق ذلك بالفعل عام 1859. دخل البرلمان عام 1860 وظل عضواً به حتى وفاته، ودخل البرلمان معه أيضاً أخوه فريدريك ديفيد (1816 ـ 1866) . وقد كان جولدسميد أول يهودي يُسمَح له بالانضمام إلى سلك المحاماة البريطاني عام 1833. وقد اهتم جولدسميد بقضايا يهود شرق أوربا، وعُيِّن نائباً لرئيس الجمعية الأنجلو يهودية عام 1871. ـ سير جوليان جولدسميد (1838 ـ 1896) ابن فريدريك ديفيد. وقد كان أيضاً عضواً في البرلمان، كما قاد الجمعية الإنجليزية اليهودية (ترأَّسها في الفترة 1886 ـ 1895) في مساعيها من أجل الدفاع عن حقوق الجماعات اليهودية خارج بريطانيا، كما ترأَّس اللجنة الروسية اليهودية (منذ تأسيسها عام 1882 وحتى عام 1894) التي أثارت قضية أوضاع الجماعات اليهودية في روسيا القيصرية. وكان ألبرت إدوارد وليامسون جولدسميد من أبرز أفراد العائلة المؤيدين للصهيونية. وُلد في بومباي بالهند حيث كان والده هنري إدوارد جولدسميد (1812 ـ 1855) ، الذي كان ينتمي إلى فرع العائلة المتنصِّر، يشغل عدة مناصب مهمة في إدارة الاحتلال البريطاني للهند. وتخرَّج ألبرت من الكلية العسكرية الملكية عام 1866 واشترك في حرب البوير (1899 ـ 1902) في جنوب أفريقيا. وعاد ألبرت إلى العقيدة اليهودية واهتم بالشئون اليهودية، فساهم في مشاريع البارون دي هيرش لإعادة توطين يهود شرق أوربا في دول أمريكا اللاتينية، وسافر إلى الأرجنتين عام 1892 حيث مكث لمدة عام ساعد خلاله في توزيع الأراضي على المُستوطنين اليهود. وكان ألبرت من المتحمسين لهرتزل، وساعد عام 1898 في تأسيس الاتحاد الصهيوني الإنجليزي، كما اشترك عام 1903 في لجنة العريش التي شُكلَت لبحث إمكان توطين اليهود في شبه جزيرة سيناء. عائلة ساسون The Sassoon Family عائلة يهودية سفاردية من التجار ورجال الصناعة والمال حقَّقت ثراءً كبيراً ومكانة مرموقة في بلاد الشرق، وهو ما دعا إلى وصفها بـ «روتشيلد الشرق» . كما ساهمت من خلال شبكاتها التجارية والمالية الواسعة في خدمة مصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية وأطماعها المتنامية في تلك الفترة، وبخاصة في الهند والصين. وتعود جذور العائلة إلى العراق حيث كان مؤسس العائلة الشيخ ساسون بن صالح (1749 ـ 1829) يعمل كبيراً للصيارفة لدى والي بغداد، كما ظل رئيساً للجماعة اليهودية في بغداد لمدة أربعين عاماً. وقد انتقل ابنه ديفيد ساسون (1793 ـ 1864) إلى الهند عام 1833 حيث استقر في بومباي التي كانت تُعتبَر آنذاك بوابة التجارة للهند والشرق الأقصى. واتسعت تجارته لتشمل العراق وإيران والصين ووسط آسيا واليابان وإنجلترا. واحتكر تجارة الغزل الهندي والمنسوجات الإنجليزية والأفيون (وهي ثلاث سلع ارتبطت بآليات الاستعمار البريطاني في الشرق) . واكتسب ساسون الجنسية البريطانية عام 1853 ووصل حجم ثروته عند وفاته إلى خمسة ملايين من الجنيهات. وقد ورثه ثمانية أبناء، تولَّى أكبرهم عبد الله (ألبرت فيما بعد) ساسون (1817 ـ 1897) إدارة تجارة أبيه ومد نشاطها إلى قطاع الصناعة حيث افتتح أول مصنع كبير للنسيج في بومباي، كما أنشأ أول مرفأ بحري على ساحل الهند الغربي، الأمر الذي مهَّد لتحوُّل بومباي إلى ميناء حديث. وكانت بومباي، مثلها مثل غيرها من مدن الشرق، تشهد تحولاً اقتصادياً كبيراً في تلك الفترة نتيجة افتتاح قناة السويس عام 1869. كما اتسع نشاط شركة ساسون إلى مجال التأمين والبنوك والزراعة أيضاً. وانتقل عبد الله (ألبرت) إلى إنجلترا في أواسط السبعينيات من القرن التاسع عشر حيث أصبحت لندن المركز الرئيسي لشركة ساسون. وكان أول من انتقل من الإخوة إلى إنجلترا، عام 1858، هو ساسون ديفيد ساسون (1832 ـ 1867) حيث بدأت الدوائر التجارية في لندن التعرف من خلال نشاطه على قوة وإمكانيات بيت ساسون. ونجح ساسون في دفع مصالح الشركة في إنجلترا إلى الأمام من خلال نشاطه في سوق القطن أثناء الحرب الأهلية الأمريكية. وحصل ألبرت (عبد الله) على البارونية عام 1890 تقديراً لجهوده ونشاطه في الهند. كما كانت له ولأخويه رءوبين (1853 ـ 1905) وآرثر (1840 ـ 1912) علاقة صداقة وطيدة مع ولي العهد البريطاني الذي أصبح فيما بعد الملك إدوارد السابع. وبانتقال مركز نشاط العائلة من الهند إلى إنجلترا، شهدت الأسرة تحولاً سريعاً من أسرة يهودية شرقية شديدة التدين إلى أسرة يهودية بريطانية زاد اندماج أعضائها في المجتمع الإنجليزي الغربي وزاد ارتباطهم بالطبقة البورجوازية الصناعية البريطانية التي كانت تشهد ازدهاراً وتدعيماً لثرائها وقوتها في تلك الفترة. وارتبطت عائلة ساسون بعائلة روتشيلد المالية الثرية، حينما تزوج إدوارد ساسون بن ألبرت ساسون (1856 ـ 1912) ابنة جوستاف روتشيلد في باريس عام 1887. وقد كان إدوارد أول فرد في عائلة ساسون يعمل في السياسة، حيث كان عضواً في البرلمان، وعمل من خلال هذا المنصب على تحسين الاتصالات التلغرافية بين الهند وإنجلترا. واستمر سولومون ساسون (1841 ـ 1894) في متابعة أعمال الأسرة في الشرق، وكان والده قد أرسله في سن مبكرة إلى شنغهاي وهونج كونج لمتابعة تجارة الأسرة، فأصبح رئيس الجماعة اليهودية هناك. ثم عاد إلى الهند عام 1877 حيث تولَّى إدارة الشركة حتى تاريخ وفاته. كما ترأَّس بنك بومباي وغرفة التجارة. ومن بين الإخوة الثمانية، انفصل إلياس ساسون (1820 ـ 1880) عن الشركة الأم، وأسس هو وابنه يعقوب (1844 ـ 1916) شركة خاصة بهما ومنافسة للشركة الأم. واتسعت أعمالها لتشمل بلاد الشرق وأوربا وأفريقيا وأمريكا وحققت نجاحاً فاق نجاح الشركة الأم. وتولَّى يعقوب إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، ووسع أعمالها في الهند، وأسَّس مصنعاً ضخماً للنسيج وأول مصنع للصباغة في بومباي. كما أسَّس البنك الشرقي المحدود (إيسترن بانك ليمتد) ومقره الرئيسي لندن. وكان آخر كبار رجال المال والأعمال في عائلة ساسون هو فيكتور ساسون (1881 ـ 1961) ابن إدوارد إلياس ساسون والأخ الأصغر ليعقوب ساسون حيث ساهم في القطاع الصناعي في الهند وكان عضواً في البرلمان ورئيساً للجماعة اليهودية البريطانية في الهند. إلا أن التحولات التي كانت جارية في الهند في تلك الفترة، وكذلك تنامي حركة التحرر الوطني، أدَّتا إلى انكماش أعماله فيها. فاتجه إلى تأسيس مؤسسة مصرفية في هونج كونج عام 1930 ونقل أعماله من الهند إلى الصين حيث عُرف بأنه «الرجل الذي شيَّد شنغهاي الحديثة» . إلا أنه مع احتلال اليابان لشنغهاي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم تولِّي الحكومة الشيوعية الحكم في الصين واستيلائها على مصالح الشركة، نقل فيكتور أعماله إلى جزر الباهاما عام 1948 ولم يترك ابناً يرثه بعد وفاته. ويتضح، مما سبق، أن ثروة عائلة ساسون ونشاطها المالي والتجاري ارتبطا إلى حدٍّ كبير بمصالح الإمبراطورية البريطانية حيث نما مع نمو الاستعمار البريطاني ومصالحه الرأسمالية في الشرق، وأخذ يخبو مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتنامي حركات التحرر الوطني في الهند والصين وغيرهما من بلاد الشرق. عائلة مونتاجو The MontaguFamily عائلة يهودية إنجليزية من رجال المال والسياسة، من أصل سفاردي. وفي عام 1853، أسَّس صمويل مونتاجو (1832 ـ1911) البنك التجاري: صمويل مونتاجو وشركاه، الذي ساهم من خلال نشاطه في مجال المبادلات المالية في تحويل لندن إلى المركز الرئيسي للمقاصة في سوق المال العالمي. وظلت الخزانة تستشيره في العديد من الشئون المالية. وحصل صمويل عام 1907 على لقب «بارون» ، كما أصبح عضواً في البرلمان. واهتم مونتاجو بالشئون اليهودية، فسافر إلى فلسطين وروسيا والولايات المتحدة، إلا أنه ظل معارضاً بشدة للصهيونية. وكان ولداه الاثنان لويس صمويل مونتاجو (1869 ـ 1927) وإدوين صمويل مونتاجو (1879 ـ 1924) من معارضي الصهيونية أيضاً. حيث عارض إدوين، الذي احتل عدة مناصب سياسية مهمة، وعد بلفور. وساهمت ضغوطه على الوزارة البريطانية في تعديل النص الأصلي بحيث لا تصبح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها دولة كل يهود العالم وإنما دولة من يرغبون في الهجرة إليها. وقد أعرب عن أسفه لأن حكومته اتجهت إلى الاعتراف بشعب لا وجود له. كما أعرب أخوه عن أنه لا يعتبر اليهودية سوى ديانة. ويُعتبَر موقف عائلة مونتاجو من الحركة الصهيونية تعبيراً عن بعض الاتجاهات بين أعضاء الجماعات اليهودية المندمجين التي رفضت الصهيونية واعتبرتها تعبيراً عن عقلية الجيتو في خلطها بين الدين والقومية، كما رأت أن اليهود لا يشكلون سوى أقليات دينية يعتنق أعضاؤها الديانة اليهودية وينتمون مثلهم مثل غيرهم من المواطنين إلى دولتهم القومية التي هي مصدر ثقافتهم ومركز ولائهم. وقد رأى هؤلاء أن الصهيونية تشكل عقبة في طريق الاندماج السوي. سامسون جدعون (1699-1762 ( Samson Gideon من رجال المال الإنجليز. حقق ثروة كبيرة من خلال المضاربات، وكان من العناصر البارزة في تدبير القروض للحكومة البريطانية في منتصف القرن الثامن عشر. وساهمت استشارته المالية للحكومة البريطانية في الحفاظ على الاستقرار المالي للبلاد في فترات الحروب والقلاقل السياسية. وقد تزوج من امرأة غير يهودية، وتنصَّر أبناؤه. هنري دي ورمز (1840-1903 ( Henry Deworms تاجر ورجل دولة بريطاني يهودي. وُلد لعائلة يهودية تجارية ثرية ذات أصول ألمانية. درس القانون ثم التحق بتجارة والده. وفي عام 1880، دخل البرلمان عن حزب المحافظين واختير عام 1885 سكرتيراً برلمانياً لدى المجلس التجاري للحكومة البريطانية. وفي عام 1888، أصبح عضواً في المجلس الملكي الخاص (بالإنجليزية: بريفي كاونسيل Privy Council) ، وعُيِّن في العام نفسه وحتى عام 1892 وكيلاً لوزير الخارجية لشئون المستعمرات. وفي عام 1895، رُفع إلى مرتبة النبلاء. وكان لورمز اهتمام بالشئون والقضايا اليهودية لا يختلف كثيراً عن اهتمامات الساسة الإنجليز من غير اليهود. فقد ناصر قضية يهود رومانيا داخل البرلمان البريطاني، واحتل منصب أمين صندوق ونائب رئيس المعبد الموحَّد، كما ترأَّس الجمعية الإنجليزية اليهودية في الفترة بين عامي 1872، 1886 إلا أنه أُرغم على الاستقالة بعد زاوج ابنته من مسيحي. إرنست كاسل (1852-1921) Ernest Cassel مالي بريطاني وُلد في مدينة كولونيا بألمانيا ابناً لمصرفيّ ألماني يهودي. انتقل إلى إنجلترا وهو في السادسة عشرة، وعمل كاتباً لدى تاجر حبوب، ثم انضم فيما بعد إلى مؤسسة مصرفية مملوكة لعائلة يهودية، ونجح في تسوية بعض مشاكل المؤسسة في السويد وتركيا وأمريكا اللاتينية. وبعد أن حقَّق كاسل قدراً كبيراً من النجاح في هذه المؤسسة، اتجه إلى تأسيس مؤسسة مالية خاصة به وأصبح من الشخصيات المالية العالمية. إذ شملت عملياته المالية تمويل الحكومات الأجنبية، مثل حكومات الصين والمغرب، وحكومات أمريكا اللاتينية. كما ساهم في تمويل عملية تأسيس البنك الأهلي المصري وبناء خزان أسوان. ومُنح كاسل لقب «سير» تقديراً لخدماته للإمبراطورية البريطانية في مصر. وكان من المقربين للملك إدوارد السابع سواء باعتباره صديقاً أو باعتباره مستشاراً مالياً. وتحوَّل كاسل عن دينه واعتنق المسيحية الكاثوليكية، كما تزوجت حفيدته ووريثته إدوينا كاسل (1901 ـ 1960) من الإيرل ماونتباتن، عم ملكة بريطانيا. سيمون ماركس (1888-1964) Simon Marks من رجال التجارة والصناعة في إنجلترا، وكذلك من مؤيدي الحركة الصهيونية، وهو صاحب مجموعة متاجر ماركس وسبنسر المتكاملة (متعددة الأقسام) . هاجر والده إلى إنجلترا قادماً من روسيا عام 1882، وبدأ عمله كبائع متجول وتدرَّج في تجارته حتى فتح العديد من المتاجر الصغيرة التي نمت وتطورت إلى أن أصبحت مجموعة ضخمة من المتاجر المتكاملة المعروفة باسم «ماركس وسبنسر» . وكان النمو الصناعي، الذي تزايدت وتيرته منذ منتصف القرن التاسع عشر، قد أفرز طبقة وسطى متنامية وفي حاجة إلى مثل هذه المتاجر. وكانت خبرات أعضاء الجماعات اليهودية، وكذلك تراثهم التجاري، تؤهلهم لاقتحام هذه المجالات التي كانت لا تزال في بدايتها، وبالتالي تتسم بقدر كبير من المخاطرة. وقد تولَّى سيمون إدارة الشركة بعد وفاة أبيه، فحققت في ظل قيادته نجاحاً تجارياً ومالياً ضخماً. وقد شاركه في أعماله إسرائيل موسى سييف، زميل الدراسة وصهره (تزوج كلٌّ منهما أخت الآخر) . وقد كان ماركس وسييف من مؤيدي الصهيونية، وقد ساعدا حاييم وايزمان في مجهوداته للحصول على وعد بلفور. كما شارك ماركس في المفاوضات السياسية بين القيادات الصهيونية والحكومات البريطانية حتى قيام دولة إسرائيل. كما اشترك في البعثة الصهيونية لمؤتمر باريس للسلام. ساهم هو وسييف في تأسيس معهد دانيال سييف للبحوث عام 1934 في فلسطين، والذي تطوَّر عنه معهد حاييم وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام دولة إسرائيل. وساهم ماركس في دعم التطور الاقتصادي لإسرائيل كما قدَّم ملايين الجنيهات كتبرعات لها. وجاء تأييد ماركس للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين، باعتبارها حلاً لمشكلة يهود شرق أوربا الذين كانت هجرتهم إلى الغرب تهدد أوضاع ومكانة اليهود المندمجين. وكانت الحركة الصهيونية تعكس ارتباط مصالحه ومصالح غيره من أثرياء اليهود بمصالح الرأسمالية الإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل ماركس على لقب «سير» عام 1944 تقديراً لخدماته خلال الحرب العالمية الثانية. كما حصل على لقب «بارون» عام 1961. إسرائيل سييف (1889-1972 ( Israel Sief من رجال التجارة والصناعة البريطانيين، وكذلك من مؤيدي الصهيونية. وُلد في إنجلترا لعائلة من أصل ليتواني هاجرت إلى إنجلترا حيث أسَّس والده تجارة ناجحة لاستيراد المنسوجات. والتحق سييف بتجارة أبيه ثم التحق عام 1915 بمؤسسة ماركس وسبنسر المملوكة لصديقه وصهره سيمون ماركس. ونجحا سوياً، خلال 50 عاماً من العمل المشترك، من تطوير الشركة وتحديث تجارة التجزئة. وقد تولَّى سييف رئاسة الشركة بعد وفاة سيمون ماركس عام 1964. وكان سييف ومعه ماركس وصهره هاري ساخر من مؤيدي الصهيونية. وقد كان سييف سكرتيراً للجنة الصهيونية التي ذهبت إلى فلسطين عام 1918 برئاسة وايزمان. أسس سييف عام 1934 معهد ديفيد سييف للبحوث في فلسطين والذي تطوَّر عنه معهد وايزمان للعلوم عام 1949 بعد قيام إسرائيل. وترأَّس سييف بعض المنظمات الصهيونية في بريطانيا، كما ساهمت زوجته ربيكا في تأسيس التنظيم النسائي للمنظمة الصهيونية العالمية. وحماس سييف للحركة الصهيونية، مثله مثل غيره من أثرياء اليهود المندمجين في الغرب، يعود إلى أنها تشكِّل حلاًّ لمشكلة يهود شرق أوربا الذين هددت هجرتهم إلى الدول الغربية مكانة ومصالح اليهود المندمجين فيها. كما كانت مصالح أثرياء اليهود في بريطانيا مرتبطة بمصالح الرأسمالية والإمبريالية البريطانية التي كانت تسعى إلى إقامة قاعدة لها في المشرق العربي. وقد حصل سييف على لقب «بارون» عام 1966. فيكتور جولانز (1893-1967 ( Victor Gollancz ناشر إنجليزي ومؤلف، وُلد لعائلة يهودية أرثوذكسية مرموقة وتلقَّى دراسته في جامعة أكسفورد. وقد تمرَّد جولانز على أرثوذكسية أسرته وعلى القيم المحافظة للطبقات الوسطى بصفة عامة ومال إلى الاشتراكية وإلى الفكر السلمي فيما بعد، إلا أنه ظل شديد الشغف بالدين إلى درجة شبه صوفية. وتأثر أثناء دراسته باليهودية الليبرالية، إلا أنه اتجه أكثر نحو المسيحية. واعتبر أن رسالة النبي عيسى ليست إلا تتويجاً للتراث اليهودي، ولكنه مع هذا لم يعتنق المسيحية. ودخل جولانز مجال النشر في العشرينيات. وفي عام 1927، أسَّس دار نشر خاصة به. ومع وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا، وجه جولانز نشاطه نحو النشر السياسي، وأسَّس بالتعاون مع جون ستارشي وهارولد لاسكي نادي كُتَّاب اليسار الذي عمل على توفير الكتب السياسية بأسعار ضئيلة. وتحوَّل هذا النادي إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وضم في فترة الذروة 60.000 عضواً، إلا أن المعاهدة الألمانية السوفيتية لعام 1939 والتي اعتبرها جولانز خيانة لا تُغتفَر عجَّلت بنهاية النادي. وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، نشط جولانز في مجال القضايا الإنسانية والسلمية، فساعد على غوث وإنقاذ ضحايا النازية، كما ساعد ضحايا الحرب من الألمان، ودعا إلى المصالحة مع ألمانيا وإلى إعادة بنائها، كما اشترك في أنشطة الجمعيات والمنظمات البريطانية العاملة لإلغاء عقوبة الإعدام. كما كان جولانز من أوائل من نادوا بنزع السلاح النووي وبتوحيد أوربا. أما بشأن فلسطين، فقد أيد جولانز الوجود الصهيوني على أرضها، وحارب منذ عام 1945 سياسة الحكومة البريطانية تجاه الاستيطان اليهودي بها، وعمل على تأمين دخول اللاجئين من اليهود إلى فلسطين، وأيَّد إقامة دولة إسرائيل. إلا أنه أثار الجدل في الأوساط الصهيونية والإسرائيلية بسبب دعوته إلى ضرورة قيام اليهود بمساعدة وغوث الفلسطينيين بعد حرب 1948 (وفيما بعد في قطاع غزة) . وقد ظل جولانز ينادي بالمصالحة بين اليهود والألمان وبين اليهود والعرب، وعارض محاكمة أيخمان في إسرائيل كما عارض عقوبة الإعدام الصادرة ضده، وأصدر عام 1961 كتاباً بعنوان قضية أدولف أيخمان ليعبِّر عن موقفه هذا. وكان عضواً في مجلس إدارة الجامعة العبرية في الفترة ما بين عامي 1952 و1964. وحصل على وسام الشرف من ألمانيا عام 1953، وهو أول شخص غير ألماني يحصل على مثل هذا الوسام، وحصل على لقب سير عام 1965. سيجموند ووربورج (1902-1982 ( Sigmund Warburg مالي بريطاني يهودي وُلد في ألمانيا لعائلة واربورج المالية الثرية، وتلقَّى تعليمه في المدارس الألمانية. وكان أول طالب يهودي يلتحق بواحدة من المدارس الألمانية البروتستانتية العريقة. تلقَّى تدريبه المالي والمصرفي في مؤسسة العائلة في هامبورج ثم في المؤسسة المالية لآل روتشيلد في لندن ثم في عدد من المؤسسات المالية الأمريكية من بينها مؤسسة كون لويب وشركاه التي كان اثنان من أفراد فرع عائلة ووربورج بالولايات المتحدة شريكين بها. وفي عام 1930، عاد إلى ألمانيا حيث أصبح شريكاً في مؤسسة ووربورج وأسَّس أول فرع لها في برلين. ومع مجئ النازي إلى الحكم، انتقل سيجموند ووربورج إلى إنجلترا (عام 1933) . وفي عام 1934، اشترك مع ماكس ووربورج ومجموعة من المصارف في إقامة مؤسسة مالية صغيرة في أمستردام هي دوتش انترناشيونال كوربوريشن مهمتها مساعدة يهود ألمانيا على إخراج أموالهم خارج البلاد وتحويلها إلى إنجلترا والولايات المتحدة وفلسطين. وفي إنجلترا، أقام ووربورج عام 1938 مؤسسته المالية الخاصة والتي أصبحت تعرف منذ عام 1946 باسم «إس. جي. ووربورج S.G. Warburg» . وقد اكتسب ووربورج المواطنة البريطانية عام 1939 وعمل مع المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد نمت مؤسسة ووربورج سريعاً وتحولت إلى واحدة من أهم المصارف الاستثمارية البريطانية وكان لها دور ريادي في تحديث هذا القطاع المصرفي في إنجلترا. وحقق ووربورج مكانة مرموقة في الدوائر المصرفية الدولية ومُنح لقب «سير» عام 1966. ورغم أن ووربورج كان في البداية رافضاً للصهيونية إلا أنه ساهم في توطين المهاجرين اليهود في فلسطين خلال الثلاثينيات. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، توسَّط لديه حاييم وايزمان وديفيد بن جوريون ليضغط على الحكومة البريطانية حتى تفتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين وحتى تُسرع بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وقدَّم ووربورج مساهمات مالية عديدة لإسرائيل، بخاصة لمعهد وايزمان للعلوم، وشارك في دفع عملية التقارب بين مصر وإسرائيل في أعقاب مبادرة الرئيس المصري أنور السادات عام 1977، وهو ما مهَّد الطريق أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. كما طرح خطة اقتصادية شاملة أطلق عليها اسم «الاستثمار من أجل السلام» تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية في الشرق الأوسط من خلال فتح المنطقة أمام الاستثمارات الأوربية والأمريكية، وهو الإطار الذي تدور فيه ما تُسمَّى محادثات السلام العربية الإسرائيلية. جوزيف مندلسون (1770-1848 ( Joseph Mendelssohn مالي يهودي ألماني، والابن الأكبر لموسى مندلسون (1729 ـ 1786) رائد حركة الاستنارة اليهودية. وأسَّس عام 1795 مؤسسة مصرفية أصبحت من أكبر المؤسسات المالية، وساهمت في تحويل برلين إلى مركز مالي دولي. وشاركت مؤسسته في تحويل التعويضات الفرنسية بعد هزيمة نابليون، كما نشطت في مجال تمويل بناء السكك الحديدية في ألمانيا وخارجها، وفي تدبير القروض لروسيا على وجه الخصوص. وكان مندلسون وأخوه أبراهام مندلسون (1776 - 1835) ، الذي شاركه في أعماله المالية لفترة من الوقت، من اليهود المندمجين والمرتبطين بدوائر اليهود المؤمنين بفكر الاستنارة. وقد تنصَّر أحد أبناء جوزيف مندلسون كما تنصَّر أبراهام وزوجته وأبناؤه. وتم ضم بنك مندلسون عام 1939 إلى بنك ألماني آخر بعد مجيء النازي للسلطة في ألمانيا. إميل راتناو (1838-1915 ( Emil Rathenau مهندس، ومن رجال الصناعة الألمان. وكان أول من أدخل نظام الهاتف في الخدمة البريدية في برلين. كما اهتم باختراعات أديسون في مجال الكهرباء، فأسَّس شركة للبحث والتطوير في هذا المجال وهي شركة ايه. إي. جي. AEG التي أصبحت، في ظل إدارته وإدارة ابنه وولتر من بعده، من أكبر المؤسسات الصناعية في أوربا، ومن أهمها في مجال المعدات الكهربائية. وولتر راتناو (1867-1922 ( Walther Rathenau رجل دولة وصناعة، ومفكر ألماني. ابن رجل الصناعة الألماني إميل راتناو (1838 - 1915) مؤسس شركة الكهرباء الألمانية العملاقة آيه. إي. جي. AEG وقد ترأَّس راتناو هذه الشركة بعد وفاة أبيه وعمل على توسيع وتنويع نشاطها بحيث أصبحت من أكبر المؤسسات الألمانية والأوربية. وقد عمل بالسياسة، فالتحق خلال الحرب العالمية الأولى بوزارة الحربية الألمانية حيث أسَّس قسم المواد الخام، واستطاع من خلال هذا المنصب تطبيق نظرياته حول الاقتصاد الموجَّه والتخطيط المركزي. وبالفعل، يعود إليه الفضل، من خلال البرنامج الذي وضعه لتعبئة موارد البلاد، في أن تواصل ألمانيا الحرب لمدة أربعة أعوام برغم مصاعبها الاقتصادية الحادة. واشترك بعد الحرب في المفاوضات الخاصة بتعويضات الحرب، وعُيِّن عام 1922 وزيراً لخارجية ألمانيا (جمهورية وايمار) ووقَّع من خلال هذا المنصب اتفاقية رابالو مع الاتحاد السوفيتي. وتعرَّض راتناو لانتقادات حادة من المنظمات والتيارات اليمينية بسبب سياساته المتعلقة بدفع التعويضات للحلفاء والتصالح مع روسيا البلشفية. وساهمت العناصر المعادية لليهود في زيادة حدة هذه الاتهامات إلى أن اغتيل راتناو عام 1922 على أيدي عناصر يمينية متطرفة. وظل موقف راتناو من عقيدته وهويته اليهودية مُبهماً، فأول عمل نشره هو مقال أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم «شعب الخوف» (بالألمانية: فورخت فولك Furcht Volk) الذين طوروا ملكاتهم الفكرية للدفاع عن أنفسهم. وقد تراسل مع فيلهلم شواز (1863 ـ 1941) وهو من دعاة فكرة الفولك الألمانية وأحد المعادين لليهودية. واعتبره راتناو من أعز أصدقائه. وكتب راتناو عام 1909 في مجلة نيو فراي برس مقالاً يحتوي هذه العبارة: «يوجد ثلاثمائة شخص يعرف كل واحد منهم الآخر، هم الذين يتحكمون في المصير الاقتصادي لأوربا ويختارون حلفاءهم من هذه الحلقة» . وقد فُسِّرت هذه الجملة بأنها دليل على مدى صدق بروتوكولات حكماء صهيون. وكان راتناو من اليهود المندمجين شديدي الاعتزاز بألمانيتهم. ومن ثم، عارض الصهيونية وظل يدعو إلى ضرورة اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الألماني بل إلى انصهارهم، حتى اتُهم بأنه يهودي كاره لنفسه، خصوصاً أنه وجه انتقاداً عميقاً لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . ومع هذا، انتقد راتناو وبشدة اتجاه اليهود نحو التنصُّر حيث اعتبر ذلك شكلاً من أشكال الانتهازية التي لا تهدف إلا لتحقيق مكاسب اجتماعية واقتصادية. وتأثر في مرحلة لاحقة من حياته بالأفكار الصوفية، وبدأ يُظهر تقديراً لما اعتبره مساهمات اليهود الفكرية والأخلاقية والاقتصادية للإنسانية. وانعكست هذه الاتجاهات في كتاباته وفي فلسفته الخاصة التي جمعت بين مسحة صوفية وبين رؤية واقعية للحياة. فأدان راتناو الإيمان المطلق بالتكنولوجيا وبكلٍّ من العقلانية والمادية، ودعا إلى العودة إلى القيم الروحية. ومن ناحية أخرى، دعا إلى إقامة مجتمع تعاوني واقتصاد قائم على الميكنة والتخطيط المركزي تقوده صفوة مثقفة. وأيَّد في الوقت نفسه الليبرالية السياسية والفردية الأخلاقية. عائلة جونزبورج The Guenzburg Family عائلة روسية يهودية شهيرة تخصَّص أعضاؤها في أعمال الصيرفة، وكانوا قادة الجماعة اليهودية في روسيا لمدة ثلاثة أجيال، كما كانوا بمثابة الوسطاء (شتدلان) بين يهود روسيا والسلطات القيصرية. وقد بدأ ازدهار هذه الأسرة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر حينما حصلوا على امتيازات مصانع لتقطير الخمور وعملوا كمتعهدين عسكريين. وزاد نطاق استثمارهم من خلال مصرف جونزبرج الذي أُسِّس في بطرسبرج عام 1859. واستثمروا أموالهم في السكك الحديدية ومناجم الذهب وحققوا مكاسب كثيرة. وكانت أسرة جونزبرج تمثل دوق هس ـ دارمستادت في روسيا، ومنحهم الدوق لقب بارون عام 1871 كما منحهم حق توارثه. وكان أعضاء أسرة جونزبرج من المدافعين عن مُثُل حركة التنوير والمحاولات الرامية إلى دمج اليهود، وكانوا من معارضي النشاطات الصهيونية. ومؤسس العائلة هو البارون جوزيف يوزيل (1812 ـ 1868) الذي ساهم في تأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا (1863) وتبرَّع من أجل تطوير التعليم اليهودي وكذلك لتشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة. وكان ابنه الثاني البارون هوراس (نفتالي هرز) (1833 ـ 1909) شريكاً في المصرف الذي كانت تمتلكه الأسرة ومستشاراً في الدولة وقنصلاً لدوق هس. عائلة بولياكوف The Poliakoff Family عائلة يهودية روسية من رجال المال والصناعة كان لها دور مهم بقيادة الإخوة الثلاثة يعقوب وصمويل وإليعازر في تأسيس البنوك وبناء السكك الحديدية في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. اشترك يعقوب بولياكوف (1872 ـ 1909) في تأسيس العديد من البنوك الروسية، كما احتل منصب نائب رئيس هيئة الاستيطان اليهودية في روسيا. أما أخوه صمويل بولياكوف (1837 ـ 1888) ، فكان من أهم من ساهموا في بناء السكك الحديدية في روسيا والتي كانت ذات أهمية كبيرة في صادرات روسيا من الحبوب، كما ساهم في بناء السكك الحديدية الإستراتيجية في رومانيا خلال الحرب الروسية - التركية (1877ـ 1878) . واهتم صمويل بمجال التعدين، وأسس بعض البنوك العقارية المهمة في روسيا. كما اهتم بالتعليم المهني، فأسَّس مدرسة فنية لتعليم بناء السكك الحديدية وأخرى للتعدين، وبادر بتأسيس منظمة إعادة التأهيل والتدريب (أورت) التي كانت تهدف إلى إعادة تأهيل اليهود تأهيلاً مهنياً وإلى تعليمهم الحرف المختلفة، وهو ما قد يساعد على تحويلهم إلى عنصر اقتصادي منتج. أما أليعازر بولياكوف (1842 ـ 1914) ، فقد اشترك في بناء السكك الحديدية مع أخيه. وكان من أبرز رجال البنوك في موسكو، فأسَّس بنك بولياكوف عام 1877. كما ساهم في تطوير الصناعات في روسيا وإيران. وحصل كلٌّ من الإخوة الثلاثة على لقب «نبيل» . وكان الإخوة بولياكوف يشكلون جزءاً من البورجوازية الروسية التي بدأ يدخلها مموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع بداية عملية التنمية والتحديث. وكانت هذه البورجوازية تشكل شريحة صغيرة من أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا وتتجه بحكم ارتباط مصالحها بالدولة الروسية نحو الاندماج في المجتمع الروسي والانفصال عن الجماهير اليهودية. ونظراً لأن المسألة اليهودية في روسيا كانت تُشكِّل خطراً بالنسبة لهذه الشريحة، فإننا نجد أن مساهمات الإخوة بولياكوف، مثلهم مثل غيرهم من أثرياء اليهود المُتروِّسين، كانت تأخذ اتجاهين: 1 ـ إعادة تأهيل أعضاء الجماعة اليهودية لكي يشكلوا عنصراً اقتصادياً منتجاً يسهل لهم عملية الاندماج في المجتمع الروسي، وهو ما كانت تسعى إليه أيضاً الدولة القيصرية. 2 ـ إعادة توطين الفائض البشري من أعضاء الجماعة اليهودية خارج روسيا من خلال نشاط هيئة الاستيطان اليهودية. وهذه أيضاً هي أهداف ما نسميه «الصهيونية التوطينية» ، أي صهيونية يهود العالم الغربي المندمجين الذين يحاولون مساعدة البلاد التي يعيشون في كنفها على التخلص من الفائض البشري اليهودي. بارنت بارناتو (1852-1897 ( Barnett Barnato من رجال المال والتعدين. وُلد في إنجلترا، ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا عام 1873 حيث التحق بشقيقه الذي كان يعمل في تجارة الماس. وقد بدءا معاً، هو وشقيقه، في شراء حقوق التنقيب عن الماس، ثم استطاعا في عام 1881 تأسيس شركة بارناتو للتعدين التي أصبحت المنافس الأكثر خطورة لشركة دي بيرز للتعدين المملوكة لسيسل رودس والتي كانت تهدف إلى السيطرة على صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وانتهى التنافس بين الشركتين بفوز سيسل رودس ودمج الشركتين عام 1888 لتكونا معاً «مناجم دي بيرز الموحَّدة» التي أصبحت الشركة الرئيسية المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم، وقد احتفظ بارناتو في هذه الشركة بمنصب المدير مدى الحياة. واتجه بارناتو، بعد ذلك، إلى تطوير مناجم الذهب التي كانت قد اكتُشفت حديثاً، وأصبحت مجموعة شركات بارناتو من كبريات الشركات المنتجة للذهب. وتُوفي بارناتو منتحراً عام 1897 حيث ألقى بنفسه من السفينة التي كانت تقله إلى إنجلترا. ليونيل فيلبس (1855-1936) Lionel Philips من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وُلد في لندن ثم هاجر إلى جنوب أفريقيا بعد اكتشاف مناجم الماس هناك. ولعب دوراً مهماً في تنظيم صناعة الماس في جنوب أفريقيا وفي التنظيم المالي والتطوير الفني لمناجم الذهب، وترأَّس بعض الشركات التعدينية المهمة، كما كان رئيساً لغرفة المناجم. وحُكم عليه بالغرامة والنفي بعد تورُّطه في مؤامرة سياسية كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة، إلا أنه عاد للبلاد بعد حرب البويرBoer (1899 ـ 1902) وأصبح عضواً في البرلمان ومُنح البارونية عام 1912. سولومون جول (1865-1931 ( Sololmon Joel من رجال المال والتعدين في جنوب أفريقيا. وقد كان هو وأخواه أولاد أخى بارنيت بارناتو رجل المال والتعدين اليهودي الثري وورثته. وتعاون جول وشقيقاه مع عمهم في تطوير مناجم الذهب في جنوب أفريقيا. وبعد انتحار عمه ومقتل أحد أخويه، أصبح جول مدير إمبراطورية عمه المالية والتعدينية التي كانت تشمل نصيباً في شركة دي بيرز للماس وهي الشركة المسيطرة على سوق الماس العالمي حتى اليوم. وقد تميَّز جول بإنفاقه الباذخ والاستعراضي، وهو ما كان يميِّز الجيل الجديد من أثرياء ومليونيرات جنوب أفريقيا في بدايات القرن العشرين. إرنست أوبنهايمر (1880-1957 ( Ernest Oppenheimer من رجال الصناعة والمال في جنوب أفريقيا. وُلد في ألمانيا والتحق في سن مبكرة بشركة لتجارة الماس في لندن وقد أرسلته عام 1902 إلى جنوب أفريقيا حيث حقق نجاحاً كبيراً في مجال تجارة الماس. وأسَّس عام 1917 المؤسسة الأنجلو ـ أمريكية التي أصبحت تسيطر على شبكة واسعة من المصالح الصناعية والمالية والتعدينية. وفي عام 1929، ترأَّس أوبنهايمر مجلس إدارة شركة دي بيرز العملاقة للماس، وبالتالي أصبح على رأس صناعة الماس في جنوب أفريقيا. وأصبحت هذه الشركة، في ظل إدارته، الشركة المسيطرة على تجارة الماس في العالم. كما كانت له مساهمات مهمة في اكتشاف وتطوير مناجم الذهب بعد الحرب العالمية الثانية. وحصل أوبنهايمر على لقب «سير» عام 1921، وكان عضواً في البرلمان لمدة 14 عاماً. ورغم إنفاقه، هو وزوجته الأولى، بسخاء على المصالح والأعمال الخيرية اليهودية، إلا أنه تنصَّر عند زواجه الثاني من كاثوليكية، كما تنصَّر ابنه هاري فردريك (1908) الذي تولَّى إدارة إمبراطورية أبيه التعدينية والمالية والصناعية، كما ساهم في تطوير صناعة الماس في إسرائيل. صمويل برونفمان (1891-1971 ( Samuel Bronfman من رجال الصناعة الكنديين. التحق في سن مبكرة بتجارة أبيه في مجال الفندقة، ثم دخل مجال تجارة الخمور. ونجح، بعد فترة، في امتلاك أكبر معمل لتقطير الخمور في كندا والعالم. وأصبح برونفمان من أبرز الشخصيات العاملة في مجال تقطير الخمور في العالم. ترأَّس برونفمان الفرع الكندي للمؤتمر اليهودي، كما احتل منصب نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، وشارك بشكل بارز في مجهودات المنظمات اليهودية للضغط على الأمم المتحدة عند تأسيسها عام 1945 لبحث وضع فلسطين وتأمين الوجود الصهيوني بها. وقد اتسع إنفاقه الخيري، وبخاصة في المجالات الاجتماعية والثقافية الخاصة بالجماعة اليهودية والخاصة بالنشاطات الصهيونية. ويُعتبَر موقف برونفمان من الصهيونية مثل موقف غيره من اليهود المندمجين في المجتمعات الرأسمالية والذين يعتبرونها مصدراً للهوية الحضارية في ظل مجتمعات تآكلت فيها القيم الحضارية والأخلاقية، وتشكل هذه الهوية بالنسبة إليهم انتماءً حضارياً دينياً وليس انتماءً سياسياً قومياً. كما أن تأييدهم لإسرائيل ينبع من كونها مركزاً وقاعدة للحضارة والمصالح الغربية في الشرق. دور الجماعات اليهودية الاقتصادي في مصر في العصر الحديث Economic Role of the Jewish Communities in Egypt in Modern Times ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، كان لعدد من العائلات والشخصيات اليهودية المصرية شأن كبير في أحوال مصر الاقتصادية وفي شئونها المالية والتجارية والصناعية. وكانت أغلب هذه العائلات من اليهود السفارد الذين وفدوا إلى مصر خلال القرن التاسع عشر وانضووا تحت الرعويات الأجنبية حتى يستفيدوا من الامتيازات القانونية والاقتصادية الممنوحة للأقليات الأجنبية في مصر خلال تلك الفترة، والتي أتاحت لهذه الأقليات، في ظل الوجود الاستعماري البريطاني، احتلال مكانة داخل الاقتصاد المصري لا تناسب حجمها الحقيقي. وقد قامت هذه العائلات اليهودية بتمثيل المصالح الأوربية المختلفة داخل مصر، سواء كانت فرنسية أو بريطانية أو إيطالية أو غيرها، وقامت بدور الوسيط لرأس المال الأوربي الباحث عن فرص الاستثمار داخل البلاد، أي أنها لعبت دور الجماعة الوظيفية المرتبطة بالاستعمار الغربي (ومما يجدر ملاحظته أن هذا الدور نفسه قامت به بعض الجماعات الأوربية وشبه الأوربية الأخرى، خصوصاً اليونانيين الذين حققوا قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية مماثلة تقريباً لما حققته طبقة كبار الأثرياء من اليهود) . وتركَّز نشاط هذه العائلات اليهودية في الأنشطة المالية الربوية والائتمانية والتجارية، واندمجت بيوتات المال اليهودية في علاقات ووساطة مع البنوك الأوربية وارتبط نشاطها بالدرجة الأولى باقتصاديات زراعة وتجارة القطن وخدمة المصالح الاقتصادية الاستعمارية البريطانية التي كانت تخطِّط لتحويل مصر إلى مزرعة للأقطان. ولعبت مجموعة عائلات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى وموصيري الدور الأكبر في هذا المجال وفي الاقتصاد المصري بشكل عام. لقد ساهمت الجماعات المصرفية اليهودية في عملية التوسع الزراعي في مصر، واشتركت في عملية تصفية الدائرة السنية عام 1880 وبيعها لكبار الملاك الجدد ثم في تأسيس البنك العقاري المصري في العام نفسه بالتعاون مع رأس المال الفرنسي، للقيام بعمليات إقراض القطاع الزراعي الخاص الجديد وتمويل أعمال الزارعة وشراء الأقطان. وفي عام 1897، قامت هذه الجماعات المصرفية، بالتعاون مع رأس المال البريطاني، بتأسيس البنك الأهلي المصري بهدف تمويل المشروعات الخاصة بالتوسع الاقتصادي والاستعماري البريطاني في مصر مثل مشروع بناء خزان أسوان وقناطر أسيوط أو تنظيم شبكة الري في حوض النيل إلى جانب تمويل عمليات شراء ما تبقَّى من أراضي الدائرة السنية من قبل كبار الملاك. واشتركت العائلات اليهودية أيضاً في تأسيس الشركات العقارية العديدة التي أقيمت في إطار مبيعات أراضي الدائرة السنية ثم في إطار الحجوزات العقارية بعد تَراكُم الديون على كبار وصغار الملاك المصريين نتيجة انخفاض الطلب على القطن المصري. وقد تأسَّس أكثر هذه الشركات في الفترة ما بين عامي 1880 و1905، وقامت بامتلاك الأراضي واستغلالها وبإقامة المشروعات العقارية والصناعية عليها وكذلك المضاربة فيها لتحقيق تَراكُم سريع لرأس المال. ومن أهم هذه الشركات شركة أراضي الشيخ فضل، وشركة وادي كوم أمبو. ومن أهم المشاريع الصناعية الزراعية التي أقامها اليهود على أراضي الدائرة السنية شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية التي أُقيمت عام 1897 بالتعاون مع رأس المال الفرنسي واحتكرت لفترة طويلة إنتاج السكر في مصر. وساهم أعضاء الجماعات اليهودية أيضاً في إقامة الهياكل الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي، وخصوصاً اللازمة لنقل وتجارة القطن وغيرها من المحاصيل الزراعية، فاهتموا بإنشاء خطوط النقل الحديدية مثل شركة سكك حديد قنا ـ أسوان (1895) ، وشركة سكك حديد الدلتا المصرية المحدودة وهما أهم شركتين لنقل الأقطان والسكر من الأراضي ومعامل التكرير. كما ساهموا في تأسيس شركة ترام الإسكندرية (عام 1896) التي كانت تقوم بنقل الأقطان إلى البورصة، واشتركوا أيضاً في إدارة بعض الشركات الملاحية مثل شركة الملاحة الفرعونية التي سُجلت عام 1937 وكانت تحتكر تقريباً نقل البضائع المصرية بحرياً. وإلى جانب مساهمتهم في تأسيس كثير من شركات النقل البري والبحري، ساهم أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في عملية التوسع العمراني التي صاحبت التوسع الزراعي. فساهموا، على سبيل المثال، في تأسيس حي سموحة بالإسكندرية وحي المعادي بالقاهرة، وفي إدارة العديد من شركات تقسيم وبيع الأراضي وشركات صناعة البناء. كما لعب المموِّلون اليهود من أعضاء الجماعات اليهودية دوراً أساسياً في مجال تصدير القطن والمحاصيل الزراعية، وكان أكثر من 50%من الشركات المصدرة للقطن في الإسكندرية (قبل التأميم) مملوكة لهم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يحتلون مواقع إدارية مهمة في الشركات الأخرى، كما تركزوا في القطاعات الخاصة وفي تصدير بعض المحاصيل الزراعية المهمة مثل البصل والأرز. ونشطوا في عمليات استيراد السلع والوكالة التجارية للشركات الأجنبية، وبخاصة مع بداية العشرينيات، لاستغلال وفرة الأموال في أيدي أغنياء الحرب والرواج الذي جاء في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد قامت المحلات التجارية الكبيرة المملوكة للعائلات اليهودية، مثل محلات شيكوريل وشملا وبنزيون وعدس وغيرها، بتسويق هذه الواردات السلعية، خصوصاً المنسوجات البريطانية. وقد ارتبطت العائلات اليهودية، سواء من خلال المؤسسات المالية والائتمانية أو من خلال المؤسسات التجارية التي كانت تمتلكها والتي كان أفرادها يحتلون فيها مواقع إدارية مهمة، بشبكة من علاقات العمل المتداخلة تدعمها علاقات المصاهرة. ويمكن تقدير مدى مساهمة أعضاء الجماعات اليهودية في مصر في الشركات والقطاعات الاقتصادية المختلفة من خلال عضويتهم في مجالس إدارة الشركات المساهمة التي سيطرت على أهم قطاعات الأعمال في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن اليهود احتلوا 15,4% من المناصب الرئاسية و16% من المناصب الإدارية عام 1943، وانخفضت هذه النسبة إلى 12,7% و12,6% عامي 1947 و1948، وإلى 8,9% و9,6% عام 1951. وتشير إحصاءات أخرى إلى أن نسبة اليهود في مجالس إدارة الشركات المساهمة كانت 18% عام 1951. والواقع أن هذه نسب مرتفعة إذا ما قورنت بنسبتهم لإجمالي السكان والتي بلغت عام 1950 نحو 0,4% فقط. وكان معظم رأس المال اليهودي متمركزاً عام 1956، وقبل قرارات التأميم، في الشركات العقارية يليه قطاع حلج وغزل ونسج القطن ثم التأمين والبنوك. وكانت هذه القطاعات هي أكثر القطاعات ربحية في الاقتصاد المصري، وبخاصة خلال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى بداية الخمسينيات. وفي شأن دور أعضاء الجماعات اليهودية في اقتصاد مصر، منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عمليات التأميم عام 1956، يمكننا أن نلاحظ ما يلي: 1 ـ لعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً لا باعتبارهم يهوداً وإنما باعتبارهم أعضاء في التشكيل الاستعماري الغربي الذي أتوا معه (وقد جاءت معهم أيضاً الأقليات الغربية الأخرى مثل اليونانيين والإيطاليين والإنجليز ... إلخ) واستقروا ضمن إطار الامتيازات الأجنبية وأسسوا علاقات مع المجتمع هي في جوهرها علاقات استعمارية. ولذا، يُلاحَظ بشكل ملموس غياب يهود مصر المحليين، خصوصاً القرّائين، عن هذا القطاع الاقتصادي النشيط، فلم يكن عندهم رأس المال ولا الكفاءات ولا الاتصالات للاضطلاع بمثل هذا الدور. 2 ـ يُلاحَظ أن كبار المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا دور الجماعة الوظيفية الوسيطة بين الاقتصاد العالمي الغربي والاقتصاد المحلي. وقام أعضاء الجماعات اليهودية بدور ريادي نشيط في عدد من الصناعات والقطاعات الاقتصادية الجديدة التي يتطلب ارتيادها كفاءة غير عادية وجسارة، وهو الدور الذي يلعبه أعضاء الجماعات الوظيفية، وقد اشترك فيه معهم المموِّلون من أعضاء الجاليات الأجنبية الأخرى. 3 ـ تركَّز هؤلاء المموّلون في صناعات وقطاعات مالية قريبة من المستهلك (حلج القطن ـ المصارف ـ تسويق السلع ـ العقارات ... إلخ) وهي قطاعات بعيدة عن الصناعات الثقيلة. ويعزى نشاط أعضاء الجماعات اليهودية في قطاع الزراعة إلى نظام ملكية الأراضي في مصر الذي فتح الباب على مصراعيه للأجانب (اليهود وغيرهم (. 4 ـ ومع تزايُد فاعلية القوى الوطنية ونشاطها في القطاع الاقتصادي، بدأ نشاط الطوائف الأجنبية يتراجع بما في ذلك نشاط المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية. 5 ـ وحينما تم التأميم عام 1956، كان ذلك تتويجاً لتصاعُد هذه الحركة واختزالاً لبقية المرحلة. وقد كان قرار التأميم موجَّهاً ضد المموِّلين الأجانب والمصريين ممن كان الحكم المصري يرى أن نشاطهم يربط الاقتصاد الوطني بعجلة الاستعمار الغربي ويعوق عمليات التنمية من خلال الدولة والتي تبناها هذا النظام الوطني. ولذا، فقد هاجر كثير من هؤلاء المموِّلين وغيرهم من المموِّلين الأجانب والمصريين. لكل ما تقدَّم، يكون من الصعب جداً الحديث عن «رأسمالية يهودية في مصر» أو «مخطَّط يهودي للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الوطني في مصر» . فقدوم أعضاء الجماعات اليهودية إلى مصر ونشاطهم الاقتصادي فيها وخروجهم منها تم داخل إطار الاستعمار الغربي، ولم يكن هناك بُعد يهودي يعطي خصوصية يهودية لنشاط الجماعة اليهودية في مصر. وإذا كان هناك 10% من المناصب الإدارية الرئاسية في أيد يهودية، فإن نحو 90% من هذه المناصب تظل في أيد غير يهودية، ونسبة كبيرة منها في أيدي اليونانيين والإيطاليين وغيرهم. وإذا كان ثمة تعاطُف مع الحركة الصهيونية، فإنه لم يأخذ شكل ظاهرة عامة أو نمط متكرر وإنما كان اتجاهاً فردياً يمكن تفسيره هو الآخر في إطار انتماء المموِّلين من أعضاء الجماعات اليهودية إلى التشكيل الاستعماري الغربي. وتجب الإشارة إلى أن تأييد بعض الأثرياء اليهود للنشاط الصهيوني يمكن أن نضعه في إطار ما يُسمَّى «الصهيونية التوطينية» ، فقد شهدت مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر هجرة أعداد من يهود شرق أوربا (الإشكناز) إليها، كان أغلبهم من الشباب الفقير وكانوا يختلفون ثقافياً وعقائدياً وطبقياً عن الأرستقراطية السفاردية المصرية. كما تورَّط كثير منهم في الأنشطة المشبوهة، خصوصاً الدعارة، وهو ما دفع السفارد لإطلاق لقب «شلخت» ، أي الأشرار، عليهم. وكان وجودهم يهدد بخلق أعباء مادية ومشاكل اجتماعية محرجة لأثرياء اليهود. ولذلك، فقد كان دعم بعض أعضاء الأرستقراطية السفاردية للأنشطة الصهيونية في مصر يهدف إلى تحويل هذه الهجرة إلى فلسطين بعيداً عن مصر. كما سعى بعضهم لدى السلطات المصرية لوقف الهجرة اليهودية القادمة إلى مصر كليةً. هذا، ويمكن القول بأن وضع يهود مصر والدور الذي اضطلعوا به هو نمط متكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية وأعضاء الجماعات الوظيفية الغربية الأخرى في العالم العربي ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر. عائلة رولو The RoloFamily «رولو» اسم عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر واحتفظت بالجنسية البريطانية. وقد امتلك روبين رولو مؤسسة تجارية تخصَّصت أساساً في استيراد النيلة (صبغة) . وفي عام 1870، أسس ولداه جياكومو (يعقوب) (1847 ـ 1917) وسيمون، مع بعض الشركاء، مؤسسة مالية وتجارية باسم «روبين رولو وأولاده وشركاهم» . وتعاونت عائلة رولو من خلال هذه المؤسسة مع عائلتي قطاوي وسوارس في العديد من المشاريع التي أقاموها بالتعاون مع المالي البريطاني سير إرنست كاسل ـ خصوصاً مشاريع الدائرة السنية وإقامة سكك حديد حلوان وتأسيس البنك العقاري المصري والبنك الأهلي المصري. وخلال الأزمة الاقتصادية التي حدثت عام 1907، صفَّى جياكومو المؤسسة ثم أقام مع أبنائه الثلاثة مؤسسة رولو وشركاه والتي جمعت بين الأنشطة المصرفية والمالية وتجارة الجملة في القطن والسكر والأرز والفحم والبن، كما امتلكت حصصاً كبيرة في بعض الشركات العقارية الكبرى (مثل: شركة وادي كوم أمبو وشركة أراضي الشيخ فضل) وشركة مصانع السكر. وعند وفاته، ترك جياكومو رولو ثروة من العقارات تُقدَّر بنحو 70 ألف جنيه. أما ابنه الأكبر روبير جياكومو رولو (1876 ـ؟) ، فقد درس في بريطانيا، وانتُخب رئيساً للطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة 1934 ـ 1948. وكان روبير جياكومو مناهضاً للصهيونية، واستقال من رئاسة الطائفة عام 1948 قبل اندلاع حرب فلسطين مباشرة بسبب خلافه مع حاخام الإسكندرية المؤيد للصهيونية. أما روبير رولو (1869 ـ؟) ، فحقق مكانة مهمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ودرس القانون في باريس ثم تولَّى رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات التي ساعد أباه في تأسيسها. وكان مستشاراً قانونياً للملك فؤاد الأول ومقرباً له فقام بدور الوسيط بين القصر ودار المندوب السامي البريطاني، وعملت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وحصل هو على لقب «سير» عام 1938. وكان روبير جياكومو من كبار أعضاء الجماعة اليهودية في مصر، ولكنه لم يشارك في شئونها. عائلة سوارس The Suares Family «سوارس» اسم عائلة سفاردية من أصل إسباني استقرت في مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر، وحصلت على الجنسية الفرنسية. وقد أسَّس الإخوة الثلاثة، روفائيل (1846 ـ 1902) ويوسف (1837 ـ 1900) وفيلكس (1844 ـ 1906) ، مؤسسة سوارس عام 1875. وفي عام 1880، قام روفائيل سوارس، بالتعاون مع رأس المال الفرنسي ومع شركات رولو وقطاوي، بتأسيس البنك العقاري المصري، كما قام بالتعاون مع رأس المال البريطاني الذي مثَّله المالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل بتأسيس البنك الأهلي المصري عام 1898 وتمويل بناء خزان أسوان. كما اشترك سوارس مع كاسل وعائلة قطاوي في شراء 300 لف فدان من أراضي الدائرة السنية وإعادة بيعها إلى كبار الملاك والشركات العقارية. كذلك اشترك سوارس مع رأس المال الفرنسي في تأسيس شركة عموم مصانع السكر والتكرير المصرية عام 1897 والتي ضمتها عام 1905 شركة وادي كوم أمبو المساهمة، وكانت من أكبر المشاريع المشتركة بين شركات قطاوي وسوارس ورولو ومنَسَّى، وكانت واحدة من أكبر الشركات الزراعية في مصر. وفي مجال النقل البري، أسست العائلة شركة «سوارس لعربات نقل الركاب» ، وتعاونت مع عائلة قطاوي في إقامة السكك الحديدية. كما امتلكت العائلة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأراضي البناء في وسط القاهرة حيث سُمِّي أحد الميادين باسم «ميدان سوارس» (مصطفى كامل الآن) . وامتلكت عائلة سوارس حصصاً وأسهما في العديد من الشركات، واحتل كثير من أفرادها مواقع رئاسية وإدارية في كثير منها. فتولى ليون سوارس (ابن فليكس سوارس) إدارة شركة أراضي الشيخ فضل وإدارة شركة وادي كوم أمبو. وعند وفاة أبيه، ترك ليون مؤسسة سوارس ليخلف أباه في إدارة البنك الأهلي والبنك العقاري المصري. ولم تلعب عائلة سوارس دوراً كبيراً في شئون الجماعة اليهودية باستثناء إدجار سوارس الذي تولَّى رئاسة الجماعة في الإسكندرية في الفترة من 1914 ـ 1917. عائلة شيكوريل The Cicurel Family عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي. وقد جاء مورينو شيكوريل إلى مصر قادماً من تركيا واستقر فيها، وعمل بأحد محلات عائلة هانو اليهودية، ثم اشترى المحل عام 1887. وفي عام 1909، افتتح محلاًّ جديداً في ميدان الأوبرا والذي حوَّله أبناؤه سالومون ويوسف وسالفاتور إلى واحد من أكبر المحلات التجارية في مصر. وفي عام 1936، انضمت لهم عائلة يهودية أخرى، فأصبحوا يمتلكون معاً مجموعة محلات أركو. وقد كان يوسف (بك) شيكوريل من مؤسسي بنك مصر (عام 1920) ، كما كان أخوه سلفاتور (بك) شيكوريل عضواً في مجالس إدارة العديد من الشركات وعضواً في مجلس إدارة الغرفة التجارية المصرية ثم رئيساً لها. وكان ضمن البعثة الاقتصادية المصرية التي سافرت إلى السودان بهدف تعميق العلاقات التجارية بين البلدين وفتح مجالات جديدة أمام رؤوس الأموال المصرية في السودان. وفي عام 1946، ترأَّس سلفاتور الطائفة الإسرائيلية خلفاً لرينيه قطاوي (وكان آخر رئيس لها) ، كما ترأَّس المنظمة الصهيونية بالقاهرة وكان من مؤسسي جماعة أصدقاء الجامعة العبرية. عائلة قطاوي The Cattaui Family عائلة مصرية يهودية برز عدد من أفرادها في النشاط السياسي والاقتصادي في مصر في أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين، وترجع أصولها إلى قرية قطا شمالي القاهرة. بدأ دور هذه العائلة مع نزوح أليشع حيدر قطاوي إلى القاهرة في أواخر القرن الثامن عشر حيث حصل ابنه يعقوب (1801 ـ 1883) على امتيازات من الحكومة للقيام بأنشطة تجارية ومالية، وكان أول يهودي مصري يمنح لقب «بك» . كما حصل على لقب «بارون» من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي حملت العائلة جنسيتها. وقد أوكلت إليه نظارة الخزانة في فترة حكم الخديوي عباس الأول (1849 ـ 1854) ، واحتفظ بهذا المنصب خلال حكم الوالي سعيد والخديوي إسماعيل، وتولَّى في أواخر أيامه رئاسة الجماعة اليهودية في القاهرة التي كانت تُسمَّى «الطائفة الإسرائيلية» . وبعد وفاته، خلفه ابنه موسى قطاوي (1850 ـ 1924) في رئاسة الطائفة، واختير عضواً في البرلمان المصري، كما مُنح لقب الباشوية. وكان موسى قطاوي من كبار رجال المال والبنوك، وتولَّى إدارة عدد من الشركات وساهم في تمويل مشاريع السكك الحديدية في صعيد مصر وشرق الدلتا ومشاريع النقل العام في القاهرة بالتعاون مع عائلات سوارس ورولو ومنَسَّى. وبعد وفاة موسى، انتقلت رئاسة الطائفة إلى يوسف أصلان قطاوي (1816 ـ 1942) الذي درس الهندسة في باريس وعمل عند عودته موظفاً في وزارة الأشغال العامة. ثم سافر إلى إيطاليا لدراسة أصول صناعة السكر وعاد إلى مصر ليؤسس مصنعاً للسكر، واختير عضواً في العديد من المجالس الاستشارية للمؤسسات الصناعية والمالية واشترك عام 1920 بالتعاون مع طلعت حرب ويوسف شيكوريل في تأسيس بنك مصر. وفي عام 1915، كان يوسف قطاوي عضواً في الوفد المصري الساعي إلى التفاوض مع بريطانيا لنيل الاستقلال لمصر، كما اختير عام 1922 عضواً في اللجنة التي أُسندت إليها مهمة وضع دستور مصري جديد في أعقاب الثورة المصرية (1919) والتصريح البريطاني بمنح مصر استقلالها الشكلي (1923) . وقد عمل يوسف أصلان قطاوي وزيراً للمالية عام 1924 ثم وزيراً للمواصلات عام 1925، وانتُخب عام 1923 عضواً في مجلس النواب عن دائرة كوم أمبو، كما كان عضواً في مجلس الشيوخ في الفترة من 1927 وحتى 1936. ونشر عام 1935 دراسة بالفرنسية تدافع عن سياسة الخديوي إسماعيل الاقتصادية. وقد تزوج من عائلة سوارس اليهودية الثرية وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي. وبعد وفاة يوسف أصلان، انتُخب ابنه أصلان ليشغل مقعد أبيه في مجلس الشيوخ عام 1938، كما عمل سكرتيراً عاماً لمصلحة الأملاك الأميرية التابعة لوزارة المالية ومندوباً عن الحكومة المصرية في شركة قناة السويس ومندوباً للحكومة في البنك الأهلي المصري. أما ابنه الثاني رينيه، فقد اختير عام 1943 رئيساً للجماعة اليهودية في القاهرة. وكان عضواً في البرلمان كما كان يدير عدة مشروعات اقتصادية، ونشر بين عامي 1931 و 1936 ثلاثة مجلدات تشكل تأريخاً لفترة حكم محمد علي. وكان يوسف قطاوي من مؤسسي جمعية مصر للدراسات التاريخية اليهودية. وفي عام 1957، غادر الأخوان رينيه وأصلان مصر واستقرا في أوربا. أما آخر الشخصيات البارزة في عائلة قطاوي، وهو جورج قطاوي، فقد كانت اهتماماته أدبية في المقام الأول حيث نشر عدة دراسات عن الأدبين الإنجليزي والفرنسي، كما كان يكتب الشعر بالفرنسية. وقد اعتنق المذهب المسيحي الكاثوليكي مع العديد من المثقفين المصريين اليهود السفارد الذين تخلوا عن اليهودية. وعلى عكس ما تدَّعي بعض المصادر الصهيونية، ليس ثمة ما يشير إلى تعاطُف الشخصيات الرئيسية في عائلة قطاوي مع المشروع الصهيوني من بعيد أو قريب، ولا إلى قيامهم بأية أنشطة من شأنها دعم هذا المشروع. بل عارض كلٌّ من يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي الصهيونية، حينما تولَّى كلٌّ منهما رئاسة الطائفة اليهودية في مصر. وحذر رينيه قطاوي يلون كاسترو، زعيم الحركة الصهيونية في مصر، من الدعوة للهجرة إلى فلسطين باعتبار أن ذلك يمس علاقة الجماعة بالسلطات المصرية. كما دعت عائلة قطاوي إلى اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع المصري وشجع يوسف أصلان قطاوي تأسيس «جمعية الشبان اليهود المصريين» (1934/1935) وجريدة الشمس الأسبوعية الصادرة بالعربية، وقد كان هدفهما «تمصير» أعضاء الجماعة وتعميق انتمائهم للوطن المصري. عائلة مِنَسَّى The Menasce Family «منَسَّى» أو «دي منَسَّى» أو «منَسَّه» ، لكن النطق الشائع في مصر هو «منشه» . ويُوجَد شارع في الإسكندرية يُسمَّى «شارع منشَّه» . ومنَسَّه عائلة يهودية سفاردية جاءت إلى مصر من إسبانيا، ويعود أول ذكر لوجودها في مصر إلى القرن الثامن عشر. بدأ يعقوب دي منَسَّى (1807 ـ 1887) حياته صرَّافاً في حارة اليهود، وتدرَّج في عمله حتى أصبح صراف باشا للخديوي إسماعيل. ثم أسس بالتعاون مع يعقوب قطاوي مؤسسة مالية وتجارية (بيت منَسَّى وأولاده) أصبح لها أفرع في مانشستر وليفربول ولندن وباريس ومارسيليا وإستانبول، كما اشترك بالتعاون مع الخديوي إسماعيل في تأسيس البنك التركي المصري، وارتبط نشاطه بكثير من شركات ومشاريع عائلتي قطاوي وسوارس. وفي عام 72/1873، مُنح يعقوب دي منَسَّى الحماية النمساوية، وفي عام 1875 مُنح لقب البارونية والجنسية النمساوية المجرية تقديراً للخدمات التي قدمها للتجارة النمساوية المجرية ـ المصرية. وترأَّس يعقوب دي منَسَّى الطائفة اليهودية في القاهرة عام 1869، ثم انتقل عام 1871 إلى الإسكندرية حيث أسَّس معبد منَسَّى ومقابر منَسَّى ومدارس منَسَّى، وترأَّس ابنه ديفيد ليفي دي منَسَّى (1830ـ 1885) رئاسة الطائفة في الإسكندرية وخلفه في رئاستها ابنه جاك (1850 ـ 1916) الذي احتفظ بها حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حينما اعتبرته السلطات البريطانية عدواً لأنه كان يحمل الجنسية النمساوية المجرية. وقد نقل جاك أعمال الأسرة من الأعمال المالية والمصرفية إلى تجارة القطن والسكر المربحة، واشترى مساحات واسعة من الأراضي في دلتا وصعيد مصر. ووصلت ثروته عند وفاته إلى ما بين 300 و500 ألف جنيه مصري. أما الشقيق الأصغر فليكس يهودا (1865 ـ 1943) ، فدرس في فيينا وأسَّس فرع بيت منَسَّى في لندن وترأَّس الطائفة اليهودية في الإسكندرية في الفترة ما بين عامي 1926 و1933. وكان فليكس دي منَسَّى صديقاً لحاييم وايزمان، فأسَّس وترأَّس اللجنة المؤيدة لفلسطين عام 1918 كما مثَّل الحركة الصهيونية المصرية في لندن لدى المؤتمر الثاني عشر (1921) . أما ابنه جان قطاوي دي منَسَّى (1896 ـ؟) فقد اعتنق الكاثوليكية وانضم إلى الرهبان الدومينيكان وقام بالدعوة إلى المسيحية في الإسكندرية (وهذا نمط متكرر بين اليهود السفارد الذين كانوا يعيشون في الشرق العربي) . عائلة موصيري The Mosseri Family «موصيري» اسم عائلة يهودية سفاردية من أصل إيطالي استقرت في مصر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وقد احتفظت العائلة بالجنسية الإيطالية. وحقَّق يوسف نسيم موصيري ثروته من التجارة. وبعد وفاته عام 1876، أسَّس أبناؤه الأربعة مؤسسة يوسف نسيم موصيري وأولاده. وتزوج الابن الأكبر نسيم (بك) موصيري (1848 ـ 1897) من ابنة يعقوب قطاوي، وأصبح نائب رئيس الطائفة الإسرائيلية في القاهرة وهو منصب توارثته العائلة من بعده. ولم تحقِّق عائلة موصيري انطلاقتها الحقيقية إلا في أوائل القرن العشرين (1904) عندما أسَّس إيلي موصيري (1879 ـ 1940) ابن نسيم (بك) ، بالتعاون مع إخوته الثلاثة يوسف (1869 ـ 1934) وجاك (1884 ـ 1934) وموريس، بنك موصيري. حقَّق إيلي موصيري مكانة مرموقة في عالم المال والأعمال في مصر، وكان قد درس الاقتصاد في إنجلترا وتزوج من ابنة فليكس سوارس. وكانت تربطه علاقات وثيقة بإسماعيل صدقي، كما كانت له مصالح عديدة في فرنسا وعلاقات وثيقة ببيوت المال الأوربية اليهودية مثل بيوت روتشيلد ولازار وسليجمان، كما كان يمثل المصالح الإيطالية في مصر. ومن أفراد العائلة الآخرين جوزيف موصيري الذي أسَّس شركة «جوزي فيلم» للسينما عام 1915 والتي أقامت وأدارت دور السينما واستوديو للإنتاج السينمائي وتحوَّلت إلى واحدة من أكبر الشركات العاملة في صناعة السينما المصرية. أما فيكتور موصيري (1873ـ 1928) ، فكان مهندساً زراعياً مرموقاً وكانت له إسهامات مهمة في مجال زراعة القطن وصناعة السكر. وقد ارتبط اثنان من أعضاء عائلة موصيري بالنشاط الصهيوني، فقد أسَّس جاك موصيري الذي درس في إنجلترا وحضر المؤتمر الصهيوني الحادي عشر (عام 1913) المنظمة الصهيونية في مصر (عام 1917) . أما ألبير موصيري (1867 ـ 1933) ، فدرس الطب في فرنسا حيث تعرَّف إلى هرتزل ونوردو، وبدأ في إصدار جريدة صهيونية باسم «قديماه» وخدم في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى كطبيب. وبعد الحرب، ترك الطب وبدأ (عام 1919) في إصدار جريدة أسبوعية في القاهرة بعنوان إسرائيل صدرت في البداية بالعبرية فقط ثم بالعربية والفرنسية بعد ذلك. وقد استمرت زوجته في إصدار الجريدة بعد وفاته وحتى عام 1939 حينما هاجرت إلى فلسطين. وقد خدم ابنهما مكابي موصيري (1914 ـ 1948) كضابط في البالماخ وقُتل في إحدى العمليات العسكرية أثناء حرب 1948. فيكتور هراري (1857-1945 ( Victor Harari مموِّل مصري يهودي سفاردي اسمه (سير) فيكتور. جاء والده إلى مصر في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر قادماً من بيروت. وقد أكمل هراري دراسته في إنجلترا وفرنسا، ثم عمل موظفاً في وزارة المالية المصرية وأصبح مدير الحسابات المركزية ثم مدير الخزانة، كما كان مندوب الحكومة المصرية في لجنة إصلاح ميزانية الأوقاف. وفي عام 1905، بدأ نشاطه الخاص وأصبح مُمثِّلاً للمالي البريطاني اليهودي سير إرنست كاسل، وترأَّس عدداً من الشركات التي أُقيمت بالتعاون بين كاسل ومجموعة قطاوي ـ سوارس ـ منَسَّى ـ رولو، وانتخب عام 1929 عضواً بمجلس إدارة البنك الأهلي المصري. وحصل على لقب سير عام 1928 تقديراً للخدمات التي قدَّمها للحكومة البريطانية. يوسف بتشوتو (1857-1945) Joseph Betshoto اقتصادي مصري يهودي وُلد في الإسكندرية لعائلة سفاردية ذات أصول إيطالية قدمت إلى مصر من حلب. وقد بدأ حياته موظفاً في مؤسسة تجارية، وأسَّس عام 1896 تجارته الخاصة فأقام عام 1917 شركة لاستيراد المنسوجات القطنية. واكتسب بتشوتو سمعة طيبة كخبير اقتصادي، كما كان عضواً في مجالس إدارة عدد من الشركات وعضواً بالغرفة التجارية بالإسكندرية. وعُيِّن عام 1922 عضواً بالمجلس الاقتصادي للحكومة المصرية. وكان بتشوتو متعاطفاً مع الحركة الوطنية المصرية، فانضم إلى حزب الوفد وانتُخب عضواً بمجلس النواب ثم دخل مجلس الشيوخ عام 1924. كما كان نائباً لرئيس اللجنة المؤيدة لفلسطين والتي تأسست عام 1918 ورئيساً للبناي بريت (أبناء العهد) في الإسكندرية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الفكر الاشتراكي الغربي وموقفه من الجماعات اليهودية
Western Socialist Thought: Its Attitude toward the Jewish Communities تتسم النظرة الاشتراكية إلى أعضاء الجماعات اليهودية بالإبهام نفسه الذي تتسم به رؤية عصر الاستنارة إليهم. فقد دعا مفكرو عصر الاستنارة إلى المساواة بين كل البشر، وبالتالي إلى إعتاق اليهود وإعطائهم حقوقهم السياسية والاقتصادية كاملة. وهذا تيار أساسي في الفكر الاشتراكي يُوجَد في كثير من كلاسيكيات هذا الفكر. لكن إعتاق اليهود، بل الإنسان عموماً، يتم في إطار مفاهيم علمانية مادية مثل مفهوم الإنسان الطبيعي أو المادي أو العالمي أو الأممي. فهو مفهوم مادي اختزالي يُسقط أية خصوصية أو هوية، ويرى الإنسان باعتباره جزءاً من الطبيعة/المادة. ويترتب على هذه المقدمات عدة نتائج أهمها رفض خصوصية اليهود العرْقية، ثم يُنظَر إليهم باعتبارهم مواطنين عاديين وحسب يمكن دمجهم في المجتمع وإعطاؤهم حقوقهم كافة. ومن ثم نجد أن كثيراً من كلاسيكيات الفكر الاشتراكي ترفض الفكرة الصهيونية التي ترى أن اليهود أمة عرْقية مستقلة. ولكن، كما أن هناك تياراً داخل فكر حركة الاستنارة يرى أن اليهود عنصر له خصوصيته، وأن تخلُّصه من هذه الخصوصية أمر صعب بل مستحيل أحياناً، فإن الفكر الاشتراكي قد اشتمل على مثل هذا التيار. وهو يترجم نفسه أيضاً إلى اتجاه معاد لليهود ومتحيِّز للصهيونية في آن واحد. ويطرح أتباع هذا التيار فكرة هوية يهودية مستقلة عضوية يُفترَض فيها عادة أنها ذات طابع شرقي أو آسيوي أو سامي. وقد ازداد الاهتمام بهذا الجانب مع تزايُد الاهتمام بالعنصر الهيليني (الآري فيما بعد) في الهوية الغربية. وهو اهتمام صار محورياً في الخطاب السياسي الغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد أكد هيجل على ما أسماه «الطابع الشرقي» للروح القومية اليهودية التي لم تدرك المثل العليا (الهيلينية) للحرية والعقل، فظلت اليهودية لذلك مرتبطة بشعائر بدائية لاعقلانية أو طقوس لا روح فيها تسبَّبت في نهاية الأمر في إدخال العنصر العبراني السلبي على الحضارة الغربية. وكجزء من هجومهم على المؤسسات القائمة في المجتمع، قام المفكرون الاشتراكيون بالهجوم الضاري على المسيحية وعلى كل الأفكار الدينية، فوجَّهوا النقد إلى اليهودية باعتبارها أساس المسيحية، بل باعتبارها شكلاً متخلفاً منها. واتهموا اليهودية أيضاً بأنها تتضمن عناصر نفعية أنانية تشجع اليهود على الاهتمام بأنفسهم وعلى كُره البشر. كما أن اليهودية تشجع اليهود على ضرب العزلة حول أنفسهم وعلى البقاء سجناء شعائرهم البدائية المتخلفة مثل قوانين الطعام التي تجعل اندماجهم مع بقية الجنس البشري مستحيلاً. بل إن بعضهم ذهب إلى حد القول بأن اليهودية تتضمن عناصر هضمية أو معوية، وأن كل إشارة إلى الإله في العهد القديم مرتبطة بالطعام، وأن تقديم القرابين البشرية كان أحد العناصر المكوِّنة للعبادة اليسرائيلية القديمة. وللقضية أيضاً جانب اقتصادي، فكثير من المفكرين الاشتراكيين ينظر إلى اليهود بوصفهم عنصراً هامشياً غير منتج يتركز في التجارة والأعمال المالية ولا يتجه إلى الصناعة أو الزراعة أبداً (أي أنهم جماعة وظيفية وسيطة) . كما أن بعض الاشتراكيين يرون أن ثمة علاقة عضوية بين اليهود والرأسمالية، خصوصاً في شكلها التجاري المتمثل في الأعمال المالية والبورصة. لكل ما تقدَّم، ذهب بعض المفكرين الاشتراكيين إلى أن اليهود يشكلون جماعة بشرية غير سوية وغير طبيعية. وكان الحل الذي يطرحونه هو ضرورة تخليص اليهود من هويتهم المتخلفة أو الخسيسة أو الأنانية (البورجوازية أو الرأسمالية) وتحويلهم إلى عناصر منتجة ودمجهم في المجتمع أو تأكيد هويتهم وتوطينهم في فلسطين داخل مجتمع تعاوني اشتراكي. وقد ساوى كارل ماركس بين " برجزة " المجتمع (أي سيادة العلاقات التعاقدية البورجوازية فيه) من جهة، وبين تهويده من جهة أخرى. ومن أوائل الدعاة إلى الاشتراكية المفكر كونت دي سان سيمون (1780 ـ 1825) ، وهو ممن يسمون «الاشتراكيين الطوباويين» ، أي المثاليين. ويبدو أنه يوجد تيار يهودي مشيحاني في فكره، إذ طالب بتأسيس مجتمع صناعي يحكمه نخبة من العلماء وأصحاب الأعمال والمصرفيين الذين يهتدون بهدي «المسيحية الجديدة» ـ وهي مسيحية علمانية (أو لادينية) لا تستند إلى الإيمان بالإله أو باليوم الآخر أو الزهد في الدنيا ـ وهي تشبه في ذلك اليهودية الإثنية. وثمة إشارة في كتابات سان سيمون إلى الماشيَّح الأم، وهي أنثى يهودية من الشرق ستصوغ الأخلاق الجديدة. وبطبيعة الحال، سيتمتع اليهود بالمساواة الكاملة في هذا المجتمع الجديد. وقد كان الكثير من تلاميذ سان سيمون وحوارييه من اليهود. وأدَّى هذا العنصر اليهودي اللاديني الفاقع في اشتراكية سان سيمون إلى رد فعل عنيف من الكنيسة ومن شارل فورييه (1772 ـ 1837) أحد أهم المفكرين الاشتراكيين وأحد أهم النقاد الاشتراكيين لليهود. ويذهب فورييه إلى أن التجارة هي مصدر كل الشرور، وأن اليهود هم تجسيد لها، كما أنهم المستغلون الاقتصاديون الرئيسيون في أوربا. واليهود (في تصوُّره) ليسوا جماعة دينية، وإنما هم جماعة قومية غير متحضرة وبدائية ومعادية للحقيقة، ولابد للمجتمع من التخلص منها بالدمج أو الطرد. ومعنى ذلك أنه يتحرك في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ. وقد أشار فورييه إلى قوانين الطعام اليهودية كقرينة على صدْق كل الشائعات التي أطلقها أعداء اليهود عنهم مثل اتهامهم بأنهم يعتبرون سرقة المسيحي أمراً مباحاً لهم شرعاً. ولذا، يرى فورييه أن لفظتي «يهودي» و «لص» مترادفتان، وأن الإنسان عند التعامل معهم لا يتوقع سوى أكاذيب ولا شيء سوى الأكاذيب التي يشجعهم عليها دينهم. بل يرى فورييه أن اليهود عنصر تجاري لا ارتباط ولا انتماء له بوطن. ولذا، فهم لا يتورعون عن ارتكاب أعمال الخيانة العظمى ويعملون جواسيس لكل الأمم وجلادين لها. وهم كذلك غير مبدعين في الفنون والآداب ولا يتميَّزون إلا بسجل طويل من الجريمة والقسوة. ونشاطات اليهود الاقتصادية كلها هامشية وشرهة وغير منتجة، فهم لا يعملون أبداً بالزراعة ويشتغلون بالتجارة والأعمال المالية. وهم إلى جانب هذا متمرسون في التهرب من دفع الضرائب ولا يستثمرون رأسمالهم في الصناعة أبداً حتى لا يرتبط مصيرهم بمصير الدولة التي يعيشون فيها. ويقتصر نشاطهم التجاري على الاستيراد والتصدير حتى يحرموا تجار البلاد المضيفة من الاحتكاك بالبلاد الأخرى. وهم يحققون الثروات الهائلة على حساب المواطنين، خصوصاً أنهم بخلاء إلى درجة أن بإمكانهم العيش على أقل القليل وهو ما يساعدهم على مراكمة الثروة بسرعة. ومن الواضح أن فورييه يتحدث عن الجماعة الوظيفية الوسيطة، ولكنه نظراً لجهله بهذه الظاهرة وتواتُرها في المجتمعات الأخرى تصوَّر أنها ظاهرة يهودية وحسب، وأن خصائص أعضاء الجماعة الوظيفية هي خصائص لصيقة بطبيعة اليهود، أينما كانوا وعَبْر التاريخ. وقد طرح فورييه برنامجاً لحل المسألة اليهودية، وذلك عن طريق دمج اليهود بالقوة اقتصادياً وروحياً. وهذا لن يتأتى إلا بالقضاء على خصوصيتهم اليهودية القومية الاقتصادية عن طريق تطبيق قوانين قاسية عليهم، ومنعهم من الاشتغال بالأعمال التجارية، وإبعادهم عن الحدود والسواحل والأماكن التي يمكنهم أن يمارسوا فيها التهريب والتجارة، وكذلك عن طريق توطينهم بالقوة في القرى. ويجب أن يواكب عملية الدمج الاقتصادي عملية دمج روحي عن طريق التعليم حتى يتخلى اليهود عن مبادئهم الشريرة. والحل الثاني للمسألة اليهودية الذي يطرحه فورييه قد يبدو وكأنه نقيض الأول، ولكنه في الواقع امتداد له. فإذا كان الحل الأول يفترض إمكانية التخلص من الشعب العضوي المنبوذ عن طريق تخليصه من هويته الكريهة ودمجه، فإن الحل الثاني الذي ورد في كتاب الصناعة الزائفة (1835 ـ 1836) إذ يرى أنه يمكن التخلص منهم عن طريق توطينهم في فلسطين وسوريا ولبنان ليصبحوا أمة معترفاً بها لها ملك وعلم وقناصل وعملة! ويتوجه فورييه بالنصح إلى اليهود، فبدلاً من مضاربات البورصة يمكنهم تحويل فلسطين وما حولها في المنطقة الممتدة من لبنان إلى سيناء إلى أرض صالحة للسكنى عن طريق توفير منافذ لنهر الأردن والبحر الميت على موانئ البحر الأحمر، وأن يتم ري الصحراء وزراعة الغابات الخضراء فيها بواسطة الجيوش الصناعية والمزارع التعاونية وذلك بتمويل روتشيلد وبدعم أوربا، وهذا أدق وصف لعملية الاستيطان الصهيوني وللزراعة الصهيونية التعاونية المسلحة ولكل من الصهيونية التوطينية والاستيطانية (وقد قضت الحركة الصهيونية بين اليهود نحو سبعين عاماً لتكتشف هذه الصيغة البسيطة) . ويجب أن نشير إلى أن تاريخ نشر الكتاب هو أيضاً الوقت الذي طُرحت فيه المسألة الشرقية وبحدة بسبب ثورة محمد علي على السلطان العثماني. وقد ترك فورييه أعمق الأثر في الفكر الاشتراكي بعده. فنجد أن تلميذه ألفونس توسينيل (1803 ـ 1885) يؤلف كتابه اليهود ملوك العصر: تاريخ الإقطاع المالي (1845) حيث يمثل الإقطاع المالي البنوك في أوربا وفرنسا. والكتاب ليس هجوماً عنصرياً تقليدياً على اليهود إذ يُحذِّر الكاتب في البداية من أنه سيستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها المحدد الذي يشير إلى جماعة إثنية أو دينية، وإنما يستخدمها بالمعنى الشائع لها، أي «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر» . ولذا، فإنه يستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى كل من يشتغل في الأمور المالية، كل الطفيليين غير المنتجين الذين يعيشون على وجود الآخرين وجهدهم. وقد ربط توسينيل بين القدس اليهودية وجنيف البروتستانتية الكالفنية، فكأن من يقول «يهودي» يقول «بروتستانتي، أي تجار وطيور جارحة» . وقد وصل توسينيل إلى أن اليهود، أي كبار المموِّلين، هيمنوا على أوربا في القرن التاسع عشر. وقد ظهر هذا الاتجاه أيضاً في كتابات أدولف ألايزا الذي ترأَّس مجلة لا رينوفاسيون الناطقة باسم الحركة الاشتراكية من أتباع فورييه وأعطاها اتجاهاً معادياً لليهود. ويرى ألايزا أن اليهود مثل البكتيريا القذرة (وهذه صورة مجازية استخدمها الزعيم الصهيوني نوردو ثم الزعيم النازي هتلر من بعده) تؤدي إلى عفن المكان الذي تصل إليه. فاليهودي يتآمر ضد الأمن الوطني مثل دريفوس. وربطت مدرسة فورييه أيضاً بين ماركس والبلشفية من جهة، وبين ماركس واليهودية من جهة أخرى. وتُعبِّر آراء ميخائيل باكونين (1814 ـ 1876) ، المنظِّر والمفكِّر الفوضوي الروسي، عن كُره عميق لليهود. ففي كتابه الاعتراف الذي ألفه في السجن عام 1851، انتقد قادة الاستقلال في بولندا لاتخاذهم موقفاً إيجابياً تجاه اليهود. وقد نُشر عام 1869 رداً على خطاب من موسى هس أشار فيه إلى اليهود باعتبارهم أمة من المُستغلِّين تقف على الطرف النقيض تماماً من مصالح البروليتاريا. ويمكن فَهْم موقفه هذا من اليهود من خلال حقيقتين، أولاهما: خلافه الفكري الحاد مع الاشتراكيين وبالذات اليهود، منهم كارل ماركس وموسى هس وأمثالهما. وثانيتهما: الدور البارز لأعضاء الجماعة اليهودية في التجارة والمال في أوربا، وهو ما كان نتاجاً لميراثهم التاريخي كجماعات وظيفية هامشية. وقد ذهب باكونين إلى أن اليهود يشكلون خطراً أكبر من اليسوعيين، وأنهم القوة الحقيقية في أوربا، إذ يسيطرون بشكل مطلق على التجارة والبنوك وعلى ثلاثة أرباع الصحافة الألمانية وعلى جزء كبير من صحافة الدول الأخرى. ووصف باكونين الفوضوي ظهور ماركس وأعماله بأنها ظهور جديد للنبي موسى، وأنه يعتبر نموذجاً يمثل الشعب اليهودي. وقد كان عداء الاشتراكيين والثوريين لليهود يستند إلى تحليل طبقي يفترض فيه أصحابه علميته وموضوعيته. ولكن مع العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وظهور الخطاب العرْقي واكتساحه الفكر الأوربي، نجد أن أتباع فورييه أيضاً يتبنون التفسير العرْقي. فالعرْق اليهودي، بحسب تصوُّرهم، قبيح من الناحية الجسدية، فوجوههم تخرق قواعد الجماليات تماماً كما تخرق روحهم الروح الآرية (الهيلينية من قبل) التي تتسم بالجمال. والعرْق اليهودي لا يمكن دمجه ولا هضمه، وهو عرْق طفيلي كليةً، فاليهودي في كل مكان وزمان كان طفيلياً يصيب المجتمعات بالتحلل. وهم طفيليون لأسباب عرْقية ولا يمكنهم أن يغيِّروا دورهم، تماماً كما لا يمكن للمخلوقات الطفيلية التي تقتل الأجساد الحية أن تتوقف عن وظيفتها. وهم معروفون بشكل خاص بمقدرتهم على تخريب قوانين البلاد التي ينتمون إليها. ويُلاحَظ أن كل هذه الأوصاف هي أوصاف الشعب العضوي المنبوذ، فما الحل إذن؟ طرحت المجلة، الناطقة بلسان أتباع فورييه، حلاًّ صهيونياً حيث طلبت من اليهود الجلاء عن فرنسا طواعية. ولذا، توجهت بنداء إلى اليهود: "أيها اليهود! إلى أعالي سيناء، حيث أرسل الإله بالوصايا العشر التي تخرقونها دائماً، إلى موسى والإله الذي تركتموه بسبب حبكم الشديد للذهب ... اعبروا البحر الأحمر مرة أخرى، ولتنزلوا إلى الصحراء مرة أخرى، إلى أرض الميعاد التي تنتظركم، الأرض الوحيدة التي تناسبكم، أيها الشعب الشرير الوقح الخائن، اذهبوا إلى هناك". وهذا هو الحل الاستعماري الصهيوني، إرسال كل مشاكل أوربا إلى الشرق. ومن الطريف أنه برغم صهيونية مثل هذه الحلول التي طُرحت عام 1899 بعد عقد المؤتمر الصهيوني الأول، فإن المجلة لم تُعط أية أهمية للحركة الصهيونية أو المنظمة الصهيونية. بل إنه حينما نشر أحد أتباع فورييه ويُدعى فيرييه كتيبه المسألة اليهودية (1902) ، فإنه يقدِّم رؤية إيجابية للحركة الصهيونية ويفرق بين يهود الغرب المندمجين الذين سيبقون في أوطانهم ويهود شرق أوربا (أي يهود اليديشية) الذين يجب تهجيرهم إلى وطن قومي خارج فلسطين لأنها ـ حسب تصوُّره ـ غير مناسبة. ورد عليه ألايزا قائلاً إنه يؤيد الحل الصهيوني الذي طرحه تيودور هرتزل من ناحية المبدأ، ويحب أن يرى اليهود في وطنهم وأن هذا سيحقق مصلحتهم، وأكثر من هذا فإنه سيحقق مصلحة فرنسا ذاتها! ولكنه عبَّر عن شكه في إمكانية تحقُّق هذا الحلم بسبب طبيعة اليهود الهامشية. وقد أصبح ارتباط اليهود بالرأسمالية وكبار المموِّلين موضوعاً أساسياً متواتراً في الفكر الغربي امتزج بالأطروحة العرْقية التي تنظر إلى اليهود بوصفهم ساميين (مقابل الآريين) . ويُلاحَظ أن مقولة «الآريين» انفصلت بالتدريج عن مقولة «الهيلينيين» ، وبالتالي فقدت بعدها الثقافي واكتسبت بعداً عرْقياً فاقعاً. ولذا، نجد أن بعض الكتاب يقرنون بين التاجر اليهودي والتاجر اليوناني باعتبارهما من التجار الوسطاء. وتبلور كتابات يوجين دوهرنج (1833 ـ 1921) هذه الاتجاهات كافة، فكتابه الحالة اليهودية كمسألة عرْقية وأخلاقية وحضارية ينسب النزعة الليبرالية في الاقتصاد السياسي (أي الرأسمالية والديموقراطية) إلى اليهود الذين يتهمهم باستغلال مبدأ الاقتصاد الحر وتسخيره في خدمة الاحتكار اليهودي الذي يحاول استعباد كل الناس. ورغم أن اليهود يلعبون دوراً طبقياً، فإنهم يُشكِّلون عرْقاً وضيعاً لا مثيل له. واتجاه اليهود نحو التجارة يعود إلى أن جمجمة الإنسان اليهودي ليست جمجمة إنسان مفكر فهي ملأى على الدوام بالربا والشئون التجارية. فاليهود، إذن، فئة تجارية نظراً لأن خصائصهم العرْقية تجعلهم ينزعون نحو التجارة، وهم يحققون ترابُطاً غير عادي بسبب شعائرهم القديمة التي لم يطرحوها جانباً تماماً. وتهمة الدم، بحسب رأي دوهرنج، ذات أساس علمي، فهي تعود إلى التضحيات البشرية التي كان اليهود يقدمونها. وقد استمرت هذه التضحيات بسبب رغبة قيادات اليهود في أن تجعل كل فرد في الجماعة اليهودية متورطاً في جريمة قتل الأطفال المسيحيين. وحل المسألة اليهودية بالنسبة لدوهرنج هو أيضاً خليط عرْقي اشتراكي علمي، فهو ينادي باعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي وبالاقتصاد الموجَّه وبنوع من الاشتراكية المقيدة وبالحفاظ على الشرف العرْقي الذي يستدعي إنقاذ جميع الدوائر العامة وعالم المال والأعمال من تسلُّط اليهود وسيطرتهم. وبهذا، فإن دوهرنج قد وحَّد بين الرأسماليين بوصفهم تشكيلاً اقتصادياً واليهود بوصفهم عرْقاً وقرن بينهم. ولهذا، فهو يرفض الحل الصهيوني لأن الصهيونية ستدعم قوة اليهود العالمية، ويجد أن الحل الأسمى للمسألة اليهودية هو القتل والطرد. ومن هذا المنظور، فإن مفكراً اشتراكياً مثل ماركس، في رأي دوهرنج، هو الشر المجسد بسبب نظرياته الشيوعية وعرْقه اليهودي، فقد استقى كل نسقه الفكري من القانون الموسوي رغم أنه قد تم تعميده. وقد ظهرت الأطروحة مرة أخرى في كتابات ورنر سومبارت عن علاقة الرأسمالية باليهودية ووصلت إلى ذروتها في الفكر النازي. وينبغي ألا نتصوَّر أن هذه الرؤية المعادية لليهود مقصورة على المفكرين غير اليهود وحدهم، ففرديناند لاسال (1825 ـ 1864) المفكر الألماني الاشتراكي اليهودي كانت له آراء شبيهة. فقد أكد تنصُّله من اليهودية لأنه يبغض اليهود، إذ لا يرى فيهم سوى سلالة منحلة لماض عظيم ولَّى. وبعد قرون طويلة من العبودية، اكتسب هؤلاء الرجال سمات العبيد. ويجب ذكر أنه كان يوجد عديد من المفكرين، من الاشتراكيين اليهود، لم يهتموا باليهود واليهودية، وإنما افترضوا أن المساواة داخل المجتمع الاشتراكي ستحل المشاكل كافة. وقد يكون من المفيد ذكر أن ماكس فيبر يستخدم أيضاً منظوراً دينياً لتحليل إشكالية ظهور الرأسمالية في الحضارة الغربية، ولكنه طرح فكرة الرأسمالية الرشيدة مقابل الرأسمالية المنبوذة. وقد وجد أن الرأسمالية الرشيدة مرتبطة بالكالفنية في حين ترتبط الرأسمالية المنبوذة باليهود، وبالتالي فإن اليهود من هذا المنظور غير مسئولين عن ظهور الرأسمالية. (انظر الباب المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» ) . البلاشفة والجماعات اليهودية The Bolsheviks and the Jewish Communities تنطلق رؤية المفكرين الاشتراكيين، ماركس وغيره، من تجربتهم التاريخية في فرنسا وألمانيا والنمسا أساساً. وهي دول لم تكن فيها تجمعات يهودية كبيرة، كما أن اليهود كانوا مُركَّزين في الأعمال التجارية والمالية، وزاد ارتباطهم بالنظام الرأسمالي مع تطوُّر المجتمعات. أما في شرق أوربا وروسيا على وجه الخصوص، فكان الوضع مغايراً تماماً إذ كانت تُوجَد أكبر كتلة بشرية يهودية ذات صفات شبه قومية واضحة تميِّزها اللغة اليديشية، كما أن ظروف التحديث أدَّت إلى تحوُّل قطاعات كبيرة من اليهود إلى بروليتاريا. ولذا، تجاهَل البلاشفة كلاسيكية ماركس عندما كان عليهم أن يتعاملوا مع جزء كبير من هذه الكتلة التي ورثوها ضمن ما ورثوا من روسيا القيصرية. ولم يكن من الصعب عليهم تجاهل كتيب ماركس، لأنه كان من أعماله الأولى ولم تكن أفكاره قد تبلورت بعد. مع هذا، يبدو أن البلاشفة، مثل ماركس من قبلهم، قد خلطوا بين مفهومين مختلفين تمام الاختلاف في منطلقاتهما وفي نتائجهما، وظنوا أنهما شيء واحد. أما المفهوم الأول فهو مفهوم الأمة اليهودية العالمية، وهو مفهوم صهيوني مطلق يفترض وجود وحدة يهودية عالمية ويهدف إلى تأسيس دولة يهودية لجمع الشعب اليهودي. أما المفهوم الثاني، فهو مفهوم اليهود بوصفهم أقلية قومية شرق أوربية لها خصوصيتها التي لا تختلف عن خصوصيات القوميات أو الأقليات الأخرى الموجودة في روسيا القيصرية. وهي خصوصية قد تفصل أعضاء الجماعة اليهودية عن محيطهم الثقافي الروسي أو البولندي، ولكنها لا تربطهم بالضرورة بالجماعات الأخري في بقية العالم، وهذا هو طرح البوند. ولعل هذا الخلط هو نتيجة محاولة البلاشفة والماركسيين عموماً الوصول إلى مستوى تعميم، مرتفع وعلمي، يتجاهل كل الخصوصيات أو يوحِّد بينها بحيث لا يراها، وهذا هو ميراث عصر الاستنارة والنموذج المادي الذي يصر على مستوى عال من البساطة والوضوح والتعميم لا يتفق مع تركيبية الظاهرة الإنسانية. وهذا هو الذي أدَّى إلى تخبُّط السياسة السوفيتية بعض الوقت، وإلى عدم حسم المسألة اليهودية في الاتحاد السوفيتي إلا من خلال التطورات الاقتصادية للمجتمع الاشتراكي (ككل) خارج إطار الحلول النظرية المطروحة وبدون هدي كبير منها. وقد انطلق لينين من تعريف محدد للأمة استقاه من كارل كاوتسكي، وهو أن الأمة جماعة لابد أن تكون لها أرض تتطوَّر عليها، الأمر الذي لم يكن متوافراً لليهود، ولابد أن تكون لها لغة مشتركة، وهو الأمر الذي توافر ليهود شرق أوربا وحدهم. ولكن لينين، مع هذا، لم ينظر إلى يهود شرق أوربا بوصفهم وحدة مستقلة داخل التشكيل السياسي الروسي والتشكيل الحضاري لشرق أوربا منفصلة عن يهود العالم. ولذا، فقد ناقش القضية من منظور أعلى نقطة تعميم فتساءل: هل اليهود، بشكل عام ومجرد، وفي كل زمان ومكان، يُشكِّلون قومية أم لا؟ وهل هناك وحدة عالمية تنتظم كل اليهود؟ وهل هناك خصوصية مقصورة عليهم أو لا؟ والإجابة على مثل هذا السؤال البسيط بسيطة للغاية، وهي أن كل اليهود بطبيعة الحال لا يشكلون قومية، وأنه لا وجود لأية وحدة بين يهود ألمانيا وبولندا وفرنسا وإنجلترا. فيهود فرنسا يتحدثون الفرنسية، ويهود إنجلترا يتحدثون الإنجليزية، ويهود ألمانيا يتحدثون الألمانية، ويهود شرق أوربا كانوا يتحدثون اليديشية، ويتحدث يهود القوقاز عدة لغات، ولكل جماعة يهودية موروثها الثقافي ووضعها الاقتصادي المتميِّز الذي تحدِّده حركيات المجتمعات التي يعيش في كنفها أعضاء الجماعات اليهودية. والخلل يكمن في درجة التعميم التي ينطوي عليها السؤال، فهو لا يتفق مع طبيعة الظاهرة وتنوُّعها وعدم تجانسها. وفي تصوُّرنا أن موقف لينين كان سيختلف تماماً لو أنه لم يطرح السؤال بهذه الطريقة، وتخلَّى عن مفهوم «اليهود ككل» و «في كل زمان ومكان» ، وخفَّض من مستوى التعميم قليلاً ونظر إلى يهود شرق أوربا داخل الإطار الوحيد الممكن وهو التشكيل الحضاري الشرق أوربي، وطرح حلاًّ لمشاكلهم داخل هذا الإطار باعتبارهم أقلية قومية شرق أوربية. ولأن اليهود، من وجهة نظر لينين، لا يشكلون أمة، فإن القضية تصبح هي مشكلة اندماجهم أو انعزالهم. ومن ثم، فإن حل المسألة اليهودية هو ببساطة دمجهم، وهي عملية يمكن أن تتم بأن ينخرط اليهود في النضال الثوري إلى جانب المُضطهَدين من الطبقة العاملة وغيرها من الطبقات على أن يذوب أعضاء الجماعة اليهودية في المجتمع الاشتراكي الكبير، أي أن الخاص (يهود شرق أوربا) لابد أن يذوب في العام (المجتمع الثوري الجديد) . وهذا هو النمط الكامن في فكر حركة الاستنارة وفي كل الحلول الماركسية. ولهذا، وقف لينين موقف المعارضة الكاملة لا من فكرة القومية اليهودية العامة العالمية الوهمية (أي الصهيونية) ، وإنما أيضاً من فكرة الخصوصية اليديشية المحدودة والمقصورة على يهود شرق أوربا، وهي الفكرة التي طرحها حزب البوند الذي طالب بقدر من الاستقلال الثقافي للعمال اليهود يتناسب مع هويتهم الثقافية المحددة وخصوصيتهم، ولا يختلف عن استقلال الأقليات والطوائف الأخرى، ويترجم نفسه إلى استقلال تنظيمي. كما رفض لينين بالتالي أي استقلال تنظيمي لحزب البوند أو ما سُمِّي «الوحدة الفيدرالية» ، ورأى أن مبدأ الاستقلال الذاتي يفي بكل احتياجات اليهود من أعضاء الطبقة العاملة، ويكفل لها أن تقوم بالدعاية لبرنامج الحزب باليديشية، وأن تعقد مؤتمراتها الخاصة، وأن تقدِّم مطالب مستقلة تدخل في برنامج واحد يُعبِّر عن الاحتياجات المحلية وخصوصية الحياة اليهودية. ذلك لأن الهدف النهائي هو اندماج أعضاء الطبقة العاملة من اليهود اندماجاً كاملاً في الطبقة العاملة الروسية. وثمة نظرية تذهب إلى أن معارضة لينين للبوند كانت في واقع الأمر نابعة من اعتبارات عملية سياسية غير نظرية، وأن كل تحليلاته هي عبارة عن مسوغات وديباجات لتبرير رغبته في تصفية البوند. وكان تروتسكي الزعيم الماركسي اليهودي هو الآخر ضد فكرة القومية اليهودية، ولذا فقد عارض الصهاينة، وكان يرى أن حل المسألة اليهودية لا يكون عن طريق تأسيس دولة يهودية بين دول أخرى غير يهودية، وإنما يكمن في إعادة تركيب المجتمع تركيباً أممياً متماسكاً. إلا أنه عارض أيضاً مفهوم الأقلية اليهودية باعتبارها أقلية قومية شرق أوربية، ولذا عارض البوند. ولا يخرج موقف ستالين عن موقف الزعماء الماركسيين السابقين، فقد بيَّن أن اليهود ككل لا يجمعهم إلا الدين، وقد يكون لهم طابع قومي، ولكنهم لا يكوِّنون أمة واحدة عالمية، ذلك لأنهم متفرقون اقتصادياً، ويعيشون على أراض مختلفة، ويتكلمون لغات متعددة وليس لهم ثقافة مشتركة. وهذا، مرة أخرى، أمر بدهي واضح. ولكن ستالين ارتكب الخلل التحليلي نفسه الذي ارتكبه كل من لينين وماركس وإنجلز من قبله وهو التعامل مع الظاهرة على مستوى تعميم وتخصيص لا يتفق مع طبيعتها، وقد رفض، بطبيعة الحال، فكرة القومية اليهودية العالمية التي تنتظم كل يهود العالم. ولأن مثل هذه القومية غير موجودة، يتم الانتقال إلى الحد الأدنى، أي افتراض عدم وجود أية وحدة على الإطلاق، دون البحث عن مستوى وسيط من الخصوصية يتمثل في قومية يهودية يديشية مقصورة على يهود شرق أوربا وحدهم دون سواهم. وقد تبنَّى خروشوف نفس الموقف المطلق الكلي، في تعليق له بجريدة الفيجارو في 9 أبريل 1959، إذ تحدَّث عن اليهود بشكل عام ومجرد، وبيَّن أن اليهود هم المسئولون عن فشل تجربة بيروبيجان «فاليهود منذ أقدم الأزمنة فضلوا الحرف الفردية، وهم لا يحبون العمل الجماعي ولا الانضباط الجماعي، كما أنهم في جميع الأوقات فضلوا أن يكونوا مُشتَّتين. وهم في الواقع فرديون، ومنذ قرون لا تُحصَى، لم يستطيعوا أن يعيشوا مجتمعين، أو أن يستمدوا وجودهم وتوازنهم من أنفسهم» . وهذا حديث لا يختلف عن نقد فولتير أو ماركس لليهود بشكل عام. ولو تخلَّى خروشوف عن مقولة اليهود، وتحدَّث بدلاً من ذلك عن الجماعات اليهودية المختلفة، فربما استطاع أن يُفسِّر الواقع اليهودي في الاتحاد السوفيتي، وأن يبين سبب رفض اليهود الاستيطان في بيروبيجان. ولأن السوفييت يرفضون فكرة أن اليهود يكوِّنون شعباً، فإنهم يرفضون الصهيونية ويعتبرونها حركة رجعية، بل استغلالية. ومن الواضح أن موقف البلاشفة من المسألة اليهودية، رغم معاداته الضارية للصهيونية ومعاداة اليهود، ورغم اعترافه من البداية باليديشية لغة قومية ورفض الاعتراف باللغة العبرية باعتبارها لغة قومية وهمية، خضع لبعض الوقت للصياغات العامة والمقولات المجردة، مثل مقولة «اليهود ككل» . ولكن هذا الوضع تم تصحيحه فيما بعد بتأسيس منطقة بيروبيجان، إذ كانت هذه الخطوة تعني ضمناً قبول ما رفضه لينين، وهو أنه إذا كان اليهود لا يشكلون أمة بالمعنى المطلق، فيهود روسيا يشكلون أقلية قومية روسية لها وضعها الثقافي المتميِّز ولها خصوصيتها التي لا تستمدها من جوهر يهودي عام، وإنما من تجربتها تحت ظروف اجتماعية وحضارية معينة في شرق أوربا، ولم يبق سوى توفير الأرض لها لتصبح أقلية قومية مثل مئات الأقليات الأخرى في الاتحاد السوفيتي. وقد حُسمت مسألة الاندماج والعزلة اليهودية، في ثلاثينيات القرن، لا من خلال الأطروحات الماركسية أو البلشفية وإنما من خلال تغيُّرات بنيوية في المجتمع. فمع تصاعد حركة التصنيع داخل الاتحاد السوفيتي، تمتَّع أعضاء الجماعة اليهودية بحراك اجتماعي غير عادي، ونتج عن فرص الترقي أمام اليهود تفتُّت التجمعات اليهودية فزادت معدلات الاندماج واختفت اليديشية تقريباً، ولم تهاجر أعداد كبيرة إلى بيروبيجان. ومما ساعد على الاندماج، الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة التي كانت تضم كثيراً من العناصر اليهودية الشابة والعناصر ذات التوجه الصهيوني التي كان يمكنها أن تحافظ على عزلة اليهود. ولم تكن عملية الدمج والاندماج سهلة أو بسيطة، فتقاليد معاداة اليهود في الاتحاد السوفيتي قديمة وراسخة وكثيراً ما انعكست من خلال البيروقراطية السوفيتية ذاتها. وإذا انتقلنا من استعراض موقف الفكر البلشفي إلى تأمُّل موقف الاتحاد السوفيتي من المسألة اليهودية، فإننا نجد الأمر لا يختلف كثيراً. فالقانون السوفيتي يجعل من الصهيونية ومعاداة اليهود جريمتين يعاقب عليهما القانون. وقد أُلغيت جميع التنظيمات الصهيونية وأصبح نشاطها غير شرعي، مع أن روسيا كانت مركز النشاط الصهيوني في العالم. ووقف المندوبون السوفييت، في المنظمات والمؤتمرات الشيوعية، ضد السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الماركسية البوروخوفية بالانضمام إليها حتى لا تكتسب أية شرعية. البلاشفة والصهيونية The Bolsheviks and Zionism أيَّد الاتحاد السوفيتي قيام الدولة الصهيونية، واعترف بها فور قيامها. ولقد تحدَّث المندوب السوفيتي في هيئة الأمم عن الشعب اليهودي الذي لاقى الاضطهاد، أي أنه كان يتحرك داخل الإطار المجرد والعام لمقولة اليهود التي رفضها البلاشفة من قبل، وليس داخل إطار يهود شرق أوربا بوصفهم أقلية قومية. ونود هنا أن نطرح عدة تساؤلات هي: هل كان الموقف البلشفي والسوفيتي المبدئي ينبع من اعتبارات عقائدية أم أنه كان وليد الاعتبارات العملية وحدها؟ وهل يُعتبَر إصرار السوفييت على أنه لا يُوجَد شعب يهودي، ثم إصرارهم أيضاً على أن يهود اليديشية لا يُشكِّلون قومية سلافية وكذلك طرحهم الاندماج كنوع من الحل، إصراراً نابعاً من النسق الماركسي أو هو حل نابع من الواقع العملي الروسي السوفيتي؟ نحن نميل إلى الاعتقاد بأن التطورات اللاحقة ترجح أن كلاًّ من الاعتبارات العملية والتقاليد السياسية الروسية القيصرية هي التي قررت مسار القضية، كما نرى أن سياسة البلاشفة تجاه يهود الاتحاد السوفيتي امتداد للسياسة القيصرية الشمولية التي كانت تهدف إلى دمج وتذويب أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم عنصراً غريباً ثقافته ألمانية وولاؤه مشكوك فيه، فألمانيا هي عدو روسيا الأكبر. وهناك من القرائن ما يشير إلى أن مشروع توطين اليهود في شبه جزيرة القرم قد استُبعد بعد البدء فيه نظراً لقرب القرم من ألمانيا، وأنه نُقل إلى بيروبيجان بعيداً عن أي مركز جذب أوربي. ولكن، مع بداية الأربعينيات، وتصاعُد النفوذ النازي الذي كان يشكل تهديداً قوياً للدولة السوفيتية، بدأت الاتصالات بين السوفييت والصهاينة، وشُكِّلت في بداية الأمر لجان يهودية لمناصرة السوفييت ولمناهضة الفاشية. وفي عام 1943، وضمن إطار الاستعدادات للتسوية النهائية لعالم ما بعد الحرب، بدأ السوفييت يتحدثون في إطار أن المشكلة اليهودية ستصبح مشكلة عالمية ملحة مع نهاية الحرب، لا مجرد مشكلة ألمانية أو حتى مشكلة غربية. ومن ثم، فلابد أن يحددوا موقفهم منها بوضوح وفي إطار عالمي. وفي أكتوبر 1943، قام إيفان مايسكي، نائب وزير الخارجية السوفيتي، بزيارة إلى فلسطين قام خلالها بزيارة الكيبوتسات ومناقشة مشاكل الاستيطان مع بن جوريون وجولدا مائير، ولم يتصل بالجانب العربي قط. ويبدو أن مايسكي بدأ سياسة مراجعة موقف السوفييت من الاستيطان الصهيوني، إذ كان يرى أن «من الواضح أن اليهود الاشتراكيين والتقدميين في فلسطين سيكونون أكثر فائدة لنا من العرب المتخلفين الذين تسيطر عليهم مجموعات إقطاعية من الباشوات والأفندية» . وقد استمرت هذه النغمة طيلة الحرب وبعدها وأصبحت لبنة أساسية في الديباجات الاشتراكية الصهيونية. وأخذ السوفييت يتحدثون عن الدولة الصهيونية باعتبارها الدولة الديموقراطية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنها كانت تسمح للحزب الشيوعي بممارسة نشاطاته بشكل قانوني. كما أن الأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية المتطرفة كانت تُشكِّل من وجهة نظرهم نواة للاشتراكية في المنطقة! ويبدو أن هذا هو المنطق الذي ساد، إذ أن مستشاري ستالين، كما يُقال، قد نصحوه بأن إقامة الدولة الصهيونية في الشرق الأوسط المتخلف ستُدخل عنصراً من عدم الاتزان والصراع في المنطقة وهو ما سيؤدي إلى تثويرها، حتى ولو كانت هذه الدولة نفسها دولة رجعية واستعمارية! وهذا يعني أنه نسب للدولة الصهيونية نفس الدور أو الوظيفة التي نسبها الفكر الماركسي لليهود بوصفهم جماعة وظيفية وسيطة تقوِّض دعائم المجتمع دون أن تقوم هي ببناء المجتمع الجديد. بل كان هناك رأي يذهب إلى أن الدولة الصهيونية ستؤدي إلى نوع من أنواع الاستقطاب الطبقي بحيث تتحالف الرجعية الغربية مع الرجعية اليهودية ويتحالف أعضاء الطبقة العاملة من العرب واليهود ضد أعدائهم الطبقيين، أي أن المنطقة بهذه الطريقة يتم إدخالها في العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب الرأسماليين والعمال، بحيث يتم استقطاب كل التفاعلات والتناقضات في عملية واحدة ذات قطبين متعارضين. ولكن مهما كانت الأسباب والدوافع، فإن التطورات اللاحقة بينت خلل المقدمات. ويرى بعض المحللين العسكريين أن اندفاع موسكو وانضمامها إلى الولايات المتحدة في تأييد قيام دولة يهودية يُعتبَر خطوة ذكية لإحداث شرخ دائم في العلاقات الأمريكية العربية حول فلسطين. فقد كان السوفييت يدركون أنهم لن يخسروا شيئاً في المنطقة لأنهم لا يملكون شيئاً فيها، على عكس وضع الولايات المتحدة الأمريكية التي ستخسر الكثير من جراء هذا الموقف. ومهما كانت الديباجات، قومية أو طبقية، بيروقراطية أو ثورية، فإن من الواضح أنه قد تقرَّر توظيف فلسطين وشعبها في خدمة المصالح الإستراتيجية للاتحاد السوفيتي، وكان يُفترَض أن انتشار الاشتراكية يخدم هذه المصالح. وقد تكون هذه الديباجات الاشتراكية زائفة أو حقيقية، ولكن ما يهم هو أن الدولة السوفيتية بدأت تدرك دورها باعتبارها قوة عظمى وأن من الضروري أن يكون لها دور تلعبه في الصراع. وقد ظهر هذا الاهتمام العملي بفلسطين، بوصفها عنصراً يُوظَّف في خدمة المصالح، في صورة تحوُّل كامل على المستوى العقائدي وعلى مستوى الخطاب السياسي. ويُلاحَظ أنه، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأ تأييد الاتحاد السوفيتي لفكرة الدولة اليهودية في فلسطين يتخذ صوراً واضحة. ففي فبراير عام 1945، عُقد مؤتمر نقابات العمال العالمي في لندن وصوَّت الوفد السوفيتي إلى جانب قرار يؤيد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ونص القرار أيضاً على ضرورة إيجاد علاج أساسي عن طريق عمل دولي لإصلاح الخطأ الذي وقع على الشعب اليهودي، وأن تكون حماية اليهود من الاضطهاد والتمييز في أي بلد من بلدان العالم من واجب السلطات الدولية الجديدة. وأن يُعطَى اليهود الفرصة في الاستمرار لبناء فلسطين كوطن قومي عن طريق الهجرة والاستيطان الزراعي والإنماء الصناعي، على أن يكون ذلك مقروناً بتأمين المصالح الشرعية لكل السكان في فلسطين، وتأمين المساواة في الحقوق والفرص كذلك. وهذا جزء لا يتجزأ من الخطاب السياسي الغربي العلماني النفعي الذي لا تثقله أية مثاليات أو مطلقات. كما اتفق ستالين مع كل من روزفلت وتشرشل في مؤتمر يالطا في فبراير عام 1945 على ضرورة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، وعلى وجوب إزالة كل معوقات الهجرة اليهودية إلى فلسطين فوراً مقابل السماح للسوفييت بإقامة مناطق نفوذهم في أوربا الشرقية. وبادر الاتحاد السوفيتي في يوليو من العام نفسه إلى الاعتراف بالوكالة اليهودية وسمح بفتح مكتب لها في موسكو. ثم قام جروميكو بتأييد قرار التقسيم حتى يتم التعايش بين الشعبين العربي واليهودي في أبريل 1947. وتحدث جروميكو في 13 أكتوبر 1947 من العام نفسه عن ارتباط الشعب اليهودي (التاريخي) بفلسطين، وأشار إلى الظروف التي وجد الشعب اليهودي نفسه فيها نتيجةً للحرب. وهنا لا نجد مجرد منطق ذرائعي، وإنما نجد كل مكونات الخطاب الغربي العنصري تجاه اليهود باعتبارهم شعباً ومادة استيطانية متحركة لها ارتباط أزلي بفلسطين، الأمر الذي يعطيها حقوقاً أزلية في هذه الأرض، خصوصاً أن ما يعانيه اليهود في الغرب لابد من تعويضهم عنه في الشرق، وهذا هو منطق الإمبريالية. كما يمكن استخدام هذا الوضع لخدمة الحضارة الغربية متمثلة هذه المرة في الاتحاد السوفيتي والاشتراكية العالمية والعلمية. وهذا هو الموقف الغربي التقليدي من الجماعة الوظيفية الوسيطة التي تُستخدَم كأداة. ولذا، ليس من المدهش معرفة أن الاتحاد السوفيتي هو أول دولة منحت إسرائيل اعترافاً قانونياً، وبذلك أعطتها مصداقية كانت في أمس الحاجة إليها. ومما يجدر ذكره أن من مجموع إحدى عشرة دولة اعترفت بإسرائيل خلال شهر واحد من إقامتها كان من بينها ستٌ من دول الكتلة الاشتراكية. ولم تكن علاقة الاتحاد السوفيتي بالصهيونية على مستوى العقيدة النظرية أو على مستوى الاعتراف القانوني وحسب، وإنما امتدت لتشمل الدعم البشري والعسكري، إذ سهَّل السوفييت عملية الهجرة للعديد من يهود بولندا إلى مناطق احتلال الحلفاء في النمسا وألمانيا مدركين أن هؤلاء المهاجرين سيتوجهون في النهاية إلى فلسطين. كما أن تشيكوسلوفاكيا زودت المستوطنين بالأسلحة التي لعبت دوراً أساسياً. ويبدو أن السوفييت في الخمسينيات، حينما اكتشفوا عدم جدوى الدولة اليهودية وعدم نفعها، قطعوا العلاقات السياسية معها ودخلوا في تحالف مع العرب. ولكن، مع تغيُّر سياسة الدولة السوفيتية باتجاه الانفتاح، شهدت العلاقات مع إسرائيل تحسُّناً مرة أخرى، إلى أن فُتحت بوابات الهجرة على مصاريعها أمام من يريد أن يهاجر من أعضاء الجماعات اليهودية. الطبقة العاملة اليهودية أو البروليتاريا اليهودية Jewish Working Class or Proletariat مصطلح «الطبقة العاملة اليهودية» أو «البروليتاريا اليهودية» مصطلح يشبه مصطلحات أخرى مثل «الرأسمالية اليهودية» أو «البورجوازية اليهودية» . ويتمثَّل وجه الشبه في افتراض أن ثمة استقلالاً يهودياً، وأن اليهود يشكلون طبقات خاصة مستقلة عن طبقات المجتمع. ونحن نفضل استخدام مصطلحات مثل: «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «العمال الأمريكيون اليهود» وذلك باعتبار أن اليهود يشكلون جزءاً من كل، ويخضعون إلى حدٍّ كبير لحركيات هذا الكل وآلياته وقوانينه. العمال من أعضاء الجماعات اليهودية Jewish Members of the Working Class يستخدم كثير من الدارسين مصطلحات مثل «البروليتاريا اليهودية» و «الطبقة العاملة اليهودية» . وتشير كلمة «البروليتاريا» في اللغات الأوربية إلى طبقة من السكان لا تملك شيئاً بما في ذلك وسائل الإنتاج التي تستخدمها، وتكسب رزقها من عمل يدها، وتُستخدَم هذه الكلمة مرادفة لكلمة «طبقة عاملة» . والبروليتاري هو العامل (مقابل الرأسمالي الذي يمتلك وسائل الإنتاج والفلاح الذي يعمل في الزراعة) . ويشكل مفهوم البروليتاريا اليهودية أو الطبقة العاملة اليهودية إشكالية أساسية في الأدبيات التي تتناول وضع الجماعات اليهودية في أوربا. وقد عبَّر عن هذه القضية المفكر الصهيوني بوروخوف في فكرة الهرم الإنتاجي المقلوب، والتي تتلخص في أن اليهود يتركزون في المهن والحرف ويندُر وجودهم في صفوف الفلاحين والعمال على عكس معظم الشعوب الأخرى. وهو بطبيعة الحال مفهوم قيمته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة إلى أقصى حد. فاليهود ليسوا شعباً، وإنما جماعات يهودية تضطلع بدور الجماعات الوظيفية وتعيش بين مختلف الشعوب، وتتحدَّد طبيعة وظيفتها ووجودها في الهرم الإنتاجي بين المهنيين وبالقرب من أعضاء الطبقة الحاكمة باعتبارهم أداة في يدها لامتصاص فائض القيمة من المجتمع ولإنجاز أغراض أخرى. وقد تحوَّل بعض أعضاء هذه الجماعات إلى عمال انخرطوا في صفوف الطبقات العاملة المختلفة. ولكل هذا، فإننا نفضل استخدام مصطلحات مثل «العمال من أعضاء الجماعات اليهودية» أو «العمال الأمريكيون اليهود» أو أية صيغة أخرى تؤكد أن العمال من أعضاء الجماعات اليهودية ليس لهم وجود يهودي مستقل وأنهم جزء من كل، وذلك لأن القيمة التفسيرية والتصنيفية لمثل هذه المصطلحات أعلى بكثير من مصطلح «البروليتاريا اليهودية» . وقد انخرطت أعداد كبيرة من يهود اليديشية في شرق أوربا في صفوف الطبقة العاملة ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، مع تزايُد معدلات تحديث اقتصاد الإمبراطورية الروسية التي كانت تضم أكبر كتلة بشرية يهودية في العالم. كما انخرطت أعداد من أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة أصغر في الطبقة العاملة في الإمبراطورية النمساوية. أما في البلاد الأخرى، مثل الولايات المتحدة وإنجلترا وإلى حدٍّ ما فرنسا، فإن تاريخ العمال من أعضاء الجماعات اليهودية مرتبط بالهجرة من شرق أوربا ولا علاقة له بالحركيات الداخلية للمجتمع في أيٍّ من هذه البلاد. وقد تركت التحولات الاجتماعية الضخمة في روسيا والنمسا أثرها في أعضاء الجماعات اليهودية، إذ فقد كثير من الحرفيين اليهود وظائفهم بظهور الصناعة الحديثة، وكذا التجار والمرابون اليهود الذين كانوا مرتبطين بالاقتصاد الزراعي. كما أن البورجوازيات الصاعدة والدولة القومية المطلقة التي كانت تريد السيطرة على كل جوانب الإنتاج، حرَّمت على اليهود العمل في بعض الوظائف التي كانوا يضطلعون بها كجماعة وظيفية، مثل صناعة الكحول والاتجار فيها. وأدَّى هذا الوضع إلى وجود عمالة يهودية ضخمة لا تمتلك وسائل الإنتاج وليس لديها رأس مال كاف الأمر الذي جعلها تنخرط في صفوف الطبقات العاملة، وكانت هذه العملية صعبة بعض الشيء في أوربا الشرقية بسبب الميراث الاقتصادي والتقاليد السائدة. أما العناصر المهاجرة، وهي عناصر أكثر حركية في العادة، فلم تجد صعوبة شديدة في التحول إلى عمال بسبب عدم وجود عوائق نفسية أو حضارية أو قانونية، وإن كان الميراث الاقتصادي ووضعهم كمهاجرين قد وجههم نحو قطاعات معينة دون غيرها. ومن الأمور التي تستحق التسجيل أن الصناعات التي كان يملكها يهود داخل منطقة الاستيطان استفادت في بداية الأمر من العمالة اليهودية. أما في الولايات المتحدة، فقد نجح أصحاب مصانع النسيج من اليهود من أصل ألماني في أن يستفيدوا من العمالة اليهودية الوافدة واستغلوها استغلالاً كاملاً فيما يُسمَّى «ورش العَرَق» . وقد بلغ عدد العمال من أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا، قبل الحرب العالمية الثانية، مليوناً ونصف المليون من مجموع يهود العالم البالغ عددهم نحو ستة عشر مليوناً، منهم: 400 ألف في الولايات المتحدة، و300 ألف في الاتحاد السوفيتي، و300 ألف في بولندا، و100 ألف في فلسطين، و400 ألف في البلاد الأخرى مثل إنجلترا وفرنسا وألمانيا والمجر ورومانيا وبلدان أمريكا اللاتينية. ويُلاحَظ أن هذه الأرقام تشير إلى العمال وحسب، ولا تشير إلى كل العاملين في الصناعة من موظفين إداريين. وقد ترك الميراث الاقتصادي لليهود أثره في العمال من أعضاء الجماعات اليهودية. فيُلاحَظ تركُّزهم في صناعات بعينها دون غيرها مثل صناعة الملابس والخياطة. وهذا يعود في الواقع إلى اشتغال اليهود بالربا وأعمال الرهونات. وكان من أكثر أعمال الرهونات الملابس المستعملة التي كان اليهودي يُعيد ترقيعها وبيعها. كما أن عدم كفاءة العمال اليهود، بسبب انخراطهم المتأخر في سلك الطبقة العاملة، ساهم في توجيههم نحو صناعات بعينها دون غيرها. وتتسم الصناعات التي تركَّز فيها اليهود بصغر حجمها وقربها من المراحل النهائية للإنتاج مثل إنتاج السلع المُصنَّعة أو نصف المُصنَّعة مقابل إنتاج وسائل الإنتاج، وهي صناعات لا تتطلب كفاءات عالية، بل تستند أحياناً إلى الصناعات المنزلية. وتدل إحصاءات عام 1897 في روسيا على صدق هذا القول، إذ بلغ عدد العمال اليهود الذين تركزوا في النشاطات الصناعية الأساسية أو الأولية، مثل سبك المعادن، نحو 7.7%. أما في صناعات المرحلة الوسطى أو المرحلة الثانية، مثل صناعات المعادن والنسيج والبناء، فقد بلغت نسبتهم 19,7%، وبلغت نسبة العاملين في صناعات المرحلة النهائية أو صناعات المرحلة الثالثة، مثل الأطعمة والمشروبات والتبغ والملابس، نحو 45,5%. أما في جاليشيا، ففي المجموعة الأولى الأساسية نجد 9و5%، وفي المجموعة الوسيطة الثانية 14,5%، وفي المجموعة النهائية الثالثة 47,7%. والنمط نفسه يوجد في بولندا، ففي إحصاء عام 1921 نجد أن 1,5% من العمال اليهود يُوجَد في المناجم، و3,4% في صناعة المعادن، و0,8% في صناعات الآلات، و2,9% في الصناعات الكيميائية، و2,9% في صناعة البناء، و5,9% في صناعة الأخشاب، و13,7% في صناعة النسيج، و43,6% في صناعة الملابس، و12,5% في صناعة الأغذية. وقد وُزِّعت البقية على كل الفروع الأخرى. ومعنى ذلك أن العمال اليهود يوجدون أساساً في الصناعات الاستهلاكية. وربما كان الاستثناء الوحيد للقاعدة هو فلسطين، حيث كان العمال من المستوطنين الصهاينة يعملون في الصناعات كافة، وكان هذا جزءاً من المخطط الإحلالي الذي أخذ شكل اقتصاد صهيوني منفصل يكتفي بالعمالة اليهودية. كما يُلاحَظ أنه في الاتحاد السوفيتي، بعد عام 1928، بدأ يتواجد العمال اليهود في جميع الصناعات بما في ذلك الصناعات الثقيلة. ولكن، مع هذا، ظل النمط الأساسي الذي أشرنا إليه سائداً. وحيث إن العمال من أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يتركزون في صناعات خفيفة، لذا نجد أن هذا انعكس على نفوذهم وثقلهم الذي ظل ضئيلاً، فمارسوا ضغطهم من خلال الاتحادات والأحزاب العمالية المختلفة القائمة، أي أنهم لم يشكلوا حركة عمالية يهودية مستقلة. ومع هذا، ظهر حزب البوند الذي حاول تنظيم العمال اليهود من المتحدثين باليديشية. ويُلاحَظ أن حزب البوند لم يكن يتحدث عن طبقة عاملة يهودية عالمية، وإنما كان يتحدث عن عمال يهود في شرق أوربا لهم ظروفهم الثقافية (وربما الاقتصادية) الخاصة، وهو الرأي الذي رفضه البلاشفة. ومع اختفاء الثقافة اليديشية، اختفى تماماً أي أساس لوجود تنظيم عمالي يهودي (يديشي) مستقل. وعلى كلٍّ لم يَعُد هناك عمال يهود في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أي أن أحفاد العمال من أعضاء الجماعات اليهودية دخلوا الجامعات وانخرطوا في صفوف المهنيين والطبقة الوسطى وحققوا حراكاً اجتماعياً ابتعد بهم عن إطار العمال والعمل اليدوي. الحركة الشعبوية الروسية (نارودنكي ( Narodnichestvo (Narodniki) «الحركة الشعبوية الروسية» حركة ظهرت بين فئة المثقفين الروس في الستينيات من القرن التاسع عشر وعُرفت باسم «نارود نيشيتفو» ، وعُرف أتباعها باسم «النارودنيك» نسبة إلى «النارود» أو «الشعب العضوي» (فولك) وسنشير إليهم بمصطلح «الشعبويون الروس» . وقد اشتد نشاط هذه الجماعة خلال السبعينيات ووصلت إلى ذروتها حينما قام جناحها الإرهابي باغتيال ألكسندر الثاني، قيصر روسيا، عام 1881. وعبَّرت هذه الحركة عن نفسها بالدعوة إلى «العودة إلى الشعب» حيث كان الشعبويون يسعون إلى الاختلاط والاندماج مع الشعب الكادح والعمل على تثويره وخدمة الفلاحين في مطالبهم ومصالحهم اليومية. وجمعت هذه الحركة بين الفكر الاشتراكي الغربي والفكر الماركسي ومفاهيمه حول فائض القيمة ورفض الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج من جهة، ومن جهة أخرى النزعة السلافية المشيحانية وإيمانها بالشعب الروسي، وخصوصاً جماهير الفلاحين، وبالفضائل الكامنة فيه. وفي حين كانت النزعة السلافية ترى أن سرَّ الحياة والحقيقة الدينية مستترة وكامنة في هذا الشعب، كان الشعبويون يؤمنون بأن الحقيقة الاجتماعية كامنة فيه، وأن هذه الحقيقة محجوبة عن الطبقات الحاكمة المثقفة التي تقوم حياتها وثقافتها على استغلال عمل الشعب، وبالتالي فيجب على فئة الإنتليجنسيا (المثقفين) التي انفصلت عن الشعب، الذي يعيش ملتصقاً بالأرض، أن تعود إلى الشعب وإلى الأرض. كما آمن الشعبويون بطريق خاص لتطوُّر روسيا وأن بإمكانها الإفلات من مرحلة الرأسمالية البورجوازية وفظائعها والانتقال مباشرة إلى الاشتراكية الحديثة، خصوصاً أن حياة الفلاح تدور حول «الكوميون» أو القرية المشاعية التي مجَّدها الشعبويون مثلما مجَّدها قبلهم أنصار النزعة السلافية واعتبروها نتاجاً أصيلاً للتاريخ الروسي، والنمط المثالي أو الأعلى الذي يجب أن يحتذيه المجتمع بأسره في عمليات الإنتاج والتوزيع. وانضم كثير من أعضاء الجماعات اليهودية من المثقفين إلى هذه الحركة، وكانوا من دعاة الاندماج الذين يؤمنون بأن حل المسألة اليهودية يأتي من خلال تحرير الجماهير الروسية أولاً، وبالتالي أعطوا أولوية للعمل الثوري داخل الإطار الروسي على العمل من أجل حل مشاكل اليهود. كذلك اعتبروا أن الجماعة اليهودية في روسيا في أغلبها طبقة بورجوازية من التجار والحرفيين المستغلين. وأكد بانيل أكسيلرود (1850 ـ 1928) ـ وهو من أهم المثقفين الروس اليهود من الشعبويين، إيمانه بأن المسألة اليهودية لن تُحَل إلا بتحرير الجماهير الروسية. ومن هذا المنطلق، شارك الثوريون اليهود الشباب الروسي في حركة «الذهاب إلى الشعب الروسي» والعمل الدعائي والتنويري بين جماهير الفلاحين. وكما قال أحد الثوريين اليهود آنذاك: «نحن شعبويون روس، والفلاحون هم إخواننا الطبيعيون» . ولكي يكسبوا ثقة الفلاحين، قام الشعبويون من اليهود وغير اليهود بتعلُّم الزراعة والحرف والتعرف على التقاليد الشعبية للفلاحين وأسلوب حديثهم وارتدوا ملابسهم. بل ذهب بعض اليهود إلى أبعد من ذلك حيث اعتنق بعضهم المسيحية الأرثوذكسية (وذلك رغم أن فلسفة الحركة الشعبوية كانت فلسفة إلحادية ووضعية) حتى يوجدوا رابطة روحية بينهم وبين الفلاحين المتدينين، فالمسيحية الأرثوذكسية بالنسبة للشعبويين الروس كانت جزءاً من الفلكلور أو الميراث الثقافي الشعبي الروسي. ومن أبرز الشعبويين الروس اليهود جوزيف أبتكمان الذي اعتنق المسيحية، وكذلك ليف ديتش اليهودي المتروِّس الذي ارتدى ثياب الفلاحين وعمل بينهم في القرى الروسية. ولكن جهود الشعبويين لم تنجح في نهاية الأمر، فهم من ناحية تعرضوا للمطاردة والاعتقال والمحاكمات السياسية من قبَل السلطات. ومن ناحية أخرى، لم تتجاوب معهم جماهير الفلاحين التي وجدت أفكار المثقفين القادمين من المدن غريبة عليهم، كما كان افتقار الشعبويين إلى الدين من دواعي نفور الشعب الروسي المتدين منهم، والذي قام أفراده أنفسهم بتسليمهم إلى أيدي السلطات. وتُعَدُّ سيرة حياة أكسيلرود وتأرجُحه بين الحلول الشعبوية والثورية من جهة والحل الصهيوني من جهة أخرى نمطاً متكرراً بين كثير من المثقفين الروس اليهود الثوريين. وأكسيلرود هو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الروسي، وُلد في إقليم شيرنيجون وعاش طفولته في فقر شديد. وقد بدأ أكسيلرود نشاطه الثوري عام 1872 حينما كان طالباً في كييف، وانضم للحركة الشعبوية الروسية. ولكنه اضطر تحت وطأة الاضطهاد القيصري إلى الفرار عام 1874 إلى الخارج حيث عاش لفترة في برلين درس خلالها الحركة الاشتراكية الألمانية، ثم استقر في جنيف حيث واصل نشاطه الثوري. وكان على اتصال وثيق بمنظمة «الأرض والحرية» وقام بتحرير جريدتها. وقد تكونت هذه المنظمة السرية عام 1876 كرد فعل للمطاردة الحكومية. وعلى صعيد العمل السياسي، اختلف الشعبويون فيما بينهم، إذ اجتمعت آراء الجناح المعتدل على أهمية العمل التنويري والدعائي بين جماهير الفلاحين من أجل تقويض النظام القيصري وفرض نظام ديموقراطي. ولكنهم اختلفوا حول كيفية تنفيذ ذلك المخطط، فآمن الفوضوي باكونين بأنه يكفي تحريض الشعب على الثورة دون أن تسبق ذلك مرحلة تعليم للشعب، وأن قوة الانتفاضات الفلاحية ستنتج عنها تحولات سياسية. أما لافروف، فكان يرى ضرورة تنوير الشعب وتعليم جماهير الفلاحين أولاً على أن تَعقُب ذلك الإصلاحات السياسية والثورة. أما الجناح الراديكالي، فدعا إلى الإطاحة بالنظام القيصري بالقوة واستيلاء أقلية ثورية على السلطة تفرض سلطانها على جماهير الشعب وتقوم بتعليمه وتنويره إلى أن يصل إلى مرحلة كافية من الثقافة والتعليم تسمح له بالمشاركة في الحكم. وبعد أن أخفقت حركة المثقفين المتجهة صوب الشعب وتبددت أوهام الشعبويين الروس في الفلاحين، بدأت عودتهم إلى المدن. ومن هنا، بدأ التحول من النشاط السلمي إلى العنف والإرهاب. وقد عمَّق هذا التطور الخلافات بين الجناح المعتدل والجناح الراديكالي داخل الحركة وانتهى بانشقاقها عام 1879 حيث اتجه المعتدلون بقيادة أكسيلرود (الذي عارض اللجوء إلى العنف) وبليخانوف إلى تأسيس منظمة كانت تهدف إلى توزيع أراضي النبلاء على الفلاحين. أما الجناح الراديكالي، فاتجه إلى تأسيس منظمة «إرادة الشعب» التي كانت تهدف إلى حل المشكلة السياسية بالقضاء على الملكية المطلقة والاستيلاء على السلطة بأقلية ثورية (عن طريق الإرهاب) ، وقامت بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات السياسية انتهت باغتيال ألكسندر الثاني في مارس 1881. ولعب الشعبويون اليهود دوراً نشيطاً في هذه المرحلة أيضاً، خصوصاً في المجال التنظيمي والإداري، حيث ساهموا في تأسيس الحلقات الثورية وتوزيع المنشورات والمطبوعات السرية وتنفيذ عمليات الاغتيال. وكان من بينهم أعرون جوبيت الذي أُعدم عام 1879 بتهمة محاولة اغتيال ألكسندر الثاني، ومارك نيثانسون وأهارون زوندبليفيتش اللذان شاركا في تأسيس منظمة «الأرض والحرية» ، وقد كان زوندبليفيتش عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة «إرادة الشعب» . وكان من بين طلبة المعهد الحاخامي في فيلنو أولئك الذين انضموا إلى الحركة مثل أهرون ليبرمان وفلاديمير أيوخيلسون (وكان من دعاة استخدام الإرهاب كسلاح سياسي، وشارك في تنفيذ عمليتين إرهابيتين) . كذلك شارك جريجوري جولدنبرج الذي كان عضواً في «إرادة الشعب» في العمليات الإرهابية ومات منتحراً عام 1880 بعد اعتقاله وبعد أن اعترف على رفاقه. أما هيسي هيلفمان، فأُدينت بالاشتراك في اغتيال ألكسندر الثاني عام 1881 وتوفيت في السجن. وأعقب اغتيال ألكسندر الثاني عملية قمع واسعة للحركة أسرعت بأفولها وتمزُّقها. ومع ذلك، نجد أن كثيراً من ملامح الحركة الشعبوية الروسية وجدت طريقها إلى المنظمات اليهودية ذات النزعة القومية أو الصهيونية والتي بدأت تتشكل في تلك الفترة، وذلك في أعقاب ما شهدته أعوام 1881 - 1883 من تزايُد الاضطهاد والهجمات ضد الجماعات اليهودية نتيجة تعثُّر التحديث في روسيا (وهو ما أصاب جميع الأقليات أيضاً) ، وقد آمنت هذه المنظمات ومن أهمها جمعيات أحباء صهيون بالنارود، أى الشعب العضوي الكادح، ولكنه في هذه الحالة، في تصوُّرهم، هو «الشعب اليهودي» فدعت إلى ضرورة الذهاب إلى هذا الشعب اليهودي، كما نادت بالعودة إلى الأرض (أي فلسطين) والعمل الزراعي والمشاعية. ويُعتبَر الحزب الاشتراكي الثوري، الذي تأسَّس عام 1901، وريث الحركة الشعبوية وحزب «إرادة الشعب» الذي ساهم في تأسيسه حاييم جيتلويسكي. وقد حدثت تطورات في فكر أكسيلرود حيث وجد نفسه منجذباً نحو أفكار حركة أحباء صهيون ونحو ضرورة دعوة الشباب والمثقفين اليهود إلى " الذهاب إلى الشعب العضوي " (اليهودي) والعمل بين الجماهير اليهودية. وفي أوائل عام 1882، بدأ في تحضير منشور حمل عنوان "حول مهام الشباب اليهودي الاشتراكي" أعرب فيه عن تبدُّد أوهام الشباب الثوري اليهودي تجاه موقف الحركة الثورية الروسية بالنسبة لمشاكل الجماعة اليهودية في روسيا (وكان بعض زعماء الحركة قد أيَّدوا الهجمات ضد اليهود) ، وأكد أن هذه الجماعة تشكل «أمة» وأنها تواجه كراهية قطاع واسع من الجماهير المسيحية بغض النظر عن الانتماءات الطبقية لأعضاء الجماعة. ولكنه فسَّر هذه الكراهية في ضوء الوضع الاجتماعي والاقتصادي الخاص بالجماعة اليهودية في روسيا والذي تكَّون داخل سياق تاريخي معيَّن، حيث يشتغل قطاع واسع من أعضاء الجماعة في الأعمال الوسيطة غير المنتجة التي تنطوي على قدر كبير من استغلال الجماهير الروسية. وقد رأى أكسيلرود صعوبة تحولهم إلى قطاعات منتجة في ظل الأوضاع التي كانت قائمةً في روسيا، كذلك رأى صعوبة اندماجهم بين الجماهير الروسية الريفية أو العمالية التي اعتبرها أكثر تخلُّفاً من الناحية الثقافية بالمقارنة باليهود. ومن ثم، شجَّع فكرة الهجرة إلى الخارج سواء إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم التحول إلى طبقة منتجة، أو الانصهار مع السكان المحليين، أو الهجرة إلى فلسطين التي يمكن أن تكون «بفضل الميراث التاريخي، وطن اليهود الحقيقي ودولتهم الصغيرة الخاصة بهم» . وهنا نلاحظ ميلاد الصهيونية الاشتراكية (على طريقة بوروخوف) من رحم الأفكار الشعبوية والثورية الروسية، تماماً كما وُلدت الصهيونية التنقيحية من رحم الفاشية الأوربية، والصهيونية الدبلوماسية من رحم الليبرالية الغربية، وكما وُلدت مدارس الصهيونية كلها من رحم الإمبريالية الغربية والاستعمار الاستيطاني الغربي. وواجهت آراء أكسيلرود هذه معارضة شديدة من رفاقه ومن بينهم رفاقه اليهود، وخصوصاً ليف رايتش الذي أكد أولوية العمل الثوري الاشتراكي على أية اعتبارات إثنية أو قومية أخرى، ونجح في إقناع أكسيلرود بالعدول عن موقفه، والذي حسم أمره في نهاية الأمر لصالح الاتجاه الثوري الاندماجي وتحوَّل تماماً إلى الماركسية وأصبح من المعارضين لكل من حزب البوند والصهيونية. وفي عام 1883، شارك أكسيلرود في تأسيس حركة تحرير العمل التي تحوَّلت بعد ذلك إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وشارك في تحرير جريدة الحزب (إيسكرا) . وبعد انشقاق الحزب عام 1903، انضم أكسيلرود إلى المناشفة وأصبح أحد زعمائهم، وعاد إلى روسيا عقب ثورة فبراير عام 1917. وبعد قيام الثورة البلشفية، اعتزل أكسيلرود العمل السياسي واستقر في برلين حيث ظل معارضاً للنظام البلشفي واتهمه بأن «ديكتاتورية البروليتاريا» التي زعم أنه أقامها ما هي إلا ديكتاتورية مفروضة على البروليتاريا. وقد أصدر عدداً من الأعمال حول الفكر الاشتراكي الديموقراطي إلى جانب مذكراته التي صدرت عام 1922 تحت عنوان حياتي وأفكاري. البوند (حزب ( The Bund «بوند» كلمة يديشية معناها «الاتحاد» ، وهي الكلمة الأولى في عبارة «الاتحاد العام للعمال اليهود في روسيا وبولندا وليتوانيا» . وهو أهم التنظيمات الاشتراكية اليهودية في شرق أوربا. وقد تأسَّس الحزب داخل منطقة الاستيطان في مقاطعات ليتوانيا وروسيا البيضاء التي كانت تتميَّز بوجود عمال يهود متركزين بأعداد كبيرة نسبياً في الصناعات. كما أن الكثافة السكانية اليهودية ككل كانت عالية إلى حدٍّ ما، الأمر الذي كان يعني عزلة اليهود عن بقية السكان. وعُقد الاجتماع التأسيسي للحزب سراً في فلنا في أكتوبر عام 1897، أي بعد مرور أقل من شهرين على انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول. وحضر الاجتماع ثلاثة عشر مندوباً كان من بينهم ثمانية عمال. وكان الحزب يُعَدُّ أكبر الأحزاب اليهودية وأكثرها جماهيرية، فكان يضم في صفوفه جماهير يهودية يفوق عددها عدد أعضاء المنظمة الصهيونية في شرق أوربا بل في العالم كله. فقد كان عدد أعضاء حزب البوند في الفترة 1903 ـ 1905 ما بين 25 و35 ألفاً، وقيل إن العدد قد وصل إلى 40 ألفاً عام 1905. ويُقسَّم تاريخ حزب البوند في العادة إلى مرحلتين. ويمكن تقسيم المرحلة الأولى بدورها إلى فترتين، وقد سيطرت في الفترة الأولى من المرحلة الأولى عناصر ثورية من المثقفين على قيادات الحزب. ويُلاحَظ أن برنامج الحزب في سنواته الأولى لم يكن له توجُّه محلي أو يهودي واضح، فكانت قيادته ترى أنه حزب اشتراكي روسي يضطلع بمهمة التجنيد الثوري في القطاع اليهودي للطبقة العاملة. وتقبَّل الحزب يهودية العمال اليهود ولغتهم اليديشية بوصفها مجرد حقائق تؤخذ في الاعتبار. ولذا، أكد الحزب في برنامجه أهمية اللغة اليديشية باعتبارها إحدى الوسائل العملية للوصول إلى الجماهير اليهودية. ولكنه رفض من البداية أية تصورات صهيونية لقومية يهودية عالمية، وطرح بدلاً من ذلك مفهوماً كان يُشار إليه بكلمة «دوإكييت» اليديشية والتي تعني «هنا» ، أي الاهتمام بأوضاع أعضاء الجماعة اليهودية (هنا) في شرق أوربا خارج أي إطار يهودي عالمي وهمي. ولذا، كان البوند يعارض التعاون مع الحركات العمالية اليهودية في البلاد الأخرى (وقد ظل الالتزام بهذا المفهوم أحد ثوابت النظرية البوندية) . بل إن حزب البوند كان يرى أن وجود حركة عمالية يهودية مستقلة هو مرحلة مؤقتة انتقالية، وأن الهدف النهائي هو الاندماج في الشعب الروسي (أو البولندي) . وفي هذا الإطار، أكد الحزب التزامه بالماركسية واهتمامه بالمصالح العامة للطبقة العاملة ككل بصفة أساسية وبالمصالح الخاصة بالعمال اليهود بالدرجة الثانية، وانضم إلى الحزب العمالي الديموقراطي الاشتراكي الروسي عام 1898، وكان البوند أحد مؤسسي هذا الحزب. وقد كان عدد المندوبين في اللجنة التأسيسية للحزب تسعة من بينهم ثلاثة من أعضاء البوند. وقام الحزب بنشاطات واسعة ذات طابع سياسي في صفوف العمال من أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانت تتزايد أعدادهم بسبب تزايُد معدلات التحديث الاقتصادية والتصنيع في روسيا وتعثُّرها من الناحية الاجتماعية مع نهاية القرن. وأدَّى نجاحه في نشاطه إلى تأليب النظام الروسي القيصري ضده. وفي هذه الآونة، كان المفكران الروسيان اليهوديان سيمون دبنوف وحاييم جيتلوسكي قد صاغا نظريتهما عن قومية الدياسبورا (أو بتعبير أدق قوميات الجماعة اليهودية، وربما أيضاً: القومية اليديشية) . وتذهب هذه النظرية إلى أن ثمة ثقافات يهودية مستقلة عن بعضها البعض وعن الحضارات التي يتواجد داخلها اليهود، وأن استقلال اليهود الثقافي النسبي عن محيطهم الحضاري لا يعني ارتباطهم جميعاً على مستوى يهودي عالمي. وأكد دبنوف أن الجماعة اليهودية في شرق أوربا (أي يهود اليديشية) لها هوية ثقافية مختلفة عن الهويات اليهودية الأخرى التي نشأت في أماكن وأزمنة أخرى، وأن هذه الهوية تستحق الحفاظ عليها وتطويرها على أرض شرق أوربا ذاتها دون الحاجة إلى الهجرة إلى فلسطين، وهي الهجرة التي كانت تتم في إطار تصوُّر وجود هوية يهودية عالمية واحدة. ووجدت هذه النظرية صدى لدى قيادات البوند، خصوصاً أن التأكيد على الخصوصية اكتسب شيئاً من الشرعية الماركسية من القرار الذي اتخذه الحزب الديموقراطي الاشتراكي في النمسا، والذي بمقتضاه غيَّر الحزب بنيته من حزب مركزي إلى حزب فيدرالي قومي يتفق بناؤه مع التعددية القومية التي كانت تسم النمسا آنذاك. كما أن الواقع الفعلي لكثير من أعضاء الحزب كان يؤكد أنهم أقلية قومية شرق أوربية (يديشية) لها لغتها وهويتها الثقافية الخاصة. وقد ساهم التحديث المتعثر في روسيا القيصرية في هذه الآونة في دعم هذه الهوية وفي تعميق كثير من أبعادها، ولعل هذا يُفسِّر سبب تَرعرُع الثقافة اليديشية وازدهارها. وقد أعلن البوند في مؤتمره الرابع عام 1901 أن اليهود يشكلون أقلية إثنية لا دينية وأن مصطلح أمة (كما هو مستخدم في روسيا) ينطبق عليهم. وهنا تبدأ الفترة الثانية من المرحلة الأولى، حيث دعا الحزب إلى إعادة تأسيس روسيا كاتحاد فيدرالي من القوميات مع إدارة ذاتية قومية كاملة لكل أمة دون إشارة إلى الإقليم الذي تسكنه. ومع هذا، تقرر ألا يقوم البوند بحملة من أجل الإدارة الذاتية اليهودية حتى لا يتضخم الشعور القومي لدى أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي قد يمُيِّع الوعي الطبقي للعمال. ولكن هذا التحفظ الأخير لم يُطبَّق، وأُلغي رسمياً في المؤتمر السادس (عام 1905) . وكان البوند قد أكد في مؤتمره الخامس (عام 1903) حقه كممثل للعمال اليهود في أن يضيف إلى برنامج الحزب الاشتراكي الديموقراطي العام مواد لا تتعارض مع ذلك البرنامج، وتتوجه في الوقت نفسه إلى مشاكل العمال اليهود الخاصة. واقترح البوند على مؤتمر الحزب الاشتراكي عام 1903 الاعتراف بأعضاء الجماعة كأقلية قومية روسية لها حق الإدارة الذاتية مثل بقية الأقليات. لكن الطلب رُفض، فانسحب ممثلو البوند. ويُلاحَظ تذبذب البونديين بين نظرتين إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود، إحداهما ترى أنهم يشكلون طبقة عاملة يهودية ذات هوية يهودية شرق أوربية محلية أي يديشية، ولذا لا يمكن دمجها بشكل كامل في الطبقة العاملة الروسية. ويرى الموقف الآخر (البلشفي) أن ثمة طبقة عاملة روسية، وأن العمال اليهود هم جزء لا يتجزأ منها، ومن ثم يكون حل مشكلة اليهود القومية والطبقية هو الاندماج. ويدل تذبذب قيادة البوند على مدى ذكائهم الحضاري ومدى التصاقهم بجماهيرهم التي كانت لها هوية مستقلة آخذة في التبلور. فهذه الجماهير كانت كتلة بشرية كبيرة تَصلُح أساساً لتطوير شخصية قومية شرق أوربية يديشية مستقلة. ولكن، لأن هذه الهوية ليست متبلورة وإنما آخذة في التبلور، طرح فلاديمير ميديم (1879ـ 1923) ، أحد منظري الحزب، فكرة " الحياد " التي تذهب إلى أنه لا يمكن تحديد الشكل الذي سيحقق من خلاله أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا بقاءهم، فهم قد يحتفظون بهويتهم وقد يندمجون في محيطهم الثقافي. وتصبح مهمة البوند بالتالي هي أن يحارب من أجل التوصل إلى إطار سياسي يضمن حرية التطور لكل من الاتجاهين، وألا يتخذ أية خطوات من شأنها أن تساعد على الاستمرارية الإثنية أوعلى عمليات التذويب. ولذا، لم تستمر القطيعة طويلاً مع الحزب الديموقراطي الاشتراكي وعاد البوند إلى التحالف معه عام 1906. وبعد أن مارس الحزب نشاطه بشكل علني بعد ثورة 1905، وسَّع نشاطاته ووصل إلى قطاعات كبيرة من أعضاء الطبقة العاملة من اليهود. ولكنه بدأ ينتكس بعد عام 1908 (وهي الفترة التي شهدت المد الرجعي في روسيا) حيث قُبض على رؤساء الحزب وتم نفيهم، وانحصر اهتمام الحزب لبعض الوقت في الأمور الثقافية مثل اليديشية، واشترك في عدة مؤتمرات ومؤسسات ثقافية ذات طابع يهودي روسي عام مثل جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا. ورغم تأكيد البوند الهوية اليديشية، وربما بسبب هذا، نجده يقف في حزم ضد الرؤية الصهيونية للقومية اليهودية العالمية التي تضم اليهود في كل زمان ومكان. وقد بيَّن البوند أن المشروع الصهيوني لن يؤدي إلى حل المسألة اليهودية لأن الدولة الصهيونية لن تستوعب كل يهود العالم، كما أنها تُفقد يهود العالم حقهم في المطالبة بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والمدنية حيثما وجدوا. ذلك بالإضافة إلى أن إنشاء هذه الدولة يجعل الصراع بين اليهود والعرب أبدياً، كما أن بقاءها يعتمد على رضا يهود الغرب. وقد بيَّن البوند أن الافتراض الصهيوني بأزلية معاداة اليهود بين الأغيار يهدف إلى تمييع الصراع الطبقي وإعاقة تطوُّر شعور المواطنة لدى اليهود وإلى تقوية عقلية الجيتو. وتبدأ المرحلة الثانية في تاريخ الحزب بحدوث تغيير أساسي في صفوف الحزب في تلك الآونة، إذ انسحب المثقفون من قيادته، وأصبحت أغلبية أعضائه وقياداته من العمال. وزاد التركيز على خصوصية العمال اليهود وعلى خصوصية وضعهم. ولذا، كانت لغة المؤتمر العاشر للحزب (عام 1910) هي اليديشية، كما اتُخذت قرارات تدعو إلى استخدام هذه اللغة في المدارس والمؤسسات وإلى اشتراك الحزب في انتخابات الدوما (البرلمان) لعام 1912. وحينما حدث الانشقاق بين البولشفيك والمنشفيك، انضم البوند إلى المنشفيك لقبولهم مبدأ الإدارة الذاتية، ولأن لينين والبلاشفة بشكل عام رفضوا فهم البوند للمسألة اليهودية (أو المسألة اليديشية) ولخصوصية وضع العمال من يهود اليديشية. وبعد اندلاع الثورة عام 1917، زادت عضوية البوند بسرعة ووصلت إلى خمسة وأربعين ألف عضو. ولكن أعداداً كبيرة منهم انضمت إلى الحزب الشيوعي، وكوَّن بعض أعضاء الحزب في أوكرانيا حزباً بوندياً شيوعياً، ولكن أعضاءه انضموا أيضاً إلى الحزب الشيوعي بعد تصاعُد الهجمات ضد أعضاء الجماعة اليهودية. وتم القضاء على ما تبقى من البوند عام 1919. وهاجرت شرذمة صغيرة من البوند إلى برلين بعد الثورة، واستمرت في نشاطها الحزبي وأصدرت مجلة. ولم يبق من الحزب سوى أرشيفه الذي نُقل إلى جنيف عام 1927 ثم إلى باريس عام 1933. وكانت هناك أحزاب بوند في أماكن أخرى من بينها جاليشيا ورومانيا، ولكن أهم هذه الأحزاب هو حزب البوند في بولندا الذي استقل في نشاطاته حين عُزل عن روسيا نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد ازداد الحزب راديكالية في بولندا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي اليهودي في جاليشيا عام 1919. ثم انضم الحزبان إلى الكومنترن، الأمر الذي تسبَّب في قمع الحكومة لهما. واختفى حزب البوند بين عامي 1920 و1924،ولكنه حينما عاود الظهور في عام 1924 أصبح أكبر حزب عمالي يهودي في بولندا، فأصدر مجلة أسبوعية وأخرى شهرية وجريدة يومية وبلغت عضويته سبعة آلاف (ويُقال 12 ألفاً) إلى جانب منظمة شبابية كانت تضم عشرة آلاف عضو. ولعب حزب البوند دوراً مؤثراً في الحياة السياسية في بولندا. فاستمر في حربه ضد الصهيونية واليهودية الأرثوذكسية، وكان يحصل على أغلبية الأصوات في انتخابات اتحادات نقابات العمال اليهود التي كانت تضم نحو تسعة وتسعين ألف عامل في عام 1939. وساهم الحزب في تأسيس منظمة المدارس اليديشية المركزية، كما كان يسيطر على نحو 80% من كل المؤسسات التعليمية اليديشية. واستمر البوند في معارضته للعبرية. ووصل البوند في بولندا إلى قمة نفوذه السياسي بين عامي 1936 و1939، حين حصل على أغلبية أصوات اليهود في انتخابات البلديات، نظراً لأنه كان ينظم الجماهير اليهودية وغير اليهودية في الحرب ضد معاداة اليهود. وبعد الاحتلال النازي، اشترك البوند في المقاومة ضده. وقد تم القضاء على البوند مع تصفية معظم أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا على يد النازيين. ويُلاحَظ أن حزب البوند لايزال له فروع في الولايات المتحدة وبريطانيا تضم كبار السن من نشطاء الحزب السابقين في بولندا وروسيا. وقد كوَّنت البقية الباقية من أعضائه وفروعه اتحاداً عالمياً له هيئة تنفيذية مقرها نيويورك، وقد عقدت هذه الهيئة مؤتمراً عاماً في أبريل عام 1965، والمنظمة عضو في الاشتراكية الدولية. ولا يزال الحزب يرفض الفكر الصهيوني ويحاول أن يأخذ موقفاً محايداً من الصراع العربي الإسرائيلي. ورغم الجماهيرية الواضحة للبوند أثناء فترة نشاطه، سواء في روسيا أو في بولندا، فإن أثره في تواريخ أعضاء الجماعات كان محدداً. ولعل هذا يعود إلى عدة أسباب: 1 ـ ارتبط البوند من البداية بثقافة اليديشية التي ازدهرت لفترة محدَّدة، بسبب تعثُّر التحديث في شرق أوربا بعد عام 1880، وحتى في هذه الفترة كان عدد المتحدثين باليديشية آخذاً في التناقص. 2 ـ يحوي برنامج حزب البوند جوانب اندماجية عديدة، ولذا فإن الاختفاء هو في واقع الأمر جزء من البرنامج وتحقق له. 3 ـ أدَّت عملية التصنيع والتحديث، بعد الثورة البلشفية، إلى تصفية التجمعات اليهودية الكثيفة وإلى انتشار أعضاء الجماعات في روسيا، كما أدَّت الإبادة النازية إلى الشيء نفسه بالنسبة لبولندا، الأمر الذي أدَّى إلى تصفية القاعدة الجماهيرية للحزب في البلدين. 4 ـ تولت الدولة السوفيتية، بنفسها، تنفيذ الجانب الثقافي لبرنامج البوند. فاعترفت باللغة اليديشية بوصفها إحدى اللغات الرسمية، وشجعت دراستها، وأنشأت العديد من المؤسسات الثقافية اليديشية، ثم أنشأت أخيراً مقاطعة بيروبيجان وهي التنفيذ العملي للبرنامج البوندي. وإذا كانت اليديشية آخذة في الاختفاء وإذا كان مشروع بيروبيجان لم ينجح، فإن هذا يعود إلى الطبيعة المؤقتة للنهضة الثقافية اليديشية وإلى أن أعضاء الجماعة آثروا الاندماج وما يتبعه من حراك اجتماعي سريع على الاحتفاظ بخصوصيتهم اليديشية. وعلى كلٍّ، فقد كان منظرو البوند غير متأكدين منذ البداية من أن الهوية اليديشية ستنمو وتزدهر، ولذا طالبوا بإطار منفتح يسمح بتطوُّر هوية أعضاء الجماعة إما نحو مزيد من الاندماج أو نحو مزيد من الضمور ثم الاختفاء، وتركوا النتيجة ليحددها مسار التاريخ نفسه. ويبدو أن البديل الثاني هو الذي كتب له أن يتحقق. فلاديمير ميديم (1879-1923 ( Vladimir Medem أحد قادة حزب البوند البارزين في روسيا وبولندا. وُلد في منطقة الاستيطان لأب يعمل كضابط طبيب في الجيش. وكان والده من اليهود المندمجين تماماً في المجتمع الروسي، كما قام بتعميد ابنه في الكنيسة الأرثوذكسية. وقد درس ميديم القانون في كييف. وخلال فترة دراسته، اعتنق الماركسية ثم طُرد من الجامعة عقب اشتراكه في إضراب للطلبة عام 1899، وأمضى فترة قصيرة في السجن عاد بعدها إلى منسك. وكان ميديم يعتبر نفسه روسياً، ولكنه بدأ يوجه اهتمامه نحو الجماهير اليهودية. ودفعه ذلك إلى الانضمام إلى حزب البوند، فأصبح عضواً في لجنة الحزب في منسك وكتب في جريدته. وبعد أن سُجن لفترة أخرى، هرب إلى سويسرا حيث انضم إلى دوائر الطلاب الروس، وانتُخب عام 1901 أول سكرتير لحزب البوند في الخارج. وقام ميديم بتمثيل الحزب في المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المنعقد في لندن عام 1903. وعُيِّن عقب المؤتمر عضواً في اللجنة الخارجية لحزب البوند ثم عضواً في لجنته المركزية عام 1906. وكان ميديم شديد الاهتمام بالمسألة القومية، فبلور عام 1904 سياسة الحياد التي تبناها حزب البوند كسياسة رسمية له بشأن مستقبل الجماعة اليهودية في روسيا، وهي سياسة تدعو إلى تبنِّي موقف محايد تجاه قضية الاندماج باعتبار أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية ستحسم هذه المسألة في نهاية الأمر. ولكن ميديم بدأ عام 1910 في الابتعاد عن هذه السياسة والمطالبة بضرورة اتخاذ موقف أكثر إيجابية تجاه المسألة القومية، وفي تأكيد أن الجماعة اليهودية جماعة قومية شرق أوربية (يديشية) لها الحق في التعبير عن هويتها القومية والثقافية مثل سائر القوميات داخل روسيا. وقد كان ميديم أول من دعا إلى ضرورة أن يتبنى حزب البوند دوراً نشيطاً داخل الإطار التنظيمي للجماعة اليهودية (القهال) ، كما طالب بتأسيس المدارس اليديشية وبحق التوقف عن العمل يوم السبت والدفاع عن حقوق العمال اليهود، ولعب دوراً نشطاً في إحياء الصحافة البوندية في الفترة ما بين عامي 1912 و1913. سُجن ميديم في وارسو خلال الحرب العالمية الأولى ثم أُفرج عنه عام 1915 بعد انسحاب القوات الروسية. وخلال الاحتلال الألماني لبولندا، أصبح ميديم الزعيم الفكري لحزب البوند بها. وقد عمل على تشجيع اللغة اليديشية، وبدأ يتحدث ويكتب بها ويهاجم الصهيونية بشدة. ومع قيام الثورة البلشفية وصعود العناصر المؤيدة للشيوعية داخل حزب البوند، وجد ميديم نفسه منعزلاً داخله بسبب هجومه الشديد على البلاشفة وسياستهم، فهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1921 واستقر فيها. انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الاشتراكية والثورية Participation of Members of Jewish Communities in Socialist and Revolutionary Movements يُلاحَظ وجود كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية الاشتراكية في كثير من بلاد العالم بنسبة تفوق نسبة انخراط السكان الأصليين في هذه الحركات. وهذه ظاهرة كانت ملحوظة في العالم العربي الإسلامي، إذ يُلاحَظ أن كثيراً من قيادات ومؤسسي الحركات الشيوعية كانوا من اليهود. وليس هذا بمستغرب، فكثير من أعضاء الأقليات ينجذبون إلى الحركات الثورية العلمانية على أمل أن يحقق لهم المجتمع الثوري العلماني الجديد الحرية الكاملة والمساواة التامة. ولكن ذلك، على كل حال، كان ظاهرة عابرة نظراً لأن كثيراً من العناصر اليهودية في الحركة الاشتراكية كانت أجنبية أو من أصل أجنبي ورحلت عن العالم العربي بعد تأسيس الدولة الصهيونية وبعد اتضاح معالم حركة القومية العربية. كما أن هذه العناصر كانت ضمن القيادات وحسب ولم يكن هناك قط جماهير يهودية بهذا المعنى. ومع الخمسينيات، كانت معظم الحركات الاشتراكية يقودها عناصر عربية محلية. ومع هذا، يذهب بعض الباحثين إلى أن القيادات الشيوعية العربية من أصل يهودي (مثل هنري كورييل) ظلت مسيطرة على الحركات الشيوعية. أما في العالم الغربي، فيمكن القول بأن غرب أوربا في القرن التاسع عشر (إنجلترا وهولندا وفرنسا وغيرها) لم يكن فيه كتلة بشرية يهودية كبيرة كما أنها كانت مندمجة، وبالتالي لم يكن هناك وجود يهودي ملحوظ لا على مستوى القيادات الاشتراكية ولا على مستوى الجماهير. ولكن من المُلاحَظ أن بعض العناصر الثورية كانت تُجَنَّد من بين المهاجرين من شرق أوربا مع يهود اليديشية. كما أن تمثيل اليهود في الأحزاب الثورية، سواء على مستوى القيادة أو على مستوى الجماهير، كان أعلى من نسبتهم القومية. أما في وسط أوربا (ألمانيا والنمسا) ، فقد كانت أعداد اليهود صغيرة، كما كانت تنتمي أساساً لكبار المموِّلين والطبقات الوسطى، ولذا ارتبط اليهودي في الأذهان بكبار المموِّلين وبالدعاوى الليبرالية. ولم تكن الأحزاب الثورية تضم في صفوفها أعداداً كبيرة من اليهود بشكل مطلق. ومع هذا، كان هناك عدد ملحوظ من قيادات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية، ومن المفكرين الثوريين، من أعضاء الجماعات اليهودية، يمكننا أن نذكر من بينهم كارل ماركس وفرديناند لاسال وكارل كاوتسكي وروزا لوكسمبرج. ولعل هذا الوضع هو الذي أضفى مصداقية سطحية على الادعاءات النازية بشأن المؤامرة اليهودية الكبرى ومحاولة اليهود تحطيم ألمانيا بتطويقها من اليمين واليسار. أما في شرق أوربا، فكان وجود اليهود في الحركات الثورية على مستوى القيادات والجماهير وجوداً ملحوظاً لا شك فيه. فكان عدد كبير من البلاشفة الروس، مثل زينوفييف وكامينيف وليتفينوف، من أعضاء الجماعات اليهودية، وعلى رأسهم تروتسكي مهندس الثورة البلشفية وقائد الجيش الأحمر. أما على مستوى المشاركة الجماهيرية، فكان حزب البوند الروسي البولندي اليهودي هو أكبر حزب ثوري اشتراكي في العالم عند تأسيسه. وكان الشباب اليهودي ينخرط في سلك الثوار بدرجات متزايدة، فقد كان 30% من المقبوض عليهم في جرائم سياسية عام 1900 (في روسيا) من أعضاء الجماعات اليهودية. ويمكن تفسير انخراط أعضاء الجماعات اليهودية في الحركات الثورية بشكل ملحوظ على الأساس التالي: 1 ـ كان اليهود يشكلون نسبة كبيرة من القطاع المتعلم في المدن، وهو القطاع الذي يساهم في الحركات الثورية أكثر من القطاعات الأخرى. 2 ـ كان كثير من الشباب اليهودي محروماً من دخول الجامعات الروسية، فالتحقوا بالجامعات في أوربا حيث تم تسييسهم وتثويرهم بدرجة أعلى من أقرانهم. 3 ـ كان اليهود أقلية مُضطهَدة محرومة من حقوقها المدنية. ولذا، نجد أن المثقفين اليهود الذين كان من الممكن في ظروف عادية أن يتحولوا إلى مهنيين عاديين (وهو الأمر الذي حدث فيما بعد) وقد انخرطوا، بدلاً من ذلك، في صفوف القواعد الثورية، كما يحدث في كثير من الحركات الثورية في العالم، حيث نجد أن أعضاء الأقليات المضطهدة يشكلون نسبة عالية فيها. واستفادت الصهيونية من ظاهرة انخراط أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في الحركات الثورية ووظفته لصالحها، إذ أن أحد الموضوعات الأساسية التي كان يطرحها تيودور هرتزل في كتاباته، وأثناء مفاوضاته، أن الحل الصهيوني هو الطريقة الوحيدة لتحويل الشباب اليهودي عن الثورة. وقد تم تطوير الصيغة الصهيونية العمالية كمحاولة لاستيعاب الديباجة الثورية الاشتراكية داخل الصهيونية. ومن الأسباب التي أدَّت إلى صدور وعد بلفور، محاولة تجنيد الكتلة اليهودية الضخمة في شرق أوربا ضد الثورة البلشفية. وبعد الحرب العالمية الأولى، يُلاحَظ تركُّز اليهود في التنظيمات الاشتراكية التي بدأت تتبلور في تنظيمات شيوعية وتنظيمات اشتراكية ديموقراطية. وكانت التنظيمات الشيوعية الدولية معادية للصهيونية ولمعاداة اليهود، ورفضت السماح للأحزاب الصهيونية ذات الديباجات الاشتراكية بالانضمام إليها. وحيث إن الأحزاب الشيوعية كانت تتبع تعليمات الاتحاد السوفيتي في هذا المجال، وفي عدة مجالات أخرى، فإن هذه الأحزاب ناصبت الصهيونية وأحزابها العداء. ولكن هذه الأحزاب ذاتها أيَّدت قيام الدولة الصهيونية حينما فعل الاتحاد السوفيتي ذلك، ثم ناصبت الصهيونية العداء مرة أخرى حينما غيَّر الاتحاد السوفيتي سياسته وأعلن عداءه للصهيونية ودولتها. أما الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية، فقد تقبلت الظاهرة الاستعمارية وبالتالي الصهيونية، وأيَّدت المشروع الصهيوني ثم الدولة الصهيونية، وتعاونت مع الأحزاب الصهيونية ذات الديباجة الاشتراكية ومنحتها حق العضوية في الأممية الثانية. وفي الستينيات، ظهرت حركة اليسار الجديد، وكان كثير من زعمائها في الولايات المتحدة وأوربا من أعضاء الجماعات اليهودية، وكان هربرت ماركوز، مُنظِّرها الأساسي، يهودياً. وأخذت هذه الحركة موقفاً معادياً لإسرائيل ومؤيداً للعرب، خصوصاً بعد حرب 1967، وهو ما أدَّى إلى ابتعاد بعض الشباب اليهودي عنها. ولكن، مع هذا، ظلت نسبة عالية من أعضائها من اليهود. ولا تزال كثير من حركات الرفض الثورية تضم عدداً كبيراً من أعضاء الجماعات اليهودية. وهذه أيضاً ظاهرة ليست مقصورة علىهم وإنما هو أمر شائع بين أعضاء الأقليات. ويُلاحَظ أننا لا نستخدم اصطلاحات مثل «الاشتراكية اليهودية» أو «الاشتراكيين اليهود» لأن مثل هذه الاصطلاحات تفترض وجود اشتراكية يهودية لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلى حركيِّات يهودية مستقلة، وأن يهودية الاشتراكي اليهودي هي أهم العناصر التي تفسر سلوكه. وهو ما نجد أن من الصعب قبوله. وفي المداخل الخاصة بالاشتراكيين من أعضاء الجماعات اليهودية وجدنا أنه لا يوجد نموذج تفسيري واحد ينطبق عليهم جميعاً. فبعضهم لعب انتماؤه اليهودي، الديني والإثني، دوراً في انخراطه في الحركة الاشتراكية، والبعض الآخر لم تلعب معه اليهودية أي دور على الإطلاق. وأحياناً نجد أن يهودية الاشتراكي من أعضاء الجماعات اليهودية قد لعبت دوراً سلبياً وجعلته يتخذ موقفاً معادياً لليهود واليهودية، وكثيرون منهم «يهود غير يهود» (على حد تعبير إسحق دويتشر) لا يكترثون باليهود أو اليهودية، وكل ما بقي من يهوديتهم هو الاسم، ومع هذا صُنِّف كل هؤلاء باعتبارهم يهوداً. وثمة وجود ملحوظ لأعضاء الجماعات اليهودية في قيادة الأحزاب الشيوعية، وخصوصاً في شرق أوربا، بنسبة تفوق كثيراً نسبتهم إلى عدد السكان. كما يُلاحَظ وقوفهم إلى جوار الستالينية، ويجب أن نرى الستالينية هنا باعتبارها «النفوذ الروسي» . فرغم الإدعاءات الأممية للنظرية الشيوعية إلا أنه، في مجال التطبيق، ظهرت التوترات العرْقية والإثنية والقومية التقليدية وظهر مرة أخرى خوف الشعوب المحيطة بروسيا (بولندا - المجر - تشيكوسلوفاكيا - رومانيا) من الدب القيصري الذي ارتدى رداءً أممياً شيوعياً. وقد وقف كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلى جانب روسيا، وهو ما جعل منهم ما يشبه الجماعة الوظيفية التي تمثل المصالح الروسية باعتبارها القوة الإمبريالية الحاكمة. وفي هذا استمرار لميراث الجماعة اليهودية في شرق أوربا كجماعة وظيفية استخدمتها الطبقات الحاكمة لضرب الفلاحين وأحياناً النبلاء، الأمر الذي دعم الصورة الإدراكية السلبية لليهود عند شعوب شرق أوربا. ولعل هذا يُفسِّر سخط كثير من شعوب شرق أوربا على «اليهود» رغم اختفاء الجماعات اليهودية تقريباً، إذ لا تزال صورة اليهودي كسوط عذاب في يد الحاكم حية في الأذهان. الثورة اليهودية The Jewish Revolution «الثورة اليهودية» مصطلح أطلقه البعض على الثورة البلشفية عند نشوبها، وهو يفترض أن الثورة البلشفية نظمها اليهود وخططوا لها وعملوا على نجاحها واستفادوا منها. بل يذهب البعض إلى أن الثورة البلشفية، كثورة يهودية، هي إحدى تطبيقات بروتوكولات حكماء صهيون أو المؤامرة اليهودية العالمية الكبرى ضد الجنس البشري. والمدافعون عن هذا التصور يشيرون إلى أن كلاً من كارل ماركس ولينين يهود (وهو أمر مناف للواقع، فأبو ماركس قد تنصَّر، أما لينين فمن المعروف أن خلفيته ليست يهودية) ، كما يشيرون إلى وجود عدد كبير من اليهود في صفوف البلاشفة على مستوى الكوادر السياسية العادية والقيادات مثل تروتسكي وكامينيف وزينوفييف. ولكن الدارس لسير هؤلاء البلاشفة اليهود، ولغيرهم، سيجد أنهم كلهم رفضوا اليهودية بل ساهموا في صياغة السياسة البلشفية تجاه الجماعات اليهودية وفي تطبيقها، وهي السياسة التي أدَّت في نهاية الأمر إلى تصفية التجمعات السكانية اليهودية في روسيا وأوكرانيا (وكانت من أكبر التجمعات في العالم) وإلى تصاعد معدلات الاندماج والعلمنة بينهم. ومن المعروف أن صعود وهبوط القيادات البلشفية اليهودية في ميزان القوى، داخل الحزب وخارجه، لم يكن نتيجة يهوديتهم، وإنما كان بسبب الظروف العامة للصراع داخل الحزب الشيوعي والمجتمع السوفيتي. وقد تحالف كامينيف وزينوفييف مع ستالين ضد تروتسكي، ومن ثم نجح ستالين في إقصائه ونفيه رغم أنه كان ثاني أهم شخص في الحزب. ثم تحالفا معاً ضد ستالين الذي نجح في نهاية الأمر، في القبض عليهما وإعدامهما، وهي أمور تحدث في كل الثورات. ولا شك في أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية المشتركين في الثورة البلشفية والمناصرين لها كان أكبر من نسبتهم إلى عدد السكان. كما أن الجماعة اليهودية استفادت ولا شك من الثورة، ولكن هذا أمر مُتوقَّع من أقلية عانى أعضاؤها من الحكم القيصري في الوقت الذي كانوا يتمتعون فيه بمستوى تعليمي عال. ولا شك في أن الميراث اليهودي للبلاشفة اليهود قد ترك أثراً في فكرهم وسلوكهم. ولعل تطرُّف تروتسكي كان نتيجةً لهذا الميراث. ولكن تفسير موقفهم بأكمله على أساس من انتمائهم اليهودي أمر غير ممكن، إذ ظل اشتراكهم في الثورة أو انخراطهم في صفوفها خاضعاً لآليات وحركيات المجتمع الروسي إبان الثورة. ومن ثم، فإن مصطلح «الثورة اليهودية» ليست له قيمة تفسيرية عالية، فهو قد يفسر بعض التفاصيل ولكنه يعجز عن تفسيرها جميعاً بكل تركيبيتها. كما أن مصطلحاً مثل مصطلح «الثورة اليهودية» له مضمون عنصري، إذ يفترض أن اليهودي يظل يهودياً مهما غيَّر آراءه ومهما اتخذ من مواقف، فثمة حتمية ما تفرض نفسها عليه، أي أنه مصطلح ينكر عليه حرية الاختيار. ومن ثم، فهو أيضاً مصطلح صهيوني، فالصهاينة يفترضون أيضاً وجود هوية يهودية ثابتة، لا تتحوَّل ولا تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان. وقد عاد مصطلح «الثورة اليهودية» إلى الظهور، إذ بدأ أعداء الشيوعية في الاتحاد السوفيتي يلقون باللوم على اليهود وعلى الثورة اليهودية (أي البلشفية) التي ألحقت الكوارث بمجتمعهم، وأوصلته إلى ما وصل إليه من تفكُّك ودمار. ماكسيم ليتفينوف (1867-1951 ( Maxim Litvinov اسمه الأصلي مائير مويسيفيتش والسن. ثوري روسي ودبلوماسي سوفيتي، وُلد في بياليستوك في بولندا الروسية لعائلة يهودية من الطبقة المتوسطة. وانضم عام 1899 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور، واعتُقل ونُفي عام 1901، إلا أنه نجح في الفرار إلى سويسرا عام 1902. وفي عام 1903، بعد انقسام الحزب الاشتراكي الديموقراطي، انضم ليتفينوف إلى الجناح البلشفي وعاد سراً إلى روسيا حيث اشترك في ثورة 1905. تعاون مع ماكسيم جوركي في إصدار جريدة الحياة الجديدة، وهي أول جريدة بلشفية رسمية في روسيا. وبعد فشل الثورة، فرَّ مرة أخرى إلى فرنسا ثم إلى إنجلترا بشكل شبه دائم حتى عام 1918. وهناك توطدت علاقته بلينين وتعاون معه بشكل وثيق في نشاط البلاشفة خارج روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية عام 1917، عيَّنته الحكومة السوفيتية الجديدة ممثلاً دبلوماسياً لها لدى الحكومة البريطانية رغم عدم اعتراف هذه الأخيرة بالنظام السوفيتي الجديد. وقد اعتقلته السلطات البريطانية عام 1918 بدعوى قيامه بأنشطة دعائية، ولكنها أفرجت عنه في مطلع عام 1919 مقابل الإفراج عن الممثل الدبلوماسي البريطاني في الاتحاد السوفيتي وبعض الرعايا البريطانيين. ظل ليتفينوف، لمدة عشرين عاماً، يحتل مكانة مهمة في السياسة الخارجية السوفيتية ومثَّل بلاده في العديد من المؤتمرات والمفاوضات المهمة. وعُيِّن عام 1921 في منصب نائب مفوض أو قوميسار الدولة للشئون الخارجية، ثم تولَّى عام 1930 (وحتى عام 1939) منصب مفوض الدولة للشئون الخارجية. ولعب ليتفينوف دوراً مهماً على الجبهة الدبلوماسية لكسب اعتراف العالم بالنظام السوفيتي الجديد، ومثَّل بلاده في المفاوضات مع الولايات المتحدة الخاصة بإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين (عام 1933) . وقد لفت انتباه العالم من خلال مقترحاته الراديكالية التي قدمها في مؤتمر نزع السلاح الذي نظمته عصبة الأمم عام 1927. وفي الفترة بين 1934 و1939، وهي الفترة التي تبنت فيها موسكو سياسة معادية لألمانيا النازية، عمل ليتفينوف على تنمية علاقة الاتحاد السوفيتي بالدول الغربية وأكد ضرورة مواجهة النازية، كما دعا إلى إقامة نظام أمني دولي جماعي يستند إلى شبكة من الاتفاقات الإقليمية والثنائية للمعونة المتبادلة، وكان أول من أطلق عبارة «السلام لا يتجزأ» . ولكن مع التحول الذي طرأ على السياسة السوفيتية وإبرامها معاهدة عدم الاعتداء مع ألمانيا النازية عام 1939 تم إقصاء ليتفينوف من منصبه ومن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وذلك نظراً لموقفه المعادي لألمانيا، وكذلك لأصوله اليهودية، مع أنه لم يسجل نفسه يهودياً. أما بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام 1941، فقد عاد ليتفينوف للحياة السياسية مرة أخرى وعُيِّن سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1942 وحتى عام 1943. وعاد للاتحاد السوفيتي بعد ذلك وظل يلعب دوراً مهماً في السياسة الخارجية السوفيتية، خصوصاً فيما يخص علاقاتها بالدول الغربية الكبرى حتى اعتزاله عام 1946. أدولف فارسكي/فارشافسكي (1868-1937 ( Adolf Warski-Warszawski زعيم شيوعي بولندي يهودي، وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي البولندي. وُلد في كراكوف لعائلة يهودية مندمجة ومتعاطفة مع الحركة القومية البولندية المطالبة بالاستقلال التي ارتبط بها منذ شبابه. قام بتنظيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وشارك في الثورة الروسية لعام 1905، وأُلقي القبض عليه عدة مرات من قبل السلطات القيصرية. وخلال الحرب العالمية الأولى، مثَّل الديموقراطيين البولنديين في المؤتمرات المناهضة للحرب. ومع انتهاء الحرب، شارك في تأسيس الحزب الشيوعي البولندي وكان عضواً في لجنته المركزية ومكتبه السياسي كما انتُخب عن الحزب عضواً في البرلمان البولندي. وبعد أن حُظر نشاط الحزب عام 1930، هاجر إلى الاتحاد السوفيتي واحتل مكانة مهمة داخل القسم البولندي للدولية الشيوعية. وفي أعقاب حملات التطهير الواسعة التي جرت في الاتحاد السوفيتي عام 1937، وُجهت إليه اتهامات بالخيانة والمشاركة في الثورة المضادة وسُجن ثم أُعدم في العام نفسه. إما جولدمان (1869-1940 ( Emma Goldman أمريكية يهودية وكاتبة سياسية فوضوية، وُلدت في ليتوانيا وتعرَّفت إلى الأفكار الثورية أثناء وجودها في سانت بطرسبرج. وفي عام 1886، هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية واشتغلت في بعض مصانع الملابس. وفي أواخر الثمانينيات، انضمت إلى الحركة الفوضوية بعد أن أثارتها قضية أربعة من الفوضويين حُكم عليهم بالإعدام عام 1887 بعد إدانتهم، دون أي دليل قاطع، بتهمة تدبير انفجار تسبَّب في مصرع سبعة من رجال الشرطة في شيكاغو. وفي عام 1889، تعرَّفت إلى ألكسندر بيركمان الذي أصبح عشيقها ورفيق دربها. ويُقال إنها دبرت معه محاولة اغتيال رئيس شركة للحديد تسبَّب في مقتل عدد من العمال المضربين عام 1892. وبعد أن باءت هذه المحاولة بالفشل حُكم على بيركمان بالسجن مدة أربعة عشر عاماً. وخلال هذه الفترة، عملت إما جولدمان جاهدة من أجل دفع القضية الفوضوية إلى الأمام. ولم يقتصر نشاطها على جماعات المهاجرين من الألمان أو اليهود ولكنه امتد إلى قطاع واسع من العمال الأمريكيين. وكانت إما جولدمان تتمتع بقدرات خطابية فائقة وألقت العديد من الخطب باللغات الألمانية والروسية واليديشية والإنجليزية. وفي عام 1901، اتُهمت إما جولدمان بالتورط في اغتيال الرئيس الأمريكي آنذاك وليام ماكينلي، ومن خلال المحاكمة اتضح أنها بريئة إلا أن الشبهات التي أحاطت بها أثارت قضية الدور اليهودي في عملية الاغتيال. وفي عام 1906، أسست إما جولدمان مجلة موذر إيرث (أي أمنا الأرض) ، وقامت بتحريرها بالتعاون مع بيركمان الذي كان قد أنهى عقوبته في السجن. وهاجمت على صفحات المجلة ظُلم المجتمع الأمريكي ولا أخلاقيته، كما دافعت عن حقوق المرأة وضرورة مساواتها بالرجل، واعتبرت أن كل ما يهفو بداخل المرأة «يجب أن يجد مجالاً للتعبير عن نفسه بشكل كامل» . كما كانت إما جولدمان من أوائل من دافعوا عن تحديد النسل في الولايات المتحدة، وسُجنت عام 1916 بسبب انتهاكها القوانين التي تمنع نشر أية معلومات خاصة بتحديد النسل. كما عارضت الحرب العالمية الأولى وهاجمت الجانبين المتحاربين، ونشطت ضد اشتراك الولايات المتحدة في الحرب وضد التجنيد الإجباري، وهو ما دفع الحكومة الأمريكية عام 1917 إلى إلقائها في السجن لمدة عامين وإغلاق مجلتها. وفي عام 1919، تم ترحيلها إلى الاتحاد السوفيتي بعد أن تسبَّب قيام الثورة البلشفية في خلق حالة من الذعر في الولايات المتحدة من الشيوعية. ولم تقض إما جولدمان في الاتحاد السوفيتي سوى عامين حيث تركته بعد أن خاب ظنها في النظام الجديد. وقد هاجمت لينين وتروتسكي واعتبرتهما خائنين للاشتراكية لأنهما أسسا شكلاً جديداً من الحكم المطلق والطغيان. واعتبرت أن تجربتها في روسيا أكدت إيمانها بأن الدولة، مهما كانت طبيعتها، تشكل في النهاية سلطة قهرية تمحو خصوصية الإنسان وحريته. وقد سجلت إما جولدمان تجربتها في روسيا في كتابها خيبة أملي في روسيا (1924) . وعاشت لفترة تنتقل من دولة إلى أخرى ثم حصلت على الجنسية البريطانية وتزوجت فوضوياً من ويلز واستقرت في جنوب فرنسا حيث كتبت سيرتها الذاتية عام 1931. وظلت على إيمانها بأهمية حرية الفرد الذي يعمل وفقاً لمعاييره وقيمه، واعتبرت أن الرأسمالية تحكم على الإنسان بحياة من الشقاء والعبودية وأن التعاون الحر بين الجماهير هو السبيل الوحيد نحو خلق مجتمع شيوعي جديد. وقد تُوفيت إما جولدمان في كندا عام 1940 ودُفنت في شيكاغو. روزا لوكسمبورج (1871-1919 ( Rosa Luxemburg ثورية واقتصادية من يهود اليديشية، وإحدى أهم الشخصيات النسائية في تاريخ الاشتراكية الدولية. وُلدت لعائلة يهودية تجارية في مدينة زاموست في بولندا الروسية، وانضمت في شبابها إلى الحزب الاشتراكي الثوري البولندي (البروليتاريا) . ثم درست التاريخ الاقتصادي السياسي في جامعة زيورخ حيث حصلت على درجة الدكتوراه عام 1897. وتناولت رسالتها التطور الصناعي في روسيا وبولندا. وشاركت روزا أثناء فترة دراستها في الحركة الاشتراكية السرية للمهاجرين البولنديين في سويسرا. وفي أوائل التسعينيات من القرن الثامن عشر، ساعدت في تأسيس الحزب الاشتراكي الديموقراطي في بولندا وليتوانيا. وعلى خلاف توجُّه الاشتراكيين البولنديين، رفضت روزا فكرة إقامة دولة قومية بولندية مستقلة، واعتبرت أن هدف الطبقة العاملة البولندية يجب ألا يكون تحرير بولندا من روسيا، ولكن التخلص من الحكم القيصري المستبد باعتباره المهمة الاشتراكية الأسمى. ويُعتبر هذا الموقف مقدمة لخلاف روزا اللاحق مع لينين حول مبدأ حق تقرير المصير الوطني والذي اعتبرته متناقضاً مع الاشتراكية. إذ اعتبرت روزا أن انتماءها الحقيقي هو للطبقات العاملة في العالم أجمع، وأن نضالها هو من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية ومن أجل إيجاد حلول عالمية كبديل للحلول القومية، وانطلاقاً من هذا الموقف الأممي لم تُبد روزا لوكسمبورج أي اهتمام بإقامة حركة عمالية يهودية. وقد لعبت روزا لوكسمبورج دوراً مهماً في الحركة الاشتراكية العمالية الألمانية. وهاجرت إلى ألمانيا عام 1898 حيث اكتسبت الجنسية الألمانية من خلال زواج صوري، ثم اتجهت للعمل مع الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني الذي كان يُعتبَر آنذاك أقوى وأكبر أحزاب الدولية الاشتراكية على الإطلاق. كما عملت في الصحافة واكتسبت من خلال مناقشتها الحيوية ونشاطها ضد عناصر المراجعة داخل الحزب، مكانة بارزة داخل الجناح اليساري الثوري للحركة الاشتراكية الألمانية. واهتمت روزا لوكسمبورج بالإضراب العام كأداة مهمة للعمل الثوري وبلورت مفهوم الحركة العفوية أو التلقائية للجماهير كشرط أساسي للإضراب العام، مختلفةً في ذلك مع لينين والبلاشفة الذين اعتبروا الحزب الأداة الرئيسية لذلك. وقد اختلفت مع لينين أيضاً حول مفهوم ديموقراطية البروليتاريا، وأدانت مركزية البلاشفة بعد انقسام الحزب الاشتراكي الروسي عام 1903، كما انتقدت فترة الإرهاب والقمع التي أعقبت ثورة 1917 البلشفية. واشتركت روزا لوكسمبورج في ثورة 1905 ـ 1906 في بولندا وسُجنت إثرها عدة أشهر عادت بعدها إلى برلين لتقوم بالتدريس في الكلية الاشتراكية بها. وقد تعرضت للسجن مرة أخرى بسبب معارضتها الحرب العالمية الأولى التي اعتبرتها حرباً بين قوى إمبريالية. وقد كان لروزا لوكسمبورج مساهمة مهمة في بلورة نظرية الإمبريالية التي اعتبرتها امتداداً للنظام الرأسمالي المتعطش للأسواق. وفي عام 1916، أسَّست بالتعاون مع فرانز مهرنج وكارل لايبنخت المنظمة الثورية (عصبة سبارتاكوس) التي جسدت انفصال الجناح اليساري الثوري عن الحزب الاشتراكي الألماني. وتحوَّلت هذه المنظمة في نهاية عام 1918 إلى الحزب الشيوعي الألماني. وفي يناير عام 1919، وبعد أسبوعين فقط من تأسيس الحزب الشيوعي، تم إلقاء القبض عليها وعلى لايبنخت في برلين، واغتيلا على أيدي حراسهما من ضباط الجيش وهما في طريقهما إلى السجن. جوليوس مارتوف (1873-1923 ( Julius Martov ثوري روسي يهودي وزعيم المناشفة. وُلد في إستنبول. وكان جده كاتباً ومحرراً لأول جريدة يومية تَصدُر بالعبرية في روسيا، أما والده فكان من دعاة الاندماج. انخرط مارتوف في النشاط الثوري عام 1891 ونُفي إلى فلنا حيث نشط في الحركة العمالية اليهودية. ودعا مارتوف إلى إيجاد تنظيم عمالي خاص باليهود تكون لغته اليديشية، وهو ما تحقَّق فيما بعد في حزب البوند. وفي عام 1895، انضم إلى لينين لتأسيس اتحاد النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة، ثم اشترك معه عام 1901 في تأسيس جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي. وتخلَّى مارتوف عن موقفه السابق الخاص بالمسألة اليهودية حيث هاجم بشدة التوجه القومي والانفصالي لحزب البوند. وفي عام 1903، انشق مارتوف عن لينين خلال المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديموقراطي وتزَّعم المعارضة المنشفية المطالبة بحزب جماهيري ذي قاعدة واسعة والرافضة لمبدأ لينين القائل بحزب يستند إلى صفوة صغيرة من المحترفين الثوريين. وشارك مارتوف في ثورة عام 1905، وبعد فشلها نُفي خارج روسيا حيث حرَّر الجريدة المنشفية في باريس. وخلال الحرب العالمية الأولى، كان مارتوف من أقطاب حركة السلام المناهضة للحرب. وفي عام 1917، عاد مارتوف إلى روسيا حيث كان من دعاة الديموقراطية وهاجم الجانب القمعي للنظام البلشفي الجديد، ولكنه أيَّد نضاله ضد التدخل الأجنبي والثورة المضادة. وبعد حظر نشاط الحزب المنشفي عام 1920، استقر مارتوف في برلين ليتزعم المناشفة المنفيين خارج الاتحاد السوفيتي، وقام بتحرير جريدتهم حتى وفاته. وكان لمارتوف عدد من المؤلفات المهمة من بينها الشعب الروسي واليهود (عام 1908) والذي أكد فيه إيمانه بأن الاشتراكية هي الحل الوحيد للمسألة اليهودية. ليون تروتسكي (1879-1940 ( Leon Trotsky اسمه الأصلي ليف ديفيدوفيتش برونستاين. ثوري وماركسي وزعيم سوفيتي، وُلد لعائلة يهودية ميسورة الحال في أوكرانيا. درس في جامعة أوديسا، ولكنه ترك دراسته وانخرط في النشاط الثوري، وانضم عام 1896 إلى حزب العمال الاشتراكي الديموقراطي الروسي المحظور. وقد ألقت السلطات القيصرية القبض عليه عام 1898 وأُرسل إلى سيبريا، إلا أنه نجح في الهروب إلى إنجلترا عام 1902 حيث عمل مع لينين في تحرير جريدة إيسكرا لسان حال الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وكان يُدعَى «سوط لينين» . وخلال المؤتمر الثاني للحزب عام 1903، الذي شهد انقسام الحزب إلى جناحين، أوضح تروتسكي اختلافه مع لينين وهاجم ما اعتبره النزعات الديكتاتورية للبلاشفة واتخذ موقفاً وسطياً بين المناشفة والبلاشفة، وبلور حينذاك نظرية «الثورة الدائمة» التي اعتبرت أن الثورة البورجوازية في روسيا ستؤدي، من خلال حركياتها وقوة دفعها الذاتية، إلى سرعة مجيء المرحلة الاشتراكية حتى قبل قيام الثورة الاشتراكية في الغرب، أو ما دعاه فكرة اختصار المراحل مقابل فكرة مراحل الثورة الثابتة. واستمر تروتسكي في نشاطه وكتاباته الثورية سواء في داخل روسيا أو في أوربا أو الولايات المتحدة، حيث لعب دوراً مهماً في ثورة 1905 في روسيا، وكان رئيساً لسوفييت بتروجراد، حيث برزت موهبته التنظيمية والقيادية الفذة. وتعرَّض تروتسكي للسجن في روسيا مرة أخرى عام 1905، وللطرد من فرنسا عام 1916. وقد اتخذ موقفاً معادياً للحرب العالمية الأولى استناداً إلى رؤيته الأممية. ومع اندلاع ثورة فبراير 1917، عاد إلى روسيا وبدأ التعاون مع لينين. وقد ألقت حكومة كرنسكي الانتقالية القبض عليه، ولكن تم الإفراج عنه بعد فترة وجيزة. وأثناء سجنه، انتُخب عضواً في اللجنة المركزية للبلاشفة ورئيساً لسوفييت بتروجراد ولجنتها العسكرية. ونظَّم تروتسكي وقاد الانتفاضة المسلحة التي جاءت بالبلاشفة إلى الحكم في أكتوبر من العام نفسه. وفي أول حكومة شكلها البلاشفة عام 1917، تولَّى تروتسكي منصب مفوض أو قوميسار الشعب للشئون الخارجية، وترأَّس وفد بلاده لمحادثات السلام في برست ليتوفسك. وقد اختلف تروتسكي مع لينين حول مسألة السلام مع ألمانيا، حيث رفض فكرة السلام بأي ثمن وتبنَّى فكرة إنهاء القتال مع عدم إنهاء الحرب على أمل أن تقوم البروليتاريا الألمانية بثورتها. وفي عام 1918، تولَّى منصب مفوض الشعب للشئون العسكرية والبحرية حيث عمل على بناء وتنظيم الجيش الأحمر. وإليه يعود الفضل في انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة. قاد تروتسكي الحملة على بولندا التي انتهت بكارثة رغم معارضته لها في البداية. وكان مسئولاً عن ضرب المعارضة الفوضوية واليسارية فيما عُرف بعدئذ باسم «الإرهاب الأحمر» ، كما كان صاحب فكرة كتائب العمل الإجباري. ومع وفاة لينين عام 1924، نشب صراع على السلطة بين تروتسكي وستالين انتصر فيه الأخير بفضل تحالفه مع زينوفييف وكامينيف (وهما من البلاشفة اليهود) . وقد اختلف تروتسكي مع ستالين حول سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد، فلم يكن تروتسكي يقبل فكرة الاشتراكية داخل حدود دولة واحدة، بل اعتبر أن ذلك لن يتحقق إلا من خلال ثورة اشتراكية على نطاق العالم أجمع. وتزَّعم تروتسكي المعارضة اليسارية الراديكالية شبه الشرعية داخل الحزب، وانضم إليه زينوفييف وكامينيف بعد أن تحوَّل ستالين ضدهما. إلا أن ستالين نجح، في نهاية الأمر، في إقصاء تروتسكي من المكتب السياسي، وفي طرده من الحزب الشيوعي عام 1927، ثم نفيه إلى تركستان عام 1928 بتهمة التورط في نشاط معاد للثورة. ثم طرده ستالين من الاتحاد السوفيتي نهائياً عام 1929 وجرَّده من الجنسية السوفيتية عام 1932. وقد استمر تروتسكي في الهجوم على ستالين واتهمه بأنه مُمثِّل البيروقراطية البونابارتية. وتنقَّل تروتسكي بين عدة دول واستقر أخيراً في المكسيك عام 1937. وحاول مؤيدو تروتسكي عام 1938 تأسيس دولية شيوعية مستقلة عن موسكو، إلا أنهم فشلوا في تعبئة حركة جماهيرية واسعة مؤيدة له. واتُهم تروتسكي، أثناء المحاكمات التي تمت في موسكو في أواسط وأواخر الثلاثينيات ضد بعض القيادات البلشفية (وكان من بين المتهمين زينوفييف وكامينيف) ، بتورُّطه، بالاتفاق مع حكومتي ألمانيا واليابان وبعض العناصر المؤيدة له في الاتحاد السوفيتي، في مؤامرة للإطاحة بنظام ستالين. وقد قامت السلطات السوفيتية بشطب أية إشارة إلى دور تروتسكي في الثورة أو في السنوات الأولى للنظام السوفيتي من السجلات التاريخية الرسمية. واغتيل تروتسكي عام 1940 في المكسيك، ويسود الاعتقاد بأنه اُغتيل بأوامر مباشرة من ستالين. وقد تأثر تروتسكي، مثله مثل غيره من القادة الاشتراكيين، برؤية ماركس للمسألة اليهودية، والتي ترى أن ثمة ظاهرة يهودية عالمية واحدة وأن ثمة حلاًّ واحداً وهو الثورة الاجتماعية ودمج اليهود. فرفض تروتسكي فكرة القومية اليهودية، كما عارض استقلال اليهود ثقافياً الذي كان يطالب به حزب البوند عام 1903، وأكد وحدة أهداف ومصالح اليهود وغير اليهود داخل المعسكر الاشتراكي. كما رفض الصهيونية باعتبار أن حل مشاكل العصر لا يكون في إقامة دول قومية ولكن بالتطلع إلى مجتمع أممي. ورغم أن تروتسكي أعرب عام 1937 في حديث له لمجلة أمريكية يهودية عن أن تزايُد معاداة اليهود في ألمانيا والاتحاد السوفيتي قد دفعه للاعتقاد بأن المشكلة اليهودية تحتاج إلى حل إقليمي، إلا أنه رفض أن تكون فلسطين هي الحل. وقد تنبأ بأن الطبيعة الاستيطانية الإحلالية ستحوّل فلسطين إلى بقعة صراع ساحقة، وأن الصراع بين اليهود والعرب في فلسطين سيكتسب طابعاً مأساوياً بشكل متزايد وأن "تطوُّر الأحداث العسكرية في المستقبل قد يحوِّل فلسطين إلى فخ دموي لعدد من مئات الآلاف من اليهود". ولذا استمر تروتسكي في تأكيد أن الحل النهائي للمسألة اليهودية لن يتحقق إلا مع تحرُّر الإنسانية من خلال الاشتراكية العالمية. ومع هذا اتجه تروتسكي في نهاية حياته إلى قبول المشروع الصهيوني. لقد كان تروتسكي من جيل الثوريين الرومانسيين أو على حد تعبير هربرت ريد «كان تروتسكي يوحِّد التاريخ مع ذاته» (فبدلاً من حلول الإله في التاريخ نجد هنا توحُّد الزعيم به بحيث يصبح هو المطلق، أو اللوجوس الذي يضفي عليه معنى، فهو بمثابة الماشيَّح العلماني) . ومنذ بداية نشاطه الثوري، اهتم تروتسكي كثيراً بإيجاد دور لنفسه يجعله في صدارة الأحداث. ومع هذا، تُشكِّل نظريته في «الثورة الدائمة» ذروة الحلولية الثورية في الماركسية، فبإمكان الحزب الطليعي أن يقود الطبقة الطليعية إلى الجنة الدائمة رغماً عن حركة التاريخ! ونلاحظ أن قبول تروتسكي فيما بعد فكرة «المركزية الديموقراطية» اللينينية هو أمر طبيعي، حيث ينتهي الأمر إلى أن تقود اللجنة المركزية الحزب الطليعي ويقود الأمين الثوري الذي يمثل التجسيد النقي للفكر البروليتاري اللجنة المركزية. جريجوري زينوفييف (1883-1936 ( Grigori Zinoviev ثوري روسي، والمؤسس الرئيسي للدولية الشيوعية وأول رئيس للجنتها التنفيذية. وُلد في أوكرانيا لعائلة يهودية بورجوازية، واندمج تماماً في المجتمع الروسي والحياة الروسية، وتبنَّى الماركسية منذ شبابه، وانضم عام 1901 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي ثم إلى الجناح البلشفي بعد انقسام الحزب عام 1903. اشترك في ثورة 1905، وبعد فشلها انضم إلى لينين في منفاه وأصبح من المقربين إليه، وكتب العديد من المقالات والمطبوعات والمنشورات التي جسدت فكر لينين، كما شارك في تحرير عدة صحف ومجلات اشتراكية وبلشفية. وخلال الحرب العالمية الأولى، أصدر زينوفييف، بالاشتراك مع لينين، كتابهما المهم ضد التيار الذي هاجما فيه الحرب والقيادات الاشتراكية المنشقة. وصاحب لينين في رحلة القطار الذي أقله إلى روسيا في أبريل من عام 1917. إلا أن زينوفييف اختلف مع لينين عشية الثورة البلشفية حيث عارض فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة خوفاً من التدخل الأجنبي. ورغم هذا الاختلاف، أصبح زينوفييف عام 1922 عضواً في المكتب السياسي ورئيس سوفييت بتروجراد. إلا أن أهم منصب احتله كان رئاسة الكومنترن (أو الدولية الشيوعية) حيث عمل على تشكيل بنيتها وبناء إستراتيجيتها، وعمل من خلالها على دعم حركة الثورة العالمية. ولكن تراجع هذه الحركة في العشرينيات، وفشل الثورة في ألمانيا، أضعفا مركزه العالمي. ولكنه، مع ذلك، ظل داخل دائرة السلطة في الاتحاد السوفيتي. ومع وفاة لينين عام 1924، انضم إلى الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي ضمت إلى جانبه ستالين وكامينيف والتي أقصت تروتسكي من السلطة السياسية. إلا أن تبنِّي ستالين سياسة بناء الاشتراكية في بلد واحد واتجاهه نحو الانفراد بزعامة الحزب، دفعت زينوفييف إلى الانضمام عام 1926 إلى جبهة المعارضة التي تزعمها تروتسكي داخل الحزب. وانتهى هذا الصراع على السلطة بهزيمة زينوفييف وخروجه من الحزب عام 1927. وفي عام 1936، وبعد حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام 1934، وُجِّه الاتهام إلى زينوفييف وخمسة عشر آخرين من زملائه بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي السوفيتي بالتعاون مع تروتسكي. وقد اعترف المتهمون (ومن بينهم زينوفييف) علناً بالتورط في المؤامرة، وصدر حكم بإعدامه نُفِّذ فوراً في عام 1936. ولم يهتم زينوفييف بالموضوع اليهودي ولم تلعب أصوله اليهودية دوراً واضحاً أو كامناً في تحديد سلوكه أو رؤيته، فقد كان يهودياً مندمجاً تماماً أو يهودياً غير يهودي. ليو كامينيف (1883-1936 ( Leo Kamenev اسمه الأصلي ليف بوريسوفيتش روزنولد. ثوري روسي يهودي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في موسكو وانضم عام 1901 إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي المحظور ثم إلى جناحه البلشفي عام 1903 بعد انقسام الحزب، وكان من كبار قادة هذا الجناح ومن أقرب المتعاونين مع لينين. وسُجن عام 1902، ثم سُجن مرة أخرى عام 1908 بسبب نشاطه الثوري، وهرب إلى سويسرا حيث تعاون مع لينين في تحرير جريدتي الحزب. وفي عام 1904، أرسله لينين إلى بطرسبورج كممثل شخصي له لتحرير جريدة برافدا والإشراف على نشاط الحزب في روسيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم إلقاء القبض عليه ونفيه إلى سيبريا. إلا أنه عاد إلى بتروجراد بعد قيام ثورة فبراير 1917. وقد اختلف كامينيف، ومعه زينوفييف، مع لينين حول فكرة الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة بالقوة، حيث فضل قيام جبهة حكومية تضم جميع الأحزاب الاشتراكية. ورغم ذلك الاختلاف، أصبح كامينيف (بعد قيام الثورة البلشفية) واحداً من أكثر الشخصيات قوة وسلطة في الاتحاد السوفيتي، حيث احتل منصب رئيس سوفييت موسكو، كما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب. وبعد وفاة لينين عام 1924، قام كامينيف مع ستالين وزينوفييف بتشكيل الترويكا (اللجنة الثلاثية) التي نجحت في إقصاء تروتسكي من السلطة السياسية وانفردت بالسيطرة على الحزب وحكم البلاد. ولكن، ومع محاولة ستالين الانفراد بالسلطة، انضم كامينيف في الفترة ما بين عامي 1925 و1927 إلى المعارضة التي تزعمها تروتسكي. وبانتهاء هذا الصراع على السلطة بنجاح ستالين، تم طرد كامينيف من الحزب عام 1927 ونفيه إلى منطقة الأورال. وقد عاد كامينيف إلى صفوف الحزب مرتين، مرة في عام 1927 ثم مرة أخرى في عام 1932، وذلك بعد أن اعترف في كل مرة بشكل علني بسلامة الخط الذي ينتهجه الحزب. وبرغم ذلك، وُجِّه الاتهام لكامينيف عام 1936 وإلى كثيرين غيره من القادة البلاشفة بالتورط في مؤامرة ضد نظام ستالين والحزب الشيوعي، وذلك عقب حادثة اغتيال سكرتير الحزب في لينينجراد عام 1934. وكان كامينيف من أبرز الشخصيات أثناء محاكمات موسكو، التي اعترف فيها جميع المتهمين بالتهم الموجهة إليهم. وقد حُكم عليه بالإعدام في أغسطس عام 1936 ونُفِّذ فيه الحكم فوراً. ولم تلعب أصول كامينيف اليهودية دوراً في تحديد رؤيته أو سلوكه. ميخائيلوفيتش سفيردلوف (1885-1919 ( Mikhailovich Sverdlov ثوري روسي يهودي، وواحد من أهم مؤسسي الحزب الشيوعي السوفيتي، وأول رئيس للاتحاد السوفيتي. وُلد في مدينة نيزني ـ نوفجورود (التي أصبحت مدينة جوركي فيما بعد) . انخرط في شبابه في النشاط الثوري وأسس عام 1901 اللجنة الثورية لمدينة نيزني ـ نوفجورود. وفي عام 1909، أسندت إليه اللجنة المركزية للحزب مهمة إعادة بناء تنظيمات الحزب في موسكو. وفي عام 1912، شارك أيضاً في تنظيم وبناء جناح الحزب داخل البرلمان الروسي. وتميَّز سفيردلوف بقدراته التنظيمية في هذا المجال. وقد سُجن مرتين (1902، 1905) ونُفي إلى سيبريا مرتين أيضاً (1910، 1913) . وبعد ثورة فبراير عام 1917، أصبح من أهم منظمي الحزب. أما بعد الثورة البلشفية، فقد عُيِّن رئيساً للجنة المركزية التنفيذية الروسية وكأول سكرتير للجنة المركزية للحزب ومن ثم أول رئيس للدولة السوفيتية. وقد عمل عن كثب مع لينين وشاركه في اتخاذ كثير من القرارات الخاصة بسياسات الدولة. وقد سُمِّيت إحدى المدن السوفيتية باسمه بعد وفاته تقديراً لدوره الحزبي والثوري المهم. كارل راديك (1885-1939 (Karl Radek اسمه الأصلي سوبيلسون. ثوري روسي يهودي وكاتب صحفي، وُلد في جاليشيا، وانضم إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي البولندي فكان مُمثِّلاً صحفياً للجناح اليساري للحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني. وكان كارل ممن صاحبوا لينين عام 1917 في رحلة القطار الذي أقله من سويسرا عبر ألمانيا إلى السويد، وظل في السويد مُمثِّلاً للحزب البلشفي إلى أن اندلعت الثورة البلشفية فعاد بعدها إلى روسيا، وترأَّس قسم وسط أوربا في مفوضية الشئون الخارجية. وبعد اندلاع الثورة في ألمانيا عام 1918، ساعد راديك بشكل سري في تنظيم أول مؤتمر للحزب الألماني الشيوعي بعد أن دخل ألمانيا بشكل غير شرعي. وفي عام 1920، أصبح راديك سكرتيراً للجنة التنفيذية للدولية الشيوعية كما أصبح عضواً باللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وفي عام 1924، انضم راديك إلى المعارضة التروتسكية وهو ما أدَّى إلى طرده من الحزب عام 1927 ونفيه إلى جبال الأورال. وفي عام 1930، سُمح له بالعودة إلى صفوف الحزب مرة أخرى بعد أن قدَّم طلباً بذلك أعلن فيه انفصاله عن المجموعة التروتسكية واعترف بأخطائه. وبعد ذلك أصبح راديك كاتباً وصحفياً ومُعِّلقاً ذا وزن ونفوذ في الشئون الخارجية. واشترك عام 1936 في وضع مشروع «دستور ستالين» للاتحاد السوفيتي، ولكنه تعرَّض مرة أخرى عام 1937 للاتهام بالعضوية في المعارضة التروتسكية وبالتآمر ضد الدولة السوفيتية، وقُدِّم للمحاكمة مع غيره من المتورطين في التنظيم التروتسكي حيث حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع حرمانه من جميع حقوقه السياسية لمدة خمس سنوات ومصادرة ممتلكاته الخاصة. ولم يُعرَف أي شيء عن راديك بعد ذلك وتضاربت الأقوال عن مصيره، وإن كان البعض يُرجِّح أنه تُوفي عام 1939. سيمون ديمانشتاين (1886-1937) Simon Dimanstien ثري روسي يهودي وزعيم شيوعي سوفيتي. وُلد في روسيا البيضاء لعائلة يهودية متدينة ودرس في معهد تلمودي حسيدي وتخرَّج فيه حاخاماً. وفي تلك الآونة، وقع تحت تأثير الأفكار الثورية المناهضة للقيصرية فانخرط في النشاط الثوري وانضم عام 1904 إلى الجناح البلشفي للحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي وقام بنشاط دعائي بين العمال اليهود. وأُلقي عليه القبض عدة مرات، وفي عام 1908 حُكم عليه بالنفي إلى سيبريا، ولكنه نجح في الهروب عام 1913 وذهب إلى فرنسا حيث ظل فيها حتى قيام ثورة فبراير عام 1917، وعاد بعد ذلك إلى روسيا. وبعد قيام الثورة البلشفية، عمل مساعداً لستالين ثم رئيساً لدائرة شئون الأقليات حيث كان يُعَدُّ خبيراً في هذا المجال. وعُيِّن أيضاً رئيساً لدائرة الشئون اليهودية. وفي عام 1918، شارك في تأسيس القسم اليهودي (يفسيكتسيا) في الحزب الشيوعي، كما قام بتحرير جريدة يديشية يومية تميَّزت بخطها المعادي للدين والصهيونية وحزب البوند. وكان ديمانشتين مؤمناً بأن الثورة الاشتراكية ستحل مشاكل الجماعة اليهودية في روسيا، وأيَّد الحل الإقليمي للمسألة اليهودية داخل إطار الدولة السوفيتية، حيث لعب دوراً مهماً في تأسيس إقليم بيروبيجان. كما حرص أيضاً على ترجمة أعمال لينين إلى اليديشية حتى يتيح الفرصة لأعضاء الجماعات اليهودية للاطلاع على فكر لينين والفكر الاشتراكي. ونظراً لخبرته في شئون الأقليات، احتل ديمانشتين عدداً من المناصب الإدارية في أقاليم ومقاطعات مختلفة، وكان رئيساً لدائرة العمل في ليتوانيا خلال الحرب الأهلية، وترأَّس الحكومة الإقليمية في روسيا البيضاء كما عُيِّن رئيساً لدائرة التعليم في تركستان، ثم رئيساً لقسم التربية السياسية في أوكرانيا، ثم رئيساً لمجلس إدارة منظمة أوزيت ورئيساً لمعهد الأقليات القومية. وبعد صعود ستالين إلى السلطة، تقلَّص نفوذ ديمانشتين. ويُرجَّح أنه أُعدم عام 1937 خلال فترة الإرهاب الستاليني. آنا بوكر (1890-1960 ( Ana Pauker الاسم الأصلي لبوكر هو «حنا رابينسون» . وهي زعيمة شيوعية رومانية ووزيرة ونائبة رئيس وزراء. وُلدت في بوخارست لعائلة يهودية أرثوذكسية، وتلقت تعليماً يهودياً تقليدياً ثم قامت بتدريس اللغة العبرية في مدرسة ابتدائية يهودية. وفي عام 1920، انضمت (تحت تأثير خطيبها مارسيل بوكر الذي تزوجته فيما بعد) إلى الحزب الشيوعي المحظور، وقامت بتنظيم خلية شيوعية سرية. وأُلقي القبض عليها وحُكم عليها بالسجن لفترة طويلة عام 1936، ولكن تم الإفراج عنها عام 1941 في عملية تبادل للسجناء بين الاتحاد السوفيتي ورومانيا عقب احتلال القوات السوفيتية لمنطقة بساربيا، وانتقلت إلى موسكو ولم تَعُد إلى رومانيا إلا مع القوات السوفيتية التي دخلتها عام 1944. ورغم أن زوجها أُعدم في الاتحاد السوفيتي أثناء إحدى زياراته له، وذلك في إطار حملة التطهير التي قام بها ستالين ضد البلاشفة القدامى، إلا أن إيمانها بالنظام السوفيتي على ما يبدو لم يتزعزع. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت بوكر واحدة من أقوى القادة الشيوعيين في رومانيا. وساهمت في تشكيل الجبهة الديموقراطية الرومانية، وتولت منصب سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وبعد وصول الشيوعيين للحكم عام 1947، أصبحت وزيرة للخارجية ونائبة لرئيس الوزراء وتمتعت بسلطات واسعة. وكانت بوكر قد قطعت جميع صلاتها بالجماعة اليهودية في رومانيا كما كانت مناهضة بشدة للصهيونية. ورغم ذلك، سُمح أثناء وجودها في السلطة بهجرة مائة ألف يهودي روماني إلى إسرائيل، ولعل هذا كان في إطار محاولتها تخليص رومانيا من العناصر التي قد تُسبب قلقاً اجتماعياً فيها. وفي عام 1952، وُجِّهت لبوكر عدة اتهامات من بينها الانحراف اليميني والنشاط الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وطُردت من الحزب الشيوعي وأُعفيت من جميع مناصبها ووُضعت تحت التحفظ في منزلها لعدة سنوات. وقد تعرض عدد من القادة والزعماء الشيوعيين من اليهود وغير اليهود في دول أوربا الشرقية لإجراءات مماثلة في هذه الفترة، وهي إجراءات ارتبطت في المقام الأول بالصراعات السياسية الداخلية وبعلاقات هذه الدول بالاتحاد السوفيتي خلال فترة اشتداد حمية الحرب الباردة. موسى بيجادي (1890-1957 ( Mosa Pijade ثوري وسياسي يوغسلافي يهودي. وُلد في بلجراد، ودرس فن الرسم في ميونيخ وباريس، ثم انضم عام 1920 إلى الحزب الشيوعي اليوغسلافي المحظور، وسُجن عام 1921 بسبب نشاطه الثوري، ثم سُجن مرة أخرى عام 1925 وحتى عام 1939. وقام خلال هذه الفترة بترجمة رأس المال لماركس إلى اللغة الصربية. وبعد الاحتلال الألماني ليوغسلافيا عام 1941، تحوَّل بيجادي إلى بطل قومي حيث نظَّم المقاومة الشيوعية ضد الاحتلال تحت قيادة تيتو. وبعد تولِّي تيتو قيادة البلاد عقب تحريرها عام 1945، كان بيجادي من أقرب المساعدين له، حيث تولى عدداً من المناصب من أهمها رئاسة الجمهورية الصربية، ومن ثم كان أحد أربعة نواب لرئيس الدولة. كما شارك في وضع دستور يوغسلافيا الجديد ولعب دوراً رئيسياً في رسم سياسة يوغسلافيا تجاه الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية، وكذلك في رسم السياسة التي تبنت يوغسلافيا بموجبها طريقاً مستقلاً عنهما. وقد تولَّى بيجادي رئاسة البرلمان اليوغسلافي، كما كان عضواً في المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب. لازار كاجانوفيتش (1893-1991 ( Lazar Kaganovich ثوري روسي ورجل دولة سوفيتي، وُلد في كييف لعائلة يهودية ريفية. انضم عام 1911 إلى الحزب البلشفي بعد أن غيَّر اسمه من كوجان إلى كاجانوفيتش. وفي عام 1914، أصبح عضواً في لجنة الحزب الشيوعي في كييف، ولعب دوراً نشيطاً في الفترة التي سبقت اندلاع ثورة 1917 مباشرة. وخلال الحرب الأهلية (1918 ـ 1920) ، خدم كضابط سياسي في الجيش الأحمر، ثم تولَّى رئاسة الحزب الشيوعي في أوكرانيا في الفترة بين عامي 1925 و1927.وفي عام 1930،ضمه ستالين إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي. وأصبح كاجانوفيتش، طوال الثلاثينيات، الرجل الثاني في الدولة، فأشرف على تنفيذ عدة مشاريع مهمة في الدولة من بينها مترو أنفاق موسكو (الذي حمل اسمه لفترة طويلة) وأعمال بناء السكك الحديدية والصناعات الثقيلة. كما تولَّى مسئولية تنفيذ عملية الزراعة الجماعية في الاتحاد السوفيتي، ونقل ملايين الفلاحين إلى المزارع الجماعية الضخمة المملوكة للدولة. وقد ترأَّس في الفترة ما بين عامي 1933 و1936 لجنة الرقابة داخل الحزب، وأشرف على عمليات التطهير داخله التي شملت آلاف الأعضاء. وخلال الحرب العالمية الثانية، كان كاجانوفيتش عضواً في وزارة الحرب السوفيتية، ثم عُيِّن بعد الحرب نائباً لرئيس الوزراء ثم نائباً أول لرئيس الوزراء. ووقف كاجانوفيتش إلى جانب ستالين خلال فترة الإرهاب الستاليني التي أعقبت الحرب والتي راح ضحيتها كثير من اليهود وغير اليهود أيضاً. وفي عام 1957، اتُهم كاجانوفيتش بالاشتراك مع مولوتوف ومالنكوف وغيرهما، في محاولة لإقصاء خروشوف من رئاسة الحزب الشيوعي. ولذلك أُعفي من جميع مناصبه وطُرد من الحزب الشيوعي عام 1961، وحاول العودة إليه بعد سقوط خروشوف ولكنه فشل. وقد ظل كاجانوفيتش طوال حياته متمسكاً بتأييده لستالين ولعهده وسياساته، ورفض بشدة هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، سواء أثناء وجوده في الحكم أو فيما بعد ذلك وحتى وفاته. وعارض وجود قسم خاص لليهود داخل الحزب الشيوعي، كما عارض أيضاً حزب البوند، وهو ما يدل على نزعته الأممية الاندماجية الحادة. إرنو جيرو (1898-1980 ( Erno Gero زعيم شيوعي مجري يهودي، وُلد في بودابست وانضم عام 1918 إلى الحزب الشيوعي واشترك في الثورة التي قادها بيلا كون عام 1919. وعندما فشلت الثورة في ألمانيا، عاد سراً إلى المجر حيث قام بتحرير جريدة شيوعية سرية. وعاش جيرو لفترة في الاتحاد السوفيتي، كما ساعد العناصر الشيوعية في إسبانيا خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وفي عام 1944، عاد إلى المجر مع الجيش السوفيتي وبدأ في احتلال مواقع مهمة في الدولة حيث أصبح وزيراً للنقل ثم المالية ثم وزير دولة ووزيراً للتجارة الخارجية. وأشرف على عمليات إعادة البناء وعلى تنفيذ الخطط الخمسية. وفي الفترة ما بين عامي 1965 و1966، تولَّى منصب نائب رئيس الوزراء كما كان عضواً في المكتب السياسي. بعد إقصاء ماتياس راكوسي عن الحكم، عُيِّن جيرو سكرتيراً أول للحزب الشيوعي عام 1956. وحاول، خلال فترة حكمه القصيرة، كبح جماح تيار التغيير ولكن دون جدوى. ومع تفجُّر الانتفاضة المجرية، استنجد بالجيش السوفيتي للتدخل، ولكن تم إقصاؤه من الحكم ففرَّ من البلاد. وعاش جيرو عدة سنوات في الاتحاد السوفيتي حيث مُنع من العودة إلى المجر حتى عام 1962. كما طُرد من الحزب الشيوعي. رودولف سلانسكي (1901-1952 ( Rudolf Slansky اسمه الأصلي رودولف شليزنجر. سكرتير عام الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي الذي أُعدم عام 1952 بتهمة الخيانة العظمى. انضم سلانسكي في شبابه إلى الحزب الشيوعي وصعد سريعاً في صفوفه، ثم وُجِّهت إليه عام 1936 انتقادات حادة من قبَل الدولية الشيوعية (كومنتيرن) ، بسبب ما وُصف بأنه «سياسته الانتهازية» ، وأُوقفت عضويته بشكل مؤقت من المجموعة القيادية. وخلال الاحتلال النازي لتشيكوسلوفاكيا، انتقلت قيادة الحزب إلى الاتحاد السوفيتي وأُوكل لسلانسكي خلال فترة الحرب العالمية الثانية عدة مهام مهمة في الجيش، من بينها تجنيد عناصر من أعضاء الحزب للانضمام لوحدات الجيش التشيكي الذي تكوَّن في الاتحاد السوفيتي، وتنظيم عمليات المقاومة المسلحة ضد الألمان. وشارك سلانسكي بنفسه في بعض العمليات العسكرية. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، عُيِّن سلانسكي (عام 1945) سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي التشيكي، وأصبح الرجل الثاني بعد رئيس الحزب الذي أصبح أيضاً رئيس الدولة. وأحكم قبضته على كافة مقاليد الأمور في الحزب وقوات الأمن والجيش، كما كان ينوب عن رئيس الدولة في المؤتمرات الحزبية. وفي عام 1951، مُنح سلانسكي أعلى وسام تشيكي وهو وسام الاشتراكية. ووقع سلانسكي ضحية سلسلة من الاتهامات والمحاكمات التي تعرَّض لها بعض القادة الشيوعيين في دول أوربا الشرقية بهدف تعزيز مواقع القيادات الموالية لموسكو في هذه الدول. ففي عام 1951، أُلقي القبض على سلانسكي وثلاثة عشر آخرين من القيادات الحزبية بتهمة التآمر ضد النظام، فطُرد من عضوية الحزب كما أُعفي من جميع مناصبه الحزبية. ووُجهت إليه ولمجموعة من المتهمين عدة تهم منها التروتسكية والصهيونية والتعاون مع أجهزة الاستخبارات الغربية لإقامة مركز للأنشطة التخريبية المناهضة للدولة. وقُدِّم سلانسكي للمحاكمة عام 1952 واعترف بجميع التهم التي وُجِّهت إليه، وحُكم عليه مع عشرة آخرين بالإعدام وأُعدموا في العام نفسه. وفيما بعد شُكِّلت لجان لتقصي ملابسات عملية الاستجوابات خلال هذه القضية، وتبيَّن عام 1968 أن قوات الأمن لجأت إلى أساليب غير مشروعة في التحضير لهذه المحاكمات ولانتزاع الاعترافات من المتهمين. وقد دعت اللجنة التي توصلت إلى هذه الحقائق إلى إلغاء قرار طرد سلانسكي من الحزب الشيوعي ورد الاعتبار إليه. هنري كورييل (1914-1978 ( Henri Curiel سياسي يهودي مُتمصِّر، ومؤسس أحد أهم التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وهو من أبرز قادة الحركة الشيوعية المصرية في تلك الفترة. وُلد في القاهرة لعائلة يهودية سفاردية قَدمت إلى مصر في منتصف القرن التاسع عشر من إيطاليا، وذلك في الفترة التي شهدت تدفُّق المستثمرين الأجانب على مصر للاستفادة من الأوضاع الاقتصادية والظروف السياسية والقانونية المواتية للاستثمار الأجنبي في مصر. ويبدو أن العائلة ادعت نسبها إلى مدينة ليغورن الإيطالية، وهي خطوة أقدمت عليها على ما يبدو كثير من العائلات اليهودية التي جاءت إلى مصر بعد أن احترق أرشيف المواليد والوفيات في ليغورن، وذلك ليكتسبوا الجنسية الإيطالية ويستفيدوا من الامتيازات الأجنبية. وقد كان والد هنري، دانييل نسيم كورييل، يمتلك مصرفاً صغيراً متخصصاً في الرهونات وإقراض الأموال للفلاحين. أما والدته، زفير بيهار، فجاءت من أسرة يهودية ثرية تعيش في إستنبول وتشتغل بتجارة السجاد. وقد اعتنقت زفير المسيحية الكاثوليكية وعمَّدت هنري وشقيقه راؤول سراً. تلقَّى هنري تعليمه الابتدائي والثانوي في مدارس الجزويت الفرنسية في مصر، ثم درس الحقوق الفرنسية بالقاهرة حيث كان والده يُعدُّه لإدارة مصرف العائلة. ومما يُذكَر أن البورجوازية الأجنبية في مصر، ومن بينها العائلات اليهودية، كانت تعيش في عزلة اجتماعية وثقافية عن أغلب أفراد الشعب المصري، وكان أبناؤها يتلقون تعليمهم في المدارس الأجنبية والجامعات الأوربية، وكانت الفرنسية هي لغة التخاطب فيما بينهم. وقد عبَّر كورييل عن هذا الانتماء الثقافي الأجنبي بقوله: «كان من الصعب على يهودي إيطالي تخرَّج من مدرسة فرنسية أن يجد نقطة ارتباط حقيقية في بلد مسلم، وكانت فرنسا هي الوطن الوحيد الذي أشعر بالارتباط به بعد أن فقدت إيماني [الديني] مبكراً» . ومع ذلك، نجد أن كورييل اختار، عند بلوغه سن الحادية والعشرين (عام 1935) اتخاذ الجنسية المصرية، متنازلاً بذلك عن جنسيته الإيطالية بما كانت توفر له من امتيازات. وبرَّر كورييل هذه الخطوة بأنها تمت بدافع حبه لمصر ونفوره من هذه الامتيازات، وكذلك تأثره بمظاهرات الطلبة في مصر عام 1935 المطالبة بالاستقلال الوطني وعودة دستور 1923. وتأثر كورييل في هذه الفترة أيضاً بالفكر الاشتراكي والماركسي الذي تعرَّف إليه من خلال شقيقه راؤول الذي كان يدرس في فرنسا، كما صدمه بؤس أحوال الفلاحين والعمال في مصر، فحسم اختياره لصالح الشيوعية وقرَّر الانخراط في العمل السياسي في مصر لصالح الطبقات الكادحة. كما أن صعود الفاشية والنازية في أوربا كان من الأسباب التي دفعت أبناء الجاليات الأجنبية، وخصوصاً أبناء البورجوازية اليهودية، إلى الاهتمام بدراسة الماركسية. وقد شارك كورييل في الأنشطة المعادية للفاشية، وساهم في إصدار مجلة باللغة الفرنسية تدعو إلى مقاومة الفاشية. ثم انضم عام 1939 إلى الاتحاد الديموقراطي الذي أسسه شقيقه راؤول كورييل بالتعاون مع جورج بوانتي ومارسيل إسرائيل والإيطاليين ساندروكا وباجيلي واليوناني كيبريو والمصري أحمد الأهواني الذي نشط أيضاً في مجال مكافحة الفاشية. وقد كان ذلك الاتحاد يعقد اجتماعاته الأولى في مركز محفل ماسوني إيطالي. وكما يقول كورييل، كان الماسونيون أعداء منطقيين للفاشية التي تضطهدهم وأصبح بعضهم مناضلين شيوعيين. وفي عام 1941، افتتح كورييل مكتبة بميدان مصطفى كامل، ولعبت هذه المكتبة دوراً مهماً في توفير الأدبيات الماركسية باللغات الأجنبية والعربية، بعد أن كانت هذه الأعمال ممنوعة منذ عام 1924. وكانت هذه المكتبة كذلك حلقة اتصال بالعناصر الماركسية بين جنود قوات الحلفاء المتمركزين في مصر، ومن بينهم جنود الفرقة اليهودية التي عمل الصهاينة على تأسيسها للخدمة في صفوف الجيش البريطاني، وقام عناصرها بتوصيل الكتب المعادية للفاشية إلى الأسرى الألمان والإيطاليين. وكانت علاقة كورييل بعناصر هذه الفرقة، بل ثناؤه عليهم واستعداده لمساعدتهم، أحد الأسباب التي أثارت التساؤلات والجدل حول علاقته بالصهيونية فيما بعد. كما أن أنشطته هذه مع جنود الحلفاء أثارت الشكوك حول علاقته بالمخابرات البريطانية. وقد اتهمه الحزب الشيوعي الفرنسي بذلك بالفعل، خصوصاً أنه كان على علاقة صداقة بضابط إنجليزي بالمخابرات البريطانية كان يعمل في مصر خلال الحرب (روبرت براوننج) . وقد أكد كورييل أن براوننج كان ماركسياً وانضم بعد الحرب إلى الحزب الشيوعي البريطاني، ونفى أن تكون لعلاقته به أية أبعاد مريبة. كما اهتم كورييل بتوزيع المنشورات المعادية للفاشية، والتي كانت تدعو المصريين إلى مقاومة التقدم الألماني، خصوصاً أن عناصر عديدة داخل الحركة الوطنية المصرية كانت على استعداد للترحيب والتعاون مع الألمان باعتبارهم أعداء الإنجليز. ونتيجةً لنشاطه السياسي، اعتُقل كورييل عام 1942. ونظراً لأنه كان قد اكتسب الجنسية المصرية، أُودع معتقل الزيتون مع غيره من المصريين، ودامت مدة اعتقاله بين 6 و7 أسابيع. ولكنها كانت فرصة حقيقية ـ على حد قول كورييل ـ لكي يتلَّمس عن قرب، ولأول مرة، واقع السياسة المصرية، ويدرك مدى رفض المصريين للوجود البريطاني ومن ثم صعوبة استجابتهم لدعوى مقاومة المحور ومساعدة عدوتهم إنجلترا. ومن هنا، أدرك كورييل أن أفضل سبيل للوصول إلى الجماهير المصرية هو الانطلاق من موقف ثابت في عدائه للإمبريالية وتنمية أقوى حركة شيوعية يمكن إقامتها على هذه القاعدة. وراودته في تلك الفترة أيضاً فكرة اعتناق الإسلام كوسيلة لتأكيد مصريته، وهو ما كان بعض أصدقائه من اليهود قد أقدموا عليه بالفعل، إلى جانب تعمُّقهم في دراسة اللغة العربية، ولكنه عدل عن ذلك حتى لا تؤخذ هذه الخطوة على أنها محاولة للهروب من خطر النازية التي كانت تقف على أبواب مصر. وقد خرج كورييل من المعتقل وهو أكثر اقتناعاً بضرورة بناء تنظيم شيوعي. وبالفعل، أسس عام 1943 «الحركة المصرية للتحرر الوطني (حمتو) » . وتأسست في الوقت نفسه منظمتان شيوعيتان أخريان بقيادة عناصر يهودية أيضاً، وهما إيسكرا التي أسسها هيلل شوارتز والتي ركزت على تجنيد عناصر من المثقفين الأجانب والمصريين من أبناء البورجوازية المصرية ذوي الثقافة الفرنسية، ثم منظمة تحرير الشعب التي أسسها مارسيل إسرائيل وركزت على التوجه للعمال. واتسمت علاقة التنظيمات الثلاثة بالصراع والتنافس والخلاف حول قضايا فكرية وتنظيمية. وظلت هذه الانقسامات والخلافات التي وُلدت بها الحركة الشيوعة المصرية واحدة من السمات الملازمة لها بعد ذلك، وهو ما دفع بعض المؤرخين المصريين مثل سعد زهران للتساؤل عن أسباب هذه الانقسامات التي وُلدت بها الحركة الشيوعية والتي لم يكن لها مبرر واضح. وبسبب هذه الخلافات والصراعات، لم تعترف الحركة الشيوعية الدولية بأي من التنظيمات، بل كانت تشتبه وترتاب في نشاطاتهم وترى أنهم ليسوا أكثر من حفنة من البورجوازيين الصغار المنخرطين في معارك ديوك لا تنتهي ولا علاقة لهم بالنضال الثوري. وقد حاول كورييل مدَّ جسور التعاون مع السفارة السوفيتية في القاهرة وأجرى اتصالاً بمستشار السفارة عام 1943. ورغم عدم إقبال الاتحاد السوفيتي على الاعتراف به أو بوجود شيوعيين في مصر، إلا أن هذا الاتصال أثار ضده تهمة العمالة للاتحاد السوفيتي. وبين قضايا الخلاف، كانت هناك مسألة التمصير والعمالية فقد أصر كورييل على تمصير حمتو، فضمت الحركة غالبية مصرية على جميع المستويات بما في ذلك اللجنة المركزية، على عكس منظمة إيسكرا مثلاً التي أصرت على بقاء قيادة التنظيم أجنبية خالصة. كما اهتمت حمتو بتوسيع القاعدة العمالية في صفوفها وركزت على تجنيد القيادات العمالية النشيطة، وتحركت في الجيش وفي صفوف الطلبة وكان لها كوادر بين طلبة الأزهر الذين كانوا حلقة الوصل بين الحركة والريف المصري. واهتم كورييل أيضاً بالتحرك بين صفوف النوبيين وتجنيدهم للعمل النضالي وإحباط محاولة الاستعمار فصل النوبة عن مصر، وكان لهم قسم خاص في الحركة، وكذلك كان الأمر مع السودانيين (ثم فُصل هذا القسم فيما بعد ليكوِّن الحركة السودانية للتحرر الوطني التي كانت نواة الحزب الشيوعي السوداني) . وكان موقف كورييل من السودان هو المطالبة بحقه في تقرير المصير، إما بالوحدة مع مصر أو الاستقلال التام عنه، وهذه هي أول سباحة ضد التيار العام للحركة السياسية المصرية على حد تعبير د. رؤوف عباس التي كانت تطالب بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري. وقد تبنَّى كورييل أيضاً موقفاً مؤيداً للوحدة العربية حيث اعتبرها حقيقة لابد منها. ومن ثم، فقد أيَّد تأسيس الجامعة العربية وجعل وحدة الشعوب العربية هدفاً من الأهداف السياسية لحمتو. واختلفت معه التنظيمات الشيوعية الأخرى واتهمته بالعمالة للإمبريالية. أقام كورييل مدرسة لتعليم وتدريب كوادر الحركة في سراي عزبة والده بالمنصورية. ومن السلبيات التي تؤخذ على كورييل (وقد اعترف بها فيما بعد) التركيز على الإعداد الحركي للكوادر وعلى تدريبهم على العمل الجماهيري على حساب الإعداد النظري الكافي، وعلى تأصيل الثقافة الماركسية بينهم. وقد اهتم كورييل أيضاً بالعمل الجبهوي، حيث كان يرى أن من أهم أسباب فاعلية الحركة الجماهيرية وحدة القوى الوطنية بمختلف اتجاهاتها السياسية، ولذلك انضم مع يسار الوفد والإخوان المسلمين لتشكيل جبهة وطنية عام 1946 عُرفت باسم اللجنة الوطنية للطلبة والعمال (انشق عنها الإخوان فيما بعد) . ولعبت هذه اللجنة دوراً رئيسياً في قيادة النضال الوطني عام 1946، وهو ما دفع السلطات لبدء حملة اعتقالات واسعة شملت مائتي شخص فيما عُرف بقضية المؤامرة الشيوعية الكبرى وكان كورييل المتهم الأول فيها. وقد أُفرج عنه بعد عشرين شهراً بعد أن قضت محكمة الجنايات ببراءته. وفي عام 1947، بدأ التفكير في توحيد صفوف الحركة الشيوعية المصرية. وبالفعل، اتحدت حمتو مع إيسكرا لتكوين الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني (حدتو) . ولكن هذا التنظيم الجديد لم يخل من الخلافات الفكرية والتنظيمية التي أسفرت عن انشقاقات وانقسامات جديدة نتجت عنها تنظيمات عديدة أخرى. وكان من أهم نقاط الخلاف مسألة التمصير ودور الأجانب أو المتمصرين في القيادة ومن بينهم هنري كورييل الذي اعتبر، برغم تأييده لمسألة التمصير، أن المطالبة بتخليه عن القيادة نوع من الشوفينية. ومن ناحية أخرى، يذهب بعض مؤرخي هذه الحقبة، مثل مصطفى طيبة، إلى أن السبب الرئيسي وراء انقسام وتَشرْذُم حدتو هو الجانب الانتهازي للوحدة، حيث كانت قيادة كل تنظيم تسعى إلى استقطاب كوادر الطرف الآخر نحوها وإقناعها بسلامة خطها الثوري وأنها تشكل التيار الثوري الوحيد. ويرى طيبة أن هذا الاتجاه ظل مسيطراً على سلوك جميع التنظيمات الشيوعية حتى بعد أن تم استبعاد جميع الأجانب عن الحركة الشيوعية، فكان وراء فشل التحالفات اللاحقة. ومن أهم أسباب الخلاف والانشقاق في تلك الفترة قضية فلسطين، وقد كان كورييل وراء الموقف المؤيد الذي اتخذته حدتو بالنسبة لقرار التقسيم عام 1947 ومعارضتها بشدة دخول مصر الحرب. وأسَّس كورييل موقفه هذا من منطلق أممي وطبقي، وأيضاً تمشياً مع موقف الاتحاد السوفيتي والموقف الشيوعي العالمي إزاء قضية التقسيم. وأدان كورييل كلاًّ من الصهيونية والرجعية العربية والاستعمارين البريطاني والأمريكي، ونادى بالنضال المشترك لليهود والعرب في فلسطين ضد الاستعمار. ورغم رفض كورييل الصهيونية واعتباره إياها حركة بورجوازية متحالفة مع الاستعمار، إلا أنه لم ينكر حق اليهود في فلسطين في الوجود القومي، ودعا إلى التفرقة بين الصهيونية واليهود في فلسطين معتبراً أنهم أصبحوا ذوي سمات مميِّزة تختلف عن يهود الدول الأخرى وأصبحت لهم ثقافتهم ولغتهم ومؤسساتهم الخاصة. وبيَّن كورييل أن رُبع يهود فلسطين من الفلاحين والعمال وأن لهم حقوقاً قومية وسياسية يجب الاعتراف بها ومنحهم إياها، بما في ذلك حق الانفصال وذلك استناداً إلى شروط الأمة التي حدَّدها ستالين. واعتَبرَت حدتو أن الحرب ضد الصهاينة إثارة لحرب دينية لا يُفيد منها سوى المستعمر، ودعت إلى ضرورة تعبئة الجماهير الكادحة لمكافحة الاستعمار أولاً. وانتقد كورييل الدعاوى العنصرية التي حاولت حرف مسيرة الكفاح من كفاح سياسي ضد الاستعمار وضد الصهيونية كحركة استعمارية إلى كفاح عنصري ضد اليهود. وكان لموقف حدتو من قضية فلسطين انعكاس سلبي على شعبية الحركة الماركسية بأكملها رغم أن التنظيمات الشيوعية الأخرى اتخذت موقفاً معارضاً للتقسيم ورغم إدانة الحركة بشكل عام للصهيونية. كما كان موقفه هذا من أهم أسباب اتهامه بالصهيونية، سواء من قبَل معارضيه داخل الحركة الشيوعية أو من قبل القوى السياسية الأخرى في مصر. وقد اعتُقل كورييل مع غيره من الشيوعيين في مايو 1948 بعد إعلان الأحكام العرفية بسبب حرب فلسطين. لكنه رفض أن يتم الإفراج عنه مقابل قبوله الهجرة من مصر وترحيله إلى إسرائيل، كما فعل بعض الشيوعيين اليهود، فظل في المعتقل مع سائر الشيوعيين المصريين حتى أُفرج عنه عام 1950. وحاول أن يعيد تنظيم صفوف حدتو بعد ظروف الاعتقالات والانقسامات، ولكن أجهزة الأمن المصرية قامت بإبعاده من البلاد في العام نفسه بحجة بطلان إجراءات اكتسابه للجنسية المصرية عام 1935. وقد رفض كورييل الذهاب إلى إسرائيل، وظل لفترة في إيطاليا، ثم نجح في دخول فرنسا حيث استقر في باريس، وهناك كوَّن مجموعة روما للحركة الديموقراطية للتحرر الوطني التي تشكلت من العناصر اليهودية التي خرجت من المعتقل في مصر عام 1949 وتوجهت إلى إسرائيل ثم فضَّلت التوجه والاستقرار في فرنسا. وظلت المجموعة على اتصال وثيق بكوادر حدتو في مصر وقدمت العون المادي والمعنوي لمعتقليها في سجون مصر. وفي عام 1958، قرَّر الحزب الشيوعي المصري المتحد حل مجموعة روما وفصل أعضائها لأنهم مجموعة أجنبية ومنعزلة عن الواقع المصري وبعيدة عن رقابة الحزب. ولم يكن ذلك نهاية نشاط كورييل السياسي، إذ نقل اهتمامه السياسي من مصر إلى الجزائر. فأيَّد حركة التحرير الجزائرية واعتُقل مع قادتها، وبعد نجاح الثورة كان من بين مستشاري بن بللا. كما يبدو أنه كان على علاقة بمنظمات إرهابية وبحركات ثورية ويسارية في العالم الثالث على حد زعم أحد المصادر الفرنسية التي اتهمته بالعمالة للمخابرات السوفيتية. أما على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، فقد كان كورييل حريصاً على إقرار السلام بين الطرفين. ورغم اعترافه بحق الفلسطينيين في الوجود القومي، إلا أنه ظل يؤمن بوجود قومية إسرائيلية ويدين المغامرات التوسعية الصهيونية، لكنه لم يُغيِّر موقفه المتمثل في ضرورة الوجود الآمن لإسرائيل. وكان كورييل قد أدان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولكننا بعد حرب عام 1967 نجده (كما جاء في خطاب له أورده جيل بيرو في كتاب رجل من طراز خاص) يقول: «الجماهير الإسرائيلية ترى أن الحرب لم تكن عدواناً من إسرائيل ولكن نضالاً من أجل بقاء بلدهم. فهل يُعقَل أن نطلب منهم العودة إلى وضع يصبحون فيه مهددين بالإبادة والفناء؟ وضع يتعيَّن عليهم أن يتنازلوا فيه عن الثمار التي حصلوا عليها مقابل تضحياتهم الجسيمة وبدون أي مقابل؟» . وسعى كورييل في قضية السلام بين العرب وإسرائيل، وكان على صلة بالحزب الشيوعي الإسرائيلي وكذلك ببعض عناصر منظمة التحرير الفلسطينية، وعمل على تدبير اللقاءات بين كلا الطرفين وعلى تشجيع الحوار بينهما. وقد جاء اغتيال كورييل، والذي يُرجَّح أنه تم بيد أحد أجهزة المخابرات، ليزيد الاتهامات ويعمِّق الشكوك والتساؤلات التي طالما أحاطت به. ومن أهم التساؤلات التي طُرحت حوله بشكل خاص، والحركة الشيوعية المصرية بشكل عام، لماذا عاد هذا التيار إلى الحياة السياسية في مصر، بعد أن غاب وجوده منذ عام 1926، على أيدي عناصر أجنبية أغلبها من اليهود الأجانب أو المتمصرين ومن أبرزهم كورييل؟ فيتساءل محمد سيد أحمد: هل كان الدافع الحقيقي هو إنشاء حركة مستقلة للطبقة العاملة المصرية كما كانوا يدَّعون، أم كان إطلاق حركة رأي عام للمصريين والمثقفين الوطنيين والشباب المتحمس؟ حركة كفيلة بحمايتهم كجالية في وجه توجُّه العديد من الشباب إلى النازية؟ ويشير سعد زهران إلى أن بريطانيا كانت تشجع في مصر (بعد عام 1936) الأنشطة المعادية للفاشية بين الجاليات الأجنبية، وأن أغلب الذين قاموا بهذه المهمة كانوا من اليهود الماركسيين الذين اجتمع لديهم حافز الخوف من هتلر مع القدرة على استخدام الماركسية. ويتساءل د. رؤوف عباس أيضاً عن السبب الذي دفع شباب البورجوازية اليهودية في مصر بالذات إلى اعتناق الماركسية وتأسيس الحركة الشيوعية دون غيرهم من الشرائح الأخرى من البورجوازية، ولماذا حدث ذلك في ظروف الحرب العالمية الثانية بالذات؟ ويؤكد د. رؤوف عباس على أن هذه الأسئلة تصبح مهمة إذا عرفنا أن الطلائع الماركسية اليهودية جلبت للحركة الشيوعية المصرية داء التكتلية والانقسام، كما جلبت إليها داء الإغراق في المناقشات النظرية والدخول في خلافات أيديولوجية مُصطنعة دون الاهتمام بالنضال السياسي، حتى يبدو الأمر كله وكأنه مُخطَّط مُعَد مُسبقاً. أما طارق البشري، فيذهب صراحةً إلى أن هذا الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيداً عن التحرك الصهيوني في منطقة المشرق العربي المتاخمة لفلسطين، وهو التحرك الذي أسفر عن إنشاء دولة إسرائيل عام 1948. كما يشير إلى أن إلغاء الامتيازات الأجنبية في منتصف الثلاثينيات أثار مخاوف الجاليات الأجنبية من ضياع امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية فبدأوا يسعون لأن يكون لهم دور ما في الحركة السياسية المصرية ويشجعون عدداً من أفراس الرهان، منها الحركة الشيوعية، وحسبهم منها أن تكون ركيزة لمقاومة التيارين الإسلامي والقومي وهما تياران شعبيان. كما يرى طارق البشري أن الترويج للشيوعية اتفق مع التوجه الأجنبي اليهودي في السعي لتكوين منطقة أيديولوجية في السياسة المصرية وبين الشباب، منطقة تصلح مكاناً وموئلاً للوجود الأجنبي في السياسات المصرية. أما بالنسبة لكورييل ذاته، فيرى طارق البشري أن تكوينه الوجداني يتلاءم بشدة مع أنشطة المخابرات، فهو إنسان منقطع الجذور بارد الفكر والأعصاب، قراراته تتشكل دون دخل لأية عواطف أو غرائز. كما يؤكد أنه رغم رفض كورييل للصهيونية وإنكاره لها، إلا أن تحليله للوضع في فلسطين وموقفه إزاء هذه القضية كان في النهاية لصالح الصهيونية ومشروعها. كما يشير المؤرخون إلى مدى سيطرة العناصر اليهودية الأجنبية والمتمصرة على التنظيمات الشيوعية وحرصها على الاحتفاظ بمواقع القيادة، وأنهم ظلوا يمارسون نفوذاً قوياً على هذه التنظيمات حتى بعد إبعادهم عن مصر. وأغلب التساؤلات السابقة تجد أن من الغريب وجود اليهود الأجانب والمتمصرين على رأس التنظيمات الشيوعية في مصر خلال الأربعينيات. وتلقى بعض التفسرات المطروحة قدراً من الضوء على العوامل التي قد تكون وراء ذلك. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بشكل موضوعي دون أن يُؤخَذ في الاعتبار وضع الجاليات الأجنبية في مصر بشكل عام وأعضاء الجماعة اليهودية بشكل خاص، وذلك داخل إطار التحولات الخارجية الجارية على الساحة الدولية والتحولات والتفاعلات الداخلية الجارية في النسيج الاجتماعي والسياسي للمجتمع المصري في هذه الحقبة التاريخية. وبدايةً، نجد أن أغلب الجاليات الأجنبية، خصوصاً الطبقة البورجوازية منها، بحكم وجودها على هامش المجتمع المصري وابتعادها عن الحركة السياسية المصرية وعدم اهتمامها بها، كانت أكثر ارتباطاً بما يجري في أوربا. ولذلك، فإننا نجد أن كل الجاليات الأجنبية في ذلك الحين، كما يشير مصطفى طيبة، كانت تزخر باتجاهات وتيارات فكرية متعددة تُعتبَر انعكاسات لما كان يجري في أوطانها الأصلية (بما في ذلك الاتجاهات الاشتراكية بمدارسها المختلفة، والليبرالية، بل الفاشية والنازية أيضاً) . ومع أن نشاط هذه الاتجاهات كان منحصراً داخل أفراد كل جالية، فإن ذلك لم يَحُل دون ظهور تنظيمات تضم أجانب من جنسيات مختلفة، ولذلك نجد أن أكثر العناصر اليهودية التي اعتنقت الفكر الماركسي كانوا أبناء البورجوازية والجامعات الفرنسية ممن تلقوا تعليمهم في المدارس الثانوية الفرنسية والجامعات الفرنسية، ومن ثم ارتبطوا ثقافياً ووجدانياً بفرنسا وتأثروا، كما يقول لنا كورييل نفسه، بالنضال الأوربي (وخصوصاً بانتصار الحزب الشيوعي الفرنسي والجبهة الشعبية في انتخابات 1936) ، كما تأثروا بالحركة الشيوعية الدولية أكثر من العناصر المصرية، وبتجربة الاتحاد السوفيتي وبأدائه خلال الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في معركة ستالينجراد. وكانت هذه الجاليات تتابع عن كثب التطورات الجارية في أوربا ومن بينها صعود الفاشية والنازية والتي عملت، على حد قول رفعت السعيد، على تزايد الاهتمام بالعمل السياسي والاجتماعي بين أعضاء الجاليات (خصوصاً بين اليهود) الذين أثار ذعرهم اشتداد هجمات جيوش المحور على حدود مصر. بالإضافة إلى أن أغلب أعضاء البورجوازية اليهودية في مصر كانوا يحملون الجنسية الإيطالية ويحتلون مواقع بارزة داخل الجالية الإيطالية، ومن ثم فقد كانوا أقرب لتلمُّس أثر امتداد الفاشية إلى أبناء الجالية الإيطالية وتأثيرها عليهم، وساهموا في تشكيل جماعات مناهضة للفاشية لمواجهة هذا الاتجاه داخل الجالية. ومما لا جدال فيه أن أغلب العناصر اليهودية التي ساهمت في تأسيس التنظيمات الشيوعية خرجت من بين صفوف الجماعات التي تأسست أصلاً لمكافحة الفاشية في تلك الفترة، مثل اتحاد أنصار السلام الذي أسسه بول جاكو دي كومب عام 1934، ثم الاتحاد الديموقراطي الذي سبق ذكره. كما كان للتحركات الاجتماعية والسياسية في مصر انعكاسها على وضع الأقليات الأجنبية، ومن أهمها صعود حركة وطنية مصرية قوية معادية للوجود الأجنبي وللبورجوازية المهيمنة على اقتصاد البلاد والمرتبطة بالمصالح الاستعمارية وبالرأسمالية الأوربية. وقد ظهر في الثلاثينيات أيضاً تياران سياسيان، أحدهما ذو اتجاه قومي مصري (مصر الفتاة) والآخر ديني إسلامي (الإخوان المسلمون) ، وكلاهما كان معادياً بشدة للوجود الأجنبي. وكان وضع الجماعة اليهودية أكثر حساسية، وخصوصاً مع تصاعُد الصراع حول فلسطين. وقد وجَّه التيار الديني الاتهام لليهود باعتبار أنهم طابور خامس للصهيونية، كما قامت عناصره مع عناصر من مصر الفتاة بالهجوم على بعض الممتلكات والمعابد اليهودية عام 1945 أثناء المظاهرات التي قامت بمناسبة ذكرى وعد بلفور. وقد اتهم كورييل هذين التيارين بالفاشية ومعاداة اليهود. ولا شك أيضاً في أن إلغاء الامتيازات عام 1937 كان له أعظم الأثر في إثارة مخاوف الجاليات الأجنبية، ومن بينهم اليهود من أعضاء البورجوازية، على مستقبل أوضاعهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثم اهتمامهم بالاشتراك في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. ولكن يجب التذكير بأن كورييل اختار التنازل عن هذه الامتيازات بمحض إرادته وذلك عندما اختار الجنسية المصرية عام 1935. وتبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية في مصر ردود أفعال متباينة إزاء هذه التحولات. فاليهود في مصر لم يُشكِّلوا جماعة متجانسة ثقافياً أو اجتماعياً أو طبقياً، بل تنوعت أصولهم الإثنية وجنسياتهم وثقافتهم ولغاتهم ومواقفهم الطبقية ومصالحهم الاقتصادية، ومن ثم اختلفت خياراتهم وتنوع نشاطهم السياسي. واختار أغلب أعضاء الجماعات اليهودية، وخصوصاً أعضاء البورجوازية اليهودية السفاردية التي كانت تخشى على مصالحها المالية والتجارية في مصر، عدم الانخراط في السياسة وتأكيد ولائهم للدولة والملك ورفض الصهيونية والشيوعية على حدٍّ سواء. في حين اتجه قطاع آخر على رأسهم يوسف أصلان قطاوي وابنه رينيه قطاوي وحاييم ناحوم أفندي كبير حاخامات مصر إلى تأييد الحركة الوطنية المصرية والدعوة إلى ضرورة تمصير أعضاء الجماعة اليهودية ودمجهم في المجتمع المصري. كما أبدى نادي الشباب اليهودي المصري خلال الثلاثينيات والأربعينيات تضامنه مع المطالب الوطنية المصرية بشكل عام ومع حزب الوفد بشكل خاص، ولكن هذا التيار ظل هامشياً للغاية وانحصر في عدد من المحامين والكُتاب والصحفيين اليهود ولم ينجح في تعريب أو تمصير أعضاء الجماعة. واختار قطاع ثالث الصهيونية، وتركزت أغلب هذه العناصر بين اليهود الإشكناز وعناصر الطبقات الدنيا والوسطى من أعضاء الجماعة، وخصوصاً بعد عام 1947، حيث كانت هذه العناصر أكثر القطاعات تضرراً من قوانين التمصير. واختار قطاع رابع الشيوعية، وذلك باعتبارها السبيل الوحيد نحو الاندماج في المجتمع المصري على أسس أممية وعن طريق إجراء تحويل جذري في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد. وقد تركزت أكثر هذه العناصر كما أسلفنا بين أبناء البورجوازية الكبيرة والمتوسطة من خريجي المدارس الفرنسية. ومما سبق، تتضح بعض العوامل التي تُفسِّر نشأة التنظيمات الشيوعية في مصر على أيدي عناصر أجنبية يهودية بشكل خاص. وكان لهذه النشأة ولا شك آثار على طبيعة هذه التنظيمات وسياستها من أهمها تأكيد وتضخيم مفهوم الأممية على حساب المفهوم القومي والخضوع لتقديرات الوطن الاشتراكي الأول (الاتحاد السوفيتي) . وقد يُفسِّر ذلك موقف كورييل وحدتو من قضية فلسطين (وإن كان يجب الأخذ في الاعتبار أن التنظيمات الشيوعية الأخرى، تحت قيادة عناصر يهودية أيضاً، قد رفضت قرار التقسيم) ، بالإضافة إلى أن كورييل ظل حتى آخر حياته متمسكاً بوجود قومية إسرائيلية وبحق إسرائيل في الوجود الآمن. ولا شك أيضاً في أن ثقافة كورييل الأجنبية، وكذلك ثقافة غيره من الماركسيين الأجانب ونشأتهم على هامش المجتمع المصري وفي عزلة عنه، حال دون صياغة نظرية مصرية لتفسير وتغيير المجتمع المصري العربي، نظرية تستند إلى إدراك حقيقي ودقيق لواقع هذا المجتمع بتفاصيله وتناقضاته وخصوصيته، الأمر الذي نتجت عنه سلسلة من الأخطاء السياسية وما صاحبها من انقسامات وتشرذم. ورغم علامات الاستفهام التي ظلت تطارد هنري كورييل طوال حياته، فقد ساهم بشكل فعال (كما يذكر د. رؤوف عباس) في أن أصبح الفكر الاشتراكي والماركسي مطروحاً بشكل أكثر إلحاحاً على الساحة السياسية المصرية، وفي إعداد الكوادر المصرية من العمال والمثفقين الذين كانت لهم إسهامات مهمة في الحركة الشيوعية المصرية، وفي تأسيس أكثر التنظيمات الشيوعية المصرية استمراراً وأوسعها قاعدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحركة الشيوعية المصرية كانت لها إسهاماتها الثرية في المجال الفكري والثقافي والسياسي المصري، ولعبت دوراً بارزاً في حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار. وكما يذكر طارق البشري، فإن الحركة الشيوعية قد أغنت السياسات الوطنية بمفاهيم جديدة تتعلق بالمضمون الاجتماعي لحركة التحرر الوطني وبالتصنيف الطبقي للمجتمع وتأكيد أولوية التحرر الاقتصادي والسياسي من الاستعمار. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الفن اليهودي
Jewish Art من الصعب الحديث عن «الفن اليهودي» بشكل عام، ولذلك فإننا نجد أن الحديث عن «فنون الجماعات اليهودية» أكثر دقة وتفسيرية. فعبارة «الفن اليهودي» ، شأنها شأن عبارات أخرى، مثل «الثقافة اليهودية» و «الأدب اليهودي» ، تفترض وجود هوية يهودية محدَّدة مستقلة وثابتة ومنفصلة عن التشكيلات الحضارية التي تُوجَد فيها، وتفترض وجود شخصية يهودية لها خصوصيتها المتميِّزة. فنون الجماعات اليهودية Arts of the Jewish Communities نحن نذهب إلى أنه لا توجد هوية يهودية واحدة، وإنما هناك هويات عديدة تختلف باختلاف الزمان والمكان وباختلاف التشكيلات الحضارية التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كنفها. ومن ثم، لا يوجد فن يهودي ولا حتى فنون يهودية بشكل عام، وإنما يوجد فنانون عبرانيون وفنانون يهود تختلف طرقهم في الإبداع باختلاف التشكيلات الحضارية التي ينتمون إليها. ويظهر هذا في فن العمارة على سبيل المثال، فهيكل سليمان يتبع النماذج المصرية والفينيقية والآشورية. أما هيكل هيرود، فيتبع النمط الروماني السائد في ذلك العصر. وكانت مباني العبرانيين تتبع النمط السائد، ولذا كانت كنعانية في البداية ثم هيلينية ورومانية. وفي العالم الإسلامي، شُيِّدت المعابد اليهودية حسب الطراز المعماري الإسلامي، كما تُشيَّد الآن في العالم الغربي حسب الطرز المعمارية السائدة فيه. وقد أثار اكتشاف معبد ديورا أوروبوس، الذي بُني في العصر الهيليني، قضية تحريم التصوير والتماثيل في اليهودية (كما وردت في الوصية الثانية من الوصايا العشر) . ويبدو أن هذا التحريم لم يُنفَّذ إبان حكم الممالك العبرانية. فتماثيل الكروب (الملائكة) فيه تدل لا على تقبُّل التصوير وحسب، وإنما تدل على بناء التماثيل أيضاً. كما أن تماثيل العجول التي كانت في هيكل المملكة الشمالية تدل على أن الكروب لم تكن استثناء فريداً، وإنما كانت نمطاً متكرراً. ولكن، بعد العودة من بابل، حدثت محاولة لتنفيذ هذا الحظر، وإن تم الاحتفاظ بتماثيل الكروب. وبمرور الوقت، ازداد تشبُّع اليهود بالحضارة الهيلينية، وبالتالي بدأ الاهتمام بالتماثيل إلى أن نُسي الحظر الديني تماماً، فنجد أن معبد ديورا أوروبوس تظهر فيه لوحات فسيفساء تمثل أنبياء العهد القديم وبعض الشخصيات الأخرى. وهناك لوحة تمثل ميلاد موسى وقد حملته أفرودَيت (فينوس) إلهة الجمال، في حين ظهر هارون في لوحة أخرى، وقد تبعه أحد الكهنة اللاويين، ويسير وراءهما عبد. ولكن، ومن خلال التأثر بالحضارة الإسلامية، اكتسب الحظر شرعية جديدة، وتزايد ابتعاد يهود الحضارة الإسلامية عن التصوير. أما في إيطاليا، مثلاً، حيث ازدهر فن النحت، فإننا نجد أن جيتو روما كان يزينه تمثال نصفي لموسى. وكل هذا يبين أن عبارة «فن يهودي» بغير مضمون، والصحيح أن هناك فناً يبدعه فنانون يهود، أو فناً ذا مضمون يهودي، أو فناً موجهاً إلى جمهور يهودي يتبع التقاليد الحضارية السائدة في المجتمع المضيف. ويمكن القول بأن مساهمة اليهود في الفن الغربي ظلت ضئيلة حتى القرن التاسع عشر، باعتبار أنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة منعزلة عن أعضاء المجتمع، لها لغتها الخاصة على الصعيدين اللغوي والحضاري. كما أن الدين كان مرتبطاً بالفن في المجتمعات التقليدية، ارتباطه بمعظم نشاطات الإنسان الأخرى، وهو ما كان يعني استبعاد اليهود كمنتجين لهذه الفنون، وضمور إبداعهم في مثل هذه المجالات. وتغيَّر هذا الوضع تماماً، مع القرن التاسع عشر، بعد الإعتاق والانعتاق، وبعد علمنة المجتمع الغربي. ويُلاحَظ منذ ذلك التاريخ ظهور عدد من الفنانين الغربيين من أصل يهودي، ولكن إبداعهم كان يتم من خلال المصطلح واللغة الفنية السائدة في مجتمعهم وزمانهم ومكانهم. ومن أهم الفنانين من أعضاء الجماعات اليهودية الفنان الانطباعي كاميل بيسارو (الفرنسي) والفنان مارك شاجال (الروسي) وبن شان (الأمريكي) وأماديو مودلياني (الفرنسي) ، وكلهم من الرسامين. وأهم النحاتين من أعضاء الجماعات اليهودية جاك ليبشيتس (الأمريكي) . ويُوجَد عدد كبير من تجار الأعمال الفنية ونقاد الفنون من أصل يهودي. ولكن تظل نشاطات أعضاء الجماعات اليهودية، كفنانين مبدعين أو ناقدين للفن أو متاجرين فيه، نابعة من محيطها الحضاري، فهي تعبير عن المجتمعات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية وعن تفاعلهم معها، وهذه المجتمعات هي التي تحدِّد موضوعات هذه الفنون ولغتها الفنية. ولننظر الآن إلى بعض الأعمال الفنية التي تُوصَف بأنها «يهودية» ، وهي أعمال محفوظة في المتحف اليهودي في نيويورك باعتبارها نماذج من «الفن اليهودي» . من هذه الأعمال ستار يُستخدَم في أكثر الأماكن قداسة في المعبد اليهودي، أي تابوت العهد الذي تُحفَظ فيه مخطوطات التوراة. والستار من تركيا وهو على الطراز العثماني في القرن الثامن عشر، تتوسطه صورة للمسجد الأزرق بمآذنه المُدبَبة، ويحيط بها عمودان ملفوفان على تاج كل منهما آنية للزهور، وهي طريقة للزخرفة شائعة في الفن العثماني آنذاك. ويظهر فيها تأثُّر الفن العثماني بالفن الأوربي. والواقع أنه لا يوجد شيء يهودي في هذا الستار سوى الكتابة العبرية في وسطه، وإن كانت هناك يد وسط الكتابة العبرية، هي كف عائشة (خمسة وخميسة عند المصريين) ، وهذا يُشكِّل جزءاً من فلكلور المنطقة. ولننظر إلى هذا الوعاء النحاسي من العصر المملوكي، وهو مُطعَّم بالفضة والذهب. والوعاء مُقسَّم إلى مساحات طولية عليها كتابة بالعربية تقطعها أشكال دائرية تحوي زخارف. وداخل هذه الزخارف يُلاحَظ وجود نجمة داود وكتابات بالعبرية. ويبدو أن هذه الآنية صمَّمها حرفي عربي يهودي من سوريا (ومن هنا معرفته بالحروف العبرية) . ولكن طريقة الصناعة والطراز والبنية الجمالية كلها إسلامية، أي أن صانع هذا الوعاء قد يكون حرَفياً يهودياً ولكن ذوقه إسلامي مملوكي. ومن بين مقتنيات المتحف اليهودي في نيويورك ميدالية من طراز إيطالي تعود إلى منتصف القرن السادس عشر، ونُحت عليها رأس دونا جراسيا ناسي. ولكن صانع الميدالية نفسه هو باستور ينو دي جيوفان ميشيل دي باستوريني (1508 ـ 1592) ، وهو فنان إيطالي مشهور قام بصك عدة ميداليات، من أشهرها ميدالية لفرانسيسكو ميديتشي. وفن الميداليات هو فن انتشر في إيطاليا في عصر النهضة، وهو محاولة لتقليد العملات القديمة (الرومانية وغيرها) بحيث يظهر الشخص المُحتفَى به، والذي تظهر صورته على الميدالية على هيئة أحد أبطال الرومان. وكانت الصورة تهدف إلى إبراز السمة الأساسية في الشخصية (باللاتينية: «فيرتو vertu» ) وتمجِّدها. ولكن الميدالية، مثل كل أنواع الفن الكلاسيكي، لم تكن تهدف إلى إبراز الشخصية كما هي، وإنما كما ينبغي أن تكون في أكثر لحظاتها سمواً ونبلاً. وتوجد حول رأس المُحتفَى به نقوش. وربما كان العنصر اليهودي الوحيد هنا أن هذه النقوش كُتبت بالعبرية. وفن الميداليات، والمفهوم الكامن وراءه، هو فن يحاكي الفن الروماني، وله أبعاد وثنية عميقة كما هو الحال مع فن عصر النهضة وبدايات علمنة العقل الأوربي وكذلك علمنة رغبات وقيم الإنسان الغربي. فإذا كان الفن أوربياً (عصر النهضة) والفنان إيطالياً، والقيم الجمالية والخلقية وثنيةً، فبأي معنى يمكن تسمية هذا الفن «يهودياً» ؟ ومن المقتنيات الأخرى، لوحة رمبرانت «اليهود في المعبد اليهودي» . وهذه اللوحة الرائعة (وهي حفر على الورق) تبيِّن رؤية رمبرانت للجماعة اليهودية في عصره. فرغم أن اليهود كانوا أقلية صغيرة، فإنه هو نفسه كان يعيش في حارة اليهود. ويقول النقاد الفنيون إن رمبرانت في هذه اللوحة يدرس موضوع الغربة، وهو موضوع إنساني عام، فمركز اللوحة هو اليهودي الجالس على قطعة من الحجر، وقد أعطى المشاهد ظهره. ويُلاحَظ أن كل الأشخاص الآخرين في الصورة يتحدث الواحد منهم مع الآخر وجميعهم غير مكترث بوجوده، بل نجد أنهم ينظرون بعيداً عنه. ورغم أنه يُوجَد في بقعة التوتر (في الوسط تماماً) ، فإن وجهه متجه نحو الظلمة. ويبدو أن أزياء اليهود قد اجتذبت انتباه رمبرانت (وهي أزياء لم تكن هولندية، فقد جاء الإشكناز من بولندا، أما السفارد فمن إسبانيا) ، وأحضرت كل جماعة منهما أزياءها المحلية. ومن الأعمال الفنية الأخرى، شمعدان المينوراه، وهو الشمعدان الذي يُشعَل في منازل اليهود وفي معابدهم. وهو على الطراز الألماني (من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر) . ومن الحقائق التي ينبغي ذكرها أن شمعدان المينوراه كان يُوجَد في بعض الكنائس في العصور الوسطى أيضاً (لأن الكنيسة كانت ترى نفسها إسرائيل الحقيقية التي حلَّت محل إسرائيل غير الحقيقية، أي الشعب اليهودي) . ويُلاحَظ في المينوراه الألمانية وجود موضوعات ونقوش ألمانية مثل القاعدة التي اتخذت شكل أُسود، والتي تظهر في كثير من المينورات في الكنائس، وكذلك الفروع التي زُيِّنت بأوراق. ويُوجَد في المتحف اليهودي قسم خاص بما يُسمَّى «كتوباه» ، أي عقود الزواج. والكتوباه، شأنها شأن الأعمال الفنية اليهودية الأخرى، نابعة من التشكيل الحضاري الذي تُوجَد فيه. ومن أشهر عقود الزواج التي يحتفظ بها المتحف، عقد زواج من ليفورنو (إيطاليا) في القرن الثامن عشر، وكانت المدينة قد اختارت النحات إيزيدور باراتا (من كرارا) ليزِّين المعبد اليهودي بالزخارف، ويبدو أن صانع هذه الكتوباه تأثر بسفينة العهد التي صنعها الفنان الإيطالي، فاستخدمها إطاراً للكتوباه، وأضاف إليها ملاكين، أخذهما من إحدى اللوحات التي نقشها باراتا على الرخام، وهي لوحة «صلب بطرس الرسول» . وزيَّن الكتوباه بعد ذلك بورود رائعة. وفي وسط الخرطوشة (شكل بيضاوي أو مستدير في وسطه اسم شخص مشهور) ، يوجد منظر ذو مضمون ديني: يظهر إبراهيم وهو يُضحِّي بإسحق (بحسب رؤية اليهود) ، ثم يصل الملاك بالرسالة من الخالق في اللحظة المناسبة. ولكن أبطال العهد القديم يصبحون، في هذا العمل الفني، مثل الأبطال الوثنيين. ولذا، نجد أن التركيز يتجه نحو ملامحهم الجسدية. فصورة إبراهيم وإسحق تشبه صور أو تماثيل زيوس وأوربا مثلاً، ولا تعطي أي إحساس بالرهبة الدينية. والكتوباه خليط من فن الباروك والروكوكو. ويجب أن نذكِّر القارئ هنا بأن اليهودية تُحرِّم التصوير أساساً، فما بالك بتصوير أبي الأنبياء والأمم بهذه الطريقة (لفظة إبراهيم تعني في العبرية «أبو الأمم» ) ؟ ولعل أهمية هذه اللوحة بالنسبة لنا أنها تعطينا صورة عن كيفية إنتاج الفن الذي يُقال له «يهودي» من خلال اللغة الفنية والحضارية السائدة. فقد قام فنان مسيحي إيطالي في عصر النهضة الذي سادته الاتجاهات الوثنية بتزيين معبد يهودي، ثم تأثر حرفي يهودي بزخارفه فنقلها إلى الكتوباه. ويُلاحَظ أيضاً أن الحرفي أضاف زخارف أخرى قام الفنان الإيطالي نفسه بإبداعها لعمل فن مسيحي. وهكذا، لا يبقى سوى الكتابة العبرية في هذه الكتوباه. ولا ندري، هل كانت كتابة الخط شكلاً فنياً قائماً بين يهود إيطاليا، كما كان الحال ومازال عند العرب المسلمين، وعند كل المسلمين الذين يستخدمون الحرف العربي؟ في غالب الأمر سنجد أن الخط لم يكن مما يُعَدُّ من الفنون الجميلة في أوربا آنذاك. وإذا تركنا عصر النهضة والباروك والركوكو ووصلنا إلى عصر العقل والفن الذي يُشار إليه باسم «نيو كلاسيكي» ، فإننا سنجد لوحة لفنان أمريكي يهودي يُسمَّى توماس سللي (1783 ـ 1872) ، واللوحة عبارة عن بورتريه لسالي إتينج، أي صورة شخصية لها. والفن النيو كلاسيكي يحاكي الفنون الرومانية واليونانية بشكل واع، وهو بهذا يُعَدُّ امتداداً لفن عصر النهضة الغربي. وهنا، فإن بطلة الصورة قد رُسمت على هيئة إحدى بطلات الرومان، فهي ترتدي زياً رومانياً، بل نجد أن تسريحة شعرها على الطريقة الرومانية. ومن الواضح أن انعكاس الضوء على وجهها وجسدها يهدف إلى تأكيد جمالها الجسدي ومثاليتها الخلقية، وستظل هذه هي أهم معالم الفن العلماني، حيث يحاول أن يصل إلى قيم مطلقة من خلال الجسد الإنساني والظاهرة الإنسانية. وقد كانت مثل هذه المحاولات مشُوبة دائماً بالتوتر، فهي تعبير عن نزعة مثالية ولكنها تظل حبيسة الجسد والمادة. ولا ندري هل نجح الفنان هنا في حفظ التوازن بين الحسي والمثالي؟ ولكن، وأياً ما كانت نتيجة المحاولة، إيجاباً أو سلباً، فالفن الذي نشاهده فن غربي نيو كلاسيكي، كما أن المشكلة التي يواجهها الفنان هي على وجه الحصر مشكلة لا يمكن أن تُوصَف بأنها يهودية. وإلى جانب ذلك، فإن المعالجة الجمالية الأخلاقية تنتمي إلى قواعد ذلك العصر. بل إننا، ابتداءً من الميدالية والكتوباه، نلاحظ بداية القيم العلمانية والموضوعات الوثنية في الفنون الغربية. ومن هنا، يمكننا القول بأنه، مع شيوع الفن النيو كلاسيكي، انتصر العنصر الوثني، وهو ما أفضى إلى اختفاء القيم المسيحية والدينية. وقد حدث الشيء نفسه بالنسبة للفنان اليهودي، إذ اختفت الحروف العبرية. كما توقفت أية محاولات، مهما كانت واهية واهنة، تتعلق بإقحام عنصر يهودي على العمل الفني. فنحن هنا في حضرة عمل فني غربي خالص، لا يُوجَد فيه حتى ادّعاء اليهودية. ومن أشهر اللوحات التي وُصفت بأنها «يهودية» ، اللوحة المسماة «عودة المتطوع اليهودي من حروب التحرير إلى أسرته التي لا تزال تعيش حسب التقاليد القديمة» للفنان موريتز دانيال أوبنهايم (1800 ـ 1882) ، وهي تنتمي إلى الأسلوبين الرومانتيكي والواقعي في القرن التاسع عشر. فأسلوب اللوحة رومانتيكي من حيث تأكيده العواطف والبُعد المثالي للمنظر، ولكنه واقعي من حيث اهتمامه المفرط بالتفاصيل. واللوحة تُعبِّر عن هذه النقطة التي بدأت فيها اليهودية التقليدية (الأرثوذكسية) تتفكَّك، وتحل محلها الصيغ اليهودية الجديدة المُخفَّفة، والتي لا يعترف بها الأرثوذكس، وهو ما أدَّى إلى طرح مشكلة من هو اليهودي؟ فالأسرة لا تزال أرثوذكسية، تقيم شعائر السبت كما هو واضح من الكأس والخبز على المائدة، والأب يقرأ من كتاب هو في الغالب كتاب أدعية وصلوات. ولكن الأسرة، مع هذا، بدأت تفقد شيئاً من أرثوذكسيتها، ويدل على ذلك وجود صورة في المنزل. ووصول الابن في ذلك اليوم يعني أنه سمح لنفسه بالسفر في يوم السبت، وهو الأمر الذي تُحرِّمه الشريعة اليهودية. ومن الواضح أن هؤلاء اليهود بدأوا يفقدون هويتهم الإثنية الدينية ويتحولون إلى مواطنين ألمان، ومن هنا فخرهم بقوميتهم. وربما كان وجه الأب الذي ينظر بشغف وزهو وحيرة إلى صدر ابنه هو رمز هذه اللحظة، فالأب ينظر إلى الصليب الحديدي، وهو رمز مسيحي قومي. وموضوع «رحيل المتطوعين» موضوع أساسي في الفن الرومانتيكي في القرن التاسع عشر، وإن كان أوبنهايمر جعله «عودة» المتطوع، ربما متأثراً بلوحة «عودة الأبناء» للفنان الألماني فيليب أوتو رانج. وقد كان النقاد الفنيون اليهود يتحدثون، حتى عهد قريب، عن يهودية حاييم سوتين، ولكن الاتجاه الآن نحو دراسة صوره يتم داخل إطار تاريخ الفن في القرن العشرين ومشاكل الحداثة. وقد كوَّن مع موديلياني وأوتريللو وياسين جماعة تُسمَّى «الملاعين» أو «سيِّئو الحظ» (بالفرنسية: «مودي maudit» ) وكلهم يهود ماعدا ياسين. ولكن، هل لعبت يهوديتهم دوراً في تحديد رؤيتهم وأسلوبهم؟ أم أن تجربتهم تجربة أفراد يشعرون بالضياع والغربة في عالم القرن العشرين العلماني؟ (ولعل يهوديتهم تزيد حدة هذا الإحساس بالاغتراب، فمعدلات العلمنة بين اليهود، خصوصاً المثقفين، كانت أعلى منها بين بقية المجتمع) . وقد رسم سوتين لوحته «وعاء زهور» عام 1930، واشتهر باللون الأحمر الذي استخدمه في هذه اللوحة وفي لوحاته الأخرى التي رسم فيها لحم حيوانات مخضباً بالدماء، (ويُقال إن هذه اللوحات احتجاج على قوانين الطعام اليهودية) . ويتضح توتُّر سوتين وجرأته في هذه اللوحة التي تُعَدُّ إرهاصاً للتعبيرية التجريدية. ومن أهم الأعمال الفنية التي يُقال لها «يهودية» ، النصب التذكاري الذي نفذه جورج سيجال المولود عام 1924 لضحايا الهولوكوست أو الإبادة النازية، بناء على طلب بلدية سان فرانسيسكو. وتماثيل النصب مصنوعة من قالب جصى بالحجم الطبيعي لعدة جثث مرتبة على هيئة نجمة داود. وتمسك إحدى الجثث بتفاحة رمزاً لحواء، كما أن جثة أخرى تمد ذراعيها رمزاً للمسيح المصلوب. وهناك رجل عجوز وبجواره صبي، وهو يرمز إلى إبراهيم وإسحق. أما الرجل الواقف، فهو رمز البقاء (بقاء الشعب اليهودي) ، ولكنه في حالة ذهول. ولذا، فهو يمسك بالسلك الشائك دون أن يشعر بالوخز، وربما كان ذلك رمزاً آخر للمسيح. والموضوع هنا يهودي بالمعنى الإثني لا الديني، لكن التناول صهيوني، وهو يؤكد بلا شك مركزية واقعة الإبادة النازية، ويتحدث عن تاريخ يهودي، عن معاناة يهودية. ولكن العمل مع هذا يظل عملاً أمريكياً غربياً حديثاً، لا يمكن فهم قيمه الجمالية إلا بالعودة إلى اللغة الفنية السائدة في الولايات المتحدة، وهي لغة تدخلها الرموز المسيحية. وهذا أمر طبيعي، فقد صاغه فنان أمريكي ليعرضه على جمهور أمريكي. وإذا كان الموضوع يهودياً والفنان الذي تناوله يهودياً، فإن هذا لا يقلِّل من أمريكية العمل، إذ تظل اللغة الفنية لغة أمريكية غربية حديثة. وفي عرضنا حتى الآن لما يُسمَّى «الفن اليهودي» ، وجدنا أنفسنا ننتقل من الحضارة الإسلامية إلى الحضارة الغربية. ولو انتقلنا إلى الحضارة الصينية لندرس معمار المعبد اليهودي هناك، لوجدنا أنه لا يختلف كثيراً عن معمار المعابد الكونفوشيوسية. وفي دراستنا للأعمال الفنية اليهودية المختلفة، وجدنا أنفسنا نشير إلى فن عصر النهضة، وفن عصر العقل، وفن عصر الرومانسية، وفن العصر الحديث. وفي محاولة فهم هذه الأعمال، كان علينا أن نعود دائماً إلى تطوُّر الفكر والفن الغربيين، ونحن لم نجد عناصر يهودية إلا في الموضوع، وهو عنصر فرعي لا يحدِّد القيم الجمالية أو طريقة التناول. ومن هنا، نجد أن من الصعب التحدث عن «فن يهودي» ، بينما يمكننا أن نتحدث عن فن غربي في محاولة لتصنيف الأعمال التي نشاهدها. وإذا نظرنا إلى الفن الإسرائيلي، فإننا نجد أن الأمر لا يختلف كثيراً عما يُسمَّى «الفن اليهودي» ، فهو فن ليست له شخصيته المستقلة، ولا معجمه الخاص. وقد يتبلور فن إسرائيلي له شخصية فنية مستقلة، ولكننا، حتى الآن، لا يمكن أن نزعم وجود مثل هذا الفن. وللدلالة على هذا القول، يمكننا أن ننظر إلى لوحة الفنان الإسرائيلي ريوفين روبين (1893 ـ 1974) المولود في رومانيا والذي هاجر إلى فلسطين واستوطن فيها. واللوحة من مقتنيات المتحف اليهودي في نيويورك، ولها عنوانان: «بائع السمك الملون» ، و «الصياد العربي» . والواقع أن إعطاء اسمين للوحة أمر ذو دلالة عميقة في السياق الصهيوني، فعنوان «الصياد العربي» محاولة أولية لتجريد العربي بحيث يصبح جزءاً من الطبيعة. ويظهر هذا في تشكيل اللوحة ذاته. فالصياد تحوَّل إلى شكل هندسي يقف متوازناً بين السمكة التي في يده والسمك الذي في الوعاء الذي يحمله، وعيونه ذاتها تشبه عيون السمك وتجعله هو نفسه يشبه السمك. ويداه: إحداهما تمسك بسمكة ملتوية بحيث تصبح متوازية مع جسده، والأخرى ممسكة بالوعاء، أما أصابعه فتكاد تسبح في الماء كالسمك. وذراعاه يشبهان الإطار، بحيث يأخذ الصياد شكل المربع، ولكنه مربع مليء بتموجات تذوب وتندمج في الخلفية المتموجة بحيث يندمج الفرد في الطبيعة تماماً. وثمة غنائية عميقة في اللوحة رغم ألوانها، ولكنها على أية حال ألوان أرض فلسطين التي يسميها الصهاينة «إرتس يسرائيل» . والعربي موضوع أساسي في الفن الصهيوني، وقد طرح الصهاينة فكرة «أرض بلا شعب» ، أي فكرة أن العرب لا وجود لهم. ولتفسير هذا التناقض، لابد أن نشير إلى عنصرين: 1 ـ المستوطنون الصهاينة الذين عاشوا في هذه الأرض وجدوا العربي في كل مكان، يسير حولهم ويعمل في الأرض قبل وبعد استيلائهم عليها، آثاره في كل مكان حتى بعد أن طُرد منها. ولذا، لم يكن هناك مفر من أن يظهر العربي على شاشة الوجدان الصهيوني، مهما حاولت الأيديولوجيا المجردة أن تغيِّبه. 2 ـ يرفض الفكر الصهيوني يهود المنفى (أي كل يهود العالم ما عدا المستوطنين الصهاينة) على أساس أنهم شخصيات هامشية هزيلة تعمل بالربا والتجارة ولا يمكنها أن تقوم بالأعمال اليدوية المنتجة. وكانوا يضعون العربي مقابل يهودي المنفى باعتباره شخصية حيوية منتجة تعيش في وئام مع الطبيعة، فالعربي هنا هو نقيض يهودي المنفى، وعلى المستوطن الصهيوني أن يعيد صياغة شخصيته بحيث يكون مثل هذا العربي. ومن هنا، كُتبت مسرحيات وقصص كثيرة تدافع عن هذه الرؤية حتى اشتكى أحد النقاد الصهاينة في أوائل القرن من أنه لا يوجد عمل أدبي واحد يكتب في فلسطين إلا وفيه تمجيد للعرب. وقد كان الصهاينة يرتدون زي العرب ويحاولون أن يتصرفوا مثلهم. ولوحة «الصياد العربي» هي نتاج هذا الموقف الذي استمر حتى أواخر العشرينيات، ثم اختفى بعد ذلك مع بداية انتفاضات العرب، الأمر الذى حوَّلهم من شخصيات رومانسية مندمجة في الطبيعة ملتحمة معها، ومن موضوع للتأمل، إلى شخصيات حقيقية تدافع عن أرضها. ولم يَعُد العربي مجرد مربع يشبه السمكة، ينظر في السمك، ويحمل الأسماك ويذوب في الأمواج، إذ أصبح من الصعب تجريده. ولعل هذا هو ما أدَّى إلى اختيار العنوان الثاني «بائع السمك الملون» ، فهنا تتحوَّل عملية التجريد إلى تغييب كامل، فيصبح العربي مجرد بائع سمك مُلوَّن، وتصبح فلسطين أرضاً بلا شعب. واللوحة متأثرة بفن مودلياني والفن الساذج أو البدائي. وتحليلنا لمضمونها العقائدي العنصري لا ينفي عنها أنها عمل فني جميل، لكن الجمال على كلٍّ ليس له علاقة كبيرة بالأخلاق، فالأعمال العنصرية والإباحية يمكن أن تكون على مستوى عال من الجمال والإبداع الفني. أما العمل الثاني الذي سنختاره للتحليل، فهو للفنان الإسرائيلي جوشوا نيوشتاين، المولود في دانزيج بألمانيا، وهو بعنوان «سلسلة فايمار رقم 2» ، وهو جزء من مجموعة لوحات عن جمهورية فايمار (1919 ـ 1933) في ألمانيا، والتي كان يحكمها نظام ليبرالي، وحقَّق فيها الألمان من اليهود بروزاً كبيراً، واتسم حكمها بالاضطرابات الاجتماعية والتضخم وعدم الاستقرار السياسي والبطالة والتنازلات المستمرة للحلفاء (إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة) الذين حققوا الانتصارات وأذلوا ألمانيا بمعاهدة فرساي. وقد أدَّى كل هذا إلى تحلُّل وسقوط هذا النظام، ثم ظهر هتلر والحكم الشمولي. وموضوع اللوحات هو التحلل والتآكل. وينتمي نيوشتاين إلى حركة فنية تُسمَّى «التجريد المعرفي» ظهرت في الولايات المتحدة، وكانت لها أصداؤها في إسرائيل في أواخر الستينيات. ويشير اسم الحركة إلى نوع من الفن يتعامل مع طبيعة المعرفة والإدراك وكيفية فَهْم وإدراك الحقائق الفيزيقية الأساسية. ويتعين على مشاهد هذه الصورة أن يحاول رؤية عملية ثني الورق وتَشقُّقه ومحاولة إصلاحه، بل وأن يحاول أن يخمن ما تحت الورقة، هذا على الأقل هو رأي الناقد الفني روبرت بنكوس ويتن. كانت كل لوحات نيوشتاين، في البداية، رمادية خالية من اللون. ولكن، مع سلسلة فايمار هذه، لجأ نيوشتاين إلى الألوان الصاخبة وإلى ضربات الفرشاة ليعبر عن إحساسه بالإحباط، فهي محاولة لرسم صورة اللوحات، وهي على هيئة الحطام ذاتها. وكثيراً ما تُستخدَم ألفاظ، مثل: «هشّ» ، و «مُمزَّق» ، و «غير ثابت» ، لوصف أعمال نيوشتاين. ويلجأ أعضاء هذه المدرسة في إسرائيل إلى عمليات تجريبية مادية، مثل تمزيق الورق ومسح الألوان والخربشة. والاختلاف العميق بين عدمية الفنانين الإسرائيليين واتجاه زملائهم الأمريكيين تبيِّن الفرق بين الاهتمامات القومية لكل من الفريقين، فهدم الإسرائيليين للمادة التي يستخدمونها هو تعبير عن وضع الدولة الصهيونية التي تخرج من حرب لتدخل أخرى. وهذه الحركات الفنية داخل المُستوطَن الصهيوني تبدو كما لو كانت تنبع من حركة فنية أمريكية وجدت أصداء لها بين الفنانين الإسرائيليين. وقد يمكن القول بأنهم أضافوا نغمة إسرائيلية خاصة إلى أعمالهم، وأنهم جزء من حركة فنية عالمية هي حركة الحداثة (والتجريد والتجريب) ، وأنهم في هذا لا يختلفون عن معظم فناني العالم في العصر الحديث. الكنيسة والمعبد Ecclesia et Synagoga موضوع أساسي في الفنون الكنسيَّة في العصور الوسطى في الغرب، وشكل متكرِّر متواتر أصبح جزءاً من اللغة الأيقونية. وكان هذا الشكل يمثل الكنيسة المسيحية المنتصرة على هيئة امرأة تنظر منتصرة إلى ما حولها وتحمل صليباً، أما اليهودية أو المعبد اليهودي فكان يُمثَّل على هيئة امرأة تشبه الأولى تماماً إلا أنها معصوبة العينين (رمز عدم إدراك اليهود المغزى الحقيقي للعهد القديم) تحمل عصا مكسورة (رمز الهزيمة) أو أحياناً لوحين كُتبت عليهما الوصايا العشر (رمز العهد القديم) . وكان هذا الشكل الأيقوني يظهر إما بالحفر البارز أو على هيئة تماثيل، ومن أشهر هذه التماثيل ذلك التمثال الموجود في كاتدرائيات ستراسبورج وبامبرج. كما تُوجَد مثل هذه التماثيل في باريس وبوردو. أما في إنجلترا، فتُوجَد تماثيل الكنيسة والمعبد في روتشستر ولنكولن. ومن الطريف أن الفنانين من أعضاء الجماعات اليهودية قد تأثروا بهذه اللغة الأيقونية المسيحية لدرجة أنهم هم أنفسهم كانوا يستخدمون الرموز المسيحية في المخطوطات اليهودية. نجمة داود Magen David; Star of David «نجمة داود» ترجمة لعبارة «ماجن ديفيد» ، وهي عبارة عبرية معناها الحرفي «درع داود» . ونجمة داود عبارة عن شكل مُكوَّن من مثلثين كل منهما متساوي أضلاع، ولهما مركز واحد، وهذان المثلثان رأس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل. ويشكِّل المثلثان المتداخلان نجمة سداسية ذات ستة رؤوس تلمسها جميعاً محيط دائرة افتراضية. ويمكن دراسة تاريخ هذا الشكل على مستويات ثلاثة، أي باعتباره: 1 ـ شكلاً هندسياً زخرفياً. 2 ـ علامة أو شارة دنيوية دالة على اليهود. 3 ـ رمزاً دينياً لليهودية. أولاً: النجمة السداسية بوصفها شكلاً هندسياً زخرفياً: وُجدت النجمة السداسية في النقوش المصرية القديمة والهندوكية والصينية وفي نقوش حضارات أمريكا الجنوبية. وكانت أيضاً رمز خصب كنعانياً. كما وُجدت هذه النجمة على ختم عبراني يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وعلى قبر عبراني في القرن الثالث، وعلى معبد يهودي في الجليل في القرن نفسه، وفي مقابر اليهود بالقرب من روما، وعلى حوائط القدس، وفي أحجبة عربية من القرن التاسع، وفي نصوص سحرية بيزنطية، وفي كتب سحر من العصور الوسطى الغربية، وفي الفلكلور الألماني، وفي آثار فرسان المعبد المسيحيين. ونجمة داود هي أيضاً إحدى شارات الماسونيين الأحرار، وقد وُجدت على مبنى المدينة القديمة في فيينا، وعلى كثير من الكنائس في ألمانيا. كما كانت تُوضَع على الحانات في جنوبي ألمانيا، إذ يُقال إن أتباع فيثاغورث كانوا يستخدمون هذه النجمة السداسية حين يتسولون لينبهوا رفاقهم إلى أنهم وجدوا في هذا المكان أهل سخاء وكرم. ولا يزال الشكل يظهر في زخرفة بعض المباني، وإن كان هذا نادراً الآن، لأن الشكل الهندسي المجرد فَقَد براءته الزخرفية واكتسب مضموناً دنيوياً أو دينياً محدداً. وغني عن القول أن استخدام النجمة السداسية بوصفها شكلاً هندسياً، ليس ذا مضمون يهودي أو غير يهودي. ثانياً: النجمة السداسية بوصفها علامة دنيوية: مما تقدَّم، يمكن القول بأن النجمة السداسية لم تكن رمزاً يهودياً بل كانت شكلاً هندسياً وحسب. وهي حين ظهرت على بعض المباني اليهودية، لم تكن لها دلالة رمزية، وإنما كان الغرض منها أداء وظيفة زخرفية. وفي القرن الرابع عشر، سمح تشارلز الرابع للجماعة اليهودية في براغ بأن يكون لها علمها الخاص، فصُوِّرت علىه النجمة السداسية. ومن ثم أصبحت النجمة رمزاً رسمياً دنيوياً لليهود. واتخذها بعض طابعي الكتب اليهود في براغ علامة لهم وانتشرت منها إلى إيطاليا وهولندا. ويُلاحَظ أن النجمة السداسية كانت، حتى ذلك الوقت، مجرد علامة، لا رمزاً دينياً أو قومياً. وانتشر استخدام هذه العلامة من براغ إلى الجماعات اليهودية الأخرى. واستخدمها أعضاء الجماعة اليهودية في فيينا سنة 1655، وحينما طُردوا منها حملوها إلى مورافيا ووصلت منها إلى أمستردام. ويُلاحَظ أنها لم تنتشر في شرقي أوربا إلا مع بدايات القرن الثامن عشر، ففي هذا التاريخ بدأت النجمة السداسية تتحول إلى شارة لليهود. وفي أوائل القرن التاسع عشر، بدأت تظهر هذه النجمة في أدبيات معاداة اليهود رمزاً دالاً علىهم. وفي عام 1822، تبنت عائلة روتشيلد في النمسا هذه النجمة رمزاً لها، بعد أن رُفع بعض أعضائها إلى مرتبة النبلاء. كما استخدمها هايني، الشاعر الألماني المتنصِّر، للتوقيع على خطاباته. ولم تحمل النجمة بالنسبة إلى كل هؤلاء أية دلالة دينية أو قومية أو إثنية، فليس لها امتدادات في تواريخ الجماعات اليهودية. ومن ثم، يمكن اعتبارها علامة ازدادت ارتباطاً ببعض الجماعات اليهودية في الغرب، وكان اختيار عائلة روتشيلد لها هو الذي منحها مكانة وشرعية. ثالثاً: النجمة السداسية باعتبارها رمزاً دينياً: يبدو أن عبارة «درع داود» لا تُستخدَم للإشارة إلى النجمة السداسية إلا في المصادر اليهودية، إذ تستخدم المصادر غير اليهودية عبارة «خاتم سليمان» . ويبدو أن التسمية الأخيرة من أصل عربي إسلامي حيث كان يُشار إلى النجمة الخماسية (وهي المنافس الأكبر للنجمة السداسية) باعتبارها أيضاً «خاتم سليمان» . ولكن كيف ارتبطت عبارة «درع داود» بالنجمة السداسية؟ يبدو أن النجمة كانت تُذكَر في الكتابات السحرية اليهودية (في الأحجبة والتعاويذ) جنباً إلى جنب مع أسماء الملائكة. وبالتدريج، أُسقطت الأسماء وبقيت النجمة درعاً ضد الشرور. واكتسبت النجمة السداسية هذه الصفة الرمزية كدرع ابتداءً من القرن الثالث عشر. ومع هذا، استمر استخدام عبارتي «درع داود» و «خاتم سليمان» للإشارة إلىها في الفترة ما بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر، كما كانت تُستخدَم عبارة «درع داود» للإشارة إلى شمعدان المينوراه. ولكن، بمرور الوقت، اقتصر استخدام هذه العبارة على الإشارة إلى النجمة السداسية وحدها. وكانت النجمة تُستخدَم في تميمة الباب (ميزوزاه) ، فكانت تُكتَب علىها أسماء سبعة ملائكة، ويصحب اسم كل ملاك النجمة السداسية. وتتحدث القبَّالاه عن العالم العلوي والسفلي المتقابلين. وبهذا يصبح المثلثان (ورأس أحدهما إلى أعلى ورأس الآخر إلى أسفل) رمزاً لهذا التقابل ولحركة الصعود والهبوط، ومعادلاً رمزياً لعلاقة عالم الظاهر بعالم الباطن. وأصبحت النجمة كذلك رمزاً للتجليات النورانية العشرة (سفيروت) حينما تأخذ هيئة شجرة الحياة. وهي ترمز أيضاً إلى ظهور العالم الأصغر الميكروكوزم (أي الإنسان) من العالم الأكبر الماكروكوزم (أي الكون) وزائير أنبين من أبا وأما أي الأب والأم في القبَّالاه. وكانت النجمة ترمز أيضاً إلى ظهور الماشيَّح من صدر إبراهيم. ولذا، كان يشار أحياناً إلى النجمة السداسية باعتبارها درع داود وإبراهيم. وكانت أطرافها الستة، ترمز إلى أيام الأسبوع الستة. أما المركز فهو السبت. وكانت النجمة أيضاً رمزاً مشيحانياً يمثل برج الحوت (21 فبراير ـ 20 مارس) ، وهو الوقت الذي كان يُفترَض أن يظهر فيه الماشيَّح. وأصبح درع داود رمز درع ابن داود، أي الماشيَّح. واستخدمه أتباع شبتاي تسفي وأصبح رمزاً سرياً للخلاص. وكانت النجمة السداسية مرسومة على الحجاب الشهير الذي كتبه يوناثان ايبيشويتس (الذي أثار ضجة بين يهود شرقي أوربا فيما يُسمَّى «المناظرة الشبتانية الكبرى» ) وكُتبَت عليه الأحرف الأولى لعبارة «درع ابن داود» . ولعل اكتساب الرمز لبعض الإيحاءات الدينية كان سبب انتشاره في زخارف المعابد اليهودية، مع بداية القرن السادس عشر، في الوقت نفسه الذي بدأ فيه انتشار القبَّالاه اللوريانية. ولكن النجمة السداسية لم تتحوَّل إلى رمز ديني يهودي إلا بتأثير المسيحية وتقليداً لها. وهذه ظاهرة عامة عند كل من اليهود ومعظم الأقليات: أنهم يكتسبون هويتهم من خلال الحضارة التي يوجدون فيها. وتبنِّي نجمة داود مثل جيد على ذلك. فاليهودية باعتبارها نسقاً دينياً، على الأقل في إحدى طبقاتها الجيولوجية المهمة والرئيسية، معادية للأيقونات وللرموز، تماماً مثل الإسلام. ولكن يهود عصر الإعتاق أخذوا يبحثون عن رمز لليهودية يكون مقابلاً لرمز المسيحية (الصليب) الذي كانوا يجدونه في كل مكان. وحينما بدأت حركة بناء المعابد اليهودية على أسس معمارية حديثة، اتبع المهندسون، الذين كانوا في أغلب الأحيان مسيحيين، ذات الطرز المعمارية المتبعة في بناء الكنائس. ولذا، كان لابد من العثور على رمز ما، ومن هنا كان تبنِّي النجمة السداسية. ثم بدأت تظهر النجمة على الأواني التي تُستخدَم في الاحتفالات الدينية مثل كؤوس عيد الفصح. ولأن النجمة السداسية كانت شائعة في الأحجبة والتعاويذ السحرية، لم يعارض الأرثوذكس استخدام الرمز. ومن ثم، يمكن أن نقول إن انتشار الرمز في القرن التاسع عشر كان دليلاً على أن اليهودية الحاخامية بدأت تَضعُف وتفقد تماسكها الداخلي. ولذا، فإنها كانت تبحث عن رمز حتى يمكنها أن تعيد صياغة نفسها على أسس مسيحية. وهنا ظهرت الصهيونية بوصفها أهم تعبير عن أزمة اليهودية الحاخامية. وحاولت هذه العقيدة السياسية أن تطرح نفسها بديلاً للعقيدة الدينية، فتبنَّت النجمة السداسية رمزاً لها، ذلك الرمز الذي ظهر على العدد الأول من مجلة دي فيلت التي أصدرها هرتزل في 4 يونيه 1897، ثم اختير رمزاً للمؤتمر الصهيوني الأول ولعَلَم المنظمة الصهيونية. والواقع أن اختيار الصهاينة للنجمة السداسية كان اختياراً ذكياً يُعبِّر عن غموض موقف الصهيونية من اليهودية. فالصهيونية ترفض العقيدة اليهودية ولكنها تريد في الوقت نفسه أن تحل محلها وتستولي على جماهيرها. ولإنجاز هذا الهدف، احتفظت الصهيونية بالخطاب الديني والرموز الدينية بعد أن أعطتها مضموناً دنيوياً قومياً. وقد احتفظت الصهيونية بفكرة القداسة الدينية، ولكنها خلعتها على الدولة والشعب وعلى تاريخ الأمة، أي أن ثمة تداخُلاً كاملاً بين الدنيوي والمقدَّس. والنجمة السداسية تتسم أيضاً بهذا التداخل، فهي رمز شائع بين اليهود وعلامة علىهم، أي أنها رمز قومي. ولكن هذا الرمز اكتسب إيحاءات دينية لا ترقى إلى مستوى المضمون الديني المُحدَّد، فهو يحمل قداسة ما ولكنها قداسة مرتبطة بالرمز الدنيوي. وقد يكون غموض مصدر القداسة عيباً من المنظور الديني، ولكنه من منظور صهيوني يشكِّل مصدر قوة، إذ كان الصهاينة يبحثون عن رمز يجسد فكرة قداسة اليهود لا قداسة اليهودية، وهذا ما أنجزته لهم نجمة داود. وتبنَّى النازيون أيضاً نجمة داود رمزاً لليهود. وكان على اليهود ارتداؤها رمزاً للفولك أو الشعب اليهودي العضوي، ولتمييزهم عن الفولك الألماني العضوي. ولهذا، أصبحت النجمة مرتبطة في الوجدان اليهودي بالإبادة. ويري بعض اليهود أن العلامة التي ارتبطت في الأذهان بذُلّ اليهود وإبادتهم لم تَعُد تصلح لأن تكون رمزاً لهم، في حين يرى البعض الآخر أنها (لذلك) أصبحت رمزاً لتاريخ الشعب. ومهما كان الأمر، فإن الدولة الصهيونية اتخذت شمعدان المينوراه شعاراً لها، ولم تَعُد النجمة تظهر إلا على العَلَم. ويستخدم الإسرائيليون نجمة داود حمراء مقابلاً للصليب الأحمر، أو الهلال الأحمر، وتُسمَّى هذه النجمة بالعبرية «ماجن ديفيد أدوم» . وترفض منظمة الصليب الأحمر الدولي الاعتراف بالنجمة السداسية الحمراء رمزاً، ولذا فإنها لم تقبل إسرائيل عضواً في المنظمة الدولية، إذ أن إسرائيل تجعل انضمامها مشروطاً بذلك. المدرسة اليهودية Ecole Juive مصطلح «المدرسة اليهودية» (بالفرنسية: إيكول جويف Ecole Juive) يُستخدَم للإشارة إلى مجموعة من الفنانين اليهود المهاجرين إلى باريس في أوائل القرن من أهمهم مارك شاجال، وجاك ليبشيتس، وأماديو موديلياني، وحاييم سوتين، ولحق بهم جيل آخر في العشرينيات والثلاثينيات. ومعظم هؤلاء الفنانين جاءوا من روسيا وشرق أوربا، وتجمَّعوا في مساكن رخيصة (استوديوهات) في باريس في حي لاروش واتبعوا أسلوب الحياة نفسه، وكان نفس النقاد يتابعون أعمالهم، وكانت لغة الحوار بينهم هي اليديشية والروسية. ورغم استخدام مصطلح «المدرسة اليهودية» ، إلا أن أعمال هؤلاء الرسامين ليست ذات مضمون يهودي واضح. ومع هذا، حاول عدد منهم أن يؤسسوا فناً يهودياً فكوَّنوا عام 1912 مدرسة باسم «ماكماديم» . وقد عبَّر شاجال عن احتقاره لهذه المحاولة التي فشلت بطبيعة الحال. موريتز أوبنهايم (1800 – 1882 ( Moritz Oppenheim رسَّام ألماني يهودي، يُعَدُّ أول فنان يهودي في العصر الحديث. يُسمَّى «روتشيلد الفنانين وفنان آل روتشيلد» لأنه حقَّق ثراءً كبيراً في حياته، ورسم صوراً لآل روتشيلد. وُلد بالقرب من مدينة فرانكفورت. تلقَّى تعليماً دينياً وعلمانياً، ثم التحق بأكاديمية الفنون في ميونخ حيث تدرَّب على فن الطباعة على الحجر (ليثوجرافي) وكان لا يزال فناً وليداً، ثم ذهب بعد ذلك إلى باريس وتدرب على يد أحد الفنانين الفرنسيين ثم قضى أربعة أعوام في روما. ورغم أنه ظل يهودياً أرثوذكسياً إلا أنه ارتبط بجماعة من الفنانين تُسمَّى «الناصريين» نسبة إلى مدينة الناصرة التي وُلد فيها المسيح. وتخصَّص أعضاء هذه المدرسة في رسم صور من العهد الجديد تتسم بالبساطة والسذاجة المتعمدة والمثالية المفرطة. حصل أوبنهايم عام 1823 على جائزة عن لوحة رسمها بعنوان «المسيح والمرأة السامرية عند البئر» . رسم أوبنهايم صوراً للأباطرة الألمان (بتكليف من مدينة فرانكفورت) وللشخصيات التاريخية والأدبية الألمانية وبعض مشاهير أعضاء الجماعة اليهودية في ألمانيا مثل هايني وجابربيل رايسر. ومن أشهر لوحات أوبنهايم سلسلة اللوحات المعنونة «صور من الحياة اليهودية التقليدية» وهي تصوير لمشاهد الحياة اليومية لأعضاء الجماعة اليهودية، وحققت نجاحاً كبيراً واقتناها كثير من أعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا (وهو ما يبيِّن تصاعُد معدلات التحديث والعلمنة بينهم، والذي أدَّى إلى تحول الحياة التقليدية إلى مجرد صورة جميلة يحيطها إطار وتُعلَّق على الحائط لإشباع الحنين إلى الماضي وللزينة) . وتبيِّن الصور بدقة بالغة دورة الحياة اليهودية وأعياد اليهود وشعائرهم بطريقة رومانسية حزينة باعتبار أنها نمط من أنماط الحياة آخذ في الاختفاء. وأشهر لوحات أوبنهايم لوحة «عودة المتطوع اليهودي من حروب التحرير إلى أسرته التي لا تزال تعيش حسب التقاليد القديمة» . ورسم أوبنهايم مجموعة من اللوحات الخيالية عن اللقاء بين بعض الشخصيات اليهودية والمسيحية (مندلسون ولافاتر ومندلسون وفريدريك الأعظم (. ولا يمكن الحديث عن أوبنهايم كفنان يهودي، فمصطلحه الفني ألماني وموضوعات فنه ألمانية. بل إنه، حينما نظر إلى الموضوع اليهودي، نظر إليه من الخارج من خلال عيون ألمانية. كاميل بيسارو (1830 – 1903 ( Camille Pissaro فنان فرنسي وأحد مؤسسي المدرسة الانطباعية أو التأثيرية، وهو أول فنان حديث عظيم من أصل يهودي. وُلد لأسرة سفاردية (من أصل ماراني) هاجرت من بوردو إلى جزيرة سانت توماس (التي كانت تابعة آنذاك للدنمارك) . تلقَّى تعليمه في إحدى الكنائس في الجزيرة. ثم انتقل إلى فرنسا لإكمال تعليمه ثم عاد عام 1847 إلى سانت توماس ليدير أعمال الأسرة التجارية، ولكنه قرَّر العودة إلى باريس عام 1855 ليكرس حياته للفن، وهناك تعرَّف إلى مونيه وسيزان، وقابل بازيل ورينوار وسيسلي. تزوج من جولي فيلاي، وهي فتاة صغيرة كاثوليكية كانت تعمل في المطبخ عند أسرته وظلت زوجته الوفية عبر حياتهما معاً وأنجب منها أطفاله الثمانية. كان بيسارو ملحداً ويؤمن بالفكر الفوضوي، وكان كوزمبولتانياً، يرى أنه مواطن عالمي ليست له أية جذور دينية أو عرْقية أو قومية. وهو لم يَختنْ أطفاله أو يعمِّدهم، ولم يرسم لوحة واحدة ذات مضمون يهودي. انتقل بيسارو عام 1869 إلى مدينة لوفيسين وكان مونيه ورينوار يعيشان بالقرب منه، وكان جميعهم قد بدأوا تجاربهم في الرسم في الخلاء وبلورة أفكارهم التي أصبحت الأساس النظري للمدرسة الانطباعية. ومع اندلاع الحرب الفرنسية البروسية، اضطر بيسارو إلى أن يرحل هو وأسرته إلى إنجلترا، وعند عودته عام 1871 وجد أن كل أعماله الفنية التي رسمها عبر الخمسة عشر عاماً السابقة دُمِّرت أو سُرقت، ولكن هذا لم يَفُت في عضده. انتقل عام 1872 إلى بونتواز واستقر هناك حيث رسم كثيراً من لوحاته والتي بلور من خلالها لغته الخاصة والتي تُعبِّر في الوقت نفسه عن الأفكار الأساسية للمدرسة الانطباعية ولغتها الفنية. ويمكن القول بأن الانطباعية هي الحقيقة الأساسية في حياة بيسارو الفنية والشخصية، ولذا يكون التعريف بها هو التعريف بفكره ولغته الفنية. والمدرسة الانطباعية تُعبِّر عن استجابة عدد من الفنانين الفرنسيين للحقائق السياسية والاقتصادية والاتجاهات الفلسفية والعلمية في عصرهم. ثار مؤسسو هذه المدرسة على التقاليد الأكاديمية والاتجاهات الواقعية والرومانسية، وحاولوا أن يُدخلوا على الفن دقة العلوم الطبيعية ومناهجها (تمركز حول الموضوع) ، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يؤمنون بأن الواقع متغيِّر وأنه لا يبقى منه إلا ما ينطبع على مخيلة المدرك (تمركز حول الذات) . وفنهم هو مزيج من هذين القطبين المتنافرين. حاول أتباع هذه المدرسة أن ينقلوا إلى لوحاتهم الجوانب المتغيِّرة للواقع المرئي بسرعة خاطفة كما تنعكس على وجدان الرسام في لحظة محدَّدة من خلال مواجهة مباشرة مع الطبيعة وتفاعُل إيجابي معها دون أية حواجز أو وسائط. ولذا، هجروا المراسم ليسجلوا انطباعاتهم المرئية المتغيِّرة في الخلاء لإبراز أثر الضوء على الألوان وتسجيله مباشرة وبسرعة حتى لا يتأثر الانطباع المباشر بتحركات الضوء المستمرة. ورسموا لوحاتهم بضربات الريشة اللونية السريعة وقاموا بتجارب مع الظلال الملونة وانعكاسات الضوء. وكان موضوع لوحاتهم هو الطبيعة ومناظر الحياة اليومية التي صوروها بطريقة غير رومانسية وغير عاطفية. ولكن الموضوع الأثير لديهم كان ما يمكن تسميته بالنقطة الحدودية، حيث تلتقي القرية بالمدينة واليابس بالماء والسماء بالأرض، وحيث ينعكس الضوء على الماء وتذوب أعمدة الكنائس في الأشجار والبشر في المناظر الطبيعية المحيطة بهم (ويُقال إن الرسوم اليابانية التي اكتشفها الأوربيون في ذلك الوقت كان لها تأثير عميق فيهم (. ومن رواد هذه المدرسة مانيه ومونيه وسيزلي، وشارك فيها رينوار وديجا. وكان بيسارو أحد مؤسسيها، وكتب الميثاق القانوني للجماعة، كما كان العضو المؤسس الوحيد الذي قدَّم أعمالاً للمعارض الثمانية التي أقامها الانطباعيون بين 1874 و1886. وفن بيسارو ينتمي إلى هذا التيار الانطباعي، فكان يستوعب الطبيعة داخله، ثم يعيد إنتاجها حسب إحساسه ومعرفته الخاصة بها وملاحظته «الموضوعية» لها. فكان يحاول أن يرصد تقلبات الجو وتحولات الضوء بكل دقة، فيرسم المنظر الواحد في لحظات مختلفة ومن زوايا رؤية مختلفة. لكل هذا، كان بيسارو يفضل رسم الطرق الملتوية منظورياً، وتلك التي تنحو جانباً، وكانت لوحاته تركِّز على العناصر البنائية والمعمارية للفضاء وتؤلِّف الظلال والأضواء المتعرجة وتجعل العين تُركِّز على وسط المسافة. وقد ركَّز على انسياب الضوء وانكسار أشعته على الماء المترقرق. وتبيِّن لوحاته رغبة حقيقية وعميقة في البحث عن النظام في الكون، وإحساساً أكثر عمقاً بحركيته وتنوع سطحه، ولذا نجده في معظم الأحيان يحاول أن يوجد توازناً بين المعمار والطبيعة، وأحياناً أخرى كان يمزج العناصر الحضرية والصناعية الحديثة بالعناصر الطبيعية، وكثيراً ما تظهر في خلفية المنظر الطبيعي مدينة صناعية. يظهر هذا في أعماله في فترة بونتوييز حيث يُبيِّن مدى تغلغل العنصر الصناعي في العصر الطبيعي، فدخان المصانع المتماوج يمتزج بالسحب، ومداخن المصنع تتوارى مع الأشجار العالية. في عام 1885، قابل بيسارو بول سينياك الذي قدَّمه إلى جورج سيورا الذي كانت لوحته الشهيرة " عصر يوم الأحد في جزيرة جراند جات "، التي وضح فيها طريقته الجديدة في الرسم من خلال النقط الملونة، تُعَدُّ أساساً لما كان يُعرَف بالمدرسة التنقيطية (وهي أساساً تنويع على المدرسة الانطباعية) . والتنقيطية هي أسلوب فني في استخدام نقط لونية صافية نقية بجوار بعضها البعض تكوِّن نسيج الصورة، فيكون ثمة امتزاج وهمي بين الألوان داخل عين الرائي، فكأن اللوحة في ذاتها ليست موجودة في الواقع ولا في عين الرائي وإنما يتم توليدها من خلال علاقة الرائي بالمرئي. والمدرسة التنقيطية هي امتداد للمدرسة الانطباعية، ولكنها أكثر حدةً وتطرُّفاً، ولذا نجد أن أعضاء المدرسة التنقيطية يبتعدون عن التلوين العابر والتكوين الفني الذي يسم المدرسة الانطباعية ويلجأون إلى المكونات الشكلية الصارخة، ولذا تُسمَّى هذه المدرسة أيضاً بالانطباعية الجديدة. وتبنَّى بيسارو هذا المنهج بعض الوقت بحماس بالغ باعتباره أكثر «علمية» ، بل توقفت علاقته بعض الوقت مع أصدقائه الانطباعيين بين 1886 و1889 وتعمقت علاقته مع الانطباعيين الجدد. ولكنه سَئم هذه الجماعة بعد فترة. ومع موت سيورا، انتهت المرحلة التنقيطية وعاد مرة أخرى إلى الرسم في الخلاء. ولكن أسلوبه، مع هذا، تأثَّر بشكل دائم بمنهجهم في الرسم، بما في ذلك استخدام مجموعات من الألوان الصارخة، كما أن إحساسه بأهمية واستقلالية كل نقطة لون كان عالياً. رسم بيسارو في الثمانينيات لوحات بها أشخاص، ولكنه فعل ذلك بطريقة جديدة. فالفلاحون في هذه اللوحات مُستوعَبون تماماً في أنفسهم ولا يحاولون أن يقصوا قصته. كما رسم بيسارو صوراً شخصية (بورتريهات) لأعضاء أسرته (زوجته وأمه) . وفي عام 1894، أُصيب بيسارو بمرض في عينيه منعه من الرسم في الخلاء، ولكنه استفاد من مرضه هذا فكان يجلس في غرفة وينظر من النافذة إلى مناظر المدينة الحية وشوارعها فرسم الميناء والكباري والكاتدرائيات ومعمار المدينة، وكان يرسم المنظر الواحد عدة مرات في أوقات مختلفة (تماماً مثل مونيه في سلسلة لوحات «أكوام القش» التي رسمها في الفترة نفسها) . وكان بيسارو يغيِّر محل إقامته حينما يشعر أنه استنفد المنظر الذي أمامه، وفي هذه الفترة (التي امتدت حتى نهاية حياته) رسم ما يزيد على 355 لوحة. ويعتبر بيسارو من مؤسسي فن الليثوجراف. ويرى بعض النقاد أن أعمال بيسارو تتسم بعدم الاتساق في المستوى، فقد كان مضطراً لإنتاج الكثير من الأعمال حتى ينفق على أسرته الكبيرة المُكوَّنة من ثمانية أشخاص. وقال زولا عن بيسارو: «هذا الفنان يهتم بالحقيقة فقط، وحين يقف في إحدى زوايا الطبيعة، ينقل الآفاق بأوسع ما فيها من جهامة دون محاولة إضفاء أي شيء من تحويراته. لم يكن شاعراً أو فيلسوفاً، بل فناناً طبيعياً وحسب ينقل المشاهد الطبيعية.. تمتَّع أنت بحلمك إن شئت، أما هو فإنه يُريك ما يراه مباشرةً.. هذه الواقعية أرفع شأناً من الحلم» . وعبارة زولا هذه تُبيِّن هذا التأرجح الحاد بين الذات والموضوع الذي يسم الفلسفة الغربية والنظرية الجمالية الغربية في القرن التاسع عشر. ومن الواضح أن بيسارو ثمرة خلفيته الفكرية والفنية التي استقى منها أفكاره ولغته الفنية وقد ساهم في تطوير هذه الأفكار واللغة، فلم يكن متلقياً، وإنما كان فناناً ومفكراً عميقاً يستقي عظمته وعُمقه من المنظومة الفكرية واللغة الفنية السائدة في عصره. فتأثَّر بالفكر الفوضوي وبالأفكار العلمية عن السببية ونظريات الضوء واختراع الصور الفوتوغرافية، واستوعب الثورة الصناعية وآثارها العميقة في الإنسان والبيئة، وتأثَّر بالرسامين الإنجليز كونستابل وترنر، وبالفرنسيين كورو وكوربيه ومانيه ومونيه وسيرا. وأثَّر بدوره في سيزان (الذي كان يُعتبَر في منزلة أب له) وجوجان وفان جوخ. وهذا يفضي بنا إلى أن نطرح سؤالاً بشأن يهودية بيسارو. فاسمه يظهر في جميع الموسوعات اليهودية باعتباره فناناً يهودياً. وقد أشرنا من قبل إلى إلحاده وعدم تناوله موضوعاً يهودياً واحداً في لوحاته. ورغم كل هذا يبحث دليل بلاكويل للثقافة اليهودية وغيرها من الموسوعات عن عناصر تبرِّر تصنيفه باعتباره يهودياً. 1 ـ فدليل بلاكويل ـ على سبيل المثال ـ يرى أن هناك خصوصية يهودية لبيسارو، ولكنها تظهر «بطريقة أكثر اتساعاً وأقل طائفية» . ثم يستمر الدليل ليشير إلى بعض مظاهر هذه اليهودية المتسعة غير الطائفية، فيرى أن تبنِّي بيسارو المُثُل العليا اليسارية ومواقفه الإنسانية العميقة والتي تُعبِّر عن نفسها بشكل فني في الصور التي رسمها للريف، هي من بين هذه المظاهر. 2 ـ ثم يشير الدليل بعد ذلك إلى ما يسميه «الجدية الأخلاقية التي نظر بها بيسارو للمشروع الانطباعي في محاولته أن يجعل حياة الناس العاديين موضوعاً مناسباً للفن» . ويؤكِّد الدليل أن العنصرين السابقين إن هما إلا تعبير عن يهودية بيسارو. وغني عن القول أن هذا أمر متهافت تماماً، إذ يصعب على المرء أن يرى أي ترادف موضوعي بين «اليهودية» و «الإنسانية العميقة» و «المُثُل العليا اليسارية» ، أو بين «اليهودية» وبعض أهداف المدرسة الانطباعية. 3 - ثم يأتي الدليل بعنصر آخر يؤكد يهودية بيسارو. وهذا العنصر أكثر تهافتاً وكوميدية من سابقيه، إذ يشير الدليل إلى أن ملامح بيسارو كانت يهودية، ولذا كان معاصروه يقولون حينما يرونه: «ها هو موسى قد جاء يحمل لوحي الشريعة» ، ولا ندري ما هذه الملامح اليهودية؟ وحتى لو كانت مثل هذه الملامح موجودة بالفعل، وحتى لو كان بيسارو ذا ملامح يهودية تجعله شبيهاً بموسى!! فهل هذا يجعل منه فناناً يهودياً؟! 4 ـ أما العنصر الرابع الذي يشير إلى يهودية بيسارو فهو أن الهجوم على أعماله الفنية، لم يكن ينطلق في واقع الأمر من الاعتبارات الفنية وإنما من العداء لليهود. ولم يُبيِّن لنا الدليل كيف أن عداء النقاد التقليديين لأعمال مانيه أو مونيه (التي استُقبلت استقبالاً عاصفاً غير حافل) عداءٌ فنيّ في حين أن عداءهم لأعمال بيسارو عداء عنصري! 5 ـ تذكر إحدى الموسوعات أن بيسارو كان مؤمناً ببراءة دريفوس، وأنه كتب لإميل زولا يؤيده في موقفه. وقد سبَّب هذا جفاءً بينه وبين ديجا ورينوار، فكأن هناك فنانين يهوداً مؤيدين لدريفوس وفنانين أغياراً معادين لليهود. وهذا تقسيم غير حقيقي بالمرة، فزولا لم يكن يهودياً، ولكنه كان مع ذلك أكثر رجالات الفن والأدب تأييداً لدريفوس، وقد كتب مقالاته الشهيرة إني أتهم دفاعاً عنه. كما أن معظم أبطال قصة دريفوس المدافعين عنه كانوا من غير اليهود. 6 ـ ذكرت دراسة صدرت عن المتحف اليهودي في نيويورك أن يهودية بيسارو تتضح في إستراتيجيته في فصل الدين عن الخلفيات الدينية والثقافية، وهي إستراتيجية تبنَّاها كثير من الفنانين اليهود تُعبِّر عن رغبتهم في الوصول إلى الأممية الحقة. ولكن هل هذه النزعة الأممية الكوزموبوليتانية كانت أمراً مقصوراً على اليهود أم أنه كان أمراً كامناً في مفهوم الإنسان الطبيعي وفي فكر حركة الاستنارة على وجه العموم؟ ولعل أعضاء الجماعات اليهودية أكثر تطرفاً في أمميتهم، ولكنهم لا يختلفون في هذا كثيراً عن أعضاء الأقليات الأخرى. ومع ذلك، فإن أممية بيسارو لم تكن متطرفة بأية حال. 7 ـ يمكن الإشارة إلى أن المدرسة الانطباعية، بتركيزها على النقط الحدودية المتوترة، وحيث ينفرج التوتر (التقاء الماء باليابس والسماء بالأرض والمدينة بالريف والمداخن بالأشجار والدخان بالسحاب) ، تشبه إلى حدٍّ ما وضع اليهودي في المجتمع الغربي باعتباره عضو الجماعة الوظيفية. ولكن تهميش الإنسان وتوظيفه أصبح سمة أساسية في المجتمع الحديث ولم تعد مقصورة على اليهود (بعد تهويد المجتمع) . ومهما يكن الأمر، فإن التركيز على النقط الحدودية جزء من لغة المدرسة الانطباعية ككل وليس مقصوراً على بيسارو اليهودي. ولكل هذا، فإن الحديث عن بيسارو باعتباره فناناً يهودياً ليس ذا قيمة تفسيرية تُذكَر. جيكوب إبشتاين (1880-1959 ( Jacob Epestien نحَّات بريطاني يهودي من أهم النحاتين في القرن العشرين. وُلد في نيويورك في الحي الشرقي (إيست سايد) . بدأ حياته الفنية حين طلب منه المؤلف (غير اليهودي) هتشينس هابجود أن يرسم صوراً لكتاب كان يُعدُّه عن الحي الشرقي يُسمَّى روح الجيتو، وكانت اللوحات التي أعدها إبشتاين على مستوى رفيع. ونجح في الاستمرار في دراسته (في باريس) من عائد هذا الكتاب، ومنها ذهب إلى لندن عام 1905 حيث استقر فيها بقية حياته، وأصبح من طلائع الحداثيين في عالم الرسم، كما أصبح عضواً في جماعة الدوامة (بالإنجليزية: فورتيسيتس Vorticists) بحماسها النيتشوي الفائق لحركيات عالم الآلة. تأثر إبشتاين أيضاً بالنحت القديم وفنون ما قبل التاريخ والنحت الإفريقي والبولونيزي وفنون الأمريكتين قبل وصول كولومبوس. وكما أن جذوره الفنية متنوعة، نجد أن مصطلحه الفني أيضاً متميِّز ومرَّ بعدة مراحل، ففي بداية حياته الفنية أعد إبشتاين نحتاً بارزاً بعنوان «مولد الطاقة» لتزيين واجهة رابطة الطب في بريطانيا، واستخدم فيه أسلوباً طبيعياً كلاسيكياً مباشراً. وكان النحت يتضمن شخصيات عارية تم إبراز أعضائها الجنسية بشكل واضح الأمر الذي سبَّب احتجاج الكثيرين. وفي عام 1913، أعد إبشتاين تمثالاً تجريدياً يُسمَّى «الحفر في الصخر» وهو تمثال يمجِّد قوة الآلة. وبعد تجربتين أخريين (فينوس Iوفينوس II) ترك إبشتاين التجريد لأنه (على حد قوله) لا فائدة منه في حد ذاته، ولكنه مع هذا يساعد الفنان على أن يعمِّق إحساسه بالشكل ويطوِّره. أما مقبرة أوسكار وايلد في باريس فكانت مختلفة تماماً، فهي شكل مركب له وجه إنسان وأجنحة تجعله يشبه الثيران المجنحة في النحت الآشوري، وقد تُوِّج وجهه بتاج يحمل الخطايا السبع المميتة. وبعد الحرب العالمية الأولى، تبنَّى إبشتاين الأسلوب التعبيري الأمر الذي أثار مرة أخرى ضيق الناس بسبب تشويهه لكثير من الأشكال وتناوله لكثير من الموضوعات الدينية والمقدسة بطريقة كانوا يرون أنها فظَّة وبدائية. وكان هو يرى أن هذه هي الطريقة المُثلى للتعبير عن القوى الكونية، فتمثال «التكوين» (1931) هو صورة امرأة عارية بدائية حامل، فهي ليست فينوس اليونانية ولا ملكة من ملكات الفراعنة، فبطنها ممتلئة وشفتاها غليظتان ووجهها مستطيل يشبه الأقنعة الإفريقية وعيونها متجهة نحو اللاشيء، وأعضاء التأنيث، رغم محاولة تجريدها، واضحة، وفخذاها كتلتان سميكتان. أما تمثال «آدم» فهو كتلة متماسكة رأسها غير واضح محني إلى الخلف واليدان مرفوعتان إلى أعلى ويشكلان جزءاً من الصدر والقدمان غليظتان والأعضاء التناسلية مرة أخرى واضحة. هذا هو الإنسان الكوني، الآدم قدمون. أما «جيكوب والملاك» (1940 ـ 1941) فتُذكِّرنا بموضوع صراع هرقل مع أنتايوس أو صراع بروميثوس مع النسر. وهكذا تتحوَّل الرموز الدينية اليهودية في يدي إبشتاين إلى رموز وثنية من خلال لغة التأيقن الحلولي (ولم يكن تناول إبشتاين للموضوعات المسيحية يختلف كثيراً عن تناوله لموضوعات العهد القديم) . وقد كرَّس إبشتاين طاقته الفنية بعض الوقت لرسم صُوَر لشخصيات على هيئة نحت بارز لتماثيل نصفية تُصَب في البرونز (وهو يُعَدُّ من أهم الفنانين في هذا المضمار) . ومن أهم خصائص هذه الصور/التماثيل البرونزية أن سطحها خشن ليوحي بالقالب الفخاري الذي صُبَّ فيه البرونز. ورغم أن هذه الصور الشخصية البرونزية لم تكن تتسم بالحيوية نفسها التي تتسم بها تماثيله الأولى، إلا أنها تبيِّن مقدرة إبشتاين على الغوص في ثنايا النفس البشرية والإحساس بها والتعبير عنها، من خلال قَدْر من المبالغة المقبولة مع تجاهل نسبي للملامح الجسمانية المباشرة. وهو بذلك يتبع تقاليد الصورة الشخصية في عصر النهضة في الغرب، حيث يقوم الفنان بتصوير الشخصية لا الوجه. وقد رسم صوراً من هذا النوع لبرناردشو وجوزيف كونراد وأينشتاين. وفي نهاية حياته، تلقَّى إبشتاين عدداً من التكليفات المهمة من الكنائس المسيحية، ومن أهم أعماله تمثال «أليعازر» ويوجد في كنيسة نيوكوليدج في أكسفورد (1947) و «العذراء والطفل» (1953) في ميدان كافندش في لندن، و «المسيح في جلاله» (1957) في كاتدرائية لانداف، و «القديس ميخائيل والشيطان» (1959) في كاتدرائية كوفنتري. ويُعلِّق دليل بلاكويل للثقافة اليهودية على هذا بقوله: «لا شك أنه لو قُدِّر للمعابد اليهودية أن تستفيد من موهبته، لكان هذا من أكبر مصادر غبطته» وهي جملة تهدف إلى اختلاق بُعد يهودي حيث لا يوجد مثل هذا البُعد. ولكن هذا البُعد ليس سوى تعبير عن أمل أو رغبة، لا علاقة له بمصادر إبشتاين الفنية ولا إمكانياته ولا الطريقة التي تحققت بها هذه الإمكانيات، ولا حتى تأثيره في غيره من الفنانين (ترك إبشتاين أثراً عميقاً في إريك جيل وهنري مور) ، فإبشتاين لم يكن يهودياً متديناً أو إثنياً مع أن تجربته في الحي الشرقي تركت أثراً عميقاً فيه. وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، تقبَّل المجتمع البريطاني إبشتاين ومُنح لقب «سير» . أماديو موديلياني (1884-1920) Amadeo Modigliani رسَّام ونحَّات إيطالي يهودي، وشقيق فيتوريو موديلياني الزعيم الاشتراكي الإيطالي. وُلد لأسرة يهودية سفاردية، وكان عليلاً منذ طفولته. درس الفن في فلورنسة والبندقية قبل أن يستقر في باريس عام 1906 حيث انضم لرواد الحداثة. قام جاك لبشيتس بتقديم حاييم سوتن له وأصبحا صديقين حميمين. وكانت حياته الشخصية عاصفة، إذ أدمن الكحوليات والمخدرات وكان وضعه المالي غير مستقر بشكل دائم، وأصيب في نهاية الأمر بالسل ومات في إحدى المستشفيات الخيرية (وانتحرت عشيقته التي كان يعيش معها في اليوم التالي) . يقف فن موديلياني على الطرف النقيض من حياته، فقد كان فناً خصباً (20 تمثالاً ـ 500 لوحة ـ آلاف اللوحات بالألوان المائية) ، يتسم بالحسيَّة يسري فيها حزن هادئ وقَدْر من الصفاء. ويتضح هذا أكثر ما يتضح في صور الأشخاص (البورتريهات) التي رسمها. وفي البورتريه النماذجي عند موديلياني، يظهر رأس الشخص أمام خلفية غير محدَّدة، مائلاً قليلاً وفي حالة إعياء كامل وعزلة عما حوله وإحساس بالغربة، وأيدي الشخصيات، إن ظهرت، تكون متدلية منهكة. أما العيون، فهي عيون شاخصة لا ترى شيئاً وتُعبِّر عن فتور الهمة. وتتسم صور النساء عنده بأنها تشبه النبات الطويل الرأسي، والرقبة طويلة أسطوانية تربط الرأس بالجسد الذي يتسم بأكتاف عريضة. ورغم تحرُّك موديلياني في أوساط رواد الحداثة الفنية، إلا أنه لم يتأثر بها كثيراً، وإن كان قد تأثَّر بمدرسة ما بعد الانطباعية (سيزان ـ جوجان ـ تولوز لوتراك) . كما تأثَّر بفن عصر النهضة في الغرب، بخاصة البساطة الكلاسيكية للشكل. ومن المصادر الأخرى لفن موديلياني الفنون غير الغربية مثل النحت الإفريقي. ويظهر هذا في الوجوه المستطيلة لدى بعض نسائه التي تشبه الأقنعة البولينيزية أو الإفريقية. ولكن بعض النقاد يرون أن مثل هذه التشوهات مشتقة من التماثيل القوطية في العصور الوسطى المسيحية. ولا يوجد أي أثر ليهودية موديلياني في فنه مع أنه كان دائماً معتزاً بإثنيته. وقد حاول بعض النقاد تفسير إحساسه العميق والمأساوي بالغربة على أساس يهوديته. ولكن هذا الإحساس بالغربة هو سمة عامة في الفن الحداثي ولا يوجد فارق في ذلك بين الفنانين اليهود والفنانين غير اليهود. ومصادر لغته الفنية إما مسيحية أو إفريقية أو بولينيزية. مارك شاجال (1887-1985) Marc Chagall رسَّام روسي فرنسي، وُلد لأسرة حسيدية تقية (عائلة سيجال، ولكن شاجال غيَّر اسمه أو غيَّر طريقة نُطقه) في قرية فايتبسك في روسيا داخل منطقة الاستيطان، وهي القرية التي خلَّدها في أعماله والتي تشكِّل خلفية معظم هذه الأعمال. درس في عدة مدارس فنية في روسيا القيصرية، من بينها المدرسة الإمبراطورية لحماية الفنون ومدرسة سفانسيفا. ويُلاحَظ أن قراره بتعلُّم الرسم كان يُعَدُّ تحدياً صارماً للتقاليد الدينية اليهودية آنذاك. انتقل إلى باريس عام 1910 حيث درس في عدة مدارس للفنون بشكل متقطِّع، ثم انتقل إلى لاروش. وبدأت تتحدَّد، في هذه المرحلة، ملامح فنه، إذ بدأت تظهر الألوان الفاقعة (متأثراً بالمدرسة الوحشية وجوجان) والمساحات الهندسية (متأثراً بالمدرسة التكعيبية) ، لكن تكعيبيته لم تكن من النوع الهندسي الصارم، إذ أن المضمون يظل واضحاً والألوان تحتفظ بحيويتها على عكس التكعيبيين الذين ترجموا كل شيء إلى مكعبات وأشكال هندسية، بما في ذلك الأشكال منحنية الأضلاع، مع الابتعاد عن الألوان الطبيعية. كما بدأت تظهر موضوعات الطفولة، وعالم الأحلام المبهم والأشخاص الذين يطيرون في الهواء والرموز والوجوه والأجساد المقلوبة، وعالم الأساطير الذي يتحدَّى المنطق العملي المادي. كما تحدَّدت النغمة الأساسية لأعماله، وهي نغمة طفولية فلاحية تحاول أن تَنقُل عالم الباطن والأحلام وكأنه العالم الحقيقي الوحيد. وفي عام 1914، سافر شاجال إلى برلين لأول معرض منفرد له، ومن هناك سافر إلى قريته فايتبسك حيث اضطر إلى البقاء فيها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى. وفي عام 1915، تزوج من بيلا روزنولد التي ظلت مصدر وحي له في فنه. وعُيِّن شاجال قوميساراً للفنون في فايتبسك عام 1918. ولكن سرعان ما نشبت الخلافات بينه وبين الثورة، فانتقل هو وزوجته وابنته إلى موسكو عام 1920 حيث رسم عدة جداريات لمسارح الدولة التي تقدِّم مسرحيات يديشية، كما رسم جدارياته المشهورة لمسرحيات جوجول وتشيكوف. ترك شاجال الاتحاد السوفيتي عام 1922، واستقر في باريس حيث انضم إلى جماعة الفنانين الروس اليهود المهاجرين فيما يُسمَّى «مدرسة باريس» أو «المدرسة اليهودية» ، وكانت أعماله، في الفترة التي قضاها في روسيا، ذات طابع غنائي رقيق، وحسِّية إلى حدٍّ ما، ولكن أعماله بدأت في الثلاثينيات تأخذ شكلاً أكثر ظلمة بسبب الأحداث في أوربا، وقد استقر في الولايات المتحدة في الفترة من عام 1941 حتى عام 1948، ثم عاد واستقر في فرنسا، وعادت أعماله للغنائية القديمة. وبعد هذا التاريخ اتسع نطاق الموضوعات التي يتناولها والمواد والخامات التي يستخدمها، فرسم بألوان الماء والجواش والزيت والطباعة وأقام بعض التماثيل واستخدم السيراميك. ونفَّذ العديد من الأعمال بمعاونة الحرفيين، غير أن طفولته ظلت المصدر الأساسي لأعماله. وعلاقة شاجال باليهودية مُركَّبة إلى أقصى حد، فهو لم ينكر قط أهمية خلفيته اليديشية، ولكنه صرَّح أكثر من مرة بأنه ليس فناناً يهودياً، وإنما فنان يرسم لكل البشر. ولذا، فقد عارض شاجال محاولة بعض الفنانين اليهود المهاجرين (من روسيا إلى باريس) تأسيس مدرسة فنية يهودية. وعادةً ما كانت تصريحاته هذه تُقابَل باستهجان شديد من النقاد الفنيين اليهود. ولحسم القضية، يمكن العودة لأعمال شاجال ذاتها. فالمؤثرات الفنية في رسمه غربية، ولا يمكن فهمها إلا في إطار التطورات الفنية في العالم الغربي. بل نجد أنه، حتى على مستوى الموضوعات، يستخدم موضوعات وصوراً مسيحية، خصوصاً واقعة الصلب. ولعله، في هذا، تأثَّر بعمق بالمسيحية الأرثوذكسية التي تؤكد واقعة الصلب على حساب واقعة القيام، كما أنه يستخدم الصور المسيحية للتعبير عن الموضوعات اليهودية. فالمسيح المصلوب يصبح هو اليهودي المعذَّب. ولعل هذا يلقي ضوءاً على طريقة تناوله ليهوديته أو للموضوع اليهودي، فهو تناول لا يستبعد الأغيار، ولا يَسقُط في ثنائيات التفكير الحلولي الحادة، بل هو تناول يحوِّل اليهودي إلى نموذج إنساني يستطيع أي فرد أن يتعاطف معه لا أن يقف ضده. ولوحاته عن الزواج والحب تعبِّر عن احتفائه الشديد بهذه المواضيع الإنسانية. وقد أشار أحد النقاد إلى أن رسومات شاجال تشبه من بعض الوجوه الرسومات التركية أو الفارسية، وهو ما قد يشي بالأصول التركية (الخزرية) لفنه. قام شاجال بتنفيذ الشبابيك الملونة (بالزجاج المعشق) لمعبد يهودي واحد (معبد مستشفى الهاداساه في القدس) ، ولعدد كبير من الكنائس المسيحية (من بينها الكاتدرائية الكاثوليكية في متز، والكنيسة الكاثوليكية في آس في الألب الفرنسية، ونافذة ملونة ضخمة في الفاتيكان) . ومن بين أعماله الأخرى، سقف أوبرا باريس، وجداريات دار الأوبرا التابعة للنكولن سنتر في نيويورك، وجدارية ولوحات قماشية وأرضية فسيفسائية للكنيست، ونافذة ملونة ضخمة في مبنى سكرتارية هيئة الأمم. وقد عاد شاجال إلى موسكو عام 1973 حيث قُدِّم له أول معرض منفرد. كما أُسِّس متحف لأعماله في جنوب فرنسا. جاك ليبشيتس (1891-1973 ( Jacques Lipchitz نحَّات أمريكي/فرنسي يهودي، اسمه الأصلي حاييم يعقوب. وُلد في ليتوانيا لأسرة من المصرفيين الأثرياء. درس في باريس حيث غيَّر اسمه إلى جاك وأصبح مواطناً فرنسياً عام 1925. وفي عام 1930، أقام معرضاً يضم كل أعماله وأحرز شهرة واسعة. تعرَّف إلى النحت المسيحي القديم والوسيط وعلى الفنون غير الغربية، وبخاصة الإفريقية، كما تعرف إلى حاييم سوتين وأماديو موديلياني ودييجو ريفيرا وأعضاء المدرسة التكعيبية، خصوصاً براك وبيكاسو، وتأثر بأعمالهم حتى أصبح من أهم النحاتين التكعيبيين حتى منتصف العشرينيات. تركَّز فنه حول الموضوعات التي تناولها الفنانون التكعيبيون، كالمهرجين والموسيقيين والمستحمين والطبيعة الصامتة. وكانت معظم التماثيل حجرية تتسم بحوافها الحادة وسطحها المسطح وتقترب من التجريد الكامل. وبعد ذلك التاريخ، اكتسبت لغته الفنية أبعاداً تذكِّر المشاهد بفن الباروك، فأصبحت خطوطه أكثر انسيابية وأشكاله دائرية، واتسع نطاق موضوعات فنه ليشمل موضوعات أسطورية وإنجيلية وموضوعات ذات دلالة رمزية عامة. ومنذ منتصف الثلاثينيات، شعر ليبشيتس بجو الشمولية السائدة في أوربا آنذاك، فأصبح الموضوع الأساسي لفنه هو الكفاح الضاري ضد الوحوش الأسطورية: صراع بروميثيوس مع النسر واغتصاب أريادني على يد زيوس. وفي عام 1941، هاجر ليبشيتس إلى نيويورك. وأصبح أسلوبه يميل إلى التفاصيل الثرية، كما بدأت تظهر نبرات دينية عميقة وإن كانت كامنة غير صريحة. وفي عام 1948، قبل تكليفاً ليقيم تمثالاً للعذراء فوافق شريطة أن يُكتَب على قاعدة التمثال العبارة التالية: «جيكوب ليبشيتس، اليهودي، المؤمن بعقيدة أسلافه، صنع تمثال العذراء لينمي التفاهم بين البشر على الأرض، حتى تسود حياة الروح» . ولا شك في أن العبارة تُبيِّن مدى احترام ليبشيتس لجذوره اليهودية، إلا أنها في الوقت نفسه تُبيِّن أنه يميل نحو اليهودية الإثنية (الموروثة) وليس الإيمان بالعقيدة اليهودية. كما أن العبارة لا تغيِّر على الإطلاق حقيقة أن التمثال الذي نحته هو جزء من التراث المسيحي، ولا ينتمي إلى عالم الفن اليهودي! وحينما أقام ليبشيتس تمثالاً لجيكوب يصارع الملاك، فقد أعاد تفسير الواقعة في إطار بروميثي وثني وقال: إن التمثال هو عن صراع الإنسان مع الملاك. وأقام ليبشيتس تمثالاً بعنوان «الصلاة» ، وهو عبارة عن يهودي يقوم بشعائر الكاباروت ولكنها هنا رمز ذبح اليهود. وعند تأسيس دولة إسرائيل، أقام تمثالاً بعنوان «المعجزة» ، وهو عبارة عن شكل له أذرع مرتفعة يقف أمام لوحىّ الشريعة وينمو منها أفرع شمعدان المينوراه السبعة، وفي نهايتها يُوجَد شكل عبارة عن لهب صغير أو أوراق شجر صغيرة. وقد زار ليبشيتس إسرائيل عدة مرات وترك كل قوالب تماثيله لمتحف إسرائيل في مدينة القدس التي دُفن فيها. مارك جرتلر (1891-1939) Mark Gertler رسَّام بريطاني يهودي، وُلد في لندن لأسرة يهودية مهاجرة من جاليشيا تتحدث اليديشية في المنزل. حاول دراسة الفن ولكنه لم يتمكن من الاستمرار بسبب فقره المدقع، وبدلاً من ذلك، اشتغل صبياً تحت التمرين في ورشة لصنع الزجاج المعشق. وتعرَّف الرسام الإنجليزي اليهودي روثنشتاين على موهبته وأقنع إحدى المؤسسات اليهودية التعليمية بأن تساعده على الاستمرار في تعليمه. وأتاح له هذا أن يختلط بالأوساط الثقافية فتعرَّف إلى الدوس هكسلي ود. هـ. لورانس وأعضاء جماعة بلومزبري. وتتسم الأعمال الأولى عند جرتلر بأنها تقليدية إلى حدٍّ كبير، تتبع التقاليد الفنية المتعارف عليها في الغرب آنذاك. ولكنه، ابتداءً من عام 1912، بدأ يتجه نحو الفن البدائي، واستخدم لغته الفنية بشكل واع. كما تأثَّر بالمدرسة الانطباعية، بخاصة سيزان ورينوار. اتجه نحو الفن التجريدي بعض الوقت ولكنه تركه بعد فترة قصيرة. تتسم أعماله بحرية التعبير في الشكل وبالاستخدام الأصيل للألوان. وإذا كانت الجذور الفنية للغة جرتلر غير يهودية، فكذلك موضوعات لوحاته. فبعد مرحلة أولى في حياته، ركَّز على الموضوعات اليهودية (أسرته والجماعة اليهودية بشكل عام) ورسم لوحات مثل «الحاخام والحفيد» (1913) ، ثم ترك هذه الموضوعات تماماً بعد عام 1914، وبدأ يركِّز على تصوير جسد الأنثى بطريقة حسية زادت رواج أعماله. ولم تكن حياة جرتلر الخاصة سعيدة على الإطلاق. وقد انتحر عام 1939. حاييم سوتين (1893-1943) Chaim Soutine فنان فرنسي يهودي وُلد في ليتوانيا لأسرة أرثوذكسية فقيرة للغاية (كان أبوه يعمل رافياً للملابس) . ويُقال إن سوتين طلب من حاخام قريته أن يجلس أمامه ليرسم صورته، فضربه ابن الحاخام ضرباً مبرحاً لدرجة أن الحاخام اضطر إلى أن يدفع للأم تعويضاً، وأن سوتين استخدم هذا التعويض في تمويل دراسته للفن في فلنا. ويُقال إن كل لوحاته في هذه الفترة كانت تتسم بالحزن المرضي (الدفن ـ الهجران ـ المعاناة) . استقر سوتين بعد ذلك في باريس وعاش في فقر شديد حيث تعرَّف إلى موديلياني. وحينما مات هذا الأخير، رسم سوتين مجموعة من اللوحات تحتوي على الإشارات الدينية الوحيدة في أعماله الفنية الناضجة. وكانت حياته بائسة لدرجة أنه حاول الانتحار. وحقَّق بعض الاستقرار المالي بعد أن اكتشفه أحد جامعي اللوحات. وقد قضى سوتين الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته مختبئاً من النازيين، ولكنه مات في باريس لأسباب طبيعية. تتكوَّن لوحات سوتين أساساً من لوحات للأصدقاء والشحاذين والشخصيات الهامشية في باريس، ومن طبيعة صامتة ونسخ من لوحات كبار فناني عصر النهضة في متحف اللوفر. وكان فنه يتسم بالتوتر الشديد، فكل ما في لوحاته مُشوَّه وينزف دماً ويشع عدمية (يُقال إن الدم هو احتجاج سوتين على قوانين الطعام اليهودية) . وحتى مناظره الطبيعية لا تتسم بالهدوء، فهي قلقة عاصفة. وقد دفع هذا البعض إلى الحديث عن الخصوصية اليهودية لدى سوتين، وهو أمر مناف للحقيقة، فالفن الحداثي الغربي تتواتر فيه مثل هذه الصور والموضوعات بغض النظر عن الجذور الإثنية أو الدينية للفنان. بن شان (1898-1969) Ben Shahn رسَّام أمريكي تخصَّص في فن الرسوم المطبوعة (بالإنجليزية: جرافيك آرتس graphic arts) . وُلد في ليتوانيا لأسرة كان يعمل أعضاؤها في الحفر على الخشب والفخار، وكان معظمهم ينتمون للتيار الاشتراكي. فرّ أبو شان إلى أمريكا الجنوبية هرباً من الاضطهاد القيصري ومنها إلى الولايات المتحدة. وتعلَّم شان على يد فنان تخصَّص في فن الطباعة بواسطة الحجر، وتلقى أول تدريب له على عملية مزج الصورة والنص. تلقَّى تعليماً فنياً في جامعة نيويورك، ثم سافر إلى أوربا والمغرب العربي وفي جزيرة جربا (في تونس) سجل انطباعاته عن يهود هذه الجزيرة. رسم شان مجموعة من الصور عام 1920 عن حادثة دريفوس، وكانت أول مجموعة صَُور يهاجم فيها الظلم. وفي عام 1931، أصدر مجموعة ثانية عن حادثة ساكو وفانزيتي (بالجواش) ، ثم مجموعة ثالثة بين عامي 1931 و1932 عن أحد القيادات العمالية اتُّهم ظلماً في حادث إلقاء متفجرات ثم بُرِّئ. وقد استأجره الفنان المكسيكي دييجو ريفيرا مساعداً في رسم جدارية " الإنسان في منعطف القرن " لمبني RCA في مركز روكفلر. وكانت الجدارية ثورية المنحى فأثارت غضباً شديداً وتم نقلها لمدينة مكسيكو سيتي. وأثناء فترة الكساد، رسم شان ما يقرب من 6000 صورة فوتوغرافية للمتعطلين والفقراء وحياة المدن الصغيرة في الولايات المتحدة. وكان مشروعه هذا مُموَّلاً من قبل الحكومة الأمريكية. كما رسم مجموعة من الجداريات (بتمويل من الحكومة أيضاً) لبعض المؤسسات الحكومية. وفي عام 1944، رسم شان لوحة تُسمَّى «معسكرات الاعتقال» يُعبِّر فيها عن بؤس ضحايا المحرقة النازية، كما صمَّم طابعاً بريدياً بعنوان «هذه هي الوحشية النازية» (1942) إحياءً لذكرى قرية ليديس البولندية التي محاها النازيون من على وجه الأرض. وظل أسلوب شان واقعياً حتى عام 1950. ولكنه، بعد ذلك التاريخ، بدأ يغوص في ذاته وينتج أعمالاً فنية ذات طابع رمزي تستجيب لاحتياجاته الشخصية وتطلعاته «الدينية» . وتجمع أعماله في هذه المرحلة بين الألوان الذهبية والثرية والكتابة التي تشبه الأرابيسك (وقد ساعده في ذلك تدريبه في مطلع حياته على الكتابة العبرية) . وكان شان قد رسم صوراً لطبعة من الهاجاداه عام 1931، ولطبعة من سفر الأمثال. ثم عاودت هذه الموضوعات الدينية الظهور في أعماله مرة أخرى في الخمسينيات، فرسم لوحة بعنوان «الوصايا العشر» (1960) و «المزمور 133 والـ 150» و «نضيء هذه الشموع» (1961) . كما رسم مجموعة من الصور تُسمَّى «الفبائية الخلق» استخدم فيها بعض المفاهيم القبَّالية (من الزوهار) المتصلة بعلاقة الألفبائية العبرية بالألوهية. اشترك شان في عملية زخرفة وتزيين بعض المعابد اليهودية، فرسم جدارية بعنوان «دعوة الشوفار» وجدارية فسيفسائية في ممر معبد أوهيم شالوم في ناشفيل (في ولاية تنسي) ، وهي تستند إلى فقرة في العهد القديم (سفر ملاخي 11/15) تدعو للمساواة. وفي عام 1960، صمَّم باب تابوت العهد لمعبد مشكن إسرائيل في مدينة هامدن في ولاية كونتيكت. وفي عام 1965 صمَّم بعض النوافذ من الزجاج المعشق (تصوِّر بعض المشاهد من سفر أيوب) في معبد بيت زيون في بافالو (نيويورك) . وألَّف شان كتاب شكل المضمون (1957) ، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها في جامعة هارفارد. ورغم أن المضمون اليهودي للوحات شان أمر واضح، ورغم أن معرفته بالكتابة العبرية قد أثَّرت في شكل ومضمون بعض أعماله الفنية، إلا أن الغالبية الساحقة من لوحاته تظل ذات مضمون إنساني أو أمريكي عام. كما أن لغته الفنية لا يمكن فهمها بالعودة إلى تراث فني يهودي أو لغة فنية يهودية خاصة، وإنما بالعودة إلى فَهْم اللغة الفنية السائدة في المجتمع وسياقه الحضاري الذي كان يعيش فيه. ليونيل أبرامز (1931-) Lionel Abrams رسَّام من أعضاء الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا. وُلد في جوهانسبرج وتلقَّى تعليمه فيها وفي إنجلترا. أقام أول معرض له عام 1957، وتتسم أعماله بالتجريد. وهو يفضل رسم المناظر الطبيعية والحياة الصامتة. طوَّر طريقة في الرسم تُسمَّى فوتو باستيل، حيث يتم استخدام العناصر الكيميائية في حفر الصورة الفوتوغرافية ويُعَاد رسمها بالباستيل. وقد أقام أول معرض لصور الفوتو باستيل عام 1975. ويرسم أبرامز لوحات موضوعها الأساسي أعمال الفنانين الآخرين أو مواقف من حياتهم (حقيقية أو مُتخيَّلة) ، مثل «بيسارو يقابل سيزان» و «دريفوس يزور مونيه» . ورسم مجموعة من اللوحات هي تنويعات على لوحة مانيه «الإفطار فوق العشب» وسلسلة أخرى من مونيه وهو في الاستوديو محاطاً بلوحاته المشهورة «زنبق الماء Water Lilies» . اهتم إبرامز بعض الوقت برسم بعض المناظر من حياة جماعة لوبافيتش في جنوب أفريقيا، واستمر لمدة أربعة أعوام في تناول الموضوعات اليهودية، منها سلسلة من الصور بالباستيل لخمسة أجيال لحاخامات اللوبافيتش. ويُعتبَر أبرامز من أهم فناني جنوب أفريقيا ومثَّلها في العديد من المعارض الدولية. ر. ب. كيتاج (1932-1995 ( R.B. Kitaj فنان أمريكي تربطه علاقة ما باليهودية يصعب تعريفها، وُلد في كليفلاند أوهايو، ودرس في معاهد الفنون في الولايات المتحدة والنمسا وإنجلترا. وعاش في إنجلترا معظم حياته. ويُعتبَر كيتاج من رواد فن البوب (بالإنجليزية: بوب آرت pop art) وإن كان لم يقبل قط مثل هذا التصنيف، لأن مصادره الفنية متنوعة ومتعدِّدة من ضمنها التيارات الفنية المختلفة في العصر الحديث والفن الإيطالي في عصر النهضة وأعمال أدبية مثل شعر ت. س. إليوت أو عزرا باوند. لم ينشأ كيتاج كيهودي، ولا تذكر الموسوعات اليهودية شيئاً عن الانتماء الديني لأمه وأبيه أو عن خلفيتهما الإثنية، ولكنها تذكر أن زوج أمه كان يهودياً! كما تذكر بعض هذه الموسوعات أن كيتاج اكتشف ما يُسمَّى «الهوية اليهودية» بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، فرسم مجموعة من اللوحات ذات المضمون اليهودي مثل «اليهودي ... إلخ» (1976) وهي صورة لرجل في قطار يتجه إلى المنفى. وفي لوحته «إن لم يكن، If not, not» (1975 ـ 1976) ، صوَّر بوابات أوشفيتس من خلال قصيدة الأرض الخراب لإليوت. وفي لوحة «سيسيل كورت، لندن (المهاجرون) » (1983 ـ 1984) ، يصوِّر الفنان نفسه في شارع ضيق مليء بمحلات بيع الكتب التي كان يديرها في وقت من الأوقات بعض المهاجرين من يهود اليديشية، ومنهم زوج أمه، جو سنجر، الذي تحوَّل في رسومات كيتاج إلى رمز اليهودي. ويظهر في خلفية اللوحة ضحايا لا أسماء لهم يسبحون في يأس نحو شواطئ أكثر أمناً. تزايد انشغال كيتاج بشخصية اليهودي في الثمانينيات، بخاصة في مجموعة من اللوحات الخاصة بآلام اليهود (بالإنجليزية: باشون Passion) وكلمة «باشون» في الإنجليزية عادةً ما تُستخدَم للإشارة لآلام المسيح. فكأن اليهود ضحايا المحرقة في منزلة المسيح المصلوب، وتحل مداخن أفران الغاز محل الصليب. رسم كيتاج لوحة بعنوان «المدرسة اليهودية (رسم الجوليم) » (1980) معارضاً بها لوحة أخرى بهذا العنوان رسمها فنان ألماني يُدعَى ج. إي. أوبيتس. وكان أوبيتس قد رسم لوحته ليُبيِّن الفوضى الضاربة أطنابها في المدرسة اليهودية وفشل الحاخام في أن يفرض أي نوع من أنواع النظام على طلبته. والصورة كانت تحاول أن تثبت للعنصر الآري الراقي مدى تخلُّف العنصر اليهودي السامي (يهود اليديشية) الذي يعيش وسط المجتمع الألماني. يأخذ كيتاج موضوع هذه اللوحة ويعطيه مضموناً مختلفاً تماماً. فمركز اللوحة هو زجاجة حبر تَقطُر دماً رمز تهمة الدم، ولذا، فالحاخام يشعر أنه يصطدم بحائط من الطوب، وفي وسط اللوحة يُوجَد طفل آخر يرمز لما يسميه كيتاج «التقاليد الثقافية اليهودية» التي ستستمر وتبقى رغم كل المصاعب. أما الطفل الثالث، فيود أن ينعتق كفنان، فيرسم الجوليم على السبورة، وتبدأ الحياة تدب في الجوليم بالفعل، ولكن الصورة تتوقف عند هذه النقطة. ورغم أن الموضوع يهودي بالمعنى الأمريكي الإثني، إلا أن لغته الفنية أمريكية حداثية تماماً. فاللوحة تتكوَّن من ألوان مُسطَّحة. كما أنها تضطر الرائي إلى أن يصبح جزءاً منها لا أن ينظر إليها. ورغم أن هناك خطة عامة وراء التفاصيل، إلا أن الإحساس العام الذي تنقله هو إحساس بالفوضى يُعبِّر عن إحساس الإنسان الغربي بفوضى العالم الغربي الحديث. فالصورة تستخدم لغة فنية غير يهودية، وهذا ما أدركه كيتاج تماماً في تعليقه على هذه الصورة، إذ يقول: «في سنوات تكشفي [للفن] وقبل أن أرسم هذه الصورة، لم يطرأ على بالي أن أحاول أن أُبرهن على وجود شيء يُسمَّى «الفن اليهودي» ... لم يكن هناك قط تقاليد للفن اليهودي بشكل واضح محدَّد كما هو الحال مع الفن الإسلامي أو الياباني أو المصري، ومن ثم فإن يهودية لوحة مثل هذه لابد أن تعتمد على اهتمامات دياسبورية يهودية حاولت أن أضفيها عليها بغير حساب» (يستخدم كيتاج فعل «لافيش أبون lavish upon» والذي يعني «ينفق بغير حساب» أو «يبذر» . ومهما كانت الترجمة، فالفعل يعني أن ثمة إضافة لأبعاد لم تكن موجودة في الشيء أصلاً وليست جزءاً من بنيته. فكأن الاهتمامات الدياسبورية هي شيء يضاف إلى الموضوع حتى يصبح يهودياً. فاستخدام الكلمة يعني أن ثمة إضافة يهودية برانية لعمل فني له لغته الخاصة. وكلمة «دياسبورا» عند كيتاج ذات معنى خاص للغاية. فقد نشر عام 1987 ما سماه «المانفيستو الدياسبوري الأول» حيث عبَّر عن رغبته في أن نربط بين تجاربنا الخاصة بالدياسبورا في الماضي وفهمنا المعاصر لها من خلال صور ذات مغزى عالمي يمكنها أن تتحدث لكثير من الناس. وكلمة «دياسبورا» هنا كلمة عامة للغاية تعني «اغتراب» أو «غربة» ، أي أنها تعبير عن الرؤية الحداثية للكون) . ثم يُبيِّن كيتاج أن تَوجُّهه البروميثي النيتشوي لا علاقة له بأي دين حينما يقول: «وقد فكرت في أن أرسم لوحة تُعبِّر عن مفهوم مارتن بوبر عن خسوف الإله ... لم أحاول من قبل أن أرسم الإله، ولذا بدأت أنظر إلى وليام بليك والفنانين الإيطاليين الأوائل» . وغني عن القول أن حكاية رسم الإله هذه تقف على الطرف النقيض من المعايير الدينية اليهودية، حيث تُحذِّر الوصية الأولى من الوصايا العشر من تصوير الإله! فن العمارة عند أعضاء الجماعات اليهودية Architecture of Members of Jewish Communities لا يمكن الحديث عن «فن العمارة اليهودي» ، تماماً مثلما لا يمكن الحديث عن «الفن اليهودي» أو «التاريخ اليهودي» . فالعبرانيون القدامى كانوا، في بداية الأمر، قوماً رحلاً، لا يعرفون فن العمارة أساساً. وبعد استقرارهم في كنعان تبنوا الخطاب الفني السائد في محيطهم الحضاري. ولذا نجد أن هيكل سليمان لا يختلف كثيراً عن الهياكل الكنعانية الأخرى (وكلمة «هيكل» نفسها من أصل كنعاني) . ومع انتشار أعضاء الجماعات اليهودية في العالم زاد عدم التجانس بينهم، ومن ثم تعددت الطرز المعمارية التي تبنوها من محيطاتهم الحضارية المختلفة. فمنازل الفلاشاه لا تختلف عن الأكواخ الأفريقية المماثلة في المنطقة التي يعيشون فيها. وقصور أثرياء اليهود من أصحاب مزارع العبيد في الجنوب الأمريكي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لا تختلف عن قصور أقرانهم من غير اليهود، بكل ما تحتويه من أبهة ومظاهر الترف. وقد صُممت هذه القصور بطريقة تسمح لصاحب المزرعة بالإشراف عليها وعلى عبيده. ونفس الشيء ينطبق على أثرياء وفقراء أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر. ولا تختلف معابد أعضاء الجماعات اليهودية عن منازلهم. ولعل من أهم الطرز المعمارية طراز المعبد/القلعة في أوكرانيا الذي كان يتفق تماماً مع وضع الجماعة اليهودية كجماعة تجارية استيطانية شبه قتالية. (انظر: «المعبد اليهودي» - «المعبد/القلعة» ) . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
المتحف اليهودي أم متاحف الجماعات اليهودية؟:إشكالية وتاريخ
The Jewish Museum or Museums of the Jewish Communities: Problematic and History مصطلح «المتحف اليهودي» ، مثل كثير من المصطلحات الأخرى التي تُستخدَم لدراسة الجماعات اليهودية، وهو يُخبِّئ مجموعة من المفاهيم العقائدية المتميِّزة ذات طابع صهيوني. فمفهوم المتحف اليهودي يفترض وجود فن يهودي وفلكلور يهودي وأسلوب حياة يهودي، ويفترض كذلك أن هذا الفلكلور وأسلوب الحياة لا يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان أو يتغيَّر بالمعدل نفسه والطريقة نفسها بين أعضاء الجماعات اليهودية بمعزل عن المجتمعات التي يوجدون فيها، لأن كل هذه الظواهر إنما هي تعبير عن هوية يهودية مستقلة ثابتة، وشخصية يهودية لها سماتها المحددة وخصوصيتها الواضحة، فهي مفاهيم تفترض وجود وحدة قومية يهودية وتستند إليها. وفكرة القومية اليهودية فكرة لا نرفضها لأنها تتناقض مع مصالحنا، وإنما لأنها تتناقض مع واقع أعضاء الجماعات اليهودية ذاتها، إذ أن هوياتهم لا تتحدَّد بالعودة إلى مطلقات يهودية ثابتة أو هوية يهودية مركزية، وإنما تتحدَّد من خلال الحضارات الكثيرة والمتنوعة التي يعيشون بين ظهرانيها. فيهود أثيوبيا، اكتسبوا هويتهم من خلال التشكيل الحضاري الأفريقي، تماماً مثلما اكتسب يهود الولايات المتحدة من محيطهم الحضاري. ومتاحف أعضاء الجماعات اليهودية ليست ذات أهمية خاصة في ذاتها، غير أنها ذات أهمية منهجية خاصة، إذ تُبىِّن بشكل مثير زيف مقولة الهوية اليهودية والتراث اليهودي وضعف مقدرتها التفسيرية. ولنتخيل أحد العلماء يود أن يشيِّد متحفاً إثنو جرافياً يهودياً، فماذا سيواجه؟ سيجد أمامه مواد عديدة: أزياء وتماثيل وشمعدانات مينوراه بعضها من بخارى والبعض الآخر من اليمن، ومن الصين القديمة والحديثة، وروسيا في القرن التاسع عشر، وبولندا في القرن السادس عشر، ومن مصر في العصر الهيليني والروماني، ثم في بداية الفتح الاسلامي، ثم بعد ذلك في عصورها المختلفة (الطولوني والفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني) ، ثم في العصر الحديث. كما سيجد أمامه مواد من عشرات البلاد والعصور الأخرى. فإن أصر على أن يهودية هذه الأشياء الإثنوجرافية هي العنصر الأساسي فيها، فلن يمكنه التعامل معها ولا تصنيفها، ولذا سيجد نفسه مضطراً لتصنيفها على أساس عشرات المجتمعات التي وُجد داخلها اليهود، وكان لكل منها عاداتها وتقاليدها التي استوعبها اليهود بحيث أصبحوا جزءاً منها وأصبحت جزءاً منهم. ولنتخيل عالماً يحاول أن يؤسس متحفاً للفنون اليهودية، فإنه سيجد لوحات وتماثيل من عشرات الأزمنة والأمكنة لا تتبع نمطاً فنياً يهودياً، وإنما أنماطاً فنية مختلفة. ولا شك في أن الأعمال لها علاقة بأعضاء الجماعات اليهودية كأن يكون العمل الفني يتناول موضوعاً يهودياً أو صاغته يد فنان يهودي، ومع هذا لا يمكن فهم هذا العمل إلا بالعودة للحضارة التي أبدع فيها. بل إن معمار المتحف نفسه سيكون مشكلة، إذ لا يُوجَد «معمار يهودي» . ويتبدَّى هذا في معمار المعابد اليهودية التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. ولذا، نجد أن متحفاً يهودياً في الولايات المتحدة يأخذ شكلاً حداثياً تفكيكياً وآخر يُشيَّد على الطراز القوطي وثالث يأخذ شكلاً يُقال له سفاردي وهو في واقع الأمر إسباني أو برتغالي. وفي إسرائيل شُيِّد أحد المتاحف على هيئة قرية عربية على تل، وأخذ كل جناح شكل منزل عربي، وقد أورد مدير المتحف هذه العبارة في الكتيب الذي يوزع في المتحف فشطبتها الرقابة الإسرائيلية، وكتبت بدلاً من ذلك أن المتحف شُيِّد على طراز قرية من قرى البحر الأبيض المتوسط، وذلك لاستبعاد كلمة «عربية» . ولكن ما يهمنا في هذا السياق أنه لم يتحدث عن «قرية يهودية» أو «معمار يهودي» . وقد أُسِّس أول متحف لأعضاء الجماعات اليهودية في ألمانيا في برونزويك في منتصف القرن الثامن عشر، وكان متحفاً دينياً، أي أن اليهودية فيه عُرِّفت على أساس ديني وحسب. فكان المتحف يضم بعض الأدوات التي تُستخدَم في الشعائر، وقد عرضت بسبب وظيفتها الدينية لا لأنها تعبِّر عن هوية قومية أو إثنية. ثم بدأت بعض المتاحف القومية تضم أقساماً يهودية (مثل الصالة العبرية في متحف اللوفر) ، ويظل الهدف هنا دينياً أو تاريخياً بالمعنى الديني، بمعنى أنه تعبير عن اهتمام العالم المسيحي بالعهد القديم، أحد كُتب المسيحية المقدَّسة. وفي عام 1878، تم تنظيم معرض للأدوات الشعائرية اليهودية والفنون المرتبطة بالشعائر في باريس (في المعرض العالمي في تروكا ديرو) . وكان التوجه، في كل المعارض السابقة دينياً. ولكن، مع تزايُد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، ومع ظهور الحركات القومية والعرْقية، أصبحت كلمة «شعب» مقصورة على جماعة ذات تراث مشترك وتنتمي لعرْق واحد. ولذا، بعد أن كان الشعب اليهودي يُعرَّف تعريفاً دينياً، أُعيد تعريفه تعريفاً عرْقياً علمانياً حتى يصبح «شعب مثل كل الشعوب» كما يقول الشعار الصهيوني. ولكن إشكالية المتحف اليهودي (العامة) تكمن في أن كل جماعة يهودية أخذت تؤسِّس متحفاً خاصاً بها، وبالتالي أصبح هذا المتحف تعبيراً عن هويتها المحدَّدة (كالألمان اليهود أو البولنديين اليهود، وهكذا) لا تعبيراً عن هوية قومية يهودية عامة ومجردة. فتم تأسيس متحف في وارسو لأعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، ومتحف في برلين لأعضاء الجماعة اليهودية هناك، وعدة متاحف أخرى أُسِّست جميعاً في العقد الأخير من القرن التاسع عشر والثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، وقد سقطت معظم هذه المتاحف في يد النازي. والنازيون لا يعارضون البتة فكرة الهوية اليهودية القومية العالمية، وفكرة الشعب اليهودي ذي التراث المستقل والشخصية والهوية المستقلة والتراث الحضاري المستقل، ولذا أسَّس النازيون متحفاً يهودياً في براغ (تشيكو سلوفاكيا) ، وهذا ينهض دليلاً حياً على مدى تلاقي الرؤيتين الصهيونية والنازية. ولكن أهم المتاحف اليهودية هو المتحف اليهودي في نيويورك الموجود في الفيفث آفنيو Fifth Avenue (الطريق الخامس) والذي كان في أصله بيت فيلكس وفريدا ووربورج. ومن المفارقات أن المتحف مبني على الطراز القوطي، وهو طراز معماري وفني انتشر في أوربا في الفترة من القرن الثاني عشر وحتى القرن الخامس عشر حين حل محل الفن الرومانسكي، ويتميَّز الفن القوطي بأنه انسيابي تصوُّفي روحاني. أما المعمار القوطي فكان يتميَّز بالأبراج المرتفعة والأسقف المرتفعة المعقودة (المقنطرة) وتوجد بين النوافذ الملونة المرتفعة ما يُسمَّى بالإنجليزية «تريسري tracery» أي «الزخرفة التشجيرية» ، وهي زخرفة قوامها خطوط مشجرة، خصوصاً في أعلى النافذة. كما يتَّسم المعمار القوطي بالأكتاف الطائرة. وهو، على كل حال، طراز مسيحي مرتبط تماماً بالحضارة المسيحية ويعبِّر عن روحها. وحينما تقترب من المتحف لا تجد ما يُميِّزه من الخارج، فالزخارف كلها قوطية. وحتى بعد أن تدخله يظل الطراز القوطي محيطاً بك. ومعروضات هذا المتحف أعمال فنية مختلفة تتبع في أسلوبها وبنيتها ولغتها أسلوب وبنية ولغة الحضارات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تعرَّضنا لبعض مقتنيات المتحف اليهودي في مدخل «الفن اليهودي» . ولكل ما تقدَّم، نجد أن مصطلح» المتحف اليهودي» لا يتسم بالدقة، ونجد أن مقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية، بل تكاد تكون منعدمة، ولذا نقترح بدلاً من ذلك مصطلح «متاحف أعضاء الجماعات اليهودية.» متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية Museums of the Jewish Community in the U. S. A الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة أهم الجماعات اليهودية فى العالم وأكثرها ثراءً وثقافةً واندماجاً في المجتمع الذي تعيش فيه. ولكنهم، رغم اندماجهم الفعلي، محتفظون بالخطاب الصهيوني العالي النبرة بشكل ملحوظ. وعلو النبرة يُخبِّئ تزايُد معدلات الدمج والعلمنة. والعقد الاجتماعي الأمريكي مبني على السماح للمواطنين بأن يمارسوا هويتهم الدينية أو الإثنية خارج رقعة الحياة العامة، وبشكل لا يتناقض مع ولائهم للدولة الأمريكية، أي مع العقد الاجتماعي الأمريكي الأكبر. ولذا لا يمانع المجتمع الأمريكي في أن يشيِّد المواطنون متاحف تحتفي بوطنهم الأصلي وبأصولهم الإثنية، وبإسهام أعضاء هذه الأقليات في مجتمعهم الجديد، أي أن الوطن الأصلي يصبح الماضي الجميل ويصبح موضع الحنين الذي لا فاعلية له، أما أمريكا فهي الوطن الحالي، مسرح العمل والإنتاج ومصدر القيم. ومتاحف أعضاء الجماعات اليهودية تُعبِّر عن هذا الازدواج، حنين رومانسي دون مضمون أو انتماء حقيقي. وفيما يلي عرض لأهم متاحف أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. 1 ـ المتحف اليهودي في نيويورك: من أكبر وأهم متاحف الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ومن أقدمها حيث تأسَّس عام 1904، ويضم واحدة من أكبر مجموعات المقتنيات الخاصة بالجماعات اليهودية المختلفة، وأكثرها تنوُّعاً في العالم، وتغطي فترة زمنية تمتد من العصور القديمة وحتى الوقت الحاضر. وتشمل المقتنيات التي يبلغ عددها 16.000 قطعة، قطعاً تخص الشعائر والطقوس الدينية اليهودية، ومنسوجات وأعمالاً خشبية ومعدنية، ومخطوطات، وعملات وميداليات وصوراً زيتية، ومطبوعات وأعمال نحت وصوراً فوتوغرافية. وتضم هذه القطع أعمالاً لفنانين قدامى ومعاصرين تتناول أعمالهم موضوعات تخص الجماعات اليهودية، كما تضم أعمالاً لفنانين إسرائيليين. ورغم أن هذا المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف اليهودية الأمريكية، يحاول طرح تصوُّر لهوية يهودية عالمية، إلا أنه في الواقع يبرز عدم التجانس بين الجماعات اليهودية المختلفة وغياب ما يمكن أن يُسمَّى «الفن اليهودي» ، حيث نجد أن مقتنياته من قطع إثنوجرافية وفنية تتنوَّع، من حيث البنية الجمالية وطريقة التناول والصناعة والطراز، بتنوُّع التشكيل الحضاري الذي يُوجَد فيه أعضاء الجماعات اليهودية وباختلاف المرحلة التاريخية التي ترجع إليها كل قطعة. ومخزون المتحف من المعروضات ضخم والمساحة ضيقة، ولذا يتم تغيير المعروضات دائماً. وإن كان هناك بعض اللوحات والأعمال الفنية المهمة (والتي أشرنا لبعضها في مدخل «فنون الجماعات اليهودية» ) تُعرَض بشكل دائم. كما يضم المتحف قسماً لأرشفة البرامج الإذاعية والمرئية والتي تتناول مواضيع تخص الجماعات اليهودية أو أعمالاً يشارك فيها الأمريكيون اليهود. ويقوم المتحف بنشاطات كثيرة، كما هو الحال مع متاحف الولايات المتحدة التي تحوَّلت إلى مؤسسات تعليمية مجانية. وهناك عروض سينمائية ومحاضرات وجولات في المتحف (أسبوعياً) ، بل وينظِّم المتحف رحلات خارج الولايات المتحدة لأعضائه. ويُوجَد فيه محل لبيع الكتب والتحف ذات المضمون اليهودي الأمريكي وغير الأمريكي. 2 ـ متحف سكيربال لكلية الاتحاد العبري بلوس أنجلوس: يُقارب هذا المتحف، المتحف اليهودي في نيويورك من حيث أهمية مقتنياته. افتُتح عام 1972. وتضم مقتنياته قطعاً أثرية من الشرق الأدنى القديم، وقطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، من أهمها: أغلفة مُطرَّزة للتوراة من بافاريا، وعقود زواج (كتوبوت) إيطالية مزخرفة، ومجموعة من المشغولات الفضية الأوربية من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. 3 ـ متحف بناي بريت كلوتزنيك في واشنطن: تأسَّس عام 1957، وتضم مقتنياته قطعاً فنية تخص الشعائر والطقوس الدينية، وقطعاً من الرسم والصور الزيتية والنحت والمطبوعات. ومن أهم المقتنيات، غلاف حريري ايطالي للتوراة من القرن السادس عشر، وأزياء السيدات البولنديات اليهوديات تعود للقرن الثامن عشر. 4 ـ متحف يهودا ماجنيس التذكاري في بركلي (كاليفورنيا (: افتُتح عام 1962، وهو من أكبر متاحف الجماعات اليهودية. وتتميَّز مقتنياته بتنوُّع مصادرها، فيضم قطعاً قيمة تخص الشعائر الدينية ومنسوجات وأزياء وميداليات وأحجبة تخص الجماعات اليهودية في أوربا وفي المغرب وتونس ومصر والهند، والتي تعكس اللغة الفنية والتقاليد الحضارية السائدة في هذه المجتمعات. كما يضم مجموعة من المقتنيات الخاصة بالإبادة. كما يضم المتحف مكتبة وثائقية تعرض إسهامات الأمريكيين اليهود في تطوُّر الفن الأمريكي، ومكتبة من الكتب النادرة والمخطوطات تضم كتباً ودوريات بالإنجليزية والعبرية واليديشة واللادينو. ومن بين المخطوطات: خطابات تحمل توقيعات من شخصيات يهودية شهيرة مثل ألبرت أينشتاين وهنريش هايني. 5 ـ متحف إسبيرتوس للمقتنيات اليهودية في شيكاغو: تأسَّس عام 1967، ويتشكل الجزء الأكبر من مقتنياته من قطع تخص الشعائر والطقوس الدينية، خصوصاً المنسوجات والأزياء، وقطع ذات صلة بالإبادة النازية. ومن بين مقتنياته، مخطوطات يمنية من القرن التاسع عشر وقطع فنية دينية من شمال أفريقيا. ونظراً لأن الجزء الأكبر من المقتنيات تنتمي إلى فترة ما بعد القرن الثامن عشر، فإن كثيراً منها يعكس القيم الجمالية وتأثيرات الحركات الفنية السائدة في بدايات القرن العشرين. فهناك مثلاً كثير من القطع المتصلة بالشعائر الدينية تعكس الطراز الفني الألماني المعروف باسم آرت نوفو. ويقدِّم المتحف، مثله مثل غيره من المتاحف الأمريكية، خدمات تثقيفية وتعليمية. 6 ـ متحف جامعة يشيفاه في مدينة نيويورك: تأسَّس عام 1973، وتضم مقتنياته قطعاً ذات صلة بالشعائر الدينية، ومنسوجات وأزياء تنتمي إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وصوراً زيتية وقطعاً من النحت، ومخطوطات، وكتباً نادرة وصوراً فوتوغرافية. كما يضم قطعاً تخص الأمريكيين اليهود. ومن بين المقتنيات، قطعة من منسوجات الجوبلان من القرن الثامن عشر لفنان فرنسي، ومتعلقات تخص بعل شيم طوف مؤسِّس الحسيدية في شرق أوربا، وقطع فنية لفنانين من اليهود في فترة بداية الحركة الصهيونية. ويقدِّم المتحف أيضاً برامج تثقيفية وتعليمية. 7 ـ المتحف القومي للتاريخ اليهودي الأمريكي في فيلادلفيا: تأسَّس عام 1976، وهو مخصَّص لتوثيق تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولعرض إسهام أعضائها ودورهم في الحياة والحضارة الأمريكية، ولكنه لا يطرح تصوُّر هوية يهودية عالمية. متاحف الإبادة في الولايات المتحدة Holocaust Museums in the U. S. A موضوع الإبادة من الموضوعات الأساسية التي تختص بها متاحف أعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة. وقد بدأت تظهرمتاحف مكرَّسة لهذا الموضوع أهمها: أولاً: متحف إحياء ذكرى الإبادة النازية ليهود أوربا: اسمه الرسمي بالإنجليزية هو: هولوكوست ميموريال ميوزيام Holocaust Memorial Museum، وقد افتتحه الرئيس كلنتون في الأسبوع الأخير من أبريل 1993. وبُني المتحف في ميدان (أو أرض) المعارض الشهير في واشنطن (يُشار إليه بالإنجليزية على أنه «ذي مول The Mall» ) . ويمكن رؤية تمثال واشنطن الشهير من البقعة التي أُقيم فيها المتحف. وقد تكلَّف نحو 90 مليون دولار، وصمَّمه المهندس الأمريكي اليهودي جيمس فريد Freed الذي يبلغ من العمر 56 عاماً والذي هرب مع أسرته من ألمانيا عام 1939. وينطلق المتحف من فكر فلسفي واضح يترجم نفسه إلى معمار، إذ يذهب فريد إلى أن ثمة شيئاً لا يمكن تصديقه، شيئاً مستحيلاً في هذا المشروع، أي مشروع إنشاء المتحف، وهو بهذا يؤكد الرؤية الصهيونية للإبادة، إذ تم تحويلها من مجرد جريمة شنعاء ارتكبها أحد المجتمعات الغربية (ألمانيا النازية) ، ضد مجموعات بشرية مختلفة في أوربا من بينها اليهود، إلى شيء ميتافيزيقي لا يمكن فهمه، يقف خارج التاريخ والزمان وهو موجَّه ضد اليهود وحدهم. ولذا، قرر فريد أن يبني متحفاً لا يتسم بالتناسق أو التحضر على حد قوله، ثم أضاف: «لا أعتقد أن هذا المبنى سيكون حسن السير والسلوك، فأنا لا أُطيق التجميل، فهذا هو ما فعله النازيون في معسكرات الاعتقال، فالواجهات كانت على الطراز التيرولي Tyrolean وكانت النوافذ تزينها «أصص الورد» . ولذا، لابد أن يبعث هذا المبنى الإحساس بالسر والخوف وعدم التصديق» . والمشكلة التي واجهها المهندس المصمم فريد ـ على حد قول أحد النقاد ـ هي: هل يمكن أن يعبِّر المعمار المتحضر عن شيء غير متحضر؟ ولحل كل هذه المشاكل، قرر المهندس ألا يكون المتحف جميلاً أكثر من اللازم، وإلا تصوَّر المشاهد أن الإبادة هي مجرد حدث كبير آخر في مسار التاريخ. ولو أخذ المتحف شكلاً عكسياً وتحاشى المصمم معمار الضخامة النيو كلاسيكي السائد في واشنطن وتبنَّى طرازاً صناعياً (حتى يوحي بجو آلية المصنع الذي كان سائداً في معسكرات الاعتقال) فإنها قد تؤدي إلى تتفيه الحدث. وإن تبنَّى المتحف أسلوباً حرفياً في تقديم الإبادة، فإنه قد يبعث الاشمئزاز في نفس الزوار فينصرفون عنه، ولذا، فإن هذا المبنى يجب ألا يكون جميلاً أكثر من اللازم، ولا قبيحاً أكثر من اللازم، وهو ما يعني أن أي مبنى تقليدي لن يَصلُح له. وكان من الممكن (هكذا كان يفكر المصمم على حد قول أحد النقاد) أن يكون المبنى محايداً تماماً، مجرد حائط يضم المعروضات باعتبارها قيمة مطلقة لا يستطيع أي معماري مهما بلغ ذكاؤه أن يبرزها، فهي تقف بذاتها وكأنها السر الإلهي. ولكن هذا الحل يعني فشل المعمار الحديث في أن يواجه التحدي. وأخيراً كان من الممكن أن يتخلى المصمم تماماً عن الفكرة ويعلن أنها لا يمكن التعبير عنها. ولكن هذا الحل حل يتسم بالجبن، فهو يعني أن الفنان ليست له رسالة اجتماعية. بقيت مشكلة أخيرة، وهي أن هذا المبنى رغم تفرُّده لابد أن يكون جزءاً من مباني المتاحف في واشنطن. وقد تقدَّم المهندس المصمم برسومات المعرض للجنة الفنون الجميلة التي تراقب المعمار في واشنطن، ولكنها رفضته؛ إذ وجدته يؤكد رسالته بشكل جازم أكثر من اللائق. بل إن بعض أعضاء اللجنة ألمحوا إلى أن مثل هذا المتحف لا ينتمي إلى عاصمة الولايات المتحدة لأن الإبادة النازية ليست جزءاً من تاريخ أمريكا، وذلك إلى جانب أنها تجربة مؤلمة. ولكن، تم التغلب على هذا الاعتراض الأخير بالإشارة إلى الحائط التجريدي الذي صممه مايا يانج لين لضحايا حرب فيتنام، فهو نصب تذكاري سيُذكِّر المشاهدين بلحظة تاريخية محزنة. وتمت في نهاية الأمر، الموافقة على تصميم المبنى بعد تعديله، وهو يمتد من شارع 14 إلى شارع 15 شرقي طريق الاستقلال ليكون بين مبنيين، أحدهما على الطراز الكلاسيكي والآخر على الطراز الفكتوري. وهنا أثيرت قضية واجهة المعرض، ودار الحوار لا في إطار جمالي محض، وإنما في إطار معرفي عميق. فواجهة المعارض الموجودة في المول Mall تتبع في معظم الأحيان الطراز النيوكلاسيكي، وهو طراز يحاكي بشكل واع المعمار اليوناني الروماني الوثني، أي أنه يشكِّل عودة إلى الحضارة الوثنية التي سبقت عصور الظلام المسيحية، وهي حضارة سادت فيها قيم العقل والتوازن دون غيب أو أساطير، ولذا فإن المعمار يتسم بالبساطة والجلال. وقد كان مؤسسو الجمهورية الأمريكية مغرمين بهذا الطراز، ولذا نجد أن جيفرسون أسس منزله في مونتشيلو على نفس الطراز، وكانت معظم مباني واشنطن حتى عهد قريب تتبع هذا النمط. قرر المهندس فريد أن واجهة متحف الإبادة لا يمكن أن تعبِّر عن عصر التنوير والعقل (بالإنجليزية: إنلايتينمنت Enlightenment) ، بل لابدوأن تعبِّر عن الإظلام واللاعقل (بالإنجليزية: إنداركنمنت Endarkenment) . ولذا، تقرر أن تكون واجهة المتحف ومدخله على الطراز التيرولي (مثل معسكرات الاعتقال والإبادة) . وهو يتشابه تشابهاً لا يستهان به مع اتجاه الحداثة الفيينِّي (نسبة إلى فيينا) الذي ظهر مع نهاية القرن، وذلك من حيث دقة القوس والتفاصيل الكلاسيكية البارزة. وتم تصميم هذا المدخل بناءً على طلب لجنة الفنون الجميلة (ففي التصميم الأصلي كان هناك إفريز بارز يتصف بأنه مصطنع وينذر بالشؤم ويوحي بالخوف) . ويؤدي المدخل إلى صالة الشهادة وهي مصنوعة من الطوب الخشن ولها سقف زجاجي مُعلَّق على عروق حديدية مكشوفة، تسمح بدخول الضوء (الأمر الطبيعي الوحيد الذي لم ينجح النازيون في القضاء عليه) .وهي بذلك تذكِّر المشاهد بمعسكرات الاعتقال وأفران الغاز. ويخيِّم على هذا المعمار الصناعي فراغ معتم ثقيل يوحي بجو من القلق المتعمد، فخطوطه غير مستقيمة. ويوجد في المتحف سلم متسع عند قاعدته يضيق بالتدريج حتى يُشْعر الزوار بالزحام وكأنهم في أحد معسكرات الاعتقال. ويبدو السلم في نهايته منحرفاً داخل منظور زائف. ويحاول المهندس أن يعبِّر عن إحساسه بعدم الراحة بطرق مختلفة. فعلى سبيل المثال، يوجد في الحائط الحجري في آخر هذه الصالة شقوق. وبوابات الأجنحة معدنية ثقيلة. وتوجد مكاتب موظفي المتحف داخل أربعة أبراج، لتذكِّر الزائر بأبراج المراقبة في معسكر الإبادة، بل إن المصعد الذي يُستخدَم للوصول إلى هذه المكاتب يجعل الزائر يشعر بعدم الراحة، فهو ضيِّق والإضاءة فيه بيضاء متوهجة وأبوابه مصنوعة من المعدن الرمادي، تُغلَق وتُفتَح بصعوبة كأبواب أفران الغاز. وتضم صالات العرض صوراً وأعمالاً فنية عن الإبادة، وكل مقتنيات المتحف هي أشياء أصلية كانت تستخدم بالفعل في معسكرات السخرة والإبادة، وتوجد شاشات تليفزيون تُعرَض فيها أفلام تروي أحداث الهولوكوست وأخرى تروي تاريخ معاداة اليهود، ولهذا السبب وضعت الشاشات على ارتفاع متر ونصف حتى لا تسبِّب إزعاجاً للأطفال. ويُعْطَى كل زائر بطاقة كومبيوتر عليها صورة أحد الضحايا، بحيث يمكنه أن يتابع قصته من خلال شاشات عرض موجودة في أماكن مختلفة ويسمع مُشاهد العرض تسجيلات لأصوات الجنود الأمريكيين الذين حرروا معسكرات الاعتقال وهم يعبِّرون عن إحساسهم بالصدمة العميقة لما يشاهدونه. ويُوجَد في الدور الثالث شارع من الحجر وكوبري خشبي تؤدي بالزائر الى جناح عن جيتو وارسو الذي شهد أعمال المقاومة اليهودية ضد النازيين. ويُقال إن المتحف لم ينس ضحايا الإبادة الآخرين مثل الغجر وغيرهم. ولم ينس كذلك بعض الأغيار الذين ساعدوا اليهود على الفرار من النازيين، ولذا يضم هذا المتحف قارباً من ذلك النوع الذي كان يستعمله الدنماركيون في إنقاذ اليهود. وهناك خارج المتحف، صالة أخرى تُسمَّى «صالة الذكرى» بنيت على شكل سداسي وارتفاعها 75 قدماً، وسقفها على هيئة قبة. وكان ارتفاع الصالة في الأصل 80 قدماً، كما أن المتحف كله كان من المفروض أن يكون بارزاً في ميدان المتاحف بنحو 40 قدماً. ولكن اللجنة أصرت على أن يكون بمحاذاة المباني الأخرى، كما تم إنقاص حجم المتحف كله 10% (يبلغ حجم المتحف 36 ألف قدم مربع، وتستغرق مشاهدته ثلاث ساعات) ، ولكن هذا المبنى السداسي يظل بمفرده بارزاً في أرض المتاحف، لا نوافذ له ولا زخارف على حوائطه سوى اقتباسات من العهد القديم تأخذ شكل نقوش بارزة. كما أن هناك على الحائط كوَّات تشبه المحراب الصغير يمكن أن تُوضَع فيها مئات الشموع المشتعلة لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة النازية. وتُضَاء هذه الصالة بالنور الطبيعي من ناحية السقف، حيث تكون الحوائط فارغة تماماً. وهيئة الصالة من الخارج لا تختلف عن داخلها، فهي عارية من الزخارف أيضاً إلا من بعض التفاصيل ذات الطابع الكلاسيكي الصارم. وتعطي الصالة الإحساس بأنها شيء ضخم ومجرد يقف في أرض المتاحف. وتُذكِّر صالة الذكرى المرء بقدس الأقداس في هيكل سليمان وهيرود. بل يمكن القول بأن المتحف ككل يشبه هيكل سليمان. وإذا كان اليهود يعبدون في هيكل سليمان إلههم، فإنهم في متحف الإبادة النازية يعبدون أنفسهم (اليهود أو الشعب اليهودي الذي يتحوَّل هو نفسه إلى الشيم هامفوراش، الاسم المقدَّس والأعظم الذي لا يستطيع أحد أن يتفوَّه به إلا كبير الكهنة في قدس الأقداس يوم الغفران) باعتبار أن تجربة الإبادة التي حدثت لليهود تجربة تتحدى قدرة الإنسان على الإفصاح عما في داخله. وقد وُصف معمار المتحف بأنه تفكيكي ينتمي إلى عالم ما بعد الحداثة، ونحن نرى أن هذا وصف دقيق للنموذج الكامن وراء هذا المتحف ولكل تفاصيله التي يتجلى من خلالها النموذج. ففكر ما بعد الحداثة (التفكيكي) يصدر عن الإيمان بأن العلاقة بين الدال والمدلول (الكلمة ومعناها أو الاسم والمُسمَّى) علاقة عشوائية مترهلة، ولذا فاللغة ليست أداة جيدة لتوصيل المعنى أو التواصل بين الناس، وكأن الكلام حبر على ورق: حادثة إمبريقية مادية قد لا تحمل مدلولاً يتجاوز وجودها المادي، بل هو كسائل أسود تناثر بطريقة ما على صفحة بيضاء. ويواكب هذا إدراك الإنسان الغربي أن كل أشكال اليقين داخل منظومته الحضارية قد تهاوت بتهاوي المنظومات والمرجعيات المعرفية الأخلاقية والإنسانية، الإيمانية وغير الإيمانية، ولذا فالواقع الخارجي لا يمكن الوصول إليه ولا يمكن تصنيفه أو ترتيبه، فهو لا مركز له ولا يمكن الحكم عليه ولا يمكن محاكمته. ولذا لا يبقى إلا الشيء في ذاته، فيصبح هو نفسه دالاً ومدلولاً وهو مرجعية ذاته. والإبادة هي حدث مرئي يستطيع الإنسان أن يجرِّبه، ولكنه لا يمكنه الإفصاح عنه، فالإبادة صورة تكاد تكون دالاً بلا مدلول أو مدلولاً لا يمكن لأي دال أن يدل عليه. إن الإبادة هي الأبوريا aporia: الهوة التي تفغر فاها والتي لا قرار لها؛ الهوة التي تنفتح بعد تساقُط كل المرجعيات فلا يرى الإنسان سوى العدم، أو الإبادة النازية لليهود. وكيف تم توصيل ذلك؟ عن طريق إعادة خلق جو المعسكرات ومن خلال وضع الأشياء التي استُخدمت فيها أمام المتفرج حتى يجربها دون وساطة أو دوال، والأشياء هنا (مثل الإبادة) هي أيضاً دال دون مدلول أو مدلول دون دال، أو دال هو ذاته مدلول، فالشيء هو الاسم والمسمَّى. ورغم ذكر بعض الضحايا غير اليهود، إلا أن المتحف بطبيعة الحال يحاول أن يؤكد أن اليهود هم الضحية، وأن الأغيار تركوا اليهود لمصيرهم (ولعل ذكر الغجر وغيرهم من ضحايا النازي كان ذراً للرماد في العيون وتحسباً لما قد يثار من ضجة بسبب الرؤية الصهيونية التقليدية التي تجعل اليهود الضحية الوحيدة) . ويُذَكِّر المتحف الشعب الأمريكي بعدم اكتراثه بالإبادة النازية، وبأن الحكومة الأمريكية رفضت السماح للباخرة سانت لويس عام 1939 بالرسو في الشواطئ الأمريكية رغم أنها كانت تحمل 1128 لاجئاً يهودياً فارين من هتلر، ورغم أنها وصلت حتى هافانا. إلا أنها أُعيدت إلى ألمانيا ليلاقي الفارون مصيرهم. ورفض الحلفاء أن يقوموا بغارات على معسكرات الاعتقال ورفضوا كذلك ضرب خطوط السكك الحديدية التي تؤدي إليها. ويشير المتحف كذلك إلى مؤتمر إيفيان الذي دعا إليه الرئيس روزفلت عام 1938، حيث رفض ممثلو بعض الدول الأوربية أن يسمحوا لليهود الهاربين من الرايخ الثالث بالهجرة إليها. وإذا كان المتحف يُجسِّد أطروحة فكرية أساسية في تجربة أعضاء الجماعات اليهودية (الإبادة باعتبارها دالاً متجاوزاً يعجز العقل عن الإحاطة به) وفي الحضارة الغربية الحديثة (فكرة ما بعد الحداثة والتفكيكية) ، فإن من حقنا أن نثير من جانبنا بعض الإشكاليات، فالإبادة ظاهرة تاريخية، يمكن تفسير كثير من جوانبها وفهمها واستيعابها: 1 ـ الإبادة النازية ليست فعلاً فريداً في الحضارة الغربية الحديثة التي قامت بإبادة سكان الأمريكتين وملايين السود من أفريقيا. 2 ـ رغم أن المتحف قد ذكر الضحايا غير اليهود، إلا أن التركيز ظل أساساً على اليهود. والسؤال الذي طرحه الكثيرون هو سؤال ذو مغزى عميق: لماذا لم يُقَم متحف عن الإبادة الأمريكية للسكان الأصليين ولتاريخ أمريكا المظلم في استغلال العبيد السود إلى درجة تكاد تكون مترادفة مع الإبادة؟ ولماذا لم يذكر المتحف عشرات القساوسة الكاثوليك والرعاة البروتستانت الذين ضحوا بحياتهم من أجل اليهود؟ 3 ـ هناك الكثير من الحقائق التي قام المتحف بإخفائها، فالمتحف لم يذكر شيئاً عن تعاون كثير من قيادات الجماعات اليهودية (خصوصاً الصهاينة) مع النازيين، وتجاهل سؤالاً مهماً هو: هل كانت المقاومة اليهودية للإبادة النازية بالقوة المطلوبة؟ وهل كان بإمكان آلة الفتك الألمانية أن تستمر في الدوران لو رفض ملايين الضحايا أن يتعاونوا مع قاتليهم؟ بل ولنأخذ قضية مثل إنقاذ اليهود. فمن المعروف أن القيادات الصهيونية لم تكترث بذلك كثيراً، بل من المعروف أن القيادات الصهيونية كانت تعارض إنقاذ اليهود عن طريق فتح أبواب الهجرة أمامهم في بلاد أخرى غير فلسطين. وقد جلست مندوبة المُستوطَن الصهيوني في مؤتمر إيفيان، وكان اسمها جولدا مائير، دون أن تبدي أي اهتمام بعمليات الإنقاذ التي عُقد المؤتمر من أجلها. وبعد الحرب، حينما سُئلت عن سبب عدم اكتراثها هذا، عللته بأنها لم تكن تعرف حجم الكارثة. 4 ـ احتج الألمان على الصورة المُبتسَرة التي قُدِّمت عن ألمانيا. فتاريخ ألمانيا يمتد عدة مئات من السنين قبل الإبادة، وما يزيد على أربعين سنة بعدها، فلماذا التركيز على هذه الحقبة دون غيرها؟. ولذا، اقترحت الحكومة الألمانية أن يُلحَق جناح عن ازدهار الديموقراطية الألمانية بعد الحرب. وغني عن القول أن الطلب قد رُفض. ثانياً: متحف الإبادة فى لوس أنجلوس: يبدو أن بعض قطاعات الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة بدأت تدرك خطورة احتكار دور الضحية، ولذا نجد أن متحف الإبادة الذي شُيِّد في لوس أنجلوس (الذي افتُتح في فبراير 1979) يُدعَى «بيت شواح (أي بيت الإبادة) ومتحف التسامح» . ولهذا الاسم المزدوج أعمق دلالة، فهو يضع الدائرة اليهودية داخل دوائر أخرى مشابهة. تتسم واجهة المتحف بأنها حديثة محايدة، فهي مصنوعة من الجرانيت والزجاج، ويمكن القول بأن معمار المتحف ككل يتسم بالحداثة (ولا يتحيَّز إلى ما بعد الحداثة) . فهو بواجهته وأدواره الأربعة لا يختلف عن كثير من المباني المحيطة به. وكما أسلفنا ينقسم المتحف إلى قسمين، ولنبدأ بالقسم المُخصَّص للتسامح، وهو يغطي تاريخ التعصب في الولايات المتحدة منذ إبادة السكان الأصليين (الهنود الحمر) حتى حادثة ضرب رودني كينج وتبرئة ضباط الشرطة الذين قاموا بضربه. وتتضح حداثة المتحف في استخدامه التكنولوجيا المتقدمة بشكل مكثف. فحينما تدخل المبنى يقابلك إنسان مكوَّن من 10 أجهزة فيديو، يخبرك أنك إنسان فوق المتوسط، لا تشعر بأي تعصُّب ضد الآخرين، ولكنه يستمر في الحديث ليُبيِّن بعض أشكال التعصب الكامنة في النفس البشرية. وحينما تتركه، ستجد أمامك بابين: واحد للمتعصبين وواحد لغير المتعصبين. وبطبيعة الحال، سيتجه الجميع وبشكل تلقائي للباب الثاني، ولكنهم سيكتشفون أنه مغلق (فهل هذا يعني أن كل البشر متعصبون؟) .ثم يدلف المتفرجون إلى صالة يسمعون فيها همسات المتعصبين، ويشاهدون فيها أفلاماً عن إبادة الأرمن والكمبوديين وسكان أمريكا الأصليين في أمريكا اللاتينية. أما القسم الثاني الخاص بالإبادة، فتوجد به صالة الشهادة التي يمكنك فيها أن تسمع التواريخ الشفهية التي يرويها الضحايا، وشهادات من لا يزال على قيد الحياة. وهناك إحياء لذكرى الأغيار الأتقياء «رايتيوس جنتايلز righteous gentiles» ممن ساعدوا أعضاء الجماعات اليهودية في محاولة الفرار من النازيين، كما توجد غرفة يمكنك أن تجد فيها تقارير متجددة عن جرائم الكره والتعصب. وفي الوقت الحالي، على سبيل المثال، يمكن أن يتابع الزوار أولاً بأول جرائم التطهير العنصري في البوسنة. وكما هو الحال في متحف إحياء ذكرى الإبادة في واشنطن، فإن كل زائر في المتحف يُعطَى بطاقة تحمل صورة أحد الضحايا يمكنه أن يتابع قصة حياته من خلال شاشات العرض المختلفة في المتحف. وتوجد في الولايات المتحدة بضعة مراكز تذكارية ومتاحف أخرى صغيرة مُخصَّصة للإبادة النازية (مركز دالاس التذكاري لدراسات الإبادة ـ مركز الإبادة النازية التذكاري في ميشحان) . ويبدو أن من المقرر إقامة متحف في نيويورك باسم «ذكرى الإبادة النازية ـ متحف التراث اليهودي» . ويذهب بعض المعلقين إلى أن هذه المتاحف لن تؤدي إلى إحياء ذكرى الإبادة، وإنما سيتم من خلالها أمركة الهولوكوست، وأن الإبادة النازية ليهود أوربا ستصبح مثل ميكي ماوس وكوكاكولا وماكدونالد وألعاب الأتاري الإلكترونية المسلية. وبعد عدة سنين ستصبح الإبادة ماركة تجارية مسجلة (De Shoah Business على حد قول المجلة الألمانية دير شبيجل) لا علاقة لها بأوشفيتس، وإنما بمتحف في لوس أنجلوس أو واشنطن. ويعتقد الكثيرون، بناء على المنطق والملاحظة المباشرة، أن إنشاء متاحف الإبادة في الولايات المتحدة هو مؤشر آخر على الهيمنة الصهيونية واليهودية. ولكن من المفارقات أننا لو تعمقنا بعض الشيء لاكتشفنا شيئاً مدهشاً ومغايراً تماماً لما نتصور، فمما لا شك فيه أن هذا المتحف تعبير عن قوة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. ولكن هل هذا يعني بالضرورة تعاظُم قوة إسرائيل؟ إن الربط الذي يقوم به العقل العربي بين النفوذ اليهودي والنفوذ الإسرائيلي هي عملية منطقية لا علاقة لها بالواقع المتعيِّن. فقد اعترضت الصحف الإسرائيلية على إقامة هذا المتحف وبقوة. وفي إسرائيل يوجد ضريح ياد فاشيم (النصب والاسم) الذي أُقيم لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة. وقد أصبح هذا النصب المزار الأساسي الذي يتعيَّن على كبار الزوار زيارته حينما يذهبون إلى إسرائيل. ويرى المستوطنون الصهاينة أن إسرائيل هي المركز القومي والحضاري والمعنوي ليهود العالم الذين يُشكِّلون بالنسبة لها مجرد الهامش أو الأطراف، ومن ثم لابد أن يظل المزار الأساسي للشعب اليهودي في الوطن القومي. ولذا، فإن إقامة متحف لإحياء ذكرى الإبادة النازية على هذا المستوى في عاصمة الولايات المتحدة، وآخر في لوس أنجلوس، يُشكِّل تحدياً لوجهة النظر الصهيونية، ويُشكِّل محاولة من جانب يهود الولايات المتحدة لخلق مسافة بينهم وبين المستوطَن الصهيوني ليزيدوا قوة استقلالهم. ومن ثم، فإن متاحف الإبادة قد تكون تعبيراً عن مدى قوة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، ولكنها لا تُشكِّل تعاظماً للنفوذ الصهيوني وإنما تحدياً له. متاحف أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا Museums of the Jewish Communities in Europe إذا حاولنا المقارنة بين المتاحف اليهودية الأمريكية والمتاحف اليهودية الأوربية، فسنجد أن مثل هذه المتاحف تعبِّر عن اتجاه داخل المجتمع الأمريكي وبين أبناء وأحفاد المهاجرين الذين جرى صهرهم وأمركتهم تماماً مع احتفاظهم بقشرة إثنية تعبِّر عن جذورهم وتراثهم الثقافي والإثني. أما في أوربا، فإن المتاحف اليهودية تهتم بالدرجة الأولى بعرض تراث الجماعات اليهودية التي عاشت في المجتمعات الأوربية، وهو تراث وتاريخ لا ينفصل عن تراث وتاريخ هذه المجتمعات، أو عن تطوراتها الاجتماعية والاقتصادية عبر الزمان. إنجلترا: تضم إنجلترا المتحف اليهودي في لندن، كما تم مؤخراً افتتاح متحفين جديدين: ـ متحف لندن للحياة اليهودية الذي تأسَّس عام 1983، وهو مُخصَّص لعرض جوانب من الحياة الاجتماعية للجماعة اليهودية في لندن في بداية القرن العشرين. ـ متحف مانشستر اليهودي، الذي افتُتح عام 1984، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ الجماعة اليهودية المحلية. فرنسا: تضم فرنسا متحف الفن اليهودي في باريس، وأغلب مقتنياته تخص الشعائر الدينية، كما يضم قطعاً من الفن الحديث. كذلك تضم بعض المتاحف الفرنسية، في باريس وفي الأقاليم، أقساماً مُخصَّصة لتاريخ وتراث الجماعة اليهودية في فرنسا. هولندا: تضم هولندا المتحف التاريخي اليهودي الذي أُعيد افتتاحه في مقره الجديد عام 1987، ويعتبر أكبر متحف من نوعه في أوربا الغربية. والمقر الجديد للمتحف يتكون من أربعة معابد إشكنازية يرجع تاريخها إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد تم ترميمها ووصلها ببعضها البعض. وتعبِّر معروضات المتحف الفنية والتاريخية عن التراث الثقافي للجماعة اليهودية في هولندا. وتعكس المعروضات المتصلة بالديانة اليهودية الاختلاف بين المذاهب اليهودية المختلفة. كما تعكس القطع المتصلة بالشعائر الدينية الاختلافات بين السفارد والإشكناز. ويُقدِّم المتحف أيضاً معروضات تتناول موضوعات الاضطهاد وتفاعُل الجماعة مع مجتمع الأغلبية والعلاقة مع إسرائيل. ألمانيا: تضم مدينة كولونيا متحفاً يهودياً، كما تم تحويل كثير من المعابد اليهودية في المقاطعات الألمانية المختلفة إلى متاحف تعرض تاريخ الجماعة اليهودية وتراثها المحلي. كما تم تحويل أحد المباني اليهودية القديمة في بلدة ورمز إلى متحف يعرض تاريخ يهود ورمز منذ القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر. وفي عام 1988، تم افتتاح متحف يهودي جديد في فرانكفورت مقره بيت عائلة روتشيلد. ويعتبر هذا المتحف أكبر متحف من نوعه في ألمانيا. ويعرض تاريخ وثقافة الجماعة اليهودية في ألمانيا بصفة عامة وفرانكفورت بصفة خاصة ومساهمتهم في المجتمع الألماني. كما يضم متحف برلين قسماً يهودياً. وقد تم استخدام المقر السابق للجستابو لعرض مقتنيات تتصل بفترة الإبادة النازية. النمسا: تضم النمسا المتحف اليهودي النمساوي الذي تأسَّس عام 1982 في ايزنشتادت في منزل يهودي البلاط سامسون فرتايمر (1658 ـ 1724) . وهو مُخصَّص لعرض دور ومساهمة الجماعة اليهودية في المجتمع النمساوي منذ القرون الوسطى وحتى الوقت الحاضر. ومن المقرر افتتاح متحف يهودي في فيينا. إيطاليا: تضم إيطاليا عدة متاحف يهودية، من أهمها: ـ المتحف اليهودي في البندقية الذي افتُتح عام 1952. وتضم مقتنياته قطعاً من الفضة والمنسوجات المتصلة بالشعائر الدينية والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، وكذلك عقود زواج من عدة مدن إيطالية. ـ المتحف اليهودي في فلورنسا وتأسَّس عام 1982. ـ كما يوجد متحف يهودي في روما افتُتح عام 1977. اليونان: تضم اليونان المتحف اليهودي اليوناني في أثينا الذي تأسَّس عام 1977. وتضم مقتنياته قطعاً تخص الشعائر الدينية والأزياء التقليدية للجماعة اليهودية في اليونان والتي يعود تاريخ وجودها في اليونان إلى 2400 سنة مضت. بولندا: تم إعادة ترميم المعبد اليهودي في كراكوف، وتحويله إلى متحف عام 1980، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ وثقافة يهود كراكاوف. كما يضم المعهد اليهودي التاريخي متحفاً إلى جانب مكتبة وأرشيف. المجر: تضم المجر متحفاً يهودياً في بودابست تأسَّس عام 1895، وهو مُخصَّص لعرض تاريخ وتراث الجماعة اليهودية في المجر منذ القرن الثالث وحتى الوقت الحاضر. ويضم المتحف قسماً يتناول الفترة النازية، وقسماً آخر يتناول الحياة المعاصرة لأعضاء الجماعة اليهودية في المجر. وقد تمت إعادة ترميم بعض المعابد القديمة في أنحاء المجر، وقُدِّمت بعض المعروضات من خلال هذه المعابد. تشيكوسلوفاكيا: تضم تشيكوسلوفاكيا المتحف اليهودي التابع للدولة الذي أسَّسه النازيون وجمعوا فيه 200 ألف قطعة فنية من تشيكوسلوفاكيا، بل ومن كل أنحاء أوربا، وتُعَدُّ أهم مجموعة تُحَف تخص الجماعات اليهودية في العالم من ناحية الكم والكيف. ولا يزال هذا المتحف من أهم المتاحف اليهودية في العالم، ولا تزال نشراته ذات مستوى علمي رفيع. وللمتحف فروع في بعض المدن التشيكية. المتاحف في الدولة الصهيونية Museums in the Zionist State تضم إسرائيل متاحف كثيرة لأقصى حد، فهي تضم 1500 متحف معظمها متاحف آثار. ولكن يوجد أيضاً متاحف للتاريخ والعلوم والتكنولوجيا والتاريخ الطبيعي. لكن بعض هذه المتاحف لا يعدو أن يكون غرفة صغيرة في كيبوتس عُثر فيه على بعض التماثيل أثناء زراعة الأرض. وقد كوَّن موشيه ديان مجموعة كبيرة من الآثار قام بسرقتها (وقد كان مشهوراً بذلك) . وبعد موته، قامت أرملته ببيعها للدولة بثلاثة ملايين شيكل، وهو ما أثار حفيظة بعض الصحف التي وصفت هذا الفعل بأنه «موت ثان لديان» ، إذ كان يتعيَّن على أرملته أن تكفِّر عن سيئاته بإهداء مجموعة الآثار للدولة. وقبل تناول موضوعنا قد يكون من المفيد أن نحاول تفسير ظاهرة كثرة عدد المتاحف في إسرائيل أكثر من أي بلد بالنسبة لعدد السكان. فكثرة المتاحف تعود إلى عدة عناصر من بينها أن التجمُّع الصهيوني تجمُّع فسيفسائي يضم جماعات بشرية غير متجانسة أتت كل واحدة منها تحمل حضارتها وتراثها (البولندي أو الروسي أو العربي أو الإثيوبي) ، وقد عبَّر هذا عن نفسه في عديد من المتاحف الإثنوجرافية. كما أن كثيراً من هذه المتاحف يموِّلها أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أنها بمثابة حلقة وصل بينهم وبين المُستوطَن الصهيوني، وهي حلقة عاطفية ليس لها أي مضمون سياسي أو ديني، ولذا، فهي لا تسبِّب حرجاً ولا إحساساً بازدواج الولاء. كما أن تمويل المتحف عمل ثقافي إنساني عام تماماً مثل زراعة الشجرة، على عكس تمويل المستوطنات في الضفة الغربية، فهذا عمل سياسي مائة في المائة. ولذا، يُحجم يهود العالم عن تمويل المستوطنات ولكنهم لا يجدون غضاضة في تمويل المتاحف. بل إن بعضاً ممن يدفعون التبرعات للمنظمة الصهيونية العالمية ينبهون على ضرورة عدم استخدامها في أوجه سياسية، كما أن المنظمة ذاتها ترفض تمويل المستوطنات في الضفة والقطاع، على الأقل في سياستها العلنية. والمفارقة أن زيادة عدد المتاحف بهذا الشكل الضخم أدَّى إلى الإسهام في أحد الجوانب السلبية في الاقتصاد الإسرائيلي، وهو تضخُّم قطاع الخدمات على حساب القطاع الإنتاجي، الأمر الذي يزيد الاقتصاد الإسرائيلي طفيلية وهامشية. وتوجد في إسرائيل أنواع وأصناف من المتاحف. فهناك متاحف الفنون القديمة وهناك متاحف الفنون الحديثة، الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، اليهودية وغير اليهودية، وهناك أيضاً متاحف العلوم التي توجد في أي مجتمع. كما توجد متاحف عن مدينة القدس في مراحل تطورها كافة، ومتحف عن مدينة تل أبيب، ويوجد متحف يُسمَّى «هآرتس» (متحف الأرض) يضم عرضاً للزجاج والسيراميك، وهو أيضاً متحف إثنوجرافي يهتم بتاريخ مدينة تل أبيب وتاريخ حروف الهجاء، وهناك قبة سماوية ملحقة به. وهذه المتاحف جميعاً تميزها الخصوصية الإسرائيلية التي تعبِّر عن استيطانية التجمع الصهيوني. وتظهر هذه الخصوصية، أول ما تظهر في وجود عدد من المتاحف تعبِّر عن تاريخ فلسطين الحقيقي (قبل وصول المستوطنين) . فيوجد متحف روكفلر المتخصص في آثار فلسطين، ومتحف الفلكلور الفلسطيني، ومتاحف الفنون الإسلامية والمسيحية. كما أن الطبيعة العسكرية لنشأة التجمع الصهيوني تظهر في هذا العدد الهائل من المتاحف التي تغطي الجوانب العسكرية الاستيطانية. فهناك متحف للهاجاناه، وآخر للكيبوتسات، وثالث عن الجماعات السرية (العسكرية) الصهيونية قبل 1948. وهناك متحف المستوطنات الأولى، ومتحف تاريخ الاستيطان، ومتحف الفصائل اليهودية في الحرب العالمية الأولى، كما أن هناك متاحف لهرتزل وجابوتنسكي ووايزمان. وقد تم تأسيس متحف للقوات الجوية. متحف ياد فاشيم: من أهم المتاحف في إسرائيل، متحف ياد فاشيم الذي تحوَّل إلى ما يُشبه المزار المقدَّس ليهود العالم. وعبارة «ياد فاشيم» هي عبارة عبرية معناها «النصب والاسم» ( «إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نصباً واسماً، أفضل من البنين والبنات. أعطيهم اسماً أبدياً لا ينقطع» [أشعيا 56/5] ) . ويقع مُركَّب مباني هذا المتحف على حافة جبل تطل على قرية عين كريم. ويضم ياد فاشيم صالة الذكريات، وأرشيف الإبادة الذي يضم حوالي 50 مليون وثيقة. كما يضم المتحف ما يُسمَّى «شارع الأتقياء بين الأغيار» الذي غُرست فيه 500 شجرة تكريماً لأشخاص غير يهود ضحوا بأنفسهم أو عرَّضوا أنفسهم للخطر لحماية اليهود. أما صالة الأسماء، فتضم ما يُسمَّى «صفحات الشهادة» التي تضم حوالي ثلاثة ملايين اسم من أسماء أعضاء الجماعات اليهودية التي قضى عليها النازيون. أما المناطق المكشوفة، فتضم تماثيل ونصباً عن الإبادة. وعلى سبيل المثال، يوجد نصب يُسمَّى «أوشفيتس» للمثّالة إلسا بولاك، وهو عبارة عن عمود يوحي بأنه مدخنة أفران الغاز كُتبت عليه أرقام ضحايا أوشفيتس (الضحايا اليهود فقط بطبيعة الحال) . أما تمثال «عمود البطولة» للفنان الإسرائيلي بوكي شفارتز، فيحتفي بما يُسمَّى «المقاومة اليهودية» . ومن أشهر التماثيل، تمثال نادور جيلد المسمَّى «نصب ضحايا معسكرات الإبادة» ، وهو عبارة عن أجسام بشرية نحيفة، تُشبه أسلاك المعسكرات الشائكة، ترفع يدها وعيونها نحو السماء. ويوجد ميدان صغير على هيئة شمعدان المينوراه في نهايته تمثال برتي فينك «نصب الجنود ومحاربي الجيتو والمقاومين» والذي يرمز إلى الستة مليون يهودي الذين أُبيدوا، وتأخذ المينوراه شكل نجمة داود. وهناك سيف صلب ضخم مغمد في النجمة. ويلي ذلك ما يُسمَّى «وادي الجماعات التي دُمِّرت» نُقشت فيه أسماء خمسة آلاف جماعة يهودية في 22 بلداً على بناية صخرية منحوتة في الجبل. وحوائط صالة الذكرى بُنيت من كتل ضخمة من البازلت المصقول وعلى أرضها الرمادية الفسيفسائية كُتبت أسماء أهم 22 معسكراً للإبادة. وهناك ما يُسمَّى «النور الأزلي» ، كما هو الحال في المعبد اليهودي، تحت قنطرة أو عقد يحوي رماد الضحايا الذي جُمع من المعسكرات. ويدخل ضوء النهار بين الحائط والسقف. متحف إسرائيل: من أهم المتاحف على الإطلاق، وهو موجود في القدس، ويضم مجموعة من الأعمال الفنية وغير الفنية، العالمية وتلك التي صُنِّفت باعتبارها يهودية. وهذا المتحف ظاهرة إسرائيلية حقة، فالمبنى تكلف حوالي 5,730,000 دولار وصمَّمه مهندسون إسرائيليون مولودون في أوربا. وقامت الولايات المتحدة بدفع أول نصف مليون دولار أُنفقت في تأسيسه، كما قام يهود الولايات المتحدة بدفع مبالغ طائلة مساهمة فيه، وقامت الحكومة الإسرائيلية بتدبير الأرض (التي ُسلبت بطبيعة الحال من الفلسطينيين) . ومن ثم، فهو في تركيبه يُشبه تركيب المستوطَن الصهيوني. ويتكون المتحف من أربعة أقسام: 1 ـ متحف بزاليل القومي للفنون. ويضم أعمالاً فنية بعضها عالمي وبعضها صُنِّف باعتباره يهودياً. 2 ـ متحف صموئيل برونفمان الإنجيلي والأثري. ويضم آثار فلسطين عبر العصور. 3 ـ حديقة بيلي روز للفنون التي صممها الفنان الياباني ايسامو نوجوشي. وتضم بعض أعمال النحت من القرنين التاسع عشر والعشرين. 4 ـ مقام (أو مزار) الكتاب، صممه الفنانان فريدريك كسلر وأرمان بارتوسي، وتُحفَظ فيه مخطوطات البحر الميت. ومن الواضح أن هذا المتحف يجابه مشكلة هوية حقيقية، فالمتحف الأول يضم أعمالاً فنية ليست بالضرورة يهودية، كما أن تلك الأعمال التي صُنِّفت باعتبارها يهودية هي أعمال صاغها فنانون يهود واتبعوا فيها تقاليد فنية من مختلف الحضارات. وإن كان هناك جزء يخص الفن الإسرائيلي، فإنه لابد أن يكون فناً إسرائيلياً وليس فناً يهودياً عاماً. وعلى كلٍّ، فإن مثل هذا الفن لم يظهر إلى حيز الوجود بعد. أما المتحف الثاني، الذي يضم آثار فلسطين عبر العصور، فإنه سيتعامل مع تاريخ غير يهودي، فالوجود اليهودي في فلسطين لا يتجاوز بضع مئات من السنين بينما يمتد تاريخ فلسطين آلاف السنين. فقبل وصول العبرانيين كان هناك الكنعانيون، كما أن الفلستيين وصلوا مع العبرانيين، وقبل القرن الأول الميلادي كانت العناصر غير اليهودية في فلسطين تتزايد، وكان اليهود يهاجرون منها إلى كثير من مدن البحر الأبيض المتوسط. وازداد انتشار اليهود بعد تحطيم تيتوس للهيكل، وبعد دخول فلسطين في التشكيل الحضاري البيزنطي ثم الإسلامي بدءاً من عهد عمر بن الخطاب وحتى العهد العثماني. فأي عرض لتاريخ فلسطين سيؤكد هوية فلسطين التاريخية المُركَّبة، وإذا كان لنا أن نؤكد مرحلة تاريخية على حساب أخرى، فأعتقد أن المرحلة الإسلامية هي أهمها على الإطلاق وليست المرحلة العبرانية. فالإسلام لا يزال هو الماضي الحي، أي الماضي المستمر في الحاضر، ومعظم سكان فلسطين من المسلمين، والمعجم الحضاري السائد هو المعجم الإسلامي. ولكننا لسنا في مجال الاختيار أو الدفاع عن القضية العربية، وإنما نود فقط أن نُبيِّن أحد جوانب الورطة التي يمكن أن تجابه من يحاول تشييد متحف يهودي. أما حديقة النحت، فإنها تثير قضية دينية، لأن اليهودية حرَّمت التماثيل. كما أن مشكلة الأسلوب الفني لابد أن تثار هنا وبحدة، إذ لا يوجد بالتأكيد نحت يهودي. ولعل الجناح اليهودي حقاً هو «مزار الكتاب» الذي يضم مخطوطات البحر الميت وخطابات بركوخبا، ومع هذا، يمكن أن تثار هنا قضيتان: 1 ـ مخطوطات البحر الميت كُتبت في مرحلة لم يكن الفكر الديني اليهودي قد اكتمل فيها بعد. ولذا، فإن هناك أفكاراً عديدة رفضتها اليهودية الحاخامية فيما بعد. بل يُقال إن فرق الزهاد (الأسينيين) ، الذين كتبوا مخطوطات البحر الميت، هم الذين انضموا لصفوف المسيحيين. وهناك نظرية تذهب إلى أن المسيح نفسه كان عضواً في إحدى هذه الفرق. 2ـ أما بركوخبا، فهو الذي قاد ثورة عبرانية (يهودية) ضد الرومان فشلت وأدَّت في نهاية الأمر إلى تدمير البقية الباقية من الوجود اليهودي في فلسطين. كما أن الحاخامات عارضوا ثورة بركوخبا. وهناك الآن اتجاه في إسرائيل لإعادة تفسير ثورة بركوخبا باعتبارها كانت ثورة هوجاء تدل على الصلف وعلى عدم فهم الملابسات الدولية. ويذهب يهوشوفاط هاركابي إلى أن الإسرائيليين مصابون بمرض يُسمِّيه هو «أعراض بركوخبا» ، أي تبنِّي مواقف تؤدي بصاحبها إلى التهلكة. متحف الدياسبورا (بيت هاتسوفوت) : تذهب العقيدة الصهيونية إلى أن ثمة هوية قومية يهودية واحدة عالمية تضم كلاًًّ من يهود العالم ويهود إسرائيل (فلسطين) . ولذا، لابد من إقامة متحف يُجسِّد هذه الفكرة. ومن ثم قرر المؤتمر اليهودي العالمي عام 1959 إنشاء متحف عن يهود العالم يُقَام في إسرائيل، باعتبارها مركز يهود العالم، وذلك للتعبير عن فكرة الهوية العالمية هذه. وهنا تبدت المشكلة في أقصى درجات حدتها، إذ اكتشفوا أن الأعمال الفنية الرفيعة التي يُقال لها يهودية موزَّعة على متاحف العالم. ولذا، قرروا أن يكون متحفاً لا يضم أعمالاً فنية تقليدية، وإنما تكون معروضاته مُصنَّعة وتعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، أي أنه سيكون متحفاً يتكون من تماثيل توضيحية وشرائح ملونة وبانورامات ومستنسخات، وهو حل ولا شك ذكي. وقد قُسِّم المتحف حسب الموضوع: الأسرة ـ الجماعة ـ العقيدة ـ الثقافة ... وهكذا، لأنه لو قُسِّم حسب المناطق الجغرافية أو المراحل التاريخية لاختفت الهوية اليهودية الافتراضية. ولذا، فإن تقسيمها حسب الموضوع ينزع أعضاء الجماعات من سياقهم حتى يصبحوا يهوداً وحسب وبشكل عام: أعضاء في أسر يهودية أو جماعات يهودية يؤمنون بعقيدة يهودية واحدة ويعيشون من خلال ثقافة يهودية واحدة. ورغم ذكاء الفكرة والمحاولة إلا أنها باءت - في تصورنا - بالفشل، إذ أن عدم التجانس أطل برأسه. ويضم كتاب قصة الدياسبورا صوراً لمعظم معروضات المتحف مع التعليقات. وحينما يدخل الزائر المعرض، فإنه يجد عرضاً يُسمَّى «وجوه من خلال الفن» ، وهو عبارة عن صور وجوه يهودية من حضارات مختلفة، كل واحد منهم تعبير عن نمط عرْقي مختلف عن الآخر (هذا على الرغم من استبعاد اليهود الصينيين والإثيوبيين والهنود) ، فصورة الحاخام من أمستردام بعيونه الخضراء تُبيِّن مدى اختلافه عن صورة السيدة المغربية اليهودية. ويظهر عدم التجانس في الجزء الخاص بصور المعابد اليهودية. فمعبد التنيوشول في براغ، أقدم معبد يهودي في أوربا، هو مَثَل طيب للمعمار القوطي في القرن الثالث عشر والرابع عشر (والفن القوطي فن مسيحي حتى النخاع) ، ثم يليه معبد مدينة كايفنج الصينية الذي لا يختلف عن المعابد الكونفوشيوسية، وبجوارهما معبد ديورا إيوربوس الهيليني، ومعبد فاس الإسلامي الطراز، ومعبد كوشين الهندي المبني على الطراز الهندي، وهكذا. وعلى أية حال، ورغم التصنيف حسب الموضوع، وهو تصنيف بنيوي يُلغي الزمان ويبعد المكان، فإن المكان والزمان يؤكدان نفسيهما. والكتاب الذي نُشرت فيه صور المعرض يُسمَّى - كما أسلفنا - قصة الدياسبورا، والدياسبورا تفترض أن ثمة قسراً وارغاماً، ولكن مما له دلالة أن الاسم الرسمي للمتحف هو «بيت هاتسوفوت» ، وكلمة «تسوفوت» كلمة عبرية تعني «الهجرة الإرادية والطواعية» أي «الدياسبورا الاختيارية» ، بمعنى أن هؤلاء المشتتين لا ينوون العودة لأرض الميعاد، وأن حالة انتشارهم حالة نهائية، إذ اختاروها بمحض إرادتهم، وكل هذا يضمر رفضاً للرؤية الصهيونية التي ترى أن الدياسبورا حالة قسرية ومؤقتة، وأن اليهودي إن تُرك وشأنه فإنه لابد أن يعود إلى وطنه القومي. والاختلاف هنا يُبيِّن مدى عمق الصراع بين يهود العالم والصهيونية . فالصهيونية ترى أن حياتهم خارج فلسطين ليست ذات قيمة وأنها مؤقتة، بينما هم يصرون على أن لحياتهم قيمة كبرى وأنها تستحق الحفاظ عليها، وقد تكون إسرائيل مركز حياتهم، الحقيقي أو المزعوم، لكن المركز لا يُلغي الأطراف. وعلى هذا، فهي دياسبورا مؤقتة من وجهة نظر الصهاينة، وهي تسوفوت دائم من وجهة نظر يهود العالم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الموسيقى اليهودية
Jewish Music «الموسيقى اليهودية» عبارة تفترض وجود أشكال موسيقية خاصة مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية، ذات سمات وخصائص يهودية معيَّنة تتَّسم بها هذه الموسيقى أينما وُجد أعضاء الجماعات اليهودية وتميِّزها عن غيرها من موسيقى الشعوب. وهذه العبارة ليست لها أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية، إذ ليس من المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية كان لهم موسيقى أو آلات موسيقية مستمدة من محيطهم الحضاري. وقد حاول كورت ساخس (أحد أساتذة علم الموسيقى الإثنية البارزين) وَصْف الموسيقى اليهودية خلال المؤتمر الأول للموسيقى اليهودية الذي انعقد في باريس عام 1957، فقال: «إنها الموسيقى التي يلحنها اليهود لليهود باعتبارهم يهوداً» ، وهذا الوصف لا يضع معياراً لتحديد مدى «يهودية» أية قطعة موسيقية سوى الأصل أو العقيدة اليهودية دون اعتبار للشكل أو المضمون أو البناء الموسيقي لها، ويحاول إيجاد مظلة فضفاضة تضم تحتها تراث الجماعات اليهودية المختلفة الموسيقي المتنوع والمتباين. فهل يجوز مثلاً تصنيف سيمفونيات الموسيقار الألماني الرومانسي فليكس مندلسن، والطقاطيق الشرقية للموسيقار المصري داود حسني باعتبارها «موسيقى يهودية» لأن كلاًّ من الملحنين يهودي أو من أصل يهودي؟ وهل يجوز اعتبار الموسيقى التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية موسيقى يهودية رغم أن ألحانها قد تكون ألحاناً سلافية أو ألمانية أو عربية؟ وإذا أضفنا إلى هذا صعوبة (بل واستحالة) تعريف من هو اليهودي ـ الركيزة النهائية لتعريف ساخس ـ فإن الحديث عن «موسيقى يهودية» يصبح أمراً مستحيلاً. وأكدت الدراسات المختلفة لما يُسمَّى «الموسيقى اليهودية» ، سواء أكانت موسيقى دينية أم شعبية أم فناً موسيقياً رفيعاً، أن هذه الموسيقى تعدَّدت وتنوَّعت أشكالها وألحانها ولغتها من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، وعبَّرت عن التقاليد الموسيقية والقيم الجمالية السائدة في المجتمعات التي عاش بينها أعضاء الجماعات اليهودية. ويؤكد لنا العَالم والمؤلف الموسيقيّ الأمريكي اليهودي هوجو ويزجال ذلك، فيقول: «لا تُوجَد أية مواصفات أو سمات محدَّدة أو موضوعية تجعل قطعة موسيقية يهودية أو غير يهودية» . ولذلك، فإن عبارة «موسيقى يهودية» ، مثلها مثل عبارات «ثقافة يهودية» و «فن يهودي» و «تاريخ يهودي» ، تحاول افتراض نوع من الوحدة والاستمرارية، بينما لا تُوجَد مثل هذه الوحدة أو الاستمرارية. ولهذا السبب، فنحن لا نتحدث عن «موسيقى يهودية» ، وإنما عن «موسيقى الجماعات اليهودية» . موسيقى الجماعات اليهودية Music of the Jewish Communities يضم العهد القديم إشارات عديدة إلى استخدام الموسيقى في الطقوس والعبادات اليهودية القديمة. وقد اقتبس العبرانيون الكثير من التراث الموسيقي في بابل ومن التراث الكنعاني والمصري والهيليني. واحتلت الموسيقى مكانة مهمة في الطقوس الدينية للهيكل، وكان يضطلع بها اللاويون، وكانت تجمع بين الغناء والعزف على الآلات الموسيقية. أما بعد هدم الهيكل (عام 70 ميلادية) ، فقد بدأ ظهور الموسيقى الدينية التي تُرتَّل أو تُنشَد في المعابد اليهودية، وتم تحريم استخدام الآلات الموسيقية فيها إلى أن يأتي الماشيَّح، كما اعتبر صوت المرأة غير محتشم وغير لائق للإنشاد الديني في المعبد. وكان يتم ترتيل المزامير على وتيرة واحدة وعلى لحن بسيط، وكانت تُرتَّل عن طريق منشد منفرد، أو من خلال التبادل الصوتي بين المنشد المنفرد ومجموعة المصلين. كما كانت تتم قراءة أو تلاوة العهد القديم بتنغيم بسيط. وفي القرن السادس، تم إدخال الترنيمة الدينية التي عُرفت باسم «بيوط» . ومع ظهور هذه الترنيمة، تطوَّر دور المنشد الديني (حازان) الذي كان يقوم بتلحين كلمات الترنيمة إلى جانب إنشادها. وتميَّز أسلوب الإنشاد بالإرتجال والتموجات الصوتية والزخارف اللحنية. وكانت الألحان تُتوارث من خلال النقل الشفوي، ولم تبدأ عملية تدوينها إلا في القرن السادس عشر بين بعض الجماعات الإشكنازية والسفاردية. والتراث والرصيد الموسيقي المختلف للجماعات اليهودية (سواء الجماعات الشرقية والسفاردية في العالم العربي الإسلامي أو الجماعات السفاردية التي استقرت في أوربا بعد طردها من إسبانيا في القرن الخامس عشر أو الجماعات الإشكنازية في غرب وشرق أوربا) تَشكَّل من خلال البيئة الثقافية التي وُجدت فيها كل جماعة على حدة. فبعد أن وصلت الفتوحات الإسلامية إلى الأندلس في القرن الثامن، بدأت الأوزان تُستخدَم في الشعر العبري. وبحلول القرن العاشر، كانت الأوزان والمقامات والألحان العربية تُستخدَم في ترتيل وإنشاد الترانيم والمزامير في المعابد اليهودية في العراق وسوريا والمغرب والأندلس. وأصبح العهد القديم يُرتَّل على مقام سيجا، وأصبحت الأناشيد والترانيم المخصصة للأعياد والمناسبات السعيدة تُرتَّل على مقام عجم، كما أصبحت تلك المخصصة للأعياد الحزينة مثل العاشر من آب أو المخصصة للجنازات تُرتَّل على مقام حجاز. وزاد الاقتباس من ألحان المجتمعات العربية الإسلامية المحيطة مع نمو النزعات القبَّالية خلال القرن السادس عشر في فلسطين، والتي أعطت للموسيقى والغناء مكانة مهمة باعتبارهما أداتين للتعبير عن حب الإله وبلوغ مراحل من الشفافية الروحية. وقد وضع إسحق لوريا وإسرائيل نادجارا أشعارهما الدينية على أنغام وألحان عربية وتركية وأندلسية، وكان نادجارا أول من خصَّص مقاماً لكل قصيدة ونَظَم الترانيم التي كتبها في ديوان من اثنى عشر مقاماً. واستخدمت الجماعات اليهودية الشرقية السلم الموسيقي العربي الذي ينقسم إلى أربعة أرباع الدرجة ويضم أربعة وعشرين صوتاً، في حين استخدمت الجماعات الإشكنازية في أوربا السلم الغربي الذي ينقسم إلى أنصاف الدرجة ويضم اثنى عشر صوتاً فقط. كما استخدم اليهود الشرقيون في أغانيهم هيكل الأغنية الشرقية الذي يعتمد على التتراكورد، وهو تَسلسُل أربعة أنغام مجموع أبعادها يساوي مسافة رابعة. أما الجماعات الإشكنازية، فاعتمدت على هيكل الأغنية الغربية الذي يعتمد على ثلاثة أنغام يفصل بين كل منها نغمة كاملة. ومازالت بعض الجماعات السفاردية في إيطاليا وبعض مناطق فرنسا تستخدم التتراكورد. كما استخدمت الجماعات الإشكنازية المقامات الغربية التي تضم نوعين فقط؛ مقام كبير ومقام صغير، في حين تكثُر في الموسيقى الشرقية المقامات والأوزان. كما تميَّز غناء الجماعات الشرقية بالطابع الشرقي الذي تسوده الجمل الموسيقية القصيرة والارتجال والزخارف اللحنية. وظهر في العصر الأموي والعباسي (الأول والثاني) ، على المستوى الشعبي، الشعراء المغنون المتجولون الذين ضموا في صفوفهم يهوداً اقتبسوا عن الشعراء العرب قواعد ممارسة فن الموسيقى والغناء، وعزفوا موسيقاهم وألقوا أشعارهم في القرى والمدن، وأيضاً في قصور الأمراء والخلفاء المسلمين. وكانوا بذلك، عاملاً مهماً في نقل الألحان والأساليب الموسيقية المحلية إلى الجماعات اليهودية، وفي تشكيل ذوقهم الموسيقي. كما كوَّن الموسيقيون الشعبيون من اليهود، وخصوصاً في المغرب العربي وفي تركيا، فرقاً موسيقية شرقية كان لبعضها صيت واسع. وفي إستنبول، كان الموسيقيون اليهود يُشكِّلون 5,6% من إجمالي الحرفيين المسجلين لدى الجماعة اليهودية في المدينة عام 1856. كما ضمت صفوف الموسيقيين والملحنين الأتراك البارزين يهوداً، خصوصاً في خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي أوربا، لعب الموسيقيون الشعبيون والمتجولون اليهود دوراً مماثلاً في نقل التراث الموسيقي الشعبي الأوربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية خلال القرون الوسطى. واقتبست الجماعات اليهودية الإشكنازية كثيراً من ألحان ترانيمها ومزاميرها من الألحان الشعبية الأوربية. فلحن «ماوز تزور» هو الترنيمة الخاصة بعيد التدشين (حانوكاه) والذي أُخذ من لحنين شعبيين ألمانيين من القرن السادس عشر أحدهما لحن ديني لوثري، والآخر لحن أغنية للحرب. وترنيمة عيد الفصح «أدير هو» مأخوذة من لحن ألماني من القرن السابع عشر يُستخدَم أيضاً في الكنيسة المسيحية. كما أن اللحن الذي يصاحب دعاء كل النذور مقتبس من الألحان الدينية المسيحية من مدرسة دير سانت جول الغنائية بسويسرا (والتي تعود إلى القرن الحادي عشر) . كما نجد أيضاً أن لحن ترنيمة «يجدال» الذي اتخذته الحركة الصهيونية، ثم إسرائيل من بعدها، كنشيد قومي (نشيد الهاتيكفاه، أي الأمل) ، اقتُبس من الألحان الشعبية السلافية والبولندية. ورغم أن الجماعات السفاردية احتفظت ببعض الملامح الشرقية في موسيقاها الدينية، إلا أنها سرعان ما تطبعت بالتراث الموسيقي المحيط. واقتبس السفارد الكثير من الألحان الأوربية من بينها لحن مزمور «شيرا» الذي أُخذ عن لحن شعبي من القرن الخامس عشر يُسمَّى «لوم آراميه» . واستُخدم هذا اللحن نفسه في الموسيقى الخاصة بأكثر من 30 قداساً مسيحياً. كما استخدم السفارد شكل الكانتاتا الغنائي للاحتفال ببعض الأعياد والمناسبات السعيدة. وخلال عصر النهضة، بدأ ظهور موسيقيين يهود في الغرب، خصوصاً في إيطاليا، حيث جسدت موسيقاهم التراث الموسيقي والأشكال الموسيقية السائدة في ذلك العصر، مثل المادريجال، وهي القصيدة الغزلية القصيرة. وقد دعا الحاخام جودا موسكاتا (المُتوفي عام 1590) حاخام بلدة مانتوا الإيطالية إلى ضرورة دراسة علم الموسيقى كجزء من الدراسات اليهودية. كما زاد الاتجاه نحو تبنِّي عناصر الموسيقى الغربية، مثل تعدُّد الأصوات (البوليفوني) وتآلفها (الهارموني) ، في الغناء والإنشاد الديني اليهوديين. وتأسَّست جمعية موسيقية يهودية في مانتوا، وجرت محاولات لإدخال الآلات الموسيقية إلى المعبد، ولكن دون جدوى (بسبب معارضة الحاخامات) . وكان سالومون روسي (حوالي 1565 ـ حوالي 1630) من أبرز الموسيقيين اليهود في ذلك العصر، وكان أول من أدخل الغناء الكورالي الذي يعتمد على تعدُّد الأصوات إلى موسيقى المعبد اليهودي. كما كانت له مساهمات مهمة في مجال تطوير موسيقى الحجرة. أما الجماعات اليهودية الإشكنازية في شرق أوربا (يهود اليديشية) ، فتميَّزت موسيقاهم بطابعها الخاص، ويُقال إن جذورها تعود إلى يهود الخزر ويهود بيزنطة، وإن كان ذلك غير مؤكد. ولكن المؤكَّد أنها قد تأثرت بموسيقى المجتمعات السلافية المحيطة بهؤلاء اليهود سواء من حيث اللحن أو من ناحية الإيقاع. وقد انعكس تأثير الحركة الحسيدية التي بدأت تظهر في منتصف القرن الثامن عشر على الموسيقى الدينية. وقد احتلت الموسيقى لدى الحسيديين مكانة مهمة باعتبارها وسيلة اتصال بين الروح البشرية والإله، حيث لم يترددوا في اقتباس كثير من الألحان الشعبية السلافية لترانيمهم الدينية عملاً بالمقولة الحسيدية القائلة بضرورة «إنقاذ الألحان العلمانية من الشيطان» . كما ظهرت بين يهود اليديشية في القرن السادس عشر فئة من الموسيقيين المتجولين الذين يعزفون على الآلات الموسيقية، كانوا يطوفون المدن والقرى بآلاتهم الموسيقية لإحياء الأعياد والأفراح اليهودية وغير اليهودية. وقد أخذت ألحانهم الكثير من الألحان البولندية والمجرية والروسية والأوكرانية والرومانية والغجرية. وكانت لهم نقابات خاصة بهم. وحقَّق بعضهم شهرة واسعة بين اليهود وغير اليهود بفضل مهارتهم في العزف، كما نالوا إعجاب بعض كبار موسيقيي القرن التاسع عشر. ومع انعتاق الجماعات اليهودية في أوربا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتزايد اندماجهم في مجتمعاتهم الأوربية، أصبح من الطبيعي احتكاك قطاعات أوسع من أعضاء الجماعات بالقيادات الموسيقية السائدة في عصرهم واكتسابهم واستيعابهم لغتها وأشكالها وأساليبها. وفي ظل هذا التطور، كان حدوث تغيُّرات في شكل وتقاليد الموسيقى الدينية للمعابد اليهودية حتمياً حتى بين الطوائف الأرثوذكسية التي كانت ترفض أي تغييرفي الطقوس الدينية، الأمر الذي أثار كثيراً من الجدل في حينها. فدخلت آلة الأرغن الموسيقية إلى المعبد اليهودي، وكانت المعابد الإصلاحية في ألمانيا أول من بادر بذلك، كما اتجهت إلى ترتيل الترانيم باللغة الألمانية واقتباس ألحان بعض الترانيم البروتستانتية الشهيرة. كما تم إدخال فرق الكورال التي تضم رجالاً ونساءً بشكل دائم في بعض المعابد. وقد استخدم كثير من المنشدين أسلوب الغناء الأوبرالي في الإنشاد، ولم يكن غريباً أن يجمع كثير منهم بين الإنشاد الديني في المعبد والغناء الأوبرالي خارجه. وكان ذلك يثير أحياناً اعتراض رجال الدين اليهودي، حيث تعرَّض أحد منشدي معبد لندن الكبير، وهو مايير ليوني (1740 ـ 1798) ، للطرد بعد أن أصر على الاشتراك في «أوبرا المسيح» لهاندل. وتَرَك كثير من المنشدين المعابد، وانخرطوا في الحياة الموسيقية العامة. وكانت فيينا، مهد كبار الموسيقيين أمثال هايدن وبيتهوفن وموزار وشوبرت، مركزاً مهماً من المراكز التي شهدت هذه التحولات. وكان من أبرز المجددين اليهود في ذلك العصر (1804 ـ 1890) الملحن الموسيقي وكبير منشدي الجماعة اليهودية في فيينا سولومون سولزر، الذي أدخل تعديلات مهمة على الأداء الموسيقي في المعبد اليهودي، خصوصاً موسيقى وفرق الكورال، واستعان بالخبرات الموسيقية لشوبرت وغيره من الملحنين غير اليهود في تلحين عمله الكبير «أغنية صهيون» . وقد تتلمذ على يدي سولزر كثير من منشدي الجماعات اليهودية في شرق أوربا الذين أثروا بدورهم في التقاليد الموسيقية للمعابد اليديشية. وشهد القرنان التاسع عشر والعشرون صعود عدد غير قليل من الملحنين الموسيقيين اليهود احتل بعضهم مكانة متميِّزة في التاريخ الموسيقي الغربي. ونظراً لأن التلحين الموسيقي ظل خاضعاً لفترات طويلة لرعاية الكنيسة المسيحية والنبلاء، لم يجد أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا مجال التلحين الموسيقي متاحاً أمامهم. ومع انعتاق اليهود، وتزايُد معدلات العلمنة والليبرالية في القرن الثامن عشر، وصعود الطبقات الوسطى، وانتشار الحفلات الموسيقية العامة، اتسعت فرص ومجالات التلحين الموسيقي أمام الموسيقيين اليهود. ويُعَدُّ فيلكس مندلسن (1809 - 1847) أول ملحن موسيقيّ بارز من أصل يهودي منذ عصر النهضة في الغرب، وجسَّدت مؤلفاته التراث الرومانسي السائد في عصره. وكان مندلسن، وهو حفيد موسى مندلسن مؤسِّس حركة التنوير اليهودية، يمثل طبقة أثرياء اليهود الذين اندمجوا تماماً في محيطهم الثقافي الألماني. وتُعتبَر أعمال الموسيقار الألماني جوستاف ماهلر (1860 ـ 1911) من تراث المرحلة الرومانسية المتأخرة. أما الموسيقار النمساوي المولد الأمريكي الجنسية أرنولد شونبرج (1874 ـ 1951) ، فهو أحد الموسيقيين والملحنين البارزين في القرن العشرين، وهو الذي طوَّر نظاماً جديداً للتأليف الموسيقي (نظام الاثنتي عشرة نغمة) . وتُعتبَر مؤلفاته السريالية جزءاً من تراث مرحلة ما بعد الرومانسية. وقد اعتنق كلٌّ من مندلسون وجوستاف ماهلر وأرنولد شونبرج الدين المسيحي، لكن شونبرج عاد إلى اليهودية في أواخر حياته. وفي الولايات المتحدة، احتل الموسيقيون اليهود مكانة متميِّزة في مجال الموسيقى الشعبية الأمريكية، خصوصاً موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي (برودواي) والموسيقى التصويرية للأفلام، والموسيقى الخفيفة، وكانوا من العناصر الرائدة فيها. أما الموسيقيون اليهود الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة قادمين من شرق أوربا حاملين معهم تراث الموسيقيين الشعبيين في هذه البلاد، فوجدوا فرصاً أوسع للعمل في المجال الموسيقي، خصوصاً في المجالات التي لا تزال تُعتبَر حديثة مثل المسرح الاستعراضي وموسيقى الأفلام والموسيقى الخفيفة. ومن أهم الموسيقيين الأمريكيين في هذا المجال، جورج جيرشوين (1898 ـ 1937) ، الذي لحن الكثير من موسيقى المسرح الاستعراضي الغنائي. ويُعَدُّ أهم أعماله «بورجي وبس» محاولة للجمع بين موسيقى الجاز والموسيقى الشعبية للزنوج في إطار أوبرالي. وتفوَّق أعضاء الجماعات اليهودية أكثر في مجال العزف، سواء من حيث عدد العازفين أو مستوى أدائهم. أما في مجال التأليف الموسيقيّ، فلم يكن الأمر كذلك رغم وجود عدد من الملحنين اليهود في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ويرجع السبب في ذلك إلى أن فرصة اقتحام مجال التلحين لم تُتَح لأعضاء الجماعات اليهودية بشكل واسع إلا منذ مائتي عام، في حين كان هناك رصيد من العازفين الشعبيين المهرة، وخصوصاً في شرق أوربا، والذين تميَّزوا في العزف على آلة الكمان. وبالفعل، حقَّق عازفو الكمان من اليهود، من أمثال يوسف يواقيم (1831 ـ 1907) ، درجة رفيعة في العزف والأداء الموسيقيّ. وبعد أن اكتسبت آلة البيانو شعبية بين الطبقات المتوسطة الأوربية، انضم الموسيقيون اليهود إلى قائمة العازفين المتميِّزين على البيانو، ويعد أنطون روبنشتاين (1829 ـ 1894) من أعظم عازفي البيانو في القرن التاسع عشر. ومن أشهر عازفي الكمان في الوقت الحاضر يهودي مينوهين. وقد جرت محاولات، من جانب أعضاء الجماعات اليهودية ومن جانب المعادين لليهود، لتحديد ما يتصورونه سمات مميَّزة لمؤلفات وأعمال الموسيقيين اليهود. وقد كان الموسيقار ريتشارد فاجنر من أشهر من اتجهوا إلى مثل هذا الاتجاه، فكان ينسب إلى الموسقيين اليهود بعض السمات والخصائص الفنية السلبية والمدمرة. وفي مقاله «اليهود في الموسيقى» (عام 1850) هاجم فاجنر بكل شدة فيلكس مندلسن وغيره من الموسيقيين اليهود بشكل عام. وتبنَّى النازيون آراء فاجنر الذي نال شعبية في عهدهم. وقد ذكر النازي ريتشار إيخيناو في الموسيقى والجنس أن الملحنين والموسيقيين اليهود يُشكِّلون عنصراً مدمراً لأنهم يمثلون الاتجاهات الراديكالية في الموسيقى. ومما يُذكَر أن أعمال فاجنر الموسيقية ممنوعة في إسرائيل. ومن جهة أخرى، حاول البعض وصف الأعمال الموسيقية للملحنين اليهود بأنها تمثل جمال «الفن العبري» وتتميَّز بالانفعالات العاطفية المتطرفة والمبالغة، كما تعبِّر عن أعماق الروح. وهذا الاتجاه، سواء الذي يبحث عن سمات مدمرة أو ذلك الذي يبحث عن سمات متميِّزة لأعمال الموسيقيين اليهود ليس ذا قيمة تفسيرية عالية. فإذا أمكننا وصف أعمال شونبرج بالراديكالية، فهذا لا ينطبق على غيره من الموسيقيين اليهود مثل ماهلر وغيره. وإذا كانت بعض الصفات السابق ذكرها يمكن أن تنطبق أيضاً على موسيقيين من غير اليهود مثل تشايكوفسكي وموسورسكي وفاجنر وبرامز، فإن معنى ذلك أنه ليست هناك أية سمات خاصة، تُميِّز أعمال الموسيقيين اليهود وتعزلها عن أعمال غيرهم من الموسيقيين. وكما تعدَّدت وتنوعت موسيقى أعضاء الجماعات اليهودية من تشكيل حضاري إلى آخر، تعدَّدت وتنوعت داخل كل تشكيل حضاري على حدة من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ومن مدرسة موسيقية إلى أخرى. ولذا، فإننا نجد بين الموسيقيين اليهود (الكلاسيكيين والرومانسيين والراديكاليين والمحافظين) العاطفيين أو العقلانيين. هيرمان ليفي (1839-1900) Herman Levy موسيقيّ ألماني يهودي وُلد في ألمانيا حيث كان والده حاخاماً. تلقَّى تعليمه الموسيقي في ليبزج، كما درس على أيدي بعض الموسيقيين الألمان الكبار. لم يبرز في التأليف الموسيقيّ، ولكنه أصبح قائد أوركسترا مرموقاً واستقر منذ عام 1872 وحتى وفاته في ميونخ التي كانت تُعَدُّ آنذاك العاصمة الثقافية لألمانيا. وتميَّز ليفي بتشجيعه الموسيقيين المغمورين والجدد وبإقدامه على تقديم مؤلفاتهم الموسيقية والتي فتحت لبعضهم أبواب الشهرة. ويُعَدُّ ليفي نموذجاً لليهودي الكاره لنفسه، فقد كان مندمجاً تماماً في المجتمع الألماني وعضواً في النخبة الثقافية الألمانية، راودته مسألة اعتناق المسيحية ولكنه لم يُقدم على ذلك أبداً، كما كان شديد الاعتزاز بألمانيته. وفي عام 1864، رفض السفر للعمل في باريس قائلاً إنه كموسيقي متوحِّد قلباً وقالباً مع وطنه الألماني لا يمكنه أن يعمل في فرنسا. وكان ليفي يذهب إلى أن الفنان اليهودي، مثل غيره من الفنانين، قادر على الوصول إلى مستويات رفيعة من الأداء الفني ولكنه غير قادر على إبداع أو على إنتاج عمل يُكتَب له الخلود. كما كان ليفي من أشد المعجبين بالموسيقار ريتشارد فاجنر ومن المقربين إليه، وامتدح بحثه الذي نُشر تحت عنوان «اليهود في الموسيقى» والذي تضمن هجوماً لاذعاً على اليهود، وكان من أهم قادة الأوركسترا الذين قدموا مؤلفاته. وحاول فاجنر، دون جدوى، دفع ليفي إلى اعتناق المسيحية عندما اختاره ليكون أول من يقود عمله الموسيقي الكبير «بارسيفال» . لكن العلاقة بينهما توترت عندما تلقَّى فاجنر خطاباً من مجهول يدين قيام يهودي بقيادة عمل موسيقي ذي مضمون مسيحي واضح ويتهم ليفي بالتورط في علاقة آثمة مع زوجة فاجنر. واضطر ليفي للاستقالة من منصبه في مسرح البلاط الملكي في ميونخ. ولكن كان لتدخُّل ملك بافاريا (لودفيج الثاني) في الأمر دور في إعادة الوفاق بين الرجلين، وقام ليفي بقيادة «بارسيفال» عام 1882. داود حسني (1870-1937) Dawod Husni ملحِّن وموسيقيّ مصري يهودي. وُلد في القاهرة، وكان والده يشتغل بصياغة الحليّ وكانت والدته أعرابية الأصل. في صباه، كان داود حسني من أبرز أعضاء فرقة الأناشيد الدينية بمدرسته. وانتقل داود حسني في سن مبكرة إلى المنصورة حيث درس الموسيقى الشرقية والعزف على العود، وعاد إلى القاهرة ليعمل مطرباً. وفي سن العشرين، بدأت تتضح موهبته في مجال التلحين حيث قام بتلحين بعض الأدوار والطقاطيق والقصائد للمطربين. ويُعَدُّ داود حسني من أهم الموسيقيين المصريين، يُقرَن اسمه بموسيقيين من أمثال سيد درويش وكامل الخلعي حيث لعب دوراً بارزاً في نهضة الموسيقى في مصر وفي إثرائها في العقود الأولى من القرن العشرين. وتميَّز دور داود حسني بشكل خاص في المسرح الغنائي المصري حيث لحَّن كثيراً من المسرحيات الغنائية، وكان أول من قام بتلحين أوبرا مصرية هي «شمشون ودليلة» ، كما لحن أوبرا أخرى هي «ليلة كليوباترا» التي ألفها حسين فوزي. وتعلَّم على يديه كثير من المطربين والمطربات الذين حققوا شهرة واسعة فيما بعد مثل أم كلثوم وأسمهان. وتقوم الإذاعة الإسرائيلية بالإشارة إلى داود حسني باعتباره موسيقاراً يهودياً، وهو أمر يستحق التأمل دون شك إذ أننا لو حاولنا البحث عن أي بُعد يهودي في موسيقاه لأعيتنا الحيلة. ولذا، يُدهش كثير من المصريين الذين يعرفون أغانيه وأدواره، كما يُدهش كثير من المتخصصين الذين درسوا موسيقاه، حينما يعرفون أنه «يهودي» . ومن ناحية أخرى، فإنه رغم تميُّزه داخل الحضارة العربية الحديثة، ورغم ذيوع صيته، فإن كثيراً من الموسوعات والدراسات التي تتناول ما يُسمَّى «الثقافة اليهودية» لا تذكر اسمه، فالثقافة اليهودية عادةً ما تعني عندهم الثقافة اليديشية أو ثقافة يهود العالم الغربي. الرقص والرقصات اليهودية Jewish Dance and Dances عبارة «الرقص اليهودي» أو حتى «الرقصات اليهودية» تفترض وجود أساليب في الرقص ورقصات بعينها مقصورة على أعضاء الجماعات اليهودية، وهو الأمر الذي لم ينجح أحد في إثباته، ولذا فنحن نُسقط مثل هذه العبارات لأن مقدرتها التفسيرية والتصنيفية ضعيفة بل ومنعدمة، ونفضل أن نستخدم بدلاً من ذلك عبارة «رقصات الجماعات اليهودية» . رقصات الجماعات اليهودية Dances of the Jewish Communities يُعتبَر الرقص واحداً من أقدم الفنون على الإطلاق. عرفته جميع الأقوام والشعوب على مر العصور كجزء من طقوسها الدينية أو احتفالاتها الاجتماعية. ويوضح لنا كلٌّ من العهد القديم والتلمود ارتباط كثير من الرقصات باحتفالات وطقوس العبرانيين في التاريخ القديم، وهي رقصات لم تختلف كثيراً في شكلها أو حركاتها أو أسلوب أدائها عن الرقصات السائدة بين الشعوب المحيطة بهم في تلك العصور. وبالنسبة إلى الجماعات اليهودية، فإننا نجد أن هناك أهمية خاصة للرقص في حياتها سواء من الناحية الدينية أو من الناحية الاجتماعية، كما نجد أن أشكال الرقصات التي انتشرت بينهم وأسلوب أدائها تختلف من جماعة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر وأنها اعتمدت بالدرجة الأولى على تقاليد المجتمعات التي عاش أعضاء الجماعات اليهودية بينها وعلى التراث الفني الثقافي لهذه المجتمعات. وعرف اليهود القدامى الرقص كجزء من طقوسهم وشعائرهم الدينية وللاحتفال بالمناسبات العديدة، مثل الانتصارات العسكرية والزواج ومواسم الحصاد. ويضم العهد القديم أحد عشر جذراً من جذور الأفعال التي تُستخدَم لوصف الرقصات والحركات الخاصة بها وأسلوب أدائها مثل الوثب والركض والدوران وغيرها. وقد استُخدمت الأفعال المأخوذة من هذه الجذور في وصف المواكب والرقصات التي كانت تتم أمام تابوت العهد. كما كانت هناك رقصات تتم في شكل حلقات، ويُرجَّح أنها كانت خاصة بالنساء. وكما أن كلمة «الرقص» كانت تحمل عند الآشوريين معنى الابتهاج، كذلك ارتبطت كلمة «حاج» العبرية التي تعني أيضاً «الابتهاج أو الاحتفال» بثلاثة أعياد يشكل الرقص فيها جزءاً أساسياً من مراسم الاحتفال، وهي: عيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد الحصاد. والرقص، مثل الغناء، كان يُستخدَم لتمجيد الرب أو الإله، فكان داود يدعو شعبه لتمجيد الرب «بالدفوف والرقص» . كما أن كثيراً من أنبياء جماعة يسرائيل كانوا يقومون بالدعوة إلى الإله وهم يضربون الدفوف ويرقصون رقصات تتميَّز بالحركات الدائرية التي تزداد سرعة واندفاعاً إلى أن يصل الراقصون إلى حالة من النشوة والابتهاج الغامر. وكان الأنبياء يعتقدون أن هذا الرقص يعمل على إنعاش الروح الربانية التي تتحدث نيابةً عنهم، وهم في هذا يشبهون الدراويش. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك الرقصات الخاصة بالانتصارات العسكرية التي كانت تقوم بأدائها النساء على أنغام الدفوف والآلات الموسيقية. ومثل سائر الشعوب البدائية، كانت تُقام رقصات احتفالاً بمواسم الحصاد، فكانت تُقام في عيد المظال مواكب يومية حول المذبح (داخل المعبد) بعد تقديم القرابين، وفي ثاني أيام العيد كانت تُقام رقصة بالمشاعل يصاحبها مواكب من النساء يحملن أغصان النخيل والصفصاف. كما كانت جميع حقول الكروم تضم أماكن للرقص مخصصة للنساء فقط، ويبدو أن كثيراً من هذه الرقصات كانت من أصل كنعاني (ومن احتفالات بالإله بعل) . ولابد أن العبرانيين قد تأثروا بالمحيط الحضاري البابلي والآشوري حينما دخلوا في نطاق هذه الحضارة، كما تأثروا بالمحيط الفارسي من بعد ذلك (ولكننا لا نملك الدليل التاريخي على ذلك) . أما في العصر الهيليني، فنحن نعرف أنه رغم معارضة الحاخامات للرقص، فإن كثيراً من أعضاء الجماعات اليهودية داخل وخارج فلسطين كانوا يتبنون كثيراً من رقصات اليونانيين والرومانيين ذات الطابع الوثني، والتي كان يقوم بأدائها رجال ونساء دُربوا خصيصاً لهذا الغرض، وهذا يدل على تجذُّر العادات الهيلينية بين يهود حوض البحر الأبيض المتوسط في تلك الفترة. وقد ظهرت بين أعضاء الجماعات اليهودية رقصة ذات طابع وثني واضح كانت تُؤدَّى أمام كبار الشخصيات (ولعلها كانت تشمل حركات تعبِّر عن السجود وتدل على انعدام الذات أمام الشخصية المتألهة) . وتشير المشناه إلى وجود مراسم واحتفالات خاصة بانتقاء العرائس كانت تتم في أيام الخامس عشر من آب، وفي يوم الغفران عندما تخرج الفتيات للرقص في حقول الكروم. أما بالنسبة لاحتفالات الزفاف نفسها، فإن العهد القديم يضم إشارة واحدة فقط لإحدى الرقصات المصاحبة لهذه الاحتفالات، ويُعتَقد أن هذه الرقصة كانت تقوم بها العروس وهي تحمل في يدها سيفاً (رمزاً لرفضها أي رجل سوى عريسها الذي اختارته) . أما التلمود، فيضم وصفاً أكثر تفصيلاً لمراسم ومواكب الزواج. وكان الرقص على شرف العروس يُعَدُّ عملاً من أعمال التقوى الدينية يتنافس عليه الحاخامات، كما كان يتم أحياناً إحضار الراقصين المحترفين للمشاركة في احتفلات الزواج، فكانوا يقدمون رقصات تجمع بين حركات الأيدي والأرجل والوسط. واندثرت أغلب هذه الرقصات واختفت تماماً مع انتهاء الوجود العبراني في فلسطين كتجمُّع بشري ديني حضاري، لكن بعض هذه الرقصات بقيت لتؤدَّى بشكل شديد الاختصار داخل المعابد أو البيوت اليهودية. واتخذت الجماعات اليهودية التي استقرت ونشأت في مختلف أنحاء العالم أشكالاً جديدة من فنون الرقص نبعت من التراث الثقافي والفني السائد في التشكيلات الحضارية التي انتموا إليها والتي تشكلت تقاليدهم الحضارية في إطارها. وقبل أن نستمر في العرض التاريخي، يمكننا أن ننظر إلى الرقص من منظور التحريم. لقد كانت العقيدة اليهودية تمنع الرقص المُختلَط بين الرجال والنساء، ووضع الحاخامات خلال العصور الوسطى في أوربا قواعد صارمة بالنسبة للرقص المُختلَط بحيث أصبح يُسمَح به فقط بين الرجل وزوجته وبين الأخ وأخته وبين الأب وابنته، وأدَّى ذلك إلى تصميم رقصات مُعقَّدة يتم فيها الاختلاط بين الجنسين ولكن مع مراعاة القاعدة التي وضعها الحاخامات. وفي أحيان أخرى، كان يتم تجاهُل هذه القواعد كليةً. ومع تصاعُد معدلات العلمنة داخل المجتمعات الغربية، ومن ثم بين أعضاء الجماعات اليهودية، بدأ التراخي في تطبيق التحريمات الدينية يتزايد بما في ذلك التحريمات المتصلة بالرقص المُختلَط. وحاول الحاخامات الحد من ذلك بفرض الغرامات على المخالفين ولكن دون جدوى، خصوصاً أن الرقص المُختلَط بدأ يكتسب قبولاً وشعبية كبيرة بين الجماهير اليهودية، وذلك (دون شك) تحت تأثير البيئة المحيطة بهم. وفي العصور الوسطى اكتسب الرقص في أوربا شعبية بين أعضاء الجماعات اليهودية كنشاط اجتماعي وترفيهي شأنها في هذا شأن أعضاء مجتمع الأغلبية. وأُقيمت في كثير من الجيتوات اليهودية في فرنسا وألمانيا وبولندا دور للمناسبات تُقام فيها الحفلات الراقصة والغنائية في أيام الأعياد وأيام السبت وللاحتفال بالزواج. ويبدو أن هذه الدور أقيمت أساساً للاحتفال بالزواج وتحوَّلت تدريجياً إلى أماكن للترفيه. وكانت الرقصات التي اشتُهرت في هذه الدور رقصات شبيهة أو مماثلة للرقصات المنتشرة بين الشعوب الأوربية آنذاك. وإن كان يُرجَّح أن أصولها ترجع إلى رقصات الشعوب الأوربية المحيطة. وقد كان لكل دار من هذه الدور قائد للرقص يتميَّز بتفوُّقه في الرقص والغناء والقدرة على الارتجال، وكان يقوم بإدارة الرقصات كما كان معنياً بإدخال التنويعات الجديدة عليها. أما الجماعات اليهودية في إسبانيا والعالم العربي الإسلامي فلم تنشأ بينهم مثل هذه الدور. وعلى عكس يهود أوربا الذين عاشوا في الجيتوات الضيقة، كانت بيوت يهود الشرق من السعة بحيث تسمح بإقامة جميع الاحتفالات بداخلها. وتنوعت واختلفت أشكال وأنواع الرقصات التي تقام احتفالاً بالأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية من جماعة إلى أخرى. فقد ارتبط بعيد النصيب نوع من الرقصات انتشرت بين كثير من الجماعات اليهودية وإن تنوعت تفاصيلها ومظاهرها من جماعة إلى أخرى، وهي رقصة تتضمن حرق تمثال يرمز إلى هامان والقفز فوق النار والغناء. وهذه الأنواع من الرقصات تعود جذورها إلى الطقوس السائدة بين الشعوب البدائية التي كانت ترمز إلى حرق الشيطان في النار. ويشير التلمود إلى أن هذا التقليد كان سائداً بين يهود بابل، كما يبدو أن هذه الرقصات كانت موجودة بين يهود مدينة بيزنطة وكذلك بين يهود إيطاليا خلال القرنين الثاني عشر والرابع عشر، وكذلك بين يهود بولندا خلال القرن الثامن عشر حيث كان عيد النصيب شبيهاً بالكرنفال. ويُقال إن هذا التقليد كان موجوداً أيضاً بين الجماعات اليهودية في القوقاز والجزيرة العربية وشرق الهند. وكانت هناك رقصات عديدة مخصصة للاحتفال بالزواج، ففي العصور الوسطى في أوربا ظهرت رقصات كانت أقرب إلى الطقوس السرية أو الصوفية، وفي أحيان كثيرة كان الموت يُتَخذ موضوعاً لها، وفي بعض الأحيان يسقط أحد الحاضرين في حفل الزواج على الأرض كأنه ميت ويرقص من حوله الرجال والنساء وهم يغنون، ثم يقوم الرجل (من مماته) وينضم إلى الآخرين في رقصة مرح وابتهاج. وهي رقصة ترمز إلى البعث. وانتشرت مثل هذه الرقصات والأغاني بين شعوب أوربا في تلك الآونة، ومن أهمها أغنية الأطفال «رينج أروند روزيز Ring around rosies» أي «فلتلتفوا» والتي تنتهي بغناء جماعي للأطفال حيث يقولون بالإنجليزية: «آشز آشز، وي أول فول داون ashes, ashes, we all fall down» وتعني «رماد في رماد، كلنا سنَسقُط» . وهناك رقصة أخرى تُسمَّى «رقصة الموت» ظهرت في أعقاب اجتياح الأوبئة لأوربا والتي هلك فيها الملايين حيث كان يتم زواج الأيتام الفقراء في حفل يُقام في المقابر بحضور أعضاء الجماعة اليهودية. ومن الرقصات التي ارتبطت بشكل خاص بحفلات الزواج، رقصات الوصايا (متزفاه) ، وهي رقصة جماعية يقوم فيها الرجال بالرقص مع العريس والنساء مع العروس، وذلك احتراماً للقواعد الدينية الخاصة بعدم اختلاط الجنسين في الرقص. ولكن، مع تآكل احترام هذه القيود، أصبح الرجال يرقصون مع العروس ولكن مع تغطية أيديهم بشيء رمزاً للانفصال. ومع أوائل القرن التاسع عشر، أصبح التقليد المتبع هو أن يرقص الرجال مع العروس ويفصلهما منديل تمسك العروس بأحد أطرافه والرجل بطرفه الآخر. وفي بعض الأحيان، كان يُدعَى إلى حفلات الزواج المتسولون من اليهود، وكان يُسمَح لهم بالرقص مع العروس وكذلك أداء بعض الرقصات الخاصة بهم التي عُرفَت باسم «رقصة المتسولين» . أما في الأفراح الحسيدية، فكان أحد التقاليد المتبعة هو الرقص بملابس الفلاحين أو بارتداء جلد الحيوان أو زي جنود القوزاق. كما كانت الفتيات يرقصن حول العروس، والفتيان يرقصون حول العريس. أما بالنسبة للجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي، فإننا نجد أنهم كانوا يحيون حفلات الزفاف بإحضار راقصات ومغنيات محترفات (عوالم) يرقصن على أنغام الطبول. وفي اليمن، كانت النساء من الضيوف يقمن بالرقص بالمزهرة أو الصحن الذي يحوي صبغة الحنة التي سيتم صبغ أيدي العروس بها. وفي مصر، كان سلوك المدعوين يتنوع بتنوُّع الخطاب الحضاري السائد. فحتى نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن يتم تغريب أعضاء الجماعات اليهودية، كانت السيدات يقمن بالرقص مع العروس رقصات شرقية، كما كانت العروس ترقص معهن. ومع تزايُد معدلات التغريب والعلمنة، بدأت أفراح أعضاء الجماعات اليهودية تصبح غربية تماماً، فيختلط الجنسان ويرقصان التانجو أو غيرها من الرقصات الغربية الذائعة. وهناك رقصات خاصة أيضاً بيوم السبت. وقد اعتاد الحسيديون الرقص، مع انتهاء نهار السبت، حول مائدة الحاخام. وفي شرق أوربا، اعتاد الشباب اليهودي في المجر ومورافيا ورومانيا على الرقص في أيام السبت خارج المعبد على مرأى من النساء. وكانت رقصاتهم من الرقصات المنتشرة في المجتمع المحيط، مثل رقصة الحوراhora ذات الأصل الروماني (والتي أصبحت فيما بعد الرقصة الشعبية الأولى في إسرائيل) ، وكان الحاخامات ينظرون باستياء لمثل هذه الرقصات. أما بين يهود اليمن فإن الراقصين كانوا يقومون بالرقص في يوم السبت على أطراف أصابعهم مع هز الكاحل ومفصل الركبة إلى أن يصل الراقص إلى حالة من النشوة والانجذاب الديني. كما كانت تُقام رقصات احتفالاً بعملية الختان، وخصوصاً بين الجماعات اليهودية في العالم العربي والإسلامي. وأحياناً، كانت هذه الرقصات تهدف إلى إبعاد الأرواح الشريرة عن الأم والطفل، ففي صفد كانت الراقصات يرقصن مساء كل يوم عقب الولادة وحتى يوم الختان. وفي المغرب، كانت النساء يرقصن بالسيوف، وكان الرقص يجري (أحياناً) حول فراش الأم طوال الأسبوع الذي يسبق عملية الختان. أما في إيران، فكان الأب يقوم بإحضار راقصات محترفات لإحياء الليلة التي تسبق عملية الختان. وفي المغرب العربي، كان يتم إحضار صينية إلياهو التي تُستخدَم في عملية الختان في موكب من الشموع يتخلله الغناء والرقص. وفي سوريا ولبنان، يقوم سبعة من الضيوف بالرقص بالصينية كلٌّ في دوره. وفي عدن، كان الضيوف يقومون بالرقص مع كرسي إلياهو كأنهم يرقصون مع النبي إلياهو نفسه. وفي جميع الحالات، سيُلاحَظ أن الرقصات وطريقة أدائها ينبع من التقاليد الثقافية للمجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية في كنفه. وهناك رقصات تذكارية تُقام إحياءً لذكرى أحد الأنبياء أو الحاخامات، فقد جرت العادة على إحياء ذكرى وفاة الحاخام سيمون بن يوحان الذي يُعتبر أبا القبَّالاه، وإليه ينسب كتابة الزوهار، حيث يجتمع الحجاج عند مقبرته في صفد للرقص والغناء. أما الحاخام الحسيدي نحمان البرتسلافي، فأمر أتباعه بإحياء ذكراه عند وفاته عن طريق دراسة المشناه والرقص عند مقبرته. وقام أتباعه لأجيال متعاقبة بتلبية رغبته وإقامة احتفال راقص إحياءً لذكراه في مقابر أومان في أوكرانيا. أما يهود جبال كروستاف في شمال العراق، فيُقال إنهم يحتفلون بعيد الأسابيع بإحياء ذكرى النبي ناحوم والاجتماع عند مقبرته والطواف حول ضريحه والغناء، في حين تقوم النساء بالرقص. وفي ثاني أيام العيد، يصعد الرجال إلى قمة أحد التلال القريبة لقراءة التوراة ثم ينزلون التل في موكب شبيه بالمواكب العسكرية حاملين السلاح ويقومون بتمثيل المعركة الكبرى التي ستؤذن بقدوم الماشيَّح، أما النساء فيستقبلن الرجال بالرقص والغناء على نغمات الدفوف. وقبل الانتقال إلى الرقص بين أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الحركات الحلولية المشيحانية ساعدت على انتشار الرقص بينهم. وساهمت في هذا الاتجاه حركة شبتاي تسفي بشكل خاص، ثم الحركة الفرانكية، إذ أن النزعة الترخيصية شجعت على إسقاط الحدود، بما في ذلك الحدود الخاصة بالرقص. بل إن الشعائر السرية ذات الطبيعة الجنسية لهذه الجماعات كانت تتضمن دائماً الرقص المحموم. واكتسب الرقص، مع ظهور الحركة الحسيدية في القرن الثامن عشر، أهمية كبيرة بالنسبة إلى الجماعات اليهودية في شرق أوربا، وأصبح يشكل جزءاً من حياتهم اليومية. فقد اعتبر بعل شيم طوف، مؤسس الحسيدية، الرقص شكلاً من أشكال الصلاة والعبادة أمام الرب وأداة للوصول إلى حالة من النشوة الدينية والالتصاق بالرب والتوحد به (ديفيقوت) . وهذا يتفق تماماً مع النزوع الحلولي نحو التجسد (مقابل النزوع التوحيدي نحو التبليغ) الذي يتضح أيضاً في مفاهيم مثل الخلاص بالجسد (عفودا بجاشيموت) . وبالتالي، أصبح الرقص الحسيدي نوعاً من الطقس الديني يصل من خلاله الراقص إلى حالة من النشوة والابتهاج الديني. والرقص الحسيدي كان يتم في شكل دائري، أو في حلقات، رمزاً للفلسفة الحسيدية الحلولية القائلة بأن «الكل متساو والكل عبارة عن حلقات في سلسة، والدائرة ليس لها جهة أمامية أو خلفية وليس لها بداية أو نهاية» (والنسق الحلولي العضوي في رأينا يأخذ دائماً شكل دائرة مغلقة) . والرقص الحسيدي يبدأ بطيئاً ثم يزداد إيقاعه تدريجياً إلى أن يصل إلى حالة النشوة وتصاحبه حركة التمايل وحركات الأيدي والأرجل والقفز في الهواء والتصفيق. وقد عَلَّم الحاخام نحمان البرتسلافي أتباعه أن الرقص مع الصلاة من الفروض المقدَّسة وأن كل جزء من الجسد له إيقاعه الخاص، وقام بتأليف صلاة خاصة يقوم بتلاوتها قبل الرقص مباشرةً كما دعا مع غيره من الحاخامات الحسيديين إلى ضرورة الرقص في جميع المناسبات والأعياد، حتى تلك التي تتَّسم بالوقار إحياءً لذكرى حزينة، مثل: التاسع من آب ورأس السنة ويوم الغفران، وكذلك في احتفال بهجة التوراة (سمحات توراه) . فإلى جانب المواكب المعتادة لهذا الاحتفال كان الحاخام الحسيدي يقوم بالرقص في نشوة روحية مع التوراة مرتدياً شال الصلاة (طاليت) ومحاطاً بدائرة من الحسيديين الذين يقومون بالغناء والتصفيق. وثمة نظريات مختلفة تحاول الوصول إلى أصول رقصات الحسيديين، فتذهب بعضها إلى أن أصل هذه الرقصات يعود إلى الرقصات الكنعانية البعلية التي تعلَّمها العبرانيون القدامى بعد تسلُّلهم في كنعان (وفي رأينا أن هذا الرأي بعيد عن الصواب، وينبع من رؤية اليهود ككيان حضاري مستقل له أصوله الحضارية المستقلة) . وهناك رأي يذهب إلى أن الرقصات الحسيدية تعود إلى أصل تركي، ومن ثم فهي تشبه رقصات الدراويش العثمانيين (في قونيه) حيث يدورون حول أنفسهم. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن الحسيدية انتشرت في مقاطعات كانت تحت السيطرة العثمانية أو قريبة من الأثر العثماني، وأن الحركة الحسيدية تأثرت بالحركة الفرانكية التي تأثر صاحبها بالثقافة العثمانية، وأن الحسيديين ككل متأثرون بتراث المارانو السفاردي الذي كان قد دخله عنصر عثماني. كما أن أطروحة كوستلر الخاصة بأصول يهود بولندا الخزرية (التركية) يدعمها هذا الرأي. ولكن ثمة رأياً ثالثاً يرى أن رقصات الحسيديين تأثرت برقصات جماعات المنشقين المسيحيين الأرثوذكس (مثل الدوخوبور والسكوبتسي والخليستي) الذين تركوا أثراً عميقاً في فكر الحسيديين. ومما سبق، نرى أن فنون الرقص تنوعت وتعدَّدت من جماعة يهودية إلى أخرى ومن عصر إلى آخر وارتبطت في المقام الأول بالتشكيل الحضاري الذي انتمت إليه كل جماعة على حدة. ومن ثم، فإن من الصعب الحديث عن «الرقص اليهودي» باعتباره فناً له سماته وشكله وحركاته وأسلوب أدائه الخاص. والواقع أن رقصات الجماعات اليهودية، سواء بين الإشكناز أو السفارد أو الشرقيين، تجد جذورها إما في المجتمعات الأوربية (سواء في شرق أو وسط أو جنوب أوربا) أو في المجتمعات العربية والشرق أوسطية. وخير دليل على ذلك هو تعدُّد وتنوُّع الرقصات التي جاء بها المستوطنون اليهود إلى إسرائيل وهي الدولة الصهيونية التي تدَّعي «وحدة الشعب والتراث والثقافة اليهودية» ، فكانت هناك الرقصات البولندية والروسية والرومانية والرقصات العربية اليمنية. بل إن الرقصة الشعبية الأولى في إسرائيل، وهي الحورا، ما هي إلا رقصة رومانية الأصل. وليس هذا فحسب بل إن إسرائيل اتجهت، في محاولة لخلق «رقص شعبي إسرائيلي» للأخذ من تراث الرقص العربي الفلسطيني، خصوصاً رقصة الدبكة الشهيرة. ومعنى ذلك أن عملية السلب لم تقتصر على الأرض بل امتدت أيضاً إلى تراث أصحاب الأرض وفنونهم ورقصاتهم. وشهدت العصور الوسطى، وعصر النهضة في أوربا، ظهور العديد من الراقصين ومعلمي الرقص اليهود المحترفين، وكان أغلبهم من اليهود الإيطاليين أو من يهود المارانو. واكتسب الرقص في تلك الفترة أهمية كبيرة بالنسبة إلى طبقة الأمراء والنبلاء الأوربيين وأصبح يُشكّل جزءاً مهماً من تقاليدهم الاجتماعية وظهرت العديد من الرقصات الخاصة ببلاط الأرستقراطية التي أصبحت تتميَّز عن الرقصات الشائعة بين عامة الشعب. وساعد على هذا التطور ظهور معلمي الرقص، خصوصاً في إيطاليا. ويبدو أن اليهود لعبوا دوراً ريادياً في هذا المجال (ربما نتيجة ميراثهم كجماعات وظيفية) فيعود أول ذكر لمعلم رقص إلى الحاخام هاسن بن سالومو Hacen ben Salomo الذي قام عام 1313 بتعليم المسيحيين رقصة كورالية تؤدَّى أمام المذبح في الكنيسة. ويبدو أن كثيراً من اليهود اشتغلوا بهذه المهنة في إيطاليا خلال القرن الخامس عشر، الأمر الذي يدل على الأهمية التي أعطاها اليهود للرقص آنذاك أن مدرس العبري الذي كان يعلِّم أبناء الأسر اليهودية في إيطاليا العهد القديم والتلمود كان يعلمهم الموسيقى والرقص أيضاً. ومن أشهر معلمي الرقص في ذلك العصر على الإطلاق، اليهودي جوليلمو إبريو الذي كتب عام 1463 واحداً من أهم الكتب المخصصة لأصول وقواعد الرقص والذي ظل لفترة طويلة دليلاً مهماً للأرستقراطية الأوربية في هذا الشأن. وفي القرن السادس عشر، اكتسب اليهودي جاكينيو مارسانو شهرة واسعة كمعلم رقص في روما. وفي عام 1775،منح البابا حق تدريس الرقص والغناء لاثنين من يهود أنكونا، كما وُجد كثير من مدرسي الرقص اليهود في إنجلترا وفرنسا. كما انتشر في ألمانيا، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، المغنون والمهرجون المتجولون من اليهود الذين كانوا يُقدِّمون الرقصات والتمثيليات الإيمائية والحركات البهلوانية في الأفراح وفي غيرها من المناسبات، وكانوا يشتهرون برقصتي المشاعل والسيوف. ولم يختلف الوضع كثيراً في الشرق، فكان سلاطين آل عثمان يستخدمون الموسيقيين والراقصين اليهود في بلاطهم لإحياء احتفالاتهم. ويُلاحَظ ظهور كثير من الراقصات من أصل يهودي في العالم العربي (حتى منتصف القرن العشرين) لأداء ما يُسمَّى «الرقص الشرقي» . أما في العصر الحديث، ومع تزايُد اندماج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات المحيطة بهم وانخراطهم في حياتها الثقافية والفنية، فقد ظهر بينهم مصممو الرقصات والمرموقون من الراقصين والراقصات. ففي القرن التاسع عشر، قام آرثر ميشيل سان ليون (1815 ـ 1870) ، وهو راقص ومصمِّم رقصات فرنسي، بتصميم باليه كوبيليا الشهير بالإضافة إلى العديد من الباليهات الرومانسية الأخرى والتي عُرضت في مختلف دول أوربا. كما وضع كتاب ستينو كوريوجرافي أي (التدوين المختزل للرقص) عام 1852، وهي طريقة سريعة لكتابة وتسجيل الرقص، وتُعدُّ من أوائل النظم التي وُضعت في هذا المجال. ويُعَدُّ سان ليون من أهم أساتذة الباليه ومصممي الرقصات في عصره، وقد اعتنق الكاثوليكية عندما تزوج من إحدى راقصات الباليه. أما في القرن العشرين، وعندما زاد الاهتمام في الغرب بفن الباليه، فقد ظهر كثير من راقصي وراقصات الباليه بين أعضاء الجماعات اليهودية الذين حققوا شهرة واسعة بل وساهموا في نشر هذا الفن في إنجلترا والولايات المتحدة. فقدَّمت فرقة الباليه الروسي دياجليف عدداً من الراقصات والراقصين اليهود اللامعين أمثال إيدا روبنشتاين وإليشيا ماركوفا، وكذلك ماري رامبيرت التي أسَّست فيما بعد أول فرقة للرقص الكلاسيكي في إنجلترا وتُعتبَر بالتالي من مؤسسي الباليه الإنجليزي الحديث. كما أن مصمِّم هذه الفرقة التي قدَّمت عروضها بنجاح كبير في أوربا بين عامي 1909و1929 هو ليون باسكت اليهودي الأصل. وبعد قيام الدولة السوفيتية، أُتيحت فرصة أكبر لأعضاء الجماعة اليهودية للعمل في المجال الفني وظهر عدد من الراقصات والراقصين البارزين مثل مايا بليستسكايا التي أصبحت الباليرينا الأولى في فرقة باليه البولشوي واختيرت فنانة الشعب للاتحاد السوفيتي، وهي من أعظم راقصات هذا الجيل. أما في الولايات المتحدة، فلم يتميَّز أعضاء الجماعات اليهودية بالإبداع في مجال الرقص، ولكن كانت لهم إسهامات مهمة كراقصين أو مصممي رقصات أو مؤسسي فرق باليه. بل كان لهم دور ريادي في نشر هذا الفن في الولايات المتحدة، فقد أسس ليفكون كيرستاين فرقة مدرسة الباليه الأمريكية (1934) وفرقة مدينة نيويورك، ويُعتبَر ذلك بداية ميلاد الباليه الأمريكي. كما قام معلمو الرقص الأمريكيون اليهود بتدريب كثير من راقصي الفرق الجديدة للباليه الكلاسيكي والتي تكونت في الثلاثينيات والأربعينيات. ومن مصممي الرقص المتميِّزين جيروم روبينز الذي اكتسب شهرة عالمية من خلال تصميمه رقصات «قصة الحي الغربي» . ومن بين الراقصات المتميِّزات ميلسيا هايدن ونورا كاي. وقد قامت هذه الأخيرة بتصميم رقصات باليه «الديبوك» المأخوذة عن مسرحية الكاتب اليديشي آن سكي. ومما يُذكَر أن كثيراً من اليهود وغير اليهود وضعوا باليهات من الرقص الحديث تتناول مواضيع أو قضايا تخص الجماعات اليهودية أو تستمد بعض رقصاتها من الرقصات الحسيدية مثل باليه «القرية التي عرفته» التي وضعته صوني مازلو، ويتناول حياة اليهود في روسيا القيصرية، وباليه «ذكريات» لهيلين تاميريس والذي يتناول حياة أسرة يهودية، وباليه «أحلام» الذي صممته آنا سوكولون وفيه إدانة لألمانيا النازية. كما صممت مارثا جراهام، وهي مصممة رقص غير يهودية وصاحبة واحدة من أهم فرق الرقص في الولايات المتحدة، عملين يتناولان مواضيع يهودية هما: «بعل شيم» و «نيجون» وذلك عام 1928. ولكن تناول مواضيع يهودية لا يعطي هذه الأعمال صفة اليهودية، فالشكل الفني لهذه الرقصات وأسلوب أدائها وحركاتها تنتمي كلها إلى مدرسة الفن الحديث، وهي مدرسة تميل أكثر ناحية التعبير واستعمال الحركات الطبيعية وتعتبر جزءاً من تراث فن الرقص في الغرب. وقد ظهرت في بداية القرن الحالي في العالم العربي راقصات من أعضاء الجماعات اليهودية يقمن بما يُسمَّى «الرقص الشرقي» ، ولا يزال يُوجَد عدد كبير منهن في الولايات المتحدة. وتُوجَد مدرسة لتعليم الرقص الشرقي في إسرائيل. جوليلمو إبريو (النصف الثاني من القرن الخامس عشر ( Guglielmo Ebreo أستاذ رقص إيطالي من القرن الخامس عشر، وربما يكون قد وُلد في إسبانيا قبل عام 1440، لكنه على أية حال ارتبط بمدينة بيسارو الإيطالية. ويشكِّك بعض الباحثين في أصله اليهودي، ولكن الإشارة إليه بلقب «إبريو» أو «العبري» تؤكد هذا الأصل بشكل شبه قاطع. تتلمذ على يد دومينيشينو دا بياسترا مؤسِّس إحدى مدارس الرقص الجديدة في إيطاليا. وكان الرقص يُعتبَر فناً رفيعاً للغاية في عصر النهضة، كما كان جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية للنبلاء والأرستقراطية الأوربية، والدليل على هذا ذلك الكمّ الكبير من الأبحاث والدراسات التي صدرت خلال هذه الفترة حول فن الرقص. وقد كتب جوليلمو بحثاً عن فن الرقص في عصر النهضة شرح فيه أهم قواعده الأساسية إلى جانب شرح مفصَّل لكثير من رقصات عصر النهضة الإيطالية. وقام بتدريس الرقص في قصور الأمراء والنبلاء الإيطاليين، كما قام بالإشراف على كثير من الاحتفالات الراقصة في المدن الإيطالية المختلفة، وأشرف عام 1475 على تنظيم الاحتفالات الضخمة بمناسبة زواج أحد نبلاء بيسارو وقام أيضاً بتصميم رقصات خاصة لهذه المناسبة. وصمم جوليلمو كثيراً من الرقصات وأعمال الباليه التي كانت تُعَدُّ متطورة للغاية بالنسبة إلى عصره. ويبدو أن جوليلمو اعتنق المسيحية فيما بعد واتخذ اسم جيوفاني أمبروجيو. ولكنه، سواء اعتنق المسيحية أم لا، فقد ظل في وظيفته كأستاذ رقص لا يعبِّر عن أية هوية يهودية بقدر ما يعبِّر عن انتمائه إلى جماعة وظيفية يضطلع أعضاؤها بوظائف هامشية أو متميِّزة أو رائدة مثل الربا أو البغاء، وهي في حالة جوليلمو «الرقص» . |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأدب اليهودى
Jewish Literature «الأدب اليهودي» عبارة تُستخدَم لتصنيف بعض الأعمال الأدبية، إما من منظور مضمونها أو من منظور الانتماء الإثني أو الديني (الحقيقي أو الوهمي) لكاتبها إذ تُصنَّف الأعمال الأدبية التي تتناول موضوعاً يهودياً أو مُستمَّداً من حياة أعضاء الجماعات اليهودية (بغض النظر عن لغة العمل أو التقاليد الفكرية أو الحضارية التي يدور في إطارها) باعتبارها «أدباً يهودياً» . ويمكن تصنيف الأعمال الأدبية من منظور انتماء كاتبها، فإن كان يهودياً صُنِّف ما كتبه على أنه «أدب يهودي» . وهذا التعريف الأخير يستبعد الأدباء غير اليهود الذين تناولوا موضوعات يهودية في أدبهم. والمقدرة التفسيرية والتصنيفية لهذا المصطلح محدودة للغاية لعدة أسباب: 1 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى مضمون العمل الأدبي، فنحن بذلك نكون قد تجاهلنا لغة الأدب والتقاليد الحضارية والأدبية والشكلية التي يَصدُر عنها وصرنا نختزله تماماً في بُعْد واحد. فالأعمال الأدبية التي كتبها أدباء مثل برنارد مالامود وسول بيلو وفيليب روث هي أدب يهودي (بالمعنى الإثني لا بالمعنى الديني، فهم لا يؤمنون باليهودية) إذ يتناولون فيها موضوعات وشخصيات يهودية في أدبهم. ولا شك في أن تصنيفنا لأدبهم على هذا النحو سيحد من توقعاتنا، وسييسر علينا فهم أعمالهم الأدبية اليهودية وتفسيرها. ولكن هذا التصنيف رغم فائدته قاصر عن أن يحيط بأدبهم بكل تركيبيته، فهو أدب مكتوب بالإنجليزية وينتمي إلى التقاليد الأدبية الأمريكية. والموضوعات والشخصيات التي يتناولونها ليست يهودية بشكل عام ومجرد، وإنما هي أمريكية يهودية تحددت هويتها داخل التشكيل الحضاري الأمريكي، بل إن البُعْد الأمريكي في نهاية الأمر أكثر أهمية من البُعد الإثني اليهودي. 2 ـ يربط مصطلح «الأدب اليهودي» بين أعمال أدبية كُتبت داخل تقاليد أدبية مختلفة باعتبار أنها جميعاً «أدب يهودي» ، وكأن ثمة موضوعات متواترة وأنماطاً متكررة تبرر تصنيف هذه الأعمال الأدبية داخل إطار واحد. فقصيدة كتبها شاعر روسي يهودي عن اليهود باللغة الروسية، ورواية كتبها مؤلف فرنسي يهودي عن اليهود باللغة الفرنسية، وقصة قصيرة كتبها كاتب أمريكي يهودي عن اليهود باللغة الإنجليزية، ومقال أدبي كتبه أديب من ليتوانيا باليديشية، ودراسة نقدية كتبها أديب إسرائيلي بالعبرية، تُصنَّف كلها باعتبارها «أدب يهودي» . أي أنه مصطلح يفترض وجود أطر ثقافية وفكرية يهودية عالمية. ومثل هذا الافتراض لا يسانده الكثير في واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهو يؤكد الوحدة والتجانس والعمومية على حساب التنوع وعدم التجانس والخصوصية، وفيه تأكيد للمضمون اليهودي للعمل الأدبي على حساب أبعاده الفكرية والشكلية الأخرى، أي أنه مصطلح يُفقد الأدب ما يُميِّزه كأدب. ويمكن أن يُقال إن هناك موضوعات مثل الإحساس بالغربة أو انتظار الماشيَّح تربط بين هذه الآداب. ولكن سيُلاحَظ أن هذه الموضوعات من العمومية بحيث نجد أن ما يربط بينها هنا ليست يهودية المؤلف، وإنما أحاسيسه الإنسانية، أي أن المرجعية النهائية هي إنسانيتنا المشتركة، أو البُعْد الإنساني في تجربة عضو الأقلية في مجتمع الأغلبية، بكل ما يحيق بهذه التجربة من مخاطر. 3 ـ إن أخذنا بالتصنيف الذي يستند إلى خلفية الكاتب اليهودية، نكون قد أخذنا بأساس تصنيفي ليس له مقدرة تفسيرية عالية. فكثير من الأعمال الأدبية التي يكتبها مؤلفون يهود (مثل الناقد الأمريكي ليونيل تريلنج) ليس لها مضمون يهودي. ونحن نرى ضرورة عدم استخدام هذا المصطلح بسبب قصوره عن الإحاطة بشكل ومضمون الأعمال الأدبية التي كتبها مؤلفون يهود عن موضوعات يهودية، فالبُعْد اليهودي ليس هو المحدِّد الأساسي للعمل الأدبي، كما أنه لا يوجد بُعْد يهودي عالمي واحد. وبطبيعة الحال، يثير مصطلح «أدب يهودي» مشكلة بشأن أديب مثل هايني الذي تمرَّد على يهوديته ليدخل الحضارة الغربية، فتنصَّر. ولكنه بعد تنصره بدأ يحن ليهوديته! أو أديب مثل نيثان وينشتاين الذي رفض انتماءه اليهودي تماماً وغيَّر اسمه إلى «ناثانيل وست» وكَتَب أدباً عدمياً يهاجم فيه المسيحية واليهودية ومختلف العقائد الدينية. ونحن في هذه الموسوعة نرفض التعميمات التصنيفية الكاسحة مثل «أديب يهودي» ونُصنِّف كل أديب حسب الأبعاد الحقيقية لأعماله الأدبية، ولهذا نستخدم مصطلحات مثل «الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية» ، و «الأدب الصهيوني» ، و «الآداب المكتوبة بالعبرية» ، و «الأدب اليديشي» . ولتصنيف أي كاتب من أعضاء الجماعات اليهودية لابد من استخدام مصطلح مُركَّب. فمثل هذا الأديب لا يعيش خارج التاريخ، حتى ولو توهَّم هو نفسه ذلك، بل يعيش داخل حضارة معينة ويكتب أدباً بلغة معيَّنة. لكل هذا، يُستحسَن وصف تشرنحوفسكي، على سبيل المثال، بأنه شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. ورغم أنه يَصدُر عن التقاليد الأدبية الروسية والغربية، فهو صهيوني النزعة في معظم قصائده، ولذا فهو يكتب أدباً يمكن أن يُسمَّى «أدباً صهيونياً» . أما سول بيلو فهو كاتب أمريكي يهودي يكتب أدباً ذا طابع أمريكي باللغة الإنجليزية، ويتعرض أحياناً للموضوعات اليهودية وأحياناً أخرى يهملها، وأعماله الأدبية لا تنم عن نزعة صهيونية، وإن كانت إحدى أعماله الصحفية تعبِّر عن هذه النزعة. وبهذا نكون قد وصفنا الانتماء الحقيقي للأديب قومياً وحضارياً وأدبياً (وهذا هو الإطار العام) ، ثم ذكرنا الأداة اللغوية والتقاليد الأدبية التي يدور في إطارها (أي انتقلنا إلى الخاص وحددنا الأداة التي يستخدمها) ، ثم ذكرنا موقفه السياسي بعد انتمائه الحضاري واللغوي. الأدب الصهيوني Zionist Literature «الأدب الصهيوني» عبارة يمكن استخدامها للإشارة لبعض الأعمال الأدبية ذات المضمون الصهيوني الواضح، بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو الحضاري أو اللغوي للمؤلف. فرواية دانيال دروندا، التي ألَّفتها الكاتبة المسيحية جورج إليوت بالإنجليزية، تنتمي إلى هذا الأدب الصهيوني، بينما نجد أن بعض الروايات التي كتبها يهود عن الحياة اليهودية لا تنتمي إلى الصهيونية من قريب أو بعيد، بل إن بعضها يتبنى رؤية معادية للصهيونية بل ولليهودية. وما يُسمَّى «الأدب الصهيوني» هو عادةً أدب من الدرجة الثالثة (أو كما نقول «أدب صحفي» ، أي أنه كُتب ليُنشَر في الصحافة كما أنه ذو توجُّه دعائي واضح. ومن أهم أعمال الأدب الصهيوني رواية الخروج للكاتب الأمريكي اليهودي ليون أوريس وأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي مائير لفين) . والأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية أو اليديشية أو التي كتبها أدباء يهود في مختلف أرجاء العالم نجد أن منها ما هو صهيوني - وهو القليل - ومنها ما هو معاد للصهيونية، وغالبيتها غير مكترثة بها. ولا يصف مصطلح «الأدب الصهيوني» شكل الأدب ولا محتواه ولا حتى لغته، وإنما يصف اتجاهه العقائدي العام، تماماً مثل عبارة «الأدب الرأسمالي» أو «الأدب الاشتراكي» . ولذلك، فهو مصطلح عام ومجرد مقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة للغاية ولا يُعَدُّ تصنيفاً أدبياً، شأنه في هذا شأن مصطلح «الأدب اليهودي» . الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية Men of Letters from Jewish Communities «الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه بدلاً من مصطلحات مثل «الأدب اليهودي» أو حتى «الأدباء اليهود» (انظر: «الأدب اليهودي» ـ «الأدب الصهيوني» ) . وقد أشرنا في المداخل الخاصة بهؤلاء الأدباء إشكالية البُعْد اليهودي في أدبهم، فبعضهم تنصَّر والبعض الآخر وُلد مسيحياً وبعضهم هاجم اليهودية بعنف والبعض الآخر لم يكترث بها، وهناك من تناول يهوديته باعتبارها موضوعاً إنسانياً (وحسب) ، أما خصوصيته اليهودية فهي مسألة عرضية تشكل جزءاً من الكل الإنساني. وكل أديب من هؤلاء ينتمي إلى التشكيل الحضاري الذي يعيش في كنفه بشكل شبه كامل، ومن ثم أمكنه أن يبدع من خلاله. هاينريش هايني (1797-1856 ( Heinrich Heine واحد من أشهر شعراء ألمانيا الرومانسيين، وُلد لأب يهودي ثري يعمل بالتجارة. تلقَّى هايني تعليماً بروتستانتياً ثم التحق بمدرسة ابتدائية يهودية ثم بمدرسة ثانوية كاثوليكية. كما أن المدينة التي وُلد فيها (دوسلدورف) تغيَّر انتماؤها بحيث أن هايني غير جنسيته ست مرات دون أن يغيِّر مكان إقامته. وربما ساهم هذا في إضعاف هويته وتقوية عدم انتمائه إلى وطنه ألمانيا وحماسه لفرنسا وللثقافة الفرنسية. كان هايني ينوي الالتحاق بخدمة نابليون ولكن هزيمة الجنرال الفرنسي قضت على هذه الآمال، فاشتغل بعض الوقت في أمور المال والتجارة ولكن لم يحالفه النجاح. ثم درس القانون وتأثر بفلسفة هيجل. وقد تنصَّر، وهو أمر كان شائعاً بين يهود ألمانيا، وعلى وجه الخصوص بين دارسي القانون، إذ أن الوظائف في السلك القانوني كانت مقصورة على المسيحيين. ولكن لم تكن الاعتبارات العملية وحدها هي السبب في تنصُّره، فكما أشرنا لم يكن هناك انتماء محدَّد لهايني. ويمكن القول بأن هايني أدرك تماماً أن الحلولية (الكمونية) هي المدخل الحقيقي لفهم الفلسفة الغربية. فالحلولية بالنسبة له هي تقديس (تأليه) الطبيعة وهي أيضاً تأليه الإنسان وهو تَناقُض أساسي: إذ كيف يمكن لإله أن يُقدِّس الأشياء المتألهة، وأيهما يسبق الآخر: الإنسان المتأله، أم الطبيعة المتألهة؟ ويرى هايني أن إسبينوزا هو نبي الحلولية، وأن الفلسفة الألمانية المثالية هي الوريث الحقيقي لهذه الحلولية، ولذا فهي فلسفة «هدَّامة» ولكن ديباجاتها أكاديمية ضبابية تُخبِّئ معناها الإلحادي العميق، بل وأحياناً تظهرها بمظهر إيماني. وقد قام كانط - حسب تصوُّر هايني ـ باستكمال ما بدأه إسبينوزا فأسقط فكرة الألوهية في ألمانيا (تماماً كما أسقط الثوار النظام القديم في فرنسا) . بل إن كانط في تصوُّر هايني أكثر إرهابية من روبسبير، فالثورة الفرنسية لم تقتل سوى ملك، أما كانط (وتلاميذه) فقتلوا إلهاً. ودفاع شلنج عن فلسفة الطبيعة هو ذاته حلولية إسبينوزا. أما في حالة جوته فإن القشرة الرياضية الصلبة التي تحيط بفلسفة إسبينوزا قد سقطت، وظهرت روح إسبينوزا الحقيقية ترفرف في شعره في فاوست وآلام فرتر. وهيجل هو أيضاً وريث إسبينوزا. وإذا كان إسبينوزا قد ساوى بين الطبيعة والتاريخ أو بين الطبيعة والإنسان وجعل للطبيعة تاريخاً دون أن يجعل منه روحاً، فإن هيجل أعلى من شأن التاريخ وجعل منه روحاً. ويقف هايني مع إسبينوزا في إلغاء أية ثنائية وفي الإصرار على المساواة الكاملة بين الطبيعة والتاريخ وبين المادة والروح. هذه الحلولية تعبِّر عن نفسها في شعر هايني العميق، فهو شاعر نيتشوي (قبل ظهور نيتشه) يحتفي بالحياة، حياة تخبئ نفسَها بنفسها. وكما يقول في إحدى قصائده «الحياة الحمراء تنبض في عروقي، وتحت قدمي تذعن الدنيا، وفي توهُّج الحب أعانق الأشجار والتماثيل، وتعيش هي في عناقي» . وهذا عالم عضوي يشير إلى ذاته؛ مات فيه الإله، ولذا فالإنسان هو سيد نفسه، خالق قيمه وعالمه. وفي قصيدة «ألمانيا: قصة شتاء» يصل هايني إلى ألمانيا ليسمع فتاة صغيرة (رمز ألمانيا) : كانت تغني عن الحب وأحزان المحبين عن التضحية، حتى نلتقي في يوم آخر في عالم أفضل لا يعرف الألم أو الأحزان. غنت في وادي الدموع الدنيوي هذا عن الحب الذي لا يُمسك به إنسان عن العالم الآخر العظيم حيث تعيش الأرواح في غبطة وقد تحوَّلت إلى نشوة أزلية. ويدرك هايني أن هذا إن هو إلا الأفيون الديني الذي يُعطَى للجماهير (هذا العملاق الأحمق) ، فيغني للفتاة أغنية أخرى: أغنية جديدة، أغنية أفضل يجب أن نلدها الآن يا رفاقي، ولنبدأ على التو في بناء مملكة السماء على الأرض، فالتربة تعطينا خبزاً يكفي لإطعام بني الإنسان كلهم، وتعطيهم الزهرة والآس، والجمال والفرح، كما تعطيهم البازلاء الخضراء. ثم يضيف قائلاً: بوسعنا أن نترك السماء بلا تردُّد للملائكة والطيور. والنزعة الحلولية المشيحانية واضحة في هذه الأبيات. فالأرض هي مصدر كل القيم المادية والمعنوية، وثمة نزوع نحو الفردوس الأرضي ونهاية التاريخ. وتتضح نفس الحلولية في أفكار هايني السياسية. فقد كان ثورياً وارتبط اسمه بعض الوقت بالسان سيمونية (التي أسماها «المسيحية الجديدة» ) . ورحَّب بثورة 1830 في فرنسا (واستقر في باريس) . ومن هنا عداوته للمسيحيين، بل لكل الأديان بما في ذلك اليهودية، فقد كان يكرهها بعمق. وقد كتب مرة يقول إنه يوجد أمراض ثلاثة شريرة: الفقر والألم واليهودية. بل كان يعتبر اليهودية قوة معادية للإنسانية، فهي «مصيبة وليست ديناً» ، على حد قوله. ورغم احتقاره لليهودية الحاخامية، أي الأرثوذكسية، فإنه كان يحتقر أيضاً اليهودية الإصلاحية التي ستقضي على اليهود. وفي عام 1847 أصيب هايني بمرض في عموده الفقري بسبب أحد الأمراض السرية، وهو ما أقعده في الفراش. وهكذا أصبح شاعر المادة يعيش في «مقبرة المادة» على حد قوله. ولا ندري هل هذا هو الذي أدَّى به إلى إعادة النظر في حلوليته الإلحادية؟ إذ بدأ يُعبِّر عن مخاوفه من أن الشعب قد يتحوَّل إلى غوغاء يعبد المادة. وواكبت ذلك مراجعة لموقفه من كانط، إذ اكتشف أن كانط تَرك مسألة الإله دون اتخاذ قرار، أي أنه لم يَعُد كانط الملحد الذي بشَّر به هايني من قبل. وعبَّر هايني عن احتقاره لفلسفة هيجل التي أشار إليها بأنها " جدلية برلين العنكبوتية " التي لا يمكنها أن تقتل قطاً أو إلهاً. أما البروتستانتية التي كان يراها في الماضي بداية الإلحاد فقد أصبحت حينئذ بداية الإيمان، وأعلن تراجُعه عن عملية التسوية الحلولية بين الإنسان والطبيعة، وبدأ يحن إلى اليهودية كجزء من حنينه الديني العام. كما كان يوقع خطاباته برسم نجمة داود السداسية. وقد ازداد صيت هايني ذيوعاً بعد موته، ولحَّن شوبرت وشوبان وبرامز قصائده. والحديث عن البُعْد اليهودي في شعر هايني سيكون حديثاً عن أمور هامشية ليس لها مقدرة تفسيرية. إذ أن القضية الكبرى في حياته هي نفسها القضية الكبرى التي شغلت المفكرين في عصره وهي قضية الحلولية. ولذا فمحاولة فهم رؤية هايني وأشعاره في إطار يهودي لن تفيد كثيراً، فمثل هذا الإطار قد يُفسِّر لنا تطرفه الحلولي المشيحاني وعلمانيته الشرسة في المرحلة الأولى، ولكنه لن يُفسِّر لنا جوهر الإشكالية، ولذا سيكون الإطار الألماني الغربي هو الأجدى والأكثر تفسيرية. إما لازاروس (1849-1887 ( Emma Lazarus شاعرة أمريكية يهودية، وُلدت في نيويورك لأبوين ثريين من يهود السفارد المندمجين. ولم تكن لازاروس ذات موهبة أدبية كبيرة. وهي تتناول في أعمالها موضوعات يهودية. قامت لازاروس بترجمة بعض قصائد ابن جبرول ويهودا هاليفي إلى الإنجليزية (عن الألمانية لأنها لم تكن تعرف العبرية (. وفي عام 1883، كتبت لازاروس قصيدة «التمثال الضخم الجديد» من أجل جمع التبرعات لإقامة قاعدة لتمثال الحرية، وألهبت بقصيدتها هذه حماس الكثيرين. وحُفرت القصيدة على لوحة برونزية ووُضعت على مدخل التمثال عام 1903. والقصيدة من طراز السونت وتتحدث عن المثل الأعلى الأمريكي، ويتذكرها معظم الأمريكيين باعتبارها قصيدة وطنية أمريكية تُعبِّر عن رؤيتهم لأنفسهم. وبعد موتها، رفضت اختها أن تضم أعمالها الكاملة «أي شيء يهودي» (على حد قولها (. مارسيل بروست (1871-1922 ( Marcel Proust روائي فرنسي، وُلد في باريس لأب كاثوليكي وأم يهودية، نشأ نشأة كاثوليكية ليبرالية وإن اختلط من خلال أمه بأعضاء الطبقة الوسطى من اليهود وغير اليهود. تخرَّج في إحدى مدارس الليسيه الفرنسية المرموقة كما درس في السوربون، وعاش حياة اجتماعية واسعة مختلطاً بالطبقة الراقية التي شكلت مادة خصبة لكتاباته الروائية. صدرت أول أعماله عام 1896 تحت عنوان الملذات والأيام. أما أهم أعماله على الإطلاق فهي رواية البحث عن الزمن المفقود التي صدرت في 15 جزءاً و7 مجلدات في الفترة ما بين عامي 1913 و1927، وهي تُعتبَر واحدة من أهم الأعمال الروائية المعاصرة. وهذه الرواية، وإن لم تكن سيرة ذاتية، إلا أنها تستمد كثيراً من شخصياتها وأحداثها من تجارب بروست وذكرياته الشخصية ويتخللها عدد من الأفكار المحورية التي تتكرر في أشكال مختلفة عبر جميع الأجزاء، مثل الإغراء الدائم للأرستقراطية الفرنسية، والشذوذ الجنسي (بروست نفسه كان شاذاً جنسياً) ، وفكرة الحب التي اعتبرها بروست نوعاً من المرض أو الوهم، ثم موضوع الزمن الذي اعتبره بروست السيد النهائي للإنسان والكون. فالحياة في مجراها ليست إلا زمناً مفقوداً وأوهاماً زائلة، والذاكرة والفن هما السبيل الوحيد لاستعادة هذا الزمن المفقود وتحويل الأوهام إلى أشكال ملموسة من الجمال الأبدي. ويتميَّز أسلوب بروست الأدبي بانتمائه إلى التراث الأدبي الفرنسي الكلاسيكي، فقد تأثر بفلوبير وسان سيمون كما تأثر بالأدب الإنجليزي، وخصوصاً أدب ديكنز وجورج إليوت وراسكين، ويُقال أيضاً إنه تأثر بوردزورث ومفهوم الذاكرة عنده. ورغم أن بروست كان كاثوليكي النشأة فرنسي الثقافة لا يرتبط عقائدياً أو وجدانياً باليهودية، فإن كثيراً من الأدبيات والمراجع اليهودية تُصنِّفه باعتباره يهودياً، بل حاول البعض التلميح بوجود مسحة من اليهودية التلمودية في أسلوبه الروائي الغريب الذي هو في الواقع أسلوب ينتمي إلى التراث الأدبي الفرنسي. بل ويشيرون إلى تأثره البالغ بقضية دريفوس والتي تناولها في بعض رواياته، وأنه كان أول من أقنع أناتول فرانس بالتدخل في هذه القضية. ومن ناحية أخرى، فإن تناول بروست للشخصية اليهودية في روايته البحث عن الزمن المفقود دفعت البعض لوصفه بمعاداة اليهود. فروايته تضم ثلاث شخصيات يهودية رئيسية، إحداها شخصية عدوانية متفردة تُجسِّد أسوأ الصفات الاجتماعية، أما الشخصية الثانية، فقد تناولها بروست بشكل أفضل وهي ليهودي مندمج يعيش في الأوساط الراقية ويكتشف هويته عقب حادثة دريفوس وينفصل عن حياة البرجوازية. وقد اعتبر البعض أن هذه الشخصية تجسيد لبروست نفسه. وتتميَّز شخصياته اليهودية بالتَكبُّر الشديد ولكنه تكبُّر يخفي وراءه شعوراً عميقاً بعدم الأمان، فاليهود في نظر بروست أقلية مضطهدة يتملكها جنون الإحساس بالاضطهاد والارتياب الشديد في الآخرين، وهم «جنس ملعون» أشبه بالشواذ جنسياً، على حد قوله. وهذا الربط بين اليهود واللبيدو أو الطاقة الجنسية أو الانحراف أو قوى الظلام هو موقف متجذِّر في الحضارة الغربية يعود إلى الرؤية المسيحية للكون، حيث يلعب اليهودي دور قاتل الرب وحيث لا يمكن خلاص العالم بدون تنصيره. فرانز كافكا (1883-1924 ( Franz Kafka روائي ألماني يهودي، وُلد ونشأ في تشيكوسلوفاكيا لأسرة يهودية مندمجة. درس القانون وعمل في أحد مكاتب المحاماة، ثم في شركة تأمين تابعة للحكومة، ولذلك فإنه لم يكن يكتب إلا في أوقات فراغه. كان أبوه شخصية متسلطة تركت أثراً عميقاً فيه. وكان كافكا يعاني طيلة حياته من الصداع النصفي والأرق. وتم تشخيص مرضه في عام 1917 على أنه السل، فقضى بقية حياته في مصحة. وكان كافكا قد عهد بمخطوطاته لصديقه وكاتب سيرته ماكس برود، ولكنه أوصى وهو على فراش الموت بأن تُحرَق أعماله بعد وفاته، ولكن برود لم يُنفِّذ رغبته. وكثيراً ما تُطرَح قضية يهودية كافكا: فهناك من يرى أنه كان يهودياً بل وصهيونياً حتى النخاع، وهناك من يذهب إلى أنه كان غير مكترث بيهوديته بل معادياً للصهيونية، ويورد كل فريق من الشواهد ما يدل على صدق رؤيته. كما أن هناك تناقُضاً عميقاً بين مذكراته من ناحية ورواياته من ناحية أخرى. ففي المذكرات اهتمام شديد بالموضوع اليهودي، على عكس رواياته التي يلتزم فيها الصمت حياله. وهناك، في المذكرات، إشارات إلى المدينة اليهودية القديمة والجيتو والمشروع الاستيطاني الصهيوني (بل قيل إن كافكا حضر أحد المؤتمرات الصهيونية) . أما رواياته فلا تكاد تشير إلى الموضوع اليهودي، ففي رواية أمريكا (1927) توجد شخصيات من كل الجنسيات (ألمان ومجريون وأيرلنديون وفرنسيون وروس وسلاف وإيطاليون) ولا يوجد سوى يهودي واحد. ونعرف أنه يهودي من اسمه، إذ لا تحمل شخصيته أية سمات من تلك التي تُسمَّى «يهودية» . ومع هذا، فإننا لا نعدم من يُقدِّم قراءة صهيونية لأعماله. ففي دراسة للكاتب العربي كاظم سعد الدين بعنوان «حل رموز كافكا الصهيونية» ، يذهب الكاتب إلى أن رواية المحاكمة (1925) تسعى إلى كشف فساد دار الحاخامية، سليلة السنهدرين، أي المجمع الديني الأعلى. ورواية المسخ أو التحول (1927) إنما تشير إلى التاجر اليهودي المتجول. والقلعة (1926) هي حصن صهيون، وترمز وظيفة المسَّاح إلى الحياة الدنيا لليهود، كما تشير إلى ضرورة معرفة قوانينها وعاداتها وإيجاد نوع من العلاقة الجيدة بينها وبين القلعة التي ترمز إلى السلطة الدينية اليهودية العليا. ويرى كاظم سعد الدين أن كافكا أسقط رمز سور الصين على حدود الدولة المُرتقَبة، وأراد أن يقول إن سور الصين سيُشكِّل لأول مرة في تاريخ العالم أساساً راسخاً لبرج بابل جديد!! وأن بدو الشمال هم الشعب العربي، وأن أبواب الهند هي أبواب فلسطين، وسيف الملك هو سيف داود! ويشير الكاتب أيضاً إلى أن كافكا عارض اندماج اليهود في الشعوب الأخرى ذاهباً إلى أن المدينة اليهودية القديمة غير الصحية، أي الجيتو، حقيقة أكثر رسوخاً بالنسبة إلى اليهود من الشوارع العريضة للمدينة المبنية حديثاً!! ويشير أيضاً إلى أن كافكا ذكر أن أرض كنعان هي أرض الأمل الوحيد. وأوضحت الدكتورة بديعة أمين في كتابها هل ينبغي إحراق كافكا؟ أن هذين الاقتباسين الأخيرين قد نُزعا من سياقهما، إذ يتبع الاقتباس الأول الخاص بالجيتو عبارة «إننا لسنا سوى شبح زال، أما أرض كنعان فهي ليست بأرض على الإطلاق، وإنما حلم وحسب» . ووصفت الدكتورة بديعة تفسيرات الأستاذ كاظم سعد الدين بأنه استنبطها من الكتب الدينية والتاريخية، ثم اعتبرها معادلات موضوعية مادية حسيَّة للرمز الكافكاوي استناداً إلى بعض العوامل الخارجة عن كتابات كافكا. ثم أضافت الدكتورة تحليلها لرؤية كافكا مبيِّنة استحالة أن يتبنى مثل هذا الكاتب رؤية صهيونية، فموضوعات أدبه هي الإحساس العميق بالغربة والعزلة الروحية حتى وسط الأهل والأصدقاء، والوعي بالذات وما يؤدي إليه هذا الوعي، وعلاقة الإنسان بالسلطة وبيروقراطيتها القاتلة، والانسحاب والانسلاخ الاجتماعيان، واختفاء الهدف والإحساس بالهزيمة. وقد عبَّر كافكا عن هذه الموضوعات بأسلوب غامض مغلق لا يسمح بتسرب قطرة ضوء. والواقع أن أدباً يتناول مثل هذه الموضوعات بمثل هذا الأسلوب لا يمكن أن يكون صهيونياً، لأن الأدب الصهيوني أداة أيديولوجية ووسيلة إلى هدف واضح بطريقة واضحة، ولذا فإن مثل هذا الأدب لابد أن يتسم بالوضوح والإيجابية. كما أن الأدب الصهيوني يهدف إلى الدفاع عما يُسمَّى حقوق الشعب اليهودي الذي يحمل خصائص عرْقية وإثنية خاصة ثابتة عبر الزمان والمكان، بل ويُركِّز على تقديس هذا الشعب. وغني عن القول أن رؤية كافكا للطبيعة البشرية مختلفة تماماً، فهي بالنسبة له طبيعة متقلِّبة كالغبار غير مستقرة ولا تحتمل أية قيود. كما أن اليهودي بالنسبة له شخصية هامشية تقف بين عوالم مختلفة ولا تنتمي إلى أي منها. أما كافكا ذاته، فهو يؤكد عدم انتمائه إلى أي عالم، وهو لا يخلع القداسة على أحد، يهودياً كان أو غير يهودي، فعالمه عالم حداثي تماماً، خال من أية مطلقات أو مرجعيات أو مقدَّسات. هذا فيما يتصل بموقف كافكا من الصهيونية. ولكن ماذا عن المضمون اليهودي في أدبه؟ إن مثل هذه المسألة يمكن أن تُحسَم إن قبلنا التحليل السياسي والمباشر للمضمون ثم أضفنا إليه مستويات أكثر عمقاً، ولعلنا لو قبلنا صيغة تفسيرية مُركَّبة تقبل المستويات المتناقضة المختلفة، لفهمنا كافكا حق الفهم. ولنبدأ بكافكا الإنسان والكاتب. كان كافكا يهودياً مندمجاً، ولذا فإنه لم يكن في البداية مدركاً للكتابات الدينية اليهودية أو كتابات المؤلفين اليهود، ولكنه بالتدريج بدأ يهتم بها وبالموضوع اليهودي. وهو أمر طرحته عليه عدة عناصر من أهمها أنه رغم الرغبة الصادقة لقطاعات كبيرة من يهود وسط أوربا في الاندماج، بل والانصهار في الحضارة الغربية، ورغم محاولة كثير من المجتمعات قبولهم ودمجهم وصهرهم، إلا أن عملية مثل هذه لم يكن من الممكن أن تتم في جيل واحد أو جيلين، فقد كان الجيل الأول والثاني من اليهود المندمجين يشعر أنه فقد الجيتو والأمن الذي كان اليهودي يشعر به داخله، بل ووجد نفسه في عالم معاد له. ولا شك في أن حركات معاداة اليهود التي تصاعد نفوذها وازدادت شعبيتها عمَّقت هذا الإحساس لدى كثير من المثقفين اليهود. كما أن هجرة يهود اليديشية (أي يهود شرق أوربا) ، الذين كان يتزايد عددهم داخل الإمبراطورية النمساوية المجرية، ساهم في خلخلة وضع اليهود المندمجين، وهو الوضع الذي فُرضَ على يهودي مندمج مثل هرتزل أن يبحث عن حل للمسألة اليهودية، أي مسألة يهود شرق أوربا، وأن يصوغ الحل الصهيوني. ويعني هذا أن الموضوع اليهودي قد فُرضَ على كافكا فرضاً. فبدأ يقرأ في الكتابات الدينية اليهودية وفي كتابات المؤلفين اليهود العلمانيين. قرأ في كُتب القبَّالاه والحسيدية، ودرس العبرية، وقرأ كتابات صهيونية أو شبه صهيونية (بل يُقال إنه كتب دراسات يُفهم منها تأييده للمشروع الاستيطاني الصهيوني) . وعلى أية حال، فإن المصادر الغربية لفكره كانت أكثر تنوعاً وعمقاً وشمولاً، فقد تأثر بكلٍّ من كيركجارد ودوستويفسكي وفلوبير وتوماس مان وهيس وجوركي، وبالفكر الاشتراكي والفوضوي في عصره. ويبدو أنه كان معادياً للرأسمالية ولاقتصاديات السوق التي تحوِّل الإنسان إلى شيء. وهذه الازدواجية (اليهودي/غير اليهودي) تُعبِّر عن نفسها في مختلف المستويات. ولنأخذ موقفه من الدين؛ من الواضح أن كافكا كان رافضاً للدين كحل لمشكلة المعنى، ومن هنا كانت حداثة رواياته وإحساسه بالضياع الشامل. وهو في هذا، يُعبِّر عن موقف كثير من يهود عصره، حيث كانت اليهودية الحاخامية تعاني من أزمتها العميقة، إذ أخذت تحل محلها العقائد العلمانية المختلفة، مثل الصهيونية والداروينية والماركسية والنازية. ولكن موقف كافكا في هذا كان لا يختلف كثيراً عن موقف كثير من المثقفين الغربيين الذين ابتعدوا عن عقيدتهم وعن مجتمعهم بسبب تَصاعُد معدلات العلمنة وبسبب تآكل المجتمع التقليدي. لقد اندفعوا نحو المجتمع الجديد، ولكنهم لم يجدوا فيه المعنى، ولم تتحقق لهم الطمأنينة. بل إن أزمة اليهودية الحاخامية، لم تكن إلا جزءاً من أزمة العقيدة الدينية في الحضارة الغربية، كما أن كلتا الأزمتين نتاج حركيات واحدة: الانتقال من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث، ولكنه انتقال لا يأتي بالسعادة، وإنما يؤدي إلى عدم الاستقرار والغربة. ومعنى هذا أن الظاهرة نفسها يمكن أن تُفسَّر على أساس يهودي خاص، وعلى أساس غربي عام، ثم نكتشف أن كلاًّ من الأساسين اليهودي الخاص والغربي العام هما شيء واحد. ولكن موقف كافكا الديني يتجاوز مجرد الرفض، ذلك أن كافكا كان يمارس إيماناً دينياً عميقاً من نوع خاص. فكان يرى أن فعل الكينونة لا يعني الوجود المادي وحسب، وإنما يعني أيضاً الانتماء إلى الإله، فالإله كامن في أعماق الذات البشرية. وهذا الجزء في الإنسان هو الجزء غير القابل للدمار، وهو ذاته عالم المُطلَق والكمال، المتجرد من الخطيئة والنقص، وهو العالم الذي يُسمِّيه المؤمن «الإله» . ولكن قُرْب الإنسان من الإله يعني أن يعيش حياة صحيحة، وهذا الموقف يَنتُج عنه رفض العالم المحسوس (عالم السببية والمادة) . وإذا كان الموقف السابق الرافض للدين يعبِّر عن أزمة اليهودية الحاخامية الخاصة وأزمة المعنى في المجتمع الغربي ككل، فإن هذا النوع من الإيمان الديني يعبِّر هو الآخر عن رؤيتين متشابهتين: إحداهما يهودية (القبَّالاه) ، والأخرى غربية عامة (الغنوصية) . وكلتا الرؤيتين تطرح فكرة الإله الخفي (الديوس ابسكونديتويس في الغنوصية، والإين سوف في القبَّالاه) الذي تبعثرت شراراته، فاختلطت الشرارات بالمادة بحيث أصبح الإله موجوداً داخل البشر، مع أنه بعيد عنهم تماماً. ويحاول الإنسان جاهداً عبر حياته أن يتجه نحو الالتحام به والعودة إليه، ولكنها عودة أصبحت مستحيلة (ولذا يستحيل فهم «المحاكمة» ، كما يستحيل دخول «القلعة» ) . والتراث القبَّالي والغنوصي تراث منتشر في الحضارة الغربية بين اليهود وغير اليهود. فهناك قبَّالاة يهودية، وهناك قبَّالاة مسيحية (من أصل يهودي) ، وهناك غنوصية يهودية وأخرى مسيحية. ومن ثم، فإن من الممكن تفسير هذا الجانب أيضاً على أساس يهودي خاص وأساس غير يهودي أو غربي عام. وسنُلاحظ نفس الشيء في أهم جوانب روايات كافكا، أي شخصياتها الأساسية. فأبطال كافكا رجال بلا تاريخ، رجال يعيشون خارج الزمان والمكان في فراغ لا اسم له، وفي زمان لا يمرُّ به تاريخ، يوجدون في كل الأوطان ولا وطن لهم، شخصيات تبحث عن شيء ما لا تعرف هويته، ويسقطون ضحايا شر لا يفهمون كنهه. وتبدأ رواياته عادةً خارج نطاق التجربة اليومية. فافتتاحية المحاكمة تقدم لنا البطل جوزيف ك. وقد قُدِّم للمحاكمة بسبب جريمة لا يعرف ما هي، كما أنه لا يعرف شيئاً عن طبيعة هيئة المحكمة التي تقرر إعدامه، وتنتهي المحاكمة نهاية عبثية. وفي الروايات الأخرى لكافكا، لا توجد نهاية على الإطلاق، ففي القلعة مثلاً لا يصل البطل إلى أي هدف. ويمكن تفسير هذه العزلة من منظور يهودي خاص، فشخصيات كافكا ليسوا بعيدين عن تجربته كيهودي مندمج، فهم أيضاً تركوا حيِّز الشتتل والزمان الشعائري اليهودي ودخلوا في وجود بلا زمان ولا مكان، وهي حالة الدياسبورا بلا خلاص، أو المصير اليهودي الذي يُلحق باليهود الأذى دون ذنب اقترفوه، فكأن حالة النفي والعزلة هي مصير دائم بالنسبة إليهم. ولكن يمكن القول بأن مأساة أبطال كافكا هي أيضاً مأساة كل الشخصيات في الأدب الغربي الحديث التي تشعر بحالة النفي والغربة، فهي شخصيات فقدت الإيمان، إذ وجدت نفسها في مجتمع متناثر ذري لا يربط أجزاءه رابط، مجتمع تعاقدي، الإنسان فيه منفيٌّ دائماً، مجتمع ازدادت فيه معدلات الترشيد حتى أصبح كل شيء آلياً أو شيئاً شبه آليّ تم التحكم فيه، ولكنه ترشيد إجرائي لا هدف له. ومن ثم، ورغم تزايد تحكم الإنسان، إلا أنه يشعر بإحساس عميق بالاختناق وبأنه لا حول له ولا قوة. ويمكننا القول بأن الموضوعات الأساسية في أدب كافكا هي موضوعات أساسية متواترة في الأدب الغربي الحديث بصفة عامة، وبالتالي فإن أصولها غربية، ولا يمكن فهمها إلا على مستوى الحضارة الغربية ككل. ولكننا في حالة كاتب من أصل يهودي فَقَدَ يهوديته مثل كافكا، نجد أن وضعه هذا يخلق عنده قابلية غير عادية لاكتشاف هذه الموضوعات وتطويرها، فهي تكتسب حدة خاصة في أدبه، وبعبارة أخرى، فإن يهودية كافكا ليست مصدر الرؤية العبثية عنده (فهي رؤية تضرب بجذورها في حضارته الغربية) والأدب الغربي. ومع هذا فانتماؤه اليهودي يُعمِّق هذه العبثية ويزيد من حدَّتها. وقد ترك كافكا أثراً عميقاً للغاية في الأدب الغربي الحديث (مسرح العبث) . ويُستخدَم مصطلح «كافكاوي» أو «كافكوي» لوصف الإحساس بالضياع والسقوط في شبكة متداخلة من الأحداث العبثية. ولعل عمق أثره على الحضارة الغربية يُبيِّن مدى تجذُّره في التشكيل الحضاري الغربي، كما يُبيِّن مدى هامشية خصوصيته اليهودية، اللهم إلا إذا كانت هذه اليهودية نفسها تعبيراً عن شيء جوهري في الحضارة الغربية. سارة ميلين (1889-1967 ( Sarah Millin مؤلفة وروائية يهودية من جنوب أفريقيا، وُلدت في ليتوانيا ولكنها استقرت وهي بعد طفلة مع أهلها في جنوب أفريقيا، وتزوجت من القاضي فيليب ميلين، وهو قاض في المحكمة العليا في جنوب أفريقيا. نشرت عدة أعمال روائية وغير روائية، ولكنها حققت قدراً من الشهرة مع نشر روايتها أطفال الله (1924) وهي رواية عن الملونين في جنوب أفريقيا. نشرت ميلين سيرة حياة سيسل رودس (1933) وقد حُوّل الكتاب إلى فيلم عام 1936. كما نشرت سيرة حياة الجنرال سمتس (من جزأين) عام 1936، وهو تاريخ لجنوب أفريقيا ولدور اليهود فيها. ونشرت سيرتها الذاتية بعنوان طويل هو الليل (1941) . وتعود شهرتها إلى هذه الأعمال أكثر من أعمالها الروائية. وكانت مواقفها السياسية والأخلاقية بشأن المستوطنين السود في جنوب أفريقيا لا تخرج عن سياسة التفرقة اللونية (الأبارتهايد) . وكما هو متوقع من كاتبة مثل هذه، نجد أنها تدافع بشدة عن الدولة الصهيونية. وقد كرَّست سارة معظم كتابتها بعد الحرب العالمية الثانية للدفاع عن إسرائيل وجنوب أفريقيا. وحررت عام 1966 كتاباً بعنوان الأفريقيون البيض هم أيضاً بشر وساهمت فيه بدراسة، وهو كتاب يدافع عن روديسيا وجنوب أفريقيا. ولا يمكن القول بأن ميلين تؤيد إسرائيل بسبب يهوديتها (فهي لم تهاجر إلى الدولة الصهيونية) ، بل ينبع تأييدها للدولة الصهيونية من انتمائها للجيب العنصري في جنوب أفريقيا وللتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي. بوريس باسترناك (1890-1960) Boris Pasternak شاعر وروائي روسي، وُلد في موسكو ابناً للرسام الروسي ليونيد باسترناك. تنصَّر باسترناك في طفولته، وتعكس أعماله الشعرية التي تُعتبَر من أهم الأعمال الشعرية الروسية في القرن العشرين الروح المسيحية الأرثوذكسية. درس الفلسفة في جامعة موسكو ثم في ماربورج في ألمانيا، وأصدر أول أعماله الشعرية عام 1914. ولم تتناول أعماله أية مواضيع يهودية بشكل خاص فيما عدا روايته الشهيرة دكتور زيفاجو التي كتبها عام 1958، وتتناول هذه الرواية المسألة اليهودية. وتتخلل أعمال باسترناك بعض أفكاره الأساسية التي تعكس رؤية المثقف الليبرالي للقضايا السياسية، ولفكرة الثورة وقضايا الفن. فتتكرر في أعماله مسألة عدم جدوى الأيديولوجيات، وغياب أي نوع من العلاقة بين السياسة والسعادة الإنسانية، كما تتكرر حيرة المثقف إبان الثورات بين تأييده للتغيير ورفضه للعنف المصاحب للثورات. وقد انعكس كره باسترناك للعنف، واتجاهه نحو الفرار من الواقع السياسي في سبيل السعادة الفردية، في روايته دكتور زيفاجو. وعكست هذه الرواية أيضاً انفصال باسترناك عن اليهودية تماماً، كما عكست اعتزازه وإيمانه بتفوق المسيحية، واعتقاده بأن الاندماج هو السبيل الوحيد أمام اليهود للتخلص من المآسي التي تلحق بهم. وقد نالت هذه الرواية جائزة نوبل عام 1958، وأثار حصوله على الجائزة زوبعة سياسية نظراً لما كانت تحتويه الرواية من نقد للنظام السوفيتي وأيديولوجيته ولما كان يتخللها من مسحة دينية مسيحية. واضطر باسترناك إلى رفض الجائزة تحت ضغط من السلطات السوفيتية. ومن الجدير بالذكر أن باسترناك ظل في نظر السلطات السوفيتية، منذ الثلاثينيات، فناناً منعزلاً محباً للجمال متميِّزاً بحرفية فائقة، كما اعتُبر من بقايا مثقفي فترة ما قبل الثورة المنفصلين عن واقعهم الجديد. وقد مُنعت روايته من التداول في الاتحاد السوفيتي. وبعد وفاته، رُدَّ إليه اعتباره بشكل جزئي. وفي عهد البريسترويكا، تم نشر دكتور زيفاجو في الاتحاد السوفيتي، وأُعيد نشر أعماله الأخرى. وتُصنِّف بعض الموسوعات اليهودية باسترناك باعتباره «يهودياً» ، وهو تصنيف يفتقر إلى أية قيمة تفسيرية أو تصنيفية. فإذا كان باسترناك قد وُلد يهودياً، فإن علاقته باليهودية انتهت بعد بضع سنوات من مولده، ولا يمكن تفسير أدبه إلا بالعودة لاهتماماته الدينية المسيحية ولموقفه المبهم من الثورة البلشفية. فرانز فرفل (1890-1945 ( Franz Werfel روائي نمساوي يهودي وكاتب مسرحي وشاعر. وُلد في براغ لعائلة يهودية ثرية ودرس في جامعات براغ وليبزيج، واشتغل محرراً في دار نشر، وصادق ماكس برود وفرانز كافكا. استهل فرفل حياته الأدبية بكتابة الشعر وصدرت له مجموعة أشعار عام 1911 تحت عنوان صديق العالم والتي دعَّمت مركزه الأدبي ووضعته ضمن أهم الشعراء التعبيريين في عصره. وتميَّز هذا العمل بطابع ديني مشيحاني وتمحور حول فكرة الحب والصداقة والأخوة الكونية العميقة. خدم فرفل خلال الحرب العالمية الأولى في صفوف الجيش النمساوي، وصدرت له عقب الحرب مجموعة أشعار بعنوان يوم القيامة (1919) ، جسَّدت انطباعاته عن الحرب وتناولت الموت والهلاك والبعث والخلاص، وأكد فيها فرفل أن المحبة والأخوة بين البشر هما المفتاحان الوحيدان لإحياء شباب العالم الذي أصبح ملطخاً بالدماء. وفي عام 1923، أصدر مجموعة أخرى من الأشعار تحت عنوان إهابة سحرية دعا فيها إلى أخوة ديونيسية جديدة (نسبة إلى ديونيسوس إله الخمر عند اليونان) تجمع بين جميع المخلوقات: الإنسان والحيوان والجماد، ومن ثم فهي وحدة حلولية عضوية ذات توجه نيتشوي واضح. واتجه فرفل بعد الحرب إلى الكتابة المسرحية وكتب عدداً من المسرحيات الناجحة مثل ثلاثية إنسان المرآة (1921) التي تناول فيها فكرة سقوط الإنسان وخلاصه، وهي الفكرة نفسها التي تناولها في مسرحيته الدينية بولس بين اليهود (1926) . وفي مسرحية الصمت (1922) ، تحدث عن خطر النازية واعتبرها تُمثِّل ثورة الإنسان البدائي ضد الإنسان المُتحضِّر. وبعد صعود هتلر إلى السلطة في ألمانيا، كتب المسرحية التاريخية الدينية الطريق الأبدي (1936) والتي عُرضت بنجاح كبير على مسارح نيويورك، تناول فيها قضية يهود العصور الوسطى الذين عاشوا حياة نفي مستمرة نتيجة تمسكهم بعقيدتهم، كما عبَّر فيها عن حيرته الروحية وعدم وضوح انتمائه الديني. ومع انحسار التعبيرية وانبعاث الواقعية، انتقل فرفل إلى عالم القصة والرواية وحقق من خلالها شهرته العالمية. وتميَّزت رواياته بطابع صوفي تبشيري وتبنَّت قضايا المطحونين والمهزومين والصراع بين قوى الخير وقوى الشر، ومن أهم مؤلفاته الروائية الأربعون يوماً لموسى داغ (1933) والتي أبرز فيها مقدار الظلم الذي يمكن أن تفرضه الأغلبية ضد الأقلية من خلال تناوله صراع الأرمن ضد الأتراك. وفي روايته القلب النقي (1931) يؤكد أهمية السمو الروحي والديني والأخلاقي الذي يعلو عن مستوى الواقع الفج والنشاط السياسي غير النزيه. وقد هرب فرفل من النمسا عام 1938 بعد استيلاء النازي عليها، واستقر في فرنسا، ثم هرب مرة ثانية بعد عام 1940.وأثناء وجوده في فرنسا، ألهمته زيارته لمزار ديني في لودز كتابة رواية أغنية برناديت التي صدرت في الولايات المتحدة عام 1941 وحققت نجاحاً كبيراً وحُوِّلت إلى فيلم سينمائي. وتجسد هذه الرواية الصراع بين قوى الظلام وقوى النور وتُمجِّد المسيحية الكاثوليكية التي ظل فرفل منجذباً إليها طوال حياته. وكان فرفل قد كتب مقالاً عام 1917 بعنوان «الرسالة المسيحية» يوحي بأنه كان على وشك اعتناق الكاثوليكية، إلا أنه لم يُقدم على ذلك أبداً. وقد أكَّد عام 1943 أن تكوينه الفكري والثقافي تم في ظل التأثير الروحي للمسيحية والكنيسة الكاثوليكية كما يتبين بشكل واضح من خلال أعماله الأدبية. ومما يُذكَر أن فرفل تزوج عام 1929 من أرملة الموسيقار اليهودي جوستاف ماهلر التي كانت رافضة لليهودية، واقترحت قبل زواجهما أن يتخلى فرفل عن يهوديته ويتنصَّر، ولكنهما اتفقا في النهاية على أن يتم تعميده بعد وفاته. وفي سنواته الأخيرة عكف فرفل على كتابة عمله الملحمي الضخم نجم الذين لم يولدوا بعد والذي صدر بعد وفاته عام 1946، واستعرض فيه القضايا والأسئلة الأزلية التي تظل دائماً دون إجابة نهائية والتي أرَّقته طوال حياته، وتُوفي فرفل في الولايات المتحدة ودُفن في فيينا. ويظهر اسم فرفل في كثير من الموسوعات اليهودية كمؤلف يهودي، وهو أمر يثير الحيرة لأن رؤيته في جوهرها مسيحية. إيليا إهرنبورج (1891-1967 ( Ilya Ehrenburg كاتب روسي يهودي، وُلد في كييف لأسرة مندمجة في المجتمع الروسي، وكان أبوه يمتلك مصنعاً لتقطير الخمور. انضم إهرنبورج للحركة الاشتراكية واضطر إلى اللجوء إلى باريس. وقد تحوَّل إلى الكاثوليكية عام 1911. كتب إهرنبورج في هذه المرحلة أشعاراً ذات طابع صوفي مسيحي، وتتحدث كتاباته النثرية (منذ عام 1920) عن معاناة اليهود باعتبار أن ذلك جزء من المخطط الإلهي للقضاء على الشر، وهذه فكرة قبَّالية. ولكنه عاد ورفض الإيمان الديني وقرر التعاون مع «حركة التاريخ» . واضطر للهجرة من روسيا عام 1921، ولم يَعُد إليها إلا في صيف 1941. تتناول بعض مؤلفاته موضوعات يهودية من أهمها رواية حياة لازيك رويتشفانتس العاصفة (1928) بطلها ترزي بسيط سيئ الحظ يبعث على الرثاء ولا علاقة له بالسياسة، ولكنه دائماً محط شك كل النظم، فبعد أن تم تحرير المنطقة التي يعيش فيها على يد القوات البلشفية ينظر إليه ممثلو النظام الجديد باعتباره ممثلاً للحرفيين البورجوازيين ذوي النزعة الفردية. وحينما يفرّ إلى الغرب، يظن الجميع أنه عميل سري شيوعي. وحينما يفرّ إلى فلسطين، لا يكون حظه أحسن حالاً. والبطل يشبه من بعض الوجوه أبطال شالوم عليخم (الكاتب اليديشي (. وأثناء الحرب، لعب إهرنبورج دوراً نشيطاً في اللجنة السوفيتية اليهودية المعادية للفاشية، وحرر هو وفاسيلس جروسمان الكتاب الأسود الذي ضم أقوال شهود عيان لجرائم النازيين، ولم تنشر السلطات السوفيتية الكتاب. وحينما أُعلنت دولة إسرائيل واعترف بها الاتحاد السوفيتي، ذكَّر إهرنبورج يهود بلاده بأن الاتحاد السوفيتي هو وطنهم. وبعد سقوط ستالين، كتب إهرنبورج رواية ذوبان الثلوج (1954) ، وهي تتناول شخصية مدير مصنع ديكتاتوري إبّان المرحلة الستالينية. ومن شخصيات الرواية طبيب يهودي يُتَّهم بالاشتراك في مؤامرة الأطباء. وظهرت بين عامي 1960 و1965 مذكرات إهرنبورج (الناس والحياة 1962، ومذكرات 1964) ، وهي تصف كثيراً من معاصري إهرنبورج، مثل: مارك شاجال وأيزاك بابل وسولومون ميخولز. أوسيب ماندلستام (1891-1938) Osip Mandelstam شاعر روسي يهودي، وُلد في روسيا لأسرة متدينة. ولكنه تلقى تعليماً علمانياً ثم سافر إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا، وانضم للحركة الشعرية المسماة «الأكميزم Acmeism» (نسبة إلى «أكمي Acme» أي «القمة» أو «الذروة» ) والتي تُعَدُّ ثورة على المدرسة الرمزية، إذ طالب دعاة هذه المدرسة بقدر أكبر من الوضوح والمباشرة والتركيز على الشكل. وقد كتب ماندلستام بعض الوثائق الأساسية لهذه الحركة. نشر ماندلستام مجموعة شعرية عام 1913 بعنوان حجر، ولكن المجموعة التي نشرها عام 1922 بعنوان تريستيا هي التي حققت له الذيوع. وموضوعات شعره ذات طابع تاريخي ومُستَقَاة من التاريخ اليوناني والروماني. ويتَّسم شعره بصُوَره الأصيلة وحرفيتها العالية واستخدامه المتميِّز للغة الروسية. وقد تزوج ماندلستام من امرأة روسية غير يهودية. قابل ماندلستام الثورة البلشفية بكثير من الترحاب، ولكن الفجوة بدأت تتسع بينه وبين الثورة وانتهى الأمر بأن قُبض عليه عام 1934، ونُفي إلى سييبريا حيث مات فيها عام 1938 (وربما عام 1937) . وقد رفض ماندلستام اليهودية الحاخامية، ووُصف موقفه بأنه هروب من الفوضى اليهودية. ويُعتبَر ماندلستام مثلاً لليهودي الذي يكره نفسه (مثل تروتسكي) . ويظهر هذا بشكل واضح في مجموعة مقالاته المسماة ضوضاء الزمان حيث يسخر من اليهود الذين يصفهم بأنهم يستخدمون اللغة الروسية بدقة مبالغ فيها وبتصنع شديد حتى أنهم يزهقون روحها. ويُعبِّر ماندلستام عن كرهه للرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا (اليديشية) ولأبجديتهم (العبرية) وللخطوط السوداء والصفراء على شال الصلاة (طاليت) ، بل ولرائحتهم الكريهة. ويرى ماندلستام أن المسيحية تُشكِّل الإطار الحقيقي لشعره. وقد نشرت أرملته عام 1971 كتاباً عن حياتها مع ماندلستام يعده بعض النقاد من عيون الأدب الروسي. وقد ضم دليل بلاكويل للثقافة اليهودية مدخلاً عن ماندلستام باعتباره «مثقفاً يهودياً» في الوقت الذي استبعدت فيه هذه الموسوعة الكُتَّاب اليهود من أصل شرقي أو سفاردي، وهو أمر أقل ما يُوصَف به أنه مشكوك فيه، فأين تكمن يهودية مثل هذا الكاتب؟ نيللي ساكس (1891-1970 ( Nelly Sachs شاعرة ألمانية يهودية حاصلة على جائزة نوبل، وُلدت لعائلة يهودية مندمجة في برلين وكان والدها رجل صناعة ثرياً. بدأت في كتابة أشعارها الأولى بالألمانية في سن السابعة عشرة وظهر أول أعمالها عام 1921. تميَّزت أشعارها بمضمونها المسيحي وطابعها الصوفي ولغتها الرومانسية. وظلت ساكس متباعدة عن أصلها اليهودي وغير مكترثة له إلى أن جاء النازي إلى الحكم في ألمانيا وهو ما اضطرها إلى الفرار إلى السويد عام 1940. وقد تناولت في أشعارها اللاحقة مواضيع خاصة باليهود وبفترة الإبادة النازية، فأصدرت عام 1946 ديوان في مساكن الموت الذي أهدته إلى «إخوتها وأخواتها الموتى» ، ومن أشهر قصائد هذا الديوان قصيدة «المداخن» . أما ديوانها الصادر عام 1949، فيضم أشعاراً تعبِّر عن إيمانها اللامتناهي بقدرة «شعب إسرائيل» على البقاء وأهمية رسالته في الحياة. وتنتمي أشعار ساكس إلى الموروث الأوربي الرومانسي لألمانيا، ويبدو أنها تأثرت بالصوفية: تأثرت بدايةً بصوفية جيكوب بومه، ثم تأثرت بالقبَّالاه، خصوصاً كتاب الزوهار أهم كتب التراث القبَّالي، كما تأثرت بكتابات مارتن بوبر الحسيدية. وتتمحور أغلب أعمالها حول موضوعات الملاحقة والمطاردة والخوف والوحدة والاستشهاد والمعاناة. وهي تستخدم خلفية كونية في كتاباتها. كذلك كتبت ساكس عدداً من المسرحيات، من أشهرها مسرحية أسرار حول معاناة إسرائيل التي صدرت عام 1943 وتتناول فيها موضوع الإبادة النازية. ورغم تبايُن آراء النقاد واختلاف تصنيفهم لأعمال ساكس وانتقاد الكثيرين لها باعتبار أن أسلوبها الأوربي الرومانسي الألماني لا يتفق مع محتوى أشعارها، وأنها تفتقر إلى عذوبة ودقة اللفظ الذي يتيح للقارئ مشاركتها إحساسها وإدراكها الديني. ورغم أن عدداً كبيراً من النقاد يجد أن أعمالها ليست متميِّزة لا من الناحية الأدبية ولا من الناحية الفكرية، إلا أنها مُنحت عام 1965 جائزة الناشرين الألمان للسلام، ثم جائزة نوبل في الأدب عام 1966 (مناصفة مع الأديب الإسرائيلي شموئيل عجنون) . وقد قالت عند تسلُّمها الجائزة «إن عجنون يمثل دولة إسرائيل وأنا أمثل مأساة الشعب اليهودي» . ورغم تأكيد يهودية أدبها، فيجب ملاحظة أن مصادر ساكس الأدبية ألمانية، غير يهودية على الإطلاق، وكذلك مصادرها الفكرية والدينية. إذ تأثرت بأعمال المتصوف الألماني المسيحي جيكوب بومه، كما تأثرت بمارتن بوبر الذي تأثر بدوره بالفكر الديني المسيحي كليةً. أما تأثرها بالحسيدية، فلعله تأثر بالجوانب التي يمكن أن نسميها «مسيحية» . وهذا الموروث يظهر في تراثها الأدبي بكل وضوح، وقد وُصفت أعمالها الشعرية الأولى بأنها مسيحية. وفي عام 1940، نجد أنها تستخدم في قصيدتها الشهيرة «المداخن» صورة مجازية مسيحية، إذ تصف الدخان المنبعث من معسكرات الإبادة النازية بأنه يضم جسد إسرائيل، أما المسرحية التي كتبتها فهي ما يُسمَّى «مسرحية أسرار» ، وهي نوع أدبي ذو جذور مسيحية واضحة تتناول اغتيال صبي بولندي على يد جندي ألماني (وفي هذا صدى لقصة صلب المسيح) ، كما يتردد في المسرحية صدى أساطير حسيدية عن القديسين (تساديك) الذين يساهمون في استمرار العالم بفضل طهارتهم ويساهمون في إصلاح الخلل الكوني (تيقون) . وقد بيَّنا المضمون المسيحي لهذا المفهوم في موضع آخر (انظر: «تنصير اليهودية» ) . وقد وُصِّفت أعمالها بأنها مزج جيد بين المفردات الحسيدية والمفردات المسيحية، وعادةً لا يمكن مزج عنصرين إلا إذا كانت هناك رقعة مشتركة بينهما. وبالفعل، فإننا نجد أن المفردات الحسيدية التي اختارتها هي تلك المفردات التي تعبِّر عن الجانب المسيحي في الحسيدية، والتي استوعبها الحسيديون من تربتهم السلافية الأرثوذكسية. وهنا يمكن طرح السؤال التالي: هل أعطت أوربا الجائزة لساكس بسبب تعبيرها عن هويتها اليهودية أم أعطتها لها بسبب تخليها عنها؟ جوليان توويم (1894-1953 ( Julian Tuwim شاعر بولندي يهودي، يُعتبَر من أهم المجددين في الأدب البولندي، وُلد لأب وأم يهوديين، ولكن الأم كانت ذات اتجاه اندماجي قوي فبثت فيه روح الانتماء لبولندا وللقومية البولندية. ولا شك في أنها روح اكتسبت قوة من خلال تلقيه تعليمه في جامعات بولندا في فترة كانت الروح القومية فيها متأججة. وتعبِّر دواوين توويم الشعرية الأولى، في انتظار الإله (1918) ، وسقراط الراقص (1920) ، والخريف السابع (1922) ، عن إيمانه العميق بالقومية البولندية وتمسكه بها. أسس توويم، هو ومجموعة من الأدباء البولنديين، مجلة أدبية أطلق عليها سكامندر، كما أُطلق الاسم ذاته على حركة أدبية كان يرأسها توويم، وهي تُعَدُّ أهم حركة أدبية في بولندا حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. وقد أصبح توويم من أهم شعراء بولندا بلا منازع، ومُنح جوائز أدبية عديدة وذاع صيته في أوربا باعتباره «بوشكين البولندي» . ورغم إيمانه العميق بقوميته، إلا أنه نحا في شعره منحىً اجتماعياً ثورياً، فهاجم الأثرياء والمستغلين والطبقة العسكرية والرأسمالية في بولندا في ديوانيه إنجيل الفجر (1933) ، وحفلة الأوبرا (1936) . ولكنه رغم تعاطفه الواضح مع العمال، بقي بمنأى عن الحركات العمالية الثورية، إذ ظل انتماؤه القومي هو الأساس. ولا يظهر الموضوع اليهودي في كتابات توويم إلا نادراً. وهو لم يحاول إخفاء أصوله اليهودية، إذ كان يرى أنها لا تتناقض مع انتمائه البولندي. وانطلاقاً من هذا، كان توويم يهاجم المعادين لليهودية الذين ينكرون عليه انتماءه القومي البولندي ويتهمونه بأنه يفسد اللغة البولندية، كما كان يهاجم الصهاينة وكل دعاة العزلة اليهودية. ولذا، اتهمته بعض الدراسات بأنه ينتمي لنمط اليهودي الذي يكره نفسه. ساهم توويم في حركة المقاومة ضد النازي، وكتب ملحمة أزهار بولندا (1940 - 1944) الذي أصبح أحد أجزائها ( «صلاة» ) نشيد حركة المقاومة البولندية. كما كتب في هذه المرحلة كتاباً بعنوان نحن اليهود البولنديون يدافع فيه عن انتمائه البولندي واليهودي. وقام توويم بترجمة كثير من الأعمال الأدبية إلى البولندية خصوصاً من الروسية، كما ترجم أعمال رامبو. وكتب دراسات في مواضيع متنوعة مثل السحر ولهجات السكارى، ونشر ثلاثة من كتب تضم أغاني للأطفال. وقد عاد إلى بولندا بعد استيلاء الشيوعيين على الحكم واستقر فيها حتى موته. ويظهر اسم توويم في كثير من الموسوعات اليهودية باعتباره أديباً يهودياً، الأمر الذي يثير السؤال التالي: من هو الأديب اليهودي؟ فهذا أديب نشأ يتحدث البولندية في بيئة بولندية وتلقى تعليمه في مؤسسات تعليمية بولندية، وينتمي إلى التراث الأدبي والشعبي البولندي، ويؤمن بالمشروع القومي البولندي (وقد كان البولنديون يتغنون بقصائده ويحولونها إلى أناشيد قومية لهم) ، وهو يعود إلى بلده بعد تحريرها (وبعد إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين) ليقضي فيها بقية أيامه ثم يُدفَن فيها، ومن ثم لا يمكن فهم حياته أو أدبه إلا في إطار انتمائه إلى بولندا. أما يهوديته، فقد فهمها حق الفهم، أي باعتبارها بُعداً هامشياً في شخصيته (وهو الأمر الذي فشل الصهاينة والمعادون لليهود في فهمه) . إسحق بابل (1894-1941) Isaac Babel كاتب قصة قصيرة ومسرحي سوفيتي يهودي، وُلد في مدينة أوديسا ونشأ فيها. وكانت أوديسا مركزاً كوزموبوليتانياً، إذ كانت تعيش فيها جماعات ذات خلفيات ثقافية وإثنية مختلفة (ولذا كانت المسارح تعرض المسرحية الواحدة بثلاث أو أربع لغات مختلفة) ، كما كانت مركزاً لنشاط تجاري دولي واسع النطاق. وإلى جوار هذا كانت أوديسا مركزاً للدراسات العبرية واليديشية ومركزاً لحركة التنوير اليهودية والحركة الصهيونية والحركات الاشتراكية اليهودية. وُلد بابل لعائلة مندمجة تتحدث اليديشية التي تُعَدُّ لغته الأولى، وتلقى تعليماً خاصاً في منزله حتى سن السادسة عشرة، حيث تعلم مواد دينية ودنيوية عديدة منها العبرية والعهد القديم والتلمود، ثم التحق بمدرسة تجارية في أوديسا. وبعد عام 1915، ذهب بابل إلى بتروجراد (سان بطرسبرج فيما قبل ولينينجراد فيما بعد) متخفياً، حيث كان محظوراً على أعضاء الجماعة اليهودية التواجد فيها دون تصريح، لأنها كانت تقع خارج منطقة الاستيطان على عكس أوديسا. وقد نُشرت أول أعماله الأدبية في بتروجراد، قبل الثورة، في مجلة أدبية كان يرأس تحريرها ماكسيم جوركي. وبعد اندلاع الثورة البلشفية، انضم بابل لقواتها. فعمل في قوات الأمن، وفي قوميسارية التعليم، وفي مهمات التموين، أي في مصادرة المحاصيل في الريف، وفي الجيش البلشفي ضد القوات الروسية البيضاء المعادية للثورة. كما خدم في فرقة الفرسان الأولى التي كانت تضم المحاربين القوزاق وكانت تحارب على الجبهة البولندية. وهذه واحدة من مفارقات عديدة في حياة بابل، فالقوزاق هم أعداء الجماعة اليهودية التقليديون، ومن صفوفهم جاء شميلنكي الذي قاد ثورة شعبية أوكرانية ضد الإقطاع الاستيطاني البولندي وممثليه من يهود الأرندا. كما كانت الدولة القيصرية تجند القوزاق في قوات الأمن الداخلي لقمع المتظاهرين ولفرض الهيمنة الروسية على الشعوب والأقليات التي كانت تضمها الإمبراطورية القيصرية ومن بينهم الجماعات اليهودية. ورغم كل هذا، انضم بابل اليهودي إلى القوزاق أعداء اليهود، وهم فرسان محاربون شرسون من أصل قَبَلي يحملون سيوفهم وأسلحتهم، وهو مثقف من المدينة يرتدي نظارة ويحمل كتبه ولا يجيد ركوب الخيل. وتستمر المفارقات في حياة بابل، فقد نشأ نشأة دينية أرثوذكسية جامدة، ثم تبنَّى عقيدة علمانية لا تقل عنها جموداً. وقد دافع بابل عن النظام السوفيتي، وسقط ضحية هذا النظام في نهاية الأمر. كتب بابل في هذه الفترة الفرسان الحمر (1926) وهو كتاب يتناول تجربته مع المحاربين القوزاق من الفرقة الأولى الحمراء. واتهمه قائد الفرقة الأولى بأنه شوَّه الحقائق وأساء إلى صورة الفرقة. وفي عام 1931، كتب بابل رواية أو مجموعة من القصص عن عملية فرض الصيغة الجماعية على الإنتاج الزراعي، وظهر فصل منها ثم توقفت لأنها كانت متناقضة مع خط الحزب. سُمح له عام 1928 بزيارة زوجته وابنته اللتين كانتا قد هاجرتا إلى باريس. ثم بدأت فترة الإرهاب الستالينية بعد ذلك، فأصبح بابل، حسب قول أحد النقاد، «سيد الصمت» . وبموت ماكسيم جوركي (1936) ، فَقَد بابل أحد أهم أصدقائه، إذ كان يزوده بالحماية. وبالفعل، قُبض عليه عام 1939 واختفى على الفور. ولا تُعرَف الأسباب التي أدَّت إلى القبض عليه، ولكن ثمة نظرية تذهب إلى أنها لم تكن سياسية، وأنه أُلقي القبض عليه بسبب علاقة غرامية بينه وبين زوجة رئيس البوليس السري. ويُعَدُّ بابل من أهم الكُتَّاب الروس، فرغم أن لغته الأولى كما أسلفنا هي اليديشية، ورغم أنه كتب أولى رواياته بالفرنسية، إلا أنه امتلك ناصية اللغة الروسية وأصبح من أحسن كتابها. ورغم اختياره الروسية لغة للتعبير، فقد ظل الموضوع اليهودي موضوعاً أساسياً ظاهراً وكامناً في أعماله. ولم يكن بابل منشغلاً بأن يحدِّد موقفاً مع اليهود أو ضدهم، فقد أدرك أن يهوديته (أو بقاياها) هي مُعطى أو ميراث يحدِّد سلوكه كمواطن في عصر الثورة وهو ما يخلق التناقضات والمفارقات العديدة في حياته. ولعل هذا هو سر عظمة أعماله وسر إنسانيتها، فاليهودية هنا ليست نسقاً مغلقاً مكتفياً بذاته يُقسِّم العالم إلى يهود وأغيار ثم يستبعد الأغيار باعتبارهم الأشرار، وإنما هي بُعْد أساسي في بنية إنسانية مأساوية كوميدية ذات دلالة إنسانية عامة. ومأساة اليهودي في رواياته ليست مأساة يهودية خاصة، وإنما هي مأساة إنسان يسقط صريع عمليتي الثورة والتحديث رغم إيمانه بهما وتحمسه لهما وانضمامه لصفوفهما. وهذا نمط إنساني عام يتجاوز يهودية اليهودي وكل الانتماءات الإثنية، ويُعبِّر عن الصراع القائم بين الجديد والقديم وبين المجتمع التقليدي والحديث، فالمرجعية النهائية هنا هي إنسانية البشر المشتركة، وكذلك أفراحهم وأتراحهم. ولم يكن بابل كاتباً غزير الإنتاج، فسمعته الأدبية تستند إلى مجموعتين أدبيتين: الفرسان الحمر (1926) ، وروايات أوديسا (1927) . وقد تأثر أسلوبه الروائي بفلوبير وموباسان، فهو يجيد رواية الحكايات، حيث تنكشف الشخصيات المتنوعة من خلال الحبكة نفسها. وعادةً ما يكون الراوي في القصة هو الشخصية الأساسية يحكي روايته بلغته سواء كانت لهجة فلاحية أو رطانة جنود أو لغة مواطن يهودي من أوديسا يتحدث الروسية بلكنة يديشية. والموضوع الأساسي في روايات بابل هو صدى لواحد من أهم الموضوعات في الأدب الغربي الحديث: تمجيد الإنسان الطبيعي أو النبيل المتوحش. ولكن الموضوع يأخذ شكلاً خاصاً في أدب بابل، بل يكتسب أبعاداً نيتشوية واضحة، وهو في هذا لا يختلف كثيراً عن كثير من الأدباء اليهود في عصره حيث اكتسحتهم النيتشوية، مثل آحاد هعام فيلسوف أوديسا وحاخامها اللاأدري. فاليهودي التقليدي في أدب بابل هو ممثل أخلاق الضعفاء، المثقل بعبء التاريخ وميراثه، يود أن يتحرر من كل هذا ويصبح مثل الوثنيين ممثلي أخلاق الأقوياء الذين يتسمون بالقوة الجسدية الخارقة وبغياب الحس الخلقي والمقدرة على الحياة في عالم الحس المباشر. ولعل أحسن مثل على ذلك، حسب رؤية بابل، المحاربون القوزاق. ومما يَحسُن ذكره أن لهذا الموضوع صدى في الأدب الصهيوني، فالصابرا أو العبراني الجديد هو هذا الوثني النيتشوي غير المُثقَل بعبء التاريخ، والوثني الجديد قادر على القيام بأفظع الأفعال وأبسطها؛ قتل الآخرين. وفي إحدى قصص بابل، لا يقوى بطلها على أن يُجهز على أحد الرفاق الجرحى، ويصلِّي للإله ليمنحه المقدرة على القتال. وفي قصة أخرى، يحاول البطل أن ينضم إلى جماعة القوزاق، ولذا كان عليه أن يقتل إوزَّة بطريقة شرسة وينجح في ذلك، ولكنه حينما يأوي إلى فراشه يبدأ ضميره (اليهودي) في تأنيبه على فعلته هذه. وإلى جانب ممثلي أخلاق الضعفاء، يوجد يهود آخرون يعيشون في عالم الحس خارج نطاق قيم الخير والشر، أبطال لا علاقة لهم باليهود المساكين الذين صوَّرهم الأدب اليديشي، ولا بالحالمين المثاليين في الأدب ذي التوجه الصهيوني. أما أبطال بابل فهم، على حد قول أحد النقاد، مثل الخمرة الحمراء الرديئة المليئة بالفقاقيع، فمنهم امرأة يهودية ضخمة تدير بؤرة للصوص وماخوراً للدعارة، ومنهم شحاذون ذوو ذقون مدببة يحرسون مقابر اليهود ويتحدثون عن عبث الوجود الإنساني، ومنهم رؤساء عصابات يُدخلون الرعب على قلوب تجار أوديسا وشرطييها، ومنهم ذابحون شرعيون وحسيديون بولنديون. هذا الجانب من أدب بابل يُعبِّر عن وعيه بالجانب الحسي لعالم يهود اليديشية، ولكنه عالم آخذ في الاختفاء بسبب تصاعُد معدلات العلمنة والتحديث، خصوصاً بعد الثورة. ومن هنا يتحوَّل أدب بابل إلى مرثية اختفاء هذا العالم، ولكنها مرثية كوميدية. وهذه النغمة هي التي تنقذه إلى حدٍّ ما من العدمية التي تسم كثيراً من الأعمال الحداثية وتُحل محلها شكلاً بدائياً مباشراً من تأكيد الحياة. فعلى سبيل المثال، هناك بيت للعجزة اليهود يحاول أن يضمن لنفسه الاستمرار بأن يتحوَّل إلى تعاونية اشتراكية للدفن، ولكنه لا يمكنه البقاء إلا بالحفاظ على الجثمان الوحيد لديه وعدم دفنه. ومن ثم، فإن أول جنازة حقيقية ستقوم بها هذه المؤسسة الاشتراكية تعني، في واقع الأمر، نهايتها. وهناك قصة أخرى عن حياة طفل يُسميه أبواه الشيوعيان الملحدان «كارل» ، ولكن جديه يختنانه سراً، ومن ثم يُسمَّى الطفل «كارل ـ يانكل» (كارل ـ يعقوب) . وفي قصة ثالثة، ينضم ابن أحد الحاخامات للحزب الشيوعي (رمز الجديد) ولكنه يستمر في الحياة مع أبويه لأنه لا يريد أن يترك أمه (رمز القديم) . وفي قصة رابعة، يموت ابن الحاخام الشيوعي في معركة ولكنهم (بعد موته) يجدون في أوراقه صورة للينين وأخرى لموسى بن ميمون وقرارات للحزب الشيوعي كُتبت في هوامشها أبيات شعرية بالعبرية ونص من نشيد الأنشاد مع بعض الطلقات الفارغة. ولعل من أهم القصص التي تبيِّن هذا الصراع قصة جيدالي. وبطل القصة يهودي عجوز (صاحب محل تحف) ، وقد اعترته الدهشة والحيرة بسبب عمليات السرقة والنهب في مدينته والتي يقوم بها الجانبان الشيوعي والمعادي للشيوعية. ولذا، فهو يسأل: كيف يستطيع المرء إذن أن يفرِّق بين الثورة والثورة المضادة؟ وهو ممن لا يقبلون الرأي الحديث القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة، ويعيش في ألم لأن الثورة تطالب الناس بأن ينبذوا كل القيم القديمة: الجيد منها والرديء. «سنقول نعم للثورة، ولكن هل يمكن أن نقول لا لشعائر السبت؟» ثم تنتهي القصة باقتراح يقدمه بطل القصة لزائره الشيوعي: إن ما تحتاجه الدنيا ليس مزيداً من السياسة، وإنما منظمة دولية للأخيار، يعيش كل الناس فيها في سلام ووئام. وقد رُدَّ اعتبار بابل في الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد ستالين ونُشرت أعماله في الستينيات. ويمكن هنا أن نثير قضية تصنيف بابل الذي ورد اسمه في دليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتباره أديباً يهودياً. ورغم أن بابل يكتب باللغة الروسية داخل إطار الثقافة الروسية وتقاليد الرواية الروسية، ولا يمكن فهم أعماله إلا بالعودة إلى هذه التقاليد. وهو يتناول موضوعات يهودية، ولكنها في واقع الأمر موضوعات روسية يهودية، أي أنها موضوعات تخص حياة يهود اليديشية في روسيا بعد الثورة، وهي موضوعات لا تُفهَم هي الأخرى إلا بالعودة إلى المجتمع السوفيتي الجديد ومشاكل الشعوب والأقليات فيه. ويتسم تناول بابل لموضوعاته بالرحابة الإنسانية، ومن ثم فإن أعماله ترقى إلى مستوى العالمية. كل هذا يجعل تصنيفه كروائي يهودي مستحيلاً، فمثل هذا التصنيف لا يُفسِّر إلا جوانب محدودة للغاية من أدبه. بن هكت (1894-1964 ( Ben Hecht صحفي أمريكي يهودي وروائي وكاتب مسرحي، وكاتب سيناريو. وُلد في نيويورك، وانتقل عام 1910 إلى شيكاغو حيث بدأ حياته في مهنة الصحافة التي حقق فيها مكانة بارزة. أرسلته جريدة ديلي نيوز عام 1918 إلى برلين حيث ظل حتى عام 1920، وهناك تدعمت اهتماماته الأدبية. وفي عام 1921، أصدر روايته الأولى أريك دورن والتي عكست تجاربه في برلين. وفي شيكاغو، انضم بن هكت إلى مدرسة شيكاغو التي ضمت كُتّاباً مثل شروود أندرسن وماكسويل بودنهايم. وانتقل هكت بعد ذلك إلى نيويورك، حيث بدأ عمله في المجال المسرحي في برودواي، واشترك في كتابة بعض المسرحيات التي حققت شهرة واسعة. إلا أن هكت حقَّق شهرته الحقيقية من خلال عمله ككاتب سيناريو لعديد من الأفلام السينمائية الشهيرة والتي نال عنها جائزتي أوسكار. وكتب هكت عام 1931 روايته اليهودي المحب التي اعتبرتها الأوساط اليهودية مثالاً لكره اليهودي لنفسه، وذلك لما اتسمت به شخصياتها اليهودية من مكر وتآمر ورغبة في الاندماج. ولكنه، مع نهاية الثلاثينيات، ومع صعود النازية والفاشية في أوربا، بدأ في الاهتمام بالقضايا اليهودية، وأدان النازية، وأيَّد الوجود الصهيوني في فلسطين بشدة. وقد ظل بن هكت حائراً بين رفض النازية من ناحية ورفض السياسة البريطانية في فلسطين من ناحية أخرى، وكتب عام 1944 دليل المرتبكين تعبيراً عن هذه الحيرة. أما بعد الحرب، فقد هاجم بن هكت سياسة بريطانيا، وقدم الدعم المالي لمنظمة إرجون الصهيونية الإرهابية في فلسطين. ولكنه بعد قيام إسرائيل، أصيب بخيبة أمل تجاه إرجون وتجاه سياسات بن جوريون. وفي عام 1961، تضمَّن عمله الأدبي خيانة هجوماً لاذعاً وحاداً على الصهيونية، إذ تناول موضوع رودولف كاستنر (وهو الزعيم الصهيوني المجري الذي تعاون مع النازيين وأيخمان، فقام بخداع يهود المجر وأفهمهم أنهم ذاهبون لمعسكرات العمل، فضمن سكوتهم وعدم مقاومتهم نظير السماح لمجموعة من الشباب اليهودي القوي بالاستيطان في فلسطين) . وألَّف بن هكت مسرحية مستقاة من كتابه هذا فشنَّت المؤسسة الصهيونية عليه حرباً شعواء. ناثانيل وست (1903-1940 ( Nathaneal West روائي أمريكي يهودي اسمه الحقيقي نيثان وينشتاين. وُلد ونشأ في نيويورك لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية كانا يرفضان التحدث باليديشية في المنزل، وشجَّعا ابنهما على الاندماج. ولم يحصل وست على شهادة الثانوية العامة، فالتحق بالجامعات بوثائق مزيفة. ولم يُسمَح له بالانضمام لإحدى الروابط الجامعية لأنه يهودي، فكتب قصة رمزية عن ذبابة وُلدت تحت إبط المسيح وتعيش على جسده وتموت لحظة موته. ولعل الذبابة رمز للشعب اليهودي الذي يعيش على هامش العالم المسيحي، منبوذاً منه، عالة عليه، يحيا بحياته ويموت بموته. وفي عام 1927، قبل أن يذهب إلى باريس، غيَّر نيثان اسمه وتبنى الاسم الذي عُرف به بقية حياته، وكتب رواية سيريالية تجريبية بعنوان حياة بالسوسنيل الواهمة (1931) هاجم فيها المسيحية واليهودية، وموضوع الرواية الأساسي هو بحث البطل بشكل عبثي عن شيء ثابت يمكنه الارتباط به. واتهمه بعض النقاد اليهود بأنه معاد لليهود واليهودية، وبأنه يهودي كاره لنفسه، الأمر الذي يثير قضية التصنيف: هل يمكن الاستمرار في تصنيف وست باعتباره «كاتباً أمريكياً يهودياً» أم أن من الأفضل تصنيفه باعتباره «كاتباً أمريكياً من أصل يهودي» أم مجرد «كاتب أمريكي علماني» (فقط) يهاجم مختلف العقائد الدينية؟ وروايات وست عنيفة ساخرة ومُستخفة بالقيم الإنسانية، تحاول أن تُظهر أن الحب الإنساني إن هو إلا وهم لا علاقة له بالواقع الخارجي القاسي الصلب. كما أن روايته المليون البارد (1934) هجوم على الحلم الأمريكي. وتجمع روايته يوم الجراد (1939) التي تدور أحداثها في هوليود بين اللاأخلاقية والأحلام الرؤياوية (الأبوكاليبسية (. ويذهب بعض النقاد إلى أن عدمية وست تعبير عن رفضه مجتمعاً صنَّفه يهودياً في وقت لم تَعُد له فيه علاقة باليهودية، ولعل هجومه الشرس على كلٍّ من اليهودية والمسيحية هو تعبير عن هذا الوضع الشاذ والفريد. ليونيل ترلنج (1905-1975 ( Lionel Trilling ناقد أدبي وروائي أمريكي يهودي، وُلد لأبوين مهاجرين وقضى معظم حياته أستاذاً للأدب الإنجليزي بجامعة كولومبيا (حيث تعرَّف إليه مؤلف هذه الموسوعة) . من أهم مؤلفاته ماثيو أرنوُلد (1939) ، وإي. ام. فورستر (1943) . أما روايته وسط الرحلة (1947) ، فتتناول جاذبية الماركسية بالنسبة للمثقفين. ومن أهم أعماله النقدية الوجدان الليبرالي (1950) الذي يحاول فيه أن يؤكد أهمية التركيب في الفكر (مقابل التسطيح والتبسيط) وعلاقة الأدب بالحضارة. وقد نشر أيضاً كتاباً عنوانه الذات المعارضة (1955) يضم مقالاً بعنوان «وردزورث والحاخامات» ، وهو من المقالات النادرة التي يتناول فيها الكاتب موضوعاً يهودياً. ويعقد ترلنج في هذا المقال مقارنة بين وردزورث وحبه وتقبُّله الطبيعة ورفضه فكرة الغزو بموضوع مماثل في كتابات الحاخامات. كما أن له مقالاً عن الكاتب الروسي اليهودي إسحق بابل يُبيِّن فيه أن بابل كان يدرك تماماً جدلية الجسد والروح، والمجتمع والذات، وأن يهوديته ليست أساس هذا الإحساس رغم أنها قد عمَّقته. وترلنج غير متعاطف مع تجربة الدولة الصهيونية، فهي تقف على طرف النقيض من الوجدان الليبرالي بتركيبيته وتعدديته. وقد نَشَر ترلنج رأيه هذا في مجلة كومنتاري. ومن هنا، فإن من الصعب إلى حدٍّ كبير استخدام مصطلح «كاتب أمريكي يهودي» للإشارة إلى ترلنج. فالموضوع اليهودي لا يظهر إلا لماماً في كتاباته، وإن ظهرت موضوعات يهودية فهي تظهر باعتبارها موضوعات إنسانية تُوضَع في سياق إنساني عالمي. وقد قال ترلنج إن الاهتمام بما يُقال له «الهوية اليهودية» هو أمر لا علاقة له بمن يود أن يصبح مثقفاً أو فناناً أمريكياً. ومن مؤلفاته الأخرى ما وراء الحضارة (1965) . ومن كتبه الأخيرة الإخلاص والأصالة (1974) ، وهو هجوم على حركات الستينيات العدمية المعادية للإنسان والحضارة. وقد استفاد ترلنج من علم النفس وتاريخ الحضارة في دراسته. مائير لفين (1905-1981 ( Meyer Levin روائي أمريكي يهودي وصهيوني لا يُصنَّف ضمن كُتَّاب الدرجة الأولى. وُلد في شيكاغو لأبوين مهاجرين. ورغم أن رواياته الأولى تجاهلت تماماً الموضوع اليهودي، إلا أنه بدأ علاقة طويلة مع الصهيونية ابتداءً من الثلاثينيات حيث كتب رواية يهودا، وهي أول رواية عن الحياة في الكيبوتس. وبعد هذا التاريخ، أصبحت كل رواياته لا تتناول سوى موضوعات يهودية، ومن وجهة نظر يقال لها «قومية» أي صهيونية. وفي عام 1932، نشر لفين مجموعة من القصص الحسيدية بعنوان الجبل الذهبي (أُعيد نشرها عام 1975 تحت عنوان روايات كلاسيكية حسيدية) . وقد نُشر عام 1937 أحد أهم أعماله العصبة القديمة، وهو كتاب ذو طابع صحفي تقريري وصفي عن الشبان اليهود في شيكاغو إبان فترة الكساد الكبير. وقد مدحته النيويورك تايمز، ولكن أحد النقاد اليهود وصف أعماله بأنها تعبير عن كره اليهودي لنفسه. عمل لفين مراسلاً لعدد من الصحف في فلسطين وإسبانيا، وساهم بعد الحرب في الهجرة اليهودية غير الشرعية. وفي عام 1947، نشر كتاباً بعنوان بيت أبي، وهو تأملات في مصير اليهود في ألمانيا النازية وفلسطين. كما كتب قصصاً وسيناريوهات لعدة أفلام ذات طابع صهيوني واضح. ونشر لفين عام 1952 مسرحية مُستَقَاة من حياة آن فرانك، كما كتب رواية بعنوان الإرغام عن جريمة شهيرة لا دافع لها اشترك فيها شابان يهوديان ثريان من شيكاغو مسقط رأسه. استوطن لفين في إسرائيل منذ عام 1958. وأصبح أدبه، بعد ذلك، صهيونياً غارقاً في العنصرية بشكل فاقع، يُضفي غلالة رومانسية على اليهود ويصوِّر العرب في أقبح الصور من خلال أنماط إدراكية استقاها من أدب معاداة اليهود، بحيث أصبح العربي في أدبه يقابل اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. ونشر لفين سلسلة من الروايات عن الإبادة النازية لليهود، وآخر أعماله روايتان عن التجربة الصهيونية: المستوطنون (1972) ، والحصاد (1978 (. وكما أسلفنا، لا تحظى كتابات لفين بإعجاب معظم النقاد حيث لا يعدُّونه من كبار الكُتَّاب الذين يستحقون أن يُقرأوا قراءة جادة. وقد فسَّر لفين هذا الواقع بأن كتبه تتناول الموضوع اليهودي «ولا يمكن لكتاب عن اليهود أن يُعتبَر ضمن التيار الأساسي للأدب الأمريكي» ، أي أنه يرى أن يهوديته (لا رداءة أدبه) هي السبب في أنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. وادعاؤه هذا لا أساس له من الصحة، إذ تُترجَم أعمال كثير من الكُتَّاب الإسرائيليين للإنجليزية ويقرِّظها النقاد الأمريكيون، كما يعبِّر كثير من النقاد الأمريكيين عن إعجابهم بأعمال الكاتب الأمريكي اليهودي برنارد مالامود، وهي أعمال أدبية والبُعْد اليهودي فيها واضح. وقد هاجم لفين كبار الكُتَّاب الأمريكيين اليهود، مثل فيليب روث وسول بيلو، واتهمهم بعدم الاكتراث باليهود، بل وبأنهم يعادونهم ويكرهون أنفسهم كيهود. ويمكن أن يُعَدُّ أدب لفين نموذجاً جيداً للأدب الصهيوني. رومان براندستايتر (1906-) Roman Brandstaetter شاعر وكاتب مسرحي بولندي من أصل يهودي، وهو ابن المؤلف البولندي ديفيد براندستايتر الذي دأب على تأليف كتبه بالعبرية. بدأ حياته الأدبية بنشر عدة دواوين شعرية في مواضيع عامة، ثم أخذ ينحو منحى صهيونياً واضحاً تبدَّى في نشاطه الأدبي، حيث حرَّر بعض الحوليَّات الصهيونية وكتب قصائد عن العودة إلى صهيون وصدر له ديوانان يدلّ عنوانهما على اتجاههما الصهيوني: مملكة الهيكل الثالث (1934) وأورشليم في النور والغسق (1935) . ثم استوطَن في فلسطين عام 1940 حيث أُقيمت عروض لإحدى مسرحياته. لكن براندستايتر ترك فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، واستقر في روما حيث تزوج من امرأة مسيحية كاثوليكية وتكثلك هو نفسه، ثم عاد إلى بولندا عام 1948 حيث انضم إلى مجموعة من الكتاب الكاثوليك، وأصبحت أعماله الأدبية تدور حول موضوعات مشتقة من التاريخ البولندي مثل عودة الابن الضال (1948) ورواية يسوع الناصره: زمن الصمت (1967) . ويثير براندستايتر مشكلة من هو الأديب اليهودي بحدة غير عادية، وذلك ربما بسبب تحوُّله الجذري. فبعد أن كان يهودياً صهيونياً يتغنى بصهيون ويستوطن في فلسطين، أصبح كاثوليكياً ينزح عن فلسطين ولا يدين بالولاء إلا لبولندا! ألبرتو مورافيا (1907-1990 ( Alberto Moravia روائي إيطالي وكاتب مقال وصحفي، وُلد في روما لأب يهودي وأم سلافية كاثوليكية قامت بتعميده وهو طفل (أي أنه مسيحي تماماً من منظور الشريعة اليهودية) . وظل متباعداً تماماً طوال حياته سواء عن اليهودية أو المسيحية. بدأ حياته الأدبية في سن مبكرة حيث كَتَب أولى رواياته له في سن الثامنة عشرة وصدرت عام 1929 بعنوان اللامبالون. وفي هذه الرواية هاجم الطبقة الوسطى الإيطالية بشدة وانتقد أنانيتها وقبولها السلبي للحكم الفاشي في البلاد. وقد ظل عداؤه للبرجوازية، وتحليله النفسي القاسي لأبطاله وشخصياته الروائية، من السمات الأساسية في أغلب أعماله. وتبيَّن ذلك بشكل واضح لأول مرة في رواية عجلة الحظ (1938) . عمل مورافيا في الثلاثينيات مراسلاً صحفياً واستمر في عمله هذا خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا ثم في الشرق الأقصى. وقد أثارت مقالاته المعادية للفاشية خلافات عديدة مع نظام موسوليني، كما حاول الجستابو الألماني إلقاء القبض عليه عام 1943 وهو ما اضطره إلى الاختباء في إحدى القرى الإيطالية لمدة تسعة أشهر. أما بعد الحرب، فقد أصبح مورافيا واحداً من أبرز الكتاب الأوربيين، وتدفَّق إنتاجه الأدبي. ومن أشهر رواياته امرأة من روما التي كتبها عام 1947 وتناول فيها حياة امرأة دفعتها خيانة الرجال إلى حياة البغاء. وقد كان الجنس والبغاء من المواضيع المحورية في روايات مورافيا. وأثار ذلك انتقادات بعض النقاد الذين أخذوا عليه أيضاً عدم إقدامه على إدانة لا أخلاقية أبطاله. وقد رأي البعض الآخر أن تأكيد مورافيا على الجنس والبغاء ما هو إلا رمز للفساد الأوسع الذي أراد مورافيا انتقاده ومهاجمته، خصوصاً عبادة الطبقة الوسطى للمادة والمال. وقد تناول مورافيا أيضاً حياة الفقراء والمطحونين وذلك في رواية حكايات من روما. ومن أهم رواياته أيضاً امرأتان، وهي دراسة عميقة لشخصيتين مختلفتين يكشف من خلالهما التباين بين العقل والشهوة الحسية. وقد كان مورافيا قريباً للشيوعية، وانتُخب عام 1983 عضواً في البرلمان الأوربي كيساري مستقل، حيث دافع عن قضايا البيئة وعن حقوق الشعب الفلسطيني. وقد أكمل مورافيا سيرته الذاتية قبل وفاته بقليل، وكتب فيها أن الأدب يجب أن يعتبر نفسه قادراً على أن يحل محل كل شيء حتى الدين. ويظهر اسم مورافيا في بعض الدراسات والموسوعات اليهودية كمؤلف يهودي. وقد ينم هذا عن خلل في الأساس التصنيفي، فمورافيا وُلد لأم كاثوليكية عمَّدته وهو طفل، أي أنه ليس يهودياً من منظور الشريعة اليهودية، وهو كاثوليكي من منظور العقيدة الكاثوليكية. وقد ابتعد عن كل الأديان، كما أن أدبه لا يعبِّر إلا عن رؤية يسارية تنبع من التقاليد الثورية العلمانية الغربية. أبراهام كلاين (1909-1972) Abraham Klein شاعر ومؤلف كندي يهودي، وُلد في مونتريال لعائلة من المهاجرين الروس اليهود. اشتغل بالمحاماة ولكن اهتماماته اتجهت نحو الشعر ليصبح واحداً من أهم المساهمين في الحياة الأدبية في كندا. كان كلاين مطلعاً على الآداب المكتوبة بالإنجليزية والفرنسية والعبرية واليديشية، وظهرت أول أعماله الشعرية في مجموعة مختارة من الأشعار بعنوان مناطق جديدة (1936) . وهذا الديوان يدل على ارتباطه الوثيق بالتيارات والاتجاهات الأدبية الكندية آنذاك. وقد عمل كلاين محاضراً زائراً في جامعة ماكجيل بين أعوام 1945 ـ 1948، كما قام بتحرير الجريدة الأسبوعية كنديان جويش كرونيكل في الفترة 1939 ـ 1953 والتي نَشَر فيها كثيراً من المقالات وعدداً من الأشعار التي قام بترجمتها إلى الإنجليزية من العبرية واليديشية. كما كان لكلاين نشاط سياسي، حيث رشَّح نفسه في الانتخابات البرلمانية عام 1949 عن أحد الأحزاب الاشتراكية الكندية. لجأ كلاين في كتابة أشعاره إلى استخدام كثير من شخصيات وقصص العهد القديم. كما تتخلل أشعاره عبارات اليديشية وكلمات العبرية، وتتناول بعضها قضايا تخص باليهود كما في ديوانه أليس لليهودي؟ (1940) . أما في ديوانه الهستيريا (1944) ، وهي مجموعة من الأشعار كُتبت أثناء فترة الإبادة النازية، فيتناول قضية الاندماج ومعاداة اليهود. كما يتناول في بعض أشعاره الأخرى المشروع الصهيوني في فلسطين، فيخاطب الشعراء اليهود قائلاً: «إن زمن البكاء على معاناة اليهود في «الشتات» قد ولَّى، وأصبح من الضروري الآن التركيز على قضية إعادة الميلاد القومي اليهودي في أرض الأجداد» . أما روايته الوحيدة اللفائف الأخرى (1951) ، فهي رواية رمزية تأخذ شخصية اليهودي التائه لتتناول من خلالها الأحداث الرئيسية فيما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، خصوصاً الإبادة النازية وإقامة دولة إسرائيل. وعنوان الرواية مأخوذ عن لفائف الشريعة أو أسفار موسى الخمسة، والرواية مُقسَّمة إلى خمسة أجزاء يحمل كلٌّ منها عنوان أحد الأسفار. لكن استخدام كلاين للكلمات العبرية أو اليديشية في أعماله، أو تناوله لقضايا تخص الجماعات اليهودية، لا يضفي صفة اليهودية على أعماله أو على شعره أو أدبه. كما أن هذه القضايا والموضوعات يمكن أن يتناولها شعراء أو أدباء من غير اليهود. وبالإضافة إلى ذلك، يتخلل جميع أعماله اهتمام عميق بقضايا المجتمع الكندي بثقافتيه الفرنسية والإنجليزية وبتعدُّد جماعات المهاجرين فيه وبمشاكله الاجتماعية والسياسية، وهو ما يتناوله بشكل خاص في ديوانه المعنون الكرسي الهزاز. برنارد مالامود (1914-1986 ( Bernard Malamud روائي أمريكي يهودي، وُلد في بروكلين في نيويورك، وتلقى تعليمه في نيويورك ونشر أربع روايات: الطبيعي (1952) ، والمساعد (1957) ، والبرميل السحري (1958) ، وحياة جديدة (1961) . ومن رواياته المقامر (1966) ، والتي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب وأخرج من قصتها فيلماً سينمائياً، وهي تتناول تهمة الدم التي وجهت ظلماً لمندل بيليس في روسيا. كما نشر مالامود رواية حياة دوبين (1979) ، ورحمة الله (1982) . وحقَّق مالامود ذيوعاً كبيراً في الستينيات، ولكن شهرته تراجعت بالتدريج. ورغم أن رواياته تتناول موضوعات يهودية، مثل حياة المهاجرين، ومأساة اليهودي باعتبارها مأساة الإنسان الحديث، والعلاقة بين اليهود وغير اليهود وبين اليهود والسود في المجتمع الأمريكي، إلا أنه رفض أن يُصنَّف ككاتب يهودي، وأصرَّ على أنه مجرد كاتب قصص. وسوف تظل «الحدوتة» ، في رأيه، موجودة ما وُجد الإنسان. أما عبارته الشهيرة «كل البشر يهود» التي تُقتبَس لتُبيِّن توجهه اليهودي، فهي تتحمل تفسيراً مغايراً تماماً. وقد قال هو نفسه إنه يكتب لكل البشر وأن رواياته تتجاوز الحدود المباشرة للموضوع اليهودي. ومن ثم، فالعبارة تعني أن الموضوع اليهودي إن هو إلا المادة الخام التي يكتشف من خلالها الموضوعات الإنسانية العامة فيؤكد ما هو مشترك بين البشر، فمرجعيته النهائية هي الإنسانية المشتركة. وهو يفعل ذلك مستخدماً اللغة الإنجليزية واللهجة الأمريكية، مستفيداً من معرفته بإيقاع الحياة في مدينة نيويورك، ومتبعاً التقاليد الأدبية الغربية الأمريكية. سول بيلّو (1915-) Saul Bellow روائي أمريكي يهودي حائز على جائزة نوبل وعلى جوائز أخرى مثل الجائزة القومية (الأمريكية) للكُتَّاب. وهو يُعَدُّ من أهم الروائيين الأمريكيين المحدَثين. وُلد بيلّو في مونتريال في كندا، ونُشِّئ تنشئة دينية، كما تعلَّم اليديشية والفرنسية والعبرية. كانت أمه تودّ أن يصبح حاخاماً، ولكنه التحق بجامعة شيكاغو حيث درس الاجتماع وعلم الإنسان، وذلك قبل أن يقرر أن يصبح كاتباً. صدرت له رواية أوجي مارش (1953) ، ثم نشر أمسك اليوم (1956) ، وأبطال هاتين الروايتين شخصيات ضعيفة محببة للنفس، تدخل أحياناً في مغامرات برغبتها وأحياناً أخرى رغم أنفها، ولكنها عادةً تلقى الهزيمة. ثم نشر بيلّو رواية هندرسون ملك المطر (1959) . ولكن أهم رواياته هي هرزوج (1964) ، وهي قصة أستاذ جامعي يهودي يُصاب بالشلل الجسدي والعقلي ويقضي وقته في كتابة خطابات وهمية، وحينما ينجح في التحرر من حياته الوهمية يرفض كل الاتجاهات الفكرية (مثل الوجودية) باعتبارها تقاليع، ويبدأ حياة مستقرة من الناحية العاطفية والفكرية. وتتناول رواية كوكب ساملر (1970) حياة يهودي بولندي عاش خلال فترة الإبادة النازية. وقد نشر بيلّو روايتين أخريين: ديسمبر شهر العميد (1982) ، وعدد أكبر يموت من تحطُّم القلب (1987) . ويمكن هنا أن نثير قضية الهوية اليهودية عند بيلو، إذ أنه كاتب أمريكي لا يمكن فهمه إلا في إطار الثقافة الأدبية الأمريكية، ولذا، فإن رواياته، سواء أكانت مادتها الخام يهودية أم كانت غير ذلك، تنبع من رؤية أمريكية للواقع، وطريقة السرد فيها أمريكية والصوت الروائي أمريكي. ففي رواية هندرسون ملك المطر يقوم البطل، وهو أمريكي غير يهودي، برحلة إلى أفريقيا كي يفهم ذاته ويكتشفها ثم يعود إلى وطنه مسلحاً بالحكمة الجديدة، وهذا هو النمط المتكرر في كثير من الروايات الأمريكية (موبي ديك لملفيل، ومغامرات هكلبري فين لمارك توين) . أما هرزوج الذي سُمِّيت الرواية باسمه فهو يهودي، ولكن الانتماء اليهودي أو غيابه أمر ثانوي. وقد هاجم بيلو المفهوم الصهيوني الذي يطالب بتصفية الدياسبورا (أي الجماعات اليهودية في العالم) والذي يذهب إلى أن وجود اليهود خارج فلسطين هو حالة مَرَضيّة، كما هاجم فكرة أن يهود أمريكا شخصيات ممزقة منقسمة على نفسها، وبأن اليهودي الحقيقي هو من يعيش في إسرائيل. ووصف بيلو نفسه بأنه أمريكي مخلص لتجربته وحضارته الأمريكية «يتحدث اللغة الإنجليزية الأمريكية، ويعيش في الولايات المتحدة، ولا يمكنه أن يرفض ستين عاماً من حياته هناك» . ومن ثم، فهو يرى أن مصطلح «كاتب يهودي» مصطلح مبتذل من الناحية الفكرية، وهو مصطلح ضيق الأفق، بل ولا قيمة له إطلاقاً. ومع هذا، فقد كتب بيلّو، علاوة على رواياته وأقواله، كتاباً صهيونياً مغرَقاً في العنصرية عن رحلته إلى إسرائيل إلى القدس والعودة (1976) . ولعل هذا الكتاب ذاته دليل على أن يهود الدياسبورا يروجون عن أنفسهم صورة تريحهم نفسياً هي أنهم صهاينة يؤيدون إسرائيل، بينما تؤكد حياتهم المتعينة غير ذلك. وحينما يكتب بيلو رواياته، فإنه يدع خياله الخلاَّق يَفصح عن رؤيته المركَّبة. أما في كتابه الدعائي المُشَار إليه، فهو يتبنَّى موقفاً أكثر عملية ودعائية. ولعل طموح بيلو للحصول على جائزة نوبل كان له أثره الكبير على الآراء السياسية التي أفصح عنها في كتابه. وقد حصل بيلّو بالفعل على الجائزة بعد صدور الكتاب. بريمو ليفي (1919-1987 ( Primo Levi كاتب إيطالي وكيميائي، وُلد في تورين لعائلة إيطالية يهودية مندمجة في تورين حيث درس الكيمياء في جامعتها وتخرج عام 1941، واشتغل في ميلانو. ومع سيطرة الفاشيين على السلطة، انضم إلى المقاومة الإيطالية، ولكنه وقع في الأسر ورُحِّل إلى معسكر الاعتقال النازي في أوشفيتس. ونظراً لخبرته الكيميائية، اُختير ليفي للعمل في معمل لإنتاج المطاط الصناعي لصالح المجهود الحربي الألماني. ومع انتهاء الحرب، عاد إلى تورين بعد رحلة شاقة، ليشتغل في تخصصه، ولكنه اتجه في الوقت نفسه إلى الكتابة حيث أراد تسجيل تجربته في معسكر أوشفيتس باعتباره شاهداً على ما حدث هناك، وكذلك باعتبار أن عملية التسجيل وسيلة لتفريغ مشاعره. وقد كانت ثمرة مجهوده كتابه الأول لو كان هذا رجلاً (1945) والذي وصف فيه تجربة معسكر الاعتقال بأسلوب مشابه لأسلوب دانتي في الجحيم، وقد سعى فيه إلى تفسير عملية التجرد من الإنسانية التي جرت في أوشفيتس من جهة، وقدرة البشر من جهة أخرى على الحفاظ على إنسانيتهم بفضل العقلانية والوعي بالذات. وفي كتابه الثاني الهدنة (1965) ، روى رحلة عودته عبر أوربا إلى تورين بعد الحرب. وفي عام 1975، كتب ليفي سيرته الذاتية تحت عنوان الجدول الدوري استخدم فيه أساس العناصر الكيميائية في الجدول الدوري ليرمز بذلك إلى الأحداث المختلفة التي جرت في حياته والشخصيات الكثيرة التي عرفها ومن بينها العَالم الألماني الذي عمل في معمله خلال فترة اعتقاله في أوشفيتس، والذي ظل على علاقة عمل به بعد الحرب. وتناول ليفي أحداث معسكرات الاعتقال النازية مرة أخرى في كتاب الغرقى والناجون (1986) والذي ضم مجموعة مقالات تناولت مواضيع مثل الشعور بالذنب لدى الناجين من المعسكرات وظاهرة المتعاونين مع الألمان. وفي عام 1982، أصدر ليفي رواية بعنوان إن لم يكن الآن فمتى؟ تناول فيها قصة يهودي روسي من أفراد المقاومة خلال الحرب وهو يشق طريقه عبر أوربا إلى إيطاليا بهدف الإبحار إلى فلسطين. وقد ابتعد ليفي عن اليهودية بشكل خاص وعن الدين بشكل عام وأصبح لا أدرياً، ولكنه كان من المؤمنين بقيمة الصدق كقيمة مطلقة ودعا إلى التمسك بها على المستوى الشخصي، ومن ثم قاوم إغراء الصلاة أمام احتمالات الموت أثناء وجوده في معسكر الاعتقال، باعتبار أن دوافع الصلاة في مثل هذه الظروف دوافع عملية، ولذا فهي لا تعبِّر عن التقوى، بل هي شكل من أشكال الهرطقة والتجديف. مات ليفي منتحراً عام 1987 حيث كان يعاني من حالة اكتئاب حاد أدَّى به على ما يبدو إلى الإقدام على الانتحار. ورؤية ليفي للعالم متشائمة عدمية، ويتجلَّى هذا في تناوله لموضوع الإبادة النازية ليهود أوربا، إذ يرى أن الضحايا قد تعاونوا تماماً مع من ذبحهم، ومن ثم فإن الإبادة كانت عملاً مشتركاً بينهما ولا يمكن تجريم النازيين وحدهم. وغني عن القول أن هذا الموقف قد أدَّى إلى هجوم الكثيرين عليه. أولجا كيرش (1924-) Olga Kirsh شاعرة يهودية من جنوب أفريقيا تكتب بالأفريكانز، لغة المستوطنين الهولنديين المعروفين باسم «أفريكانر» . والأفريكانز هي لغة متفرعة عن اللغة الهولندية. وُلدت كيرش في جنوب أفريقيا لأبوين يهوديين، وكانت الأم تتحدث الإنجليزية. أما الأب، فكان من أصل ليتواني، وكان يفهم الإنجليزية ويفضل الحديث باليديشية. درست كيرش الأفريكانز والهولندية في الجامعة. ورغم أنها كانت تجيد كلاًّ من الإنجليزية والأفريكانز إلا أنها لم تتمكن من التعبير عن تجربتها الشعرية إلا بالأفريكانز وحدها. وأول دواوين شعرها هو ضوء كشَّاف (1944) ، ثم حوائط القلب (1948) . وقد ذاعت شهرتها لأنها اليهودية الوحيدة التي تكتب بلغة الأفريكانز. وقد عبَّرت كيرش عن موقف المستوطنين الهولنديين من السود وعن إحساسهم بالضيق من النخبة الحاكمة الإنجليزية. هاجرت كيرش إلى إسرائيل عام 1948، ولكنها لم تتمكن من كتابة الشعر بالإنجليزية أو العبرية. ثم عادت ونشرت عام 1972 ديوان شعر ثالثاً بالأفريكانز بعنوان تسع عشرة قصيدة. وقد زارت جنوب أفريقيا عام 1974 للاشتراك في مهرجان لغة الأفريكانز، ومن وحى هذه الزيارة كتبت ديوانها الأخير الأرض الثرية والبيات الشتوي في بلاد غريبة. وتثير سيرتها الأدبية قضية الانتماء اليهودي، فهي أديبة لا تكتب إلا بالأفريكانز (لغة المستوطنين البيض من أصل هولندي في جنوب أفريقيا) . وقد فشلت في الكتابة عن أي موضوع يهودي أو إسرائيلي أو صهيوني، فظلت منابع وحيها وكذلك الوعاء اللغوي الذي تصب فيه إبداعها لا يتغيَّر رغم انتقالها من موطنها الأصلي إلى إسرائيل وبقائها فيها معظم حياتها. بل إنها حينما استوطنت في إسرائيل دخلت في فترة من الصمت الطويل دامت زهاء ثلاثين عاماً انحسرت بعودتها لوطنها الحقيقي. ولذا، فإن تصنيفها باعتبارها يهودية لا يفيد كثيراً. إيلي فايزل (1928-) Elie Wiesel روائي وصحفي فرنسي يهودي، وُلد في رومانيا في بيئة أرثوذكسية حسيدية، اعتقله النازيون حيث وُضع في معسكرات الاعتقال ولكنه لم يلق حتفه (على عكس بقية أعضاء أسرته) . قضى بعض الوقت في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى نيويورك وأصبح مواطناً أمريكياً عام 1963، ولم يهاجر إلى فلسطين. ولكنه، مع هذا، عمل مراسلاً لجريدة يديعوت أحرنوت عام 1949، وعمل أستاذاً للدراسات الإنسانية في جامعة بوسطن عام 1976. تتناول كُتبه تجربته في معسكرات الاعتقال النازية. وهو يُركِّز على تجربة اليهود وحدهم لا ضحايا الإبادة النازية الآخرين، وينظر إلى هذه التجربة من خلال التراث التلمودي والقبَّالي والحسيدي دون أبعاد إنسانية شاملة. ومن أهم رواياته وكتبه الليل (1961) ، وبوابات الغابة (1964) ، وأساطير زماننا (1968) ، وكتاب يهود الصمت (1966) عن يهود الاتحاد السوفيتي، ورواية شحاذ القدس (1968) عن تجربة حرب الأيام الستة، حيث يبعث كل الشخصيات السابقة ورواياته وأساطيره ليقابلها أمام حائط المبكى. ومن أعماله الأخرى، الابن الخامس (1983) . ومعظم أعماله كتبها بالفرنسية، ولكنه نشر أيضاً بعض الأعمال الأدبية بالإنجليزية، من بينها: أرواح مشتعلة (1973) ، والقَسَم (1972) ، ويهودي اليوم (1979) . وينتمي فايزل إلى ما يُسمَّى «لاهوت موت الإله» وهو يَصدُر عن رؤية دينية ذات جذور تلمودية حسيدية قبَّالية يمكن وصفها بأنها حلولية متطرفة تُركِّز على ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، وأهم أحداث هذا التاريخ هو الإبادة النازية لليهود. والإبادة من منظور فايزل ليس لها مضمون إنساني عام، فهي ليست ظاهرة تاريخية اجتماعية (جريمة ارتكبتها الحضارة الغربية ككل ضد عدد من الأقليات والشعوب الغربية) ، وإنما هي جريمة نازية وحسب (بل جريمة كل الأغيار) ضد اليهود وحدهم. بل إنها تجربة فريدة لا يدركها إلا من جرَّبها، ولذا فهي تستبعد الأغيار وتضع حاجزاً بين اليهود وغير اليهود. بل إن حادثة الإبادة حادثة ميتافيزيقية تستعصي على الفَهْم والتفسير، ولذا فيجب أن تُقبل كما هي. وإذا كان ثمة دلالة للإبادة، فهي إثبات أنه لا يمكن للإنسان أن يثق في الإله، وهو ما يعني أن الإله قد مات. فما العمل إزاء هذا الغياب وانعدام المركز واختفاء الثقة؟ ما العمل إزاء هذا العالم ما بعد الحداثي؟ ليس ثمة شيء سوى الشعب اليهودي، فهو المركز الوحيد الممكن. ولذا، فإننا نجد أن الموضوع الأساسي الكامن في كتابات فايزل هي التذكُّر، بل إن التذكُّر عنده يحل محل الصلوات. والتذكُّر هنا هو الالتفاف حول الذات اليهودية، وهو أمر لا معنى له، فهو مجرد إعادة شعائرية تشبه الاجترار والتكرار وتهدف إلى تأكيد بقاء الشعب اليهودي. وأكبر تعبير عن إرادة البقاء، حسب رأي فايزل، هو ظهور دولة إسرائيل، فهي المطلق السياسي الذي يُجسِّد إرادة الشعب اليهودي المطلق ويعبِّر عن سيادته التي حلت مشكلة اليهود التاريخية. فبدلاً من كونهم شعباً شاهداً، أصبحوا شعباً شهيداً، ومن الاستشهاد أصبحوا شعباً مشاركاً في صنع التاريخ، ومن ثم فإن الحفاظ على الدولة الصهيونية أمر غير خاضع للحوار أو النقاش، وأفعالها مهما كانت لا أخلاقية لا يمكن التساؤل بشأنها. ولذا، يرفض فايزل أن يدين الوسائل الإرهابية التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية لقمع الانتفاضة، بما في ذلك قتل الأطفال وكسر العظام. وروايات فايزل ليست ذات قيمة إنسانية كبيرة، كما أنها ليست على مستوى فني رفيع. ومع هذا، فقد مُنح جائزة نوبل عام 1986. هارولد بنتر (1930-) Harold Pinter كاتب مسرحي بريطاني يهودي من أصل سفاردي برتغالي. وكان الاسم الأصلي لعائلته هو «دا بنتا» ، فقام بتغييره ليصبح «بنتر» . تلقَّى بنتر تعليمه في المدارس الإنجليزية. وحينما التحق بالأكاديمية الملكية للفنون المسرحية، وجد الطلبة فيها أكثر صقلاً وتركيباً منه، فادَّعى أنه مصاب بانهيار عصبي وترك الدراسة. ثم رفض بعد ذلك أداء الخدمة العسكرية نظراً لاعتراضه على أساس الضمير، وعمل ممثلاً بعض الوقت. في الخمسينيات، ظهر أول عمل مسرحي له، وهو الحجرة (1957) . ثم ظهر له الجرسون الأخرس وحفلة عيد الميلاد. ولكن أول نجاح حقيقي له كان في مسرحية الوصي (1960) والتي تُعَدُّ من أهم مسرحياته، وهي ملهاة مأساوية تنتمي إلى ما يُسمَّى «مسرح العبث» تتناول ثلاث شخصيات: أولهما هو ميك الذي يمتلك بيتاً مهجوراً ويهديه لأخيه المتخلف عقلياً، آستون، ولكن هذا الأخير يضعه تحت تصرف شخص متشرد لا مأوى له، والموضوعات الأساسية غير واضحة في المسرحية، ولكن هناك محاولة من جانب ميك أن يستعيد علاقته مع أخيه المتخلف عقلياً. ولكن المتشرد الوصيّ يتحول من مجرد شخص شريد هامشي إلى شخص عدواني ومنافس حقيقي لميك، ولكن المسرحية تنتهي بطرده. وهذه المسرحية عمل نموذجي لبنتر، فشخصياته تفشل دائماً في التواصل، ورغم أن لغة الحوار في المسرحية متميِّزة، إلا أن الشخصيات لا تمتلك لغة خاصة للتعبير عن عواطفها، ولذا يصف النقاد بنتر بأنه «سيد الصمت البليغ على المسرح» ، والصمت عنده هو دائماً رمز الفشل الإنساني في التعبير. كما أنه يستخدم الصمت أيضاً ليوحي بما لا يمكن توصيله بالكلمات (ولذا، فإن مسرحياته تُسمَّى أيضاً «كوميديات الخطر» ) . وشخصيات بنتر غير قادرة على فهم نفسها أو على شرح مواقفها ولكنهم جميعاً يتميَّزون بإحساس هائل بالمكان أو المنطقة التي ينتمون إليها (المنزل في مسرحية الوصيّ) . ولذا، فإن الصراع يدور دائماً بين الرجل الذي يجلس في الحجرة ويمتلكها والشخص الذي يقيم فيها. ومن أهم الموضوعات الأخرى التي تتناولها مسرحيات بنتر العلاقات الزوجية، فمسرحية المحب (1963) تتناول علاقة زوجية لا يستطيع الزوجان أن يستمرا فيها إلا بالتظاهر بأن علاقتهما مُحرَّمة وغير شرعية! أما مسرحية العودة (1964) ، فتدور حول مثقف بريطاني يعود من الولايات المتحدة ومعه زوجته الأمريكية التي تواجه أسرته التي تنتمي للطبقة العاملة. كتب بنتر عدة مسرحيات للإذاعة، وحوَّل بعض مسرحياته إلى أفلام. ومن أهم مسرحياته الأخرى: المجموعة (1961) ، وحفلة شاي (1964) ، وخيانة (1978) ، والأيام الخوالي (1979) ، وأصوات عائلية (1981) . ويعترف بنتر بأن أهم المؤثرين فيه هم فرانز كافكا وصمويل بيكت وأفلام العصابات الأمريكية التي تركت أعمق الأثر فيه. ويرد اسم بنتر في بعض الموسوعات اليهودية، بينما يُسقَط من بعضها الآخر. وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدراسات الأدبية العامة في أدبه تذكر أصله اليهودي بشكل عابر، أو لا تذكره على الإطلاق، وهذا يعود إلى أنه لا يوجد أثر عميق لانتمائه اليهودي في أعماله الأدبية. وقد ذهب دليل بلاكويل للثقافة اليهودية إلى أن "خلفية بنتر اليهودية تم التعبير عنها من خلال قنوات عالمية إنسانية". وهذه عبارة ليس لها مدلول واضح، فهي تؤكد أن خلفية بنتر يهودية، وهو أمر لا خلاف عليه، ولكنها تشير إلى أن هذه الخلفية اليهودية لم تترك أي أثر في أدبه، إذ أنه تم التعبير عن هذه الخلفية من خلال قنوات (أي أشكال) عالمية، أي أن مرجعيته النهائية هي إنسانيتنا المشتركة كما هو الحال مع كل الأعمال الأدبية العظيمة، وهي إنسانية مشتركة لم يتم التعبير عنها من خلال قنوات يهودية، على عكس دانتي الذي عبَّر عن إنسانيتنا المشتركة من خلال قنوات كاثوليكية، وعلى عكس ملتون الذي عبَّر عنها من خلال قنوات بروتستانتية، فأين تكمن هوية بنتر اليهودية؟ أرنولد ويسكر (1932-) Arnold Wesker كاتب مسرحي بريطاني يهودي، وُلد في لندن لعائلة من المهاجرين اليهود من شرق أوربا. ترك المدرسة مبكِّراً، وتنقَّل بين عدد من الأعمال، كما خدم في القوات الجوية الملكية لمدة سنتين، واستخدم جميع هذه الخبرات المتنوعة كمادة في مسرحياته الأولى التي كانت أقرب إلى السيرة الذاتية. وتدور أغلب مسرحيات ويسكر حول المشاكل والقضايا الاجتماعية، كما تعكس توجُّهه الاشتراكي وإيمانه بالمذهب الطبيعي. ويوجِّه ويسكر من خلال هذه المسرحيات النقد اللاذع لقيم المجتمعات الصناعية الحديثة وماديتها، كما يتناول مسألة الفجوة بين القيم والإنجازات المادية. ويقتصر البُعْد اليهودي في مسرحياته على استخدامه الشخصيات اليهودية في كثير من أعماله، وهي شخصيات عرفها في الحي الشرقي في لندن ذي الأغلبية اليهودية من المهاجرين، وقد تناول حياتهم ومشاكلهم وصراعاتهم الخاصة كتعبير أو رمز لصراعات وقضايا إنسانية أوسع وأشمل لا تقتصر فقط على حياة الجماعات اليهودية. صدرت أول الأعمال المسرحية لويسكر عام 1959 بعنوان المطبخ، واستمد عنوانها ومضمونها من عمله كطاه لفترة من حياته، وهو يرمز، من خلال تناوله الحياة داخل المطبخ في أحد المطاعم، إلى الصراع والتنافس الذي تتسم به الحياة في المجتمعات الصناعية التي هي أقرب إلى العبودية. حقَّق ويسكر شهرته من خلال ثلاثيته التي تضم مسرحيات حساء الفراخ بالشعير (1958) ، والجذور (1959) ، وإني أتحدث عن القدس (1960) . وتحاول المسرحيات الثلاث تسليط الضوء على أعراض المجتمع المريض، فالمسرحية الأولى تستعرض قصة أسرة يهودية من الطبقة العاملة في الحي الشرقي في لندن خلال الثلاثينيات والأربعينيات، حيث يتناول المؤلف من خلالها قضية المواجهة بين المُثُل الاشتراكية والاتجاهات الفاشية في بريطانيا في تلك الفترة، ثم تآكل هذه المُثُل على ضوء تجارب الواقع، ومن أهمها الستالينية في الاتحاد السوفيتي ودولة الرفاه في بريطانيا. كما يتناول مسألة تفكُّك مجتمع المهاجرين اليهود في الحي الشرقي في لندن وشعورهم بالغربة تجاه قيم المجتمع الصناعي الحديث. وتتناول المسرحية الثانية أيضاً قضية الغربة وانحطاط القيم. أما المسرحية الثالثة، فتدور حول محاولة اثنين من الشخصيات اليهودية في مسرحيته الأولى إقامة مجتمع مثالي في الريف وصعوبة أو استحالة ذلك في ظل مجتمع تسود فيه قيم تعارض مثل هذه الممارسات الفردية. ومن مسرحياته الأخرى، تشيبس مع كل شيء (1962) التي استمد مادتها من تجربته في القوات الجوية الملكية، ولهذا فهي تدور داخل العالم العسكري، وتتميَّز شخصياتها إما بالاستبداد والانحطاط، أو بالخضوع التام والانصياع. وفي مسرحية الفصول الأربعة (1965) ، يترك ويسكر الإطار الاجتماعي العام ليتناول قضية الألم والمعاناة الشخصية التي بدأت تثير اهتمامه منذ أواسط الستينيات. وفي مسرحية المسنين (1972) ، يتناول ويسكر من خلال شخصيات يهودية مسألة الحياة والبقاء عند كبار السن. أما في مسرحية مأدبة الزوج (1974) ، فإنه يتناول قصة رجل أعمال يهودي، ويعود إلى قضية اصطدام القيم المثالية بحقائق الواقع القاسي. ويتناول نفس هذا الموضوع ولكن بشكل أكثر شمولاً في مسرحية التاجر (1977) التي تعتبر تناولاً جديداً لمسرحية تاجر البندقية لشكسبير. وبالإضافة إلى المسرحيات، كتب ويسكر القصة القصيرة أيضاً. وتضم آخر أعماله مجموعة مختارة من المقالات (1985) التي يتناول في كثير منها مسألة يهوديته. وقد قام ويسكر خلال الستينيات بتأسيس وإدارة «المركز 42» ، وهو مشروع ثقافي تم تحت رعاية اتحاد النقابات العمالية في بريطانيا بغرض توسيع رقعة الاهتمام الجماهيري بالفنون. جيرزي كوزينسكي (1933-1991 ( Jerzy Kosinski كاتب أمريكي يهودي، وُلد في مدينة لودز في بولندا، وكان والده أستاذاً مرموقاً في جامعة لودز. تعرَّض كوزينسكي، خلال الاحتلال النازي لبولندا، لتجارب مريرة وقاسية، وعاش متشرداً في الريف البولندي، وفَقَد القدرة على النطق لمدة 6 سنوات. وقد تركت تجاربه المؤلمة خلال فترة الحرب آثارها العميقة في نفسيته وشخصيته، انعكست في كتاباته التي غلب عليها الطابع المظلم والسوداوي. وتعبِّر روايته العصفور الملون عن جزء كبير من هذه التجارب. عاش كوزينسكي في بولندا حتى عام 1957 حيث هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ونال درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة لودز عام 1953، ثم الماجستير في التاريخ عام 1955 من الجامعة نفسها، وعمل أستاذاً في معهد العلوم الاجتماعية والتاريخ الثقافي. وبعد هجرته إلى الولايات المتحدة، التحق بالدراسات العليا في جامعة كولومبيا في الفترة بين عامي 1958 و1965. وعمل محاضراً وأستاذاً زائراً وزميلاً لعدة جامعات ولعدد من مراكز الدراسات الأمريكية المرموقة. ولكوزينسكي مؤلفات عديدة من أهمها إستبس، أي خطوات، التي نال عنها الجائزة القومية (الأمريكية) للكتاب عام 1969، ومن أشهر أعماله أيضاً أن تكون هناك Being There (1971) الذي تحوَّل إلى فيلم سينمائي كتب له كوزينسكي السيناريو ونال عنه عدة جوائز. زار كوزينسكي بولندا عام 1988 لأول مرة منذ 31 عاماً، وأكد خلال زيارته على العلاقات التاريخية بين البولنديين واليهود، وأدان جميع أشكال التحيُّز سواء ضد البولنديين أو ضد اليهود. كما أن كوزينسكي، الذي يترأس الصندوق الأمريكي للبحوث البولندية ـ اليهودية، نجح خلال زيارته هذه في عقد اتفاق لإقامة مؤسسة للتراث البولندي ـ اليهودي في كازيميز، وهو الحي اليهودي القديم في كراكوف. وفي العام نفسه، كان كوزينسكي قد حوَّل شقته الصغيرة في نيويورك إلى مقر مؤسسة «برزنس» ، وهي مؤسسة تعمل للحفاظ على ما يُسمَّى «التراث اليهودي» . زار كوزينسكي إسرائيل في عام 1988 أيضاً، وأثار الدهشة والاستياء عندما دافع عن معاملة البولنديين لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهاجم فيلم «شواه» الذي يتناول أحداث الإبادة النازية (الهولوكوست) ، حيث اعتبره فيلماً متحيِّزاً وغير عادل على الإطلاق. كما أعرب عن رفضه أن يظل يُعرَّف مدى الحياة باعتباره أحد الناجين من الإبادة النازية. وقد تعرَّض كوزينسكي في أوائل الثمانينيات إلى بعض الاتهامات التي ألقت بظلالها على سمعته الأدبية، حيث ادعت مجلة فيليج فويس Village Voice على صفحاتها أن مساعدي كوزينسكي كتبوا أجزاء من كتبه، وأن أعماله الأولى المعادية للشيوعية كانت مموَّلة من المخابرات المركزية الأمريكية، وأنه اختلق بعض تفاصيل أحداث حياته. وقد تركت هذه الاتهامات آثارها في كوزينسكي، كما أصابه الاكتئاب بعد الاستقبال الفاتر الذي قوبل به كتابه الأخير ناسك شارع 69 (1988) الذي كان بمثابة سيرة ذاتية في قالب روائي خيالي. وكان كوزينسكي يعاني كذلك من تدهوُّر صحته، الأمر الذي كان يعوقه عن العمل. ولعل كل هذه الأسباب مجتمعة هي التي أدَّت إلى انتحاره باستخدام أحد الأساليب التي أوصت بها جمعية هيملوك (السم) ، وهي إحدى الجمعيات التي تدعو إلى القتل الرحيم لمن يشكو مرضاً عُضَالاً، وهو نفسه الأسلوب الذي استخدمه عالم النفس الشهير برونو بتلهايم للانتحار قبل كوزينسكي بعام واحد. فيليب روث (1933-) Philip Roth أهم روائي أمريكي يهودي، وُلد ونشأ في مدينة نيو آرك التابعة لولاية نيوجرسي لأسرة أمريكية يهودية بورجوازية مندمجة. وتدور قصصه حول الصراع الحاد الذي يدور داخل الأمريكيين اليهود بين ميراثهم اليهودي (اليديشي) من جهة، وجاذبية الحضارة الأمريكية (المسيحية) والعلمانية التي يعيشون فيها من جهة أخرى. أثارت أعمال روث جدلاً كبيراً، ولعل هذا يعود إلى صراحته غير العادية وإلى أن شخصياته اليهودية شخصيات كوميدية مريضة تكشف عن نفسها من خلال علاقات جنسية شرعية وغير شرعية، صحيحة ومرضية. وقد وصفه البعض بأنه يهودي كاره لنفسه وليهوديته. ومن أهم قصصه المدافع عن العقيدة، وتحوُّل اليهود عن عقيدتهم (1962) ، ودرس التشريح (1983) حيث يحاول روث أن يتكشف التناقض الكامن في بعض التعريفات الأمريكية للهوية اليهودية، ويُبيِّن التضمينات الكوميدية الكامنة في مفاهيم مثل الشعب المختار والشعب المقدَّس، كما يكشف التناقض الكامن في الانشغال الزائد لدى اليهود بما حاق بهم من عذاب في الماضي وحساسيتهم الزائدة، بينما يعيشون الآن في مجتمع علماني لا يكترث بهم ولا يُكن لهم حباً ولا كُرهاً. ويتناول روث عادةً علاقات الأبناء بآبائهم، خصوصاً الأمهات، فموضوع الأم اليهودية شديدة الطموح والتسلط موضوع أساسي في رواياته. كما أن اهتمامه ينصرف كذلك إلى علاقة الرجال بالمرأة. إن الأنثى، خصوصاً اليهودية، متسلطة، زوجة كانت أم عشيقة، مخططاتها مختلفة عن مخططات الذكر. وهو يطلق على مثل هذه الأنثى «الأميرة الأمريكية اليهودية» ، وقد أصبح هذا المصطلح شائعاً في الخطاب الأمريكي ويحمل معنى قدحياً. وفي مقابل ذلك، تشير روايات روث إلى الشيكسا، أي الأنثى غير اليهودية، التي تشكل جاذبية خاصة لليهودي. وأهم الروايات التي تتناول هذا الموضوع هي شكوى بورتنوي (1969) التي تأخذ شكل اعتراف رجل يهودي يبلغ من العمر 33 عاماً لمحلله النفسي. وتُعَدُّ رواية شكوى بورتنوي ذات أهمية خاصة من منظور هذه الموسوعة، إذ أن بطلها ينتقل بين الولايات المتحدة (الدياسبورا) وإسرائيل. وفي الولايات المتحدة، يكتشف أن هويته اليهودية إنما هي مصدر آلام له وليس لها قوام أو مضمون واضح، وتدفع به إلى ما يسميه روث المستنقع الأوديبي: أي الاهتمام المرضي بعلاقة الابن اليهودي بأمه اليهودية، وإحساسه العميق بالذنب حينما تتجه عواطفه نحو الشيكسا من بنات الواسب (Wasp) ، أي الفتاة البيضاء (عادةً شقراء) من أصل أنجلو ساكسوني بروتستانتي. ولا يختلف الأمر كثيراً عندما يذهب البطل إلى إسرائيل، فإنه لا يعجبه ما يرى، إذ لا يجد ذاته الأمريكية اليهودية المركَّبة هناك. ولذا، فهو حينما يقابل فتاتين إسرائيليتين في أرض الميعاد، تنتهي العلاقة نهاية مأساوية ملهاوية، إذ تسأله الأولى، وهي ملازم في الجيش الإسرائيلي، إن كان يفضل الجرارات أو البلدوزرات أو الدبابات. أما الثانية (ناعومي) ، فهي إسرائيلية حقة، وُلدت في إحدى المستعمرات بالقرب من الحدود اللبنانية، وأتمت خدمتها في الجيش الإسرائيلي، ثم استقرت في إحدى المستعمرات الواقعة على الحدود السورية، وهي لا تكف عن الثرثرة عن الاشتراكية وعن الفساد الذي يسود المجتمع الأمريكي. وقد لقنته هذه الفتاة المحاربة درساً في التاريخ اليهودي من وجهة نظر صهيونية، فأخذت تتحسر على تلك القرون الطويلة التي عاشها اليهود بلا ديار ولا مأوى، والتي أفرزت أمثاله من الرجال "الخائفين المخنثين الذين لا يعرفون قدر أنفسهم، والذين أفسدتهم الحياة في عالم الأغيار". بل إنها تلومه على ما حدث لليهود في ألمانيا النازية "فيهود الشتات، بسلبيتهم، هم الذين ساروا بالملايين إلى غرف الغاز دون أن يرفعوا يداً ضد مضطهديهم ... الشتات! إن الكلمة ذاتها تثير حنقي". ولا غرو أن بورتنوي لم يُوفَّق بعد هذا في العثور على فتاة أحلامه في إسرائيل. وتعكس روايات روث واقع يهود الولايات المتحدة الأمريكية الذين يتمتعون بمعدلات عالية من الاندماج (أو يعانون منها حسب الرؤية الصهيونية) . ولذا، فإن رؤيتهم للواقع، وأحلامهم، وطموحاتهم، لا تختلف كثيراً عن رؤية وأحلام وطموحات أعضاء الأغلبية، فحلمهم هو الحلم الأمريكي. وهذا أمر مُتوقَّع من أبناء مهاجري اليديشية الذين تركوا أوطانهم واستقروا في أمريكا ليحققوا الحراك الاجتماعي، وإذا وجد الشاب اليهودي أن الشيكسا ذات جاذبية خاصة فهذا أمر منطقي لأقصى حد. وفي رواياته الأخيرة، بدأ روث يتجه نحو داخله باعتبار أنه فنان يهتم بعملية الإبداع بشكل خاص، وذلك في روايات مثل حياتي كرجل (1974) ، والكاتب الشبح (أي الذي يصوغ كتابة ما يكتبه الآخرون صياغة أدبية) عام 1979، وزوكرمان طليقاً (عام 1981) ، وتدور روايتا الكاتب الشبح، وزوكرمان طليقاً حول حياة الروائي زوكرمان الذي تشبه حياته حياة روث نفسه، وهي حياة مليئة بالمتناقضات. إنه متعطش للنجاح ولكنه لا يود أن يطارده المعجبون، ويتصرف كابن بار بأسرته ثم لا يُطيع أوامر أبيه، وينشر رواية تدور أحداثها عن أسرته ثم يتبيَّن مساوئها، ويتوق للإثارة والهدوء، ويتزوج من نساء مثقفات متزنات ثم يرفضهن لأنهن مثقفات متزنات، ويقوم بعمليات مطاردة جنسية للنساء ثم يرفض أي نقد موجه لهذه المطاردات، ويكتب روايات فاضحة عن اليهود ولكنه لا يفهم لماذا تستجيب المؤسسة اليهودية لرواياته استجابة سلبية. وقد صدرت لروث روايات أخرى، مثل: حينما كانت خيِّرة (1967) ، وعصابتنا (1971) ، والرواية الأمريكية العظمى (1973) ، وقراءة نفسي والآخرين (1975) ، وأستاذ الرغبة (1977) . ومن آخر رواياته رواية الحياة المضادة (1986) حيث يستكشف معنى حياة اليهود في إسرائيل وخارجها وعملية شيلوك (1992) . تدور الرواية الأخيرة حول الكاتب نفسه (فيليب روث) الذي يذهب إلى إسرائيل لإجراء مقابلة مع كاتب إسرائيلي معروف، وهناك يجد نظيراً له يحمل الملامح نفسها والاسم نفسه ويزعم أنه هو نفسه فيليب روث. يدعو فيليب روث الثاني هذا إلى ما يسميه «نظرية النية» ومفادها أن الأجدى لليهود الهجرة من إسرائيل إلى أوربا لأن واقعهم الثقافي الحقيقي كان دائماً هناك ولأن إسرائيل ستكون الموقع الجديد لإبادة اليهود في حرب نووية مع العرب، كما يصبح المؤلف/البطل محور العديد من الأحداث التي تدور في إسرائيل في زمن الانتفاضة. ومن أطرف المواقف في الرواية أن فيليب روث الحقيقي توقفه دورية إسرائيلية ليلاً وتشتبه في أنه عربي فيمر بلحظات رعب قبل أن ينجح في إثبات هويته. وتؤكد الرواية «أن على اليهود واجباً أخلاقياً لا مفر منه، هو تعويض الفلسطينيين عما اقترفه اليهود ضدهم من طرد وتعذيب وقتل» . ثم يؤكد بطل الرواية «بغض النظر عن كل شيء: الفلسطينيون كشعب، أبرياء بالكامل، واليهود كشعب، مُعذَّبون بالكامل» . سينثيا أوزويك (1928-) Cynthia Ozick روائية أمريكية يهودية وكاتبة قصة قصيرة، وُلدت ونشأت في نيويورك حيث تلقت تعليمها. قرأت أعمال ليو بايك، ومارتن بوبر، وفرانز روزنزفايج، وهرمان كوهين. وأولى رواياتها ثقة (1966) وتدور أساساً حول الصراع الناشئ بين الوثنية والدين، أو بين الطبيعي المادي والمقدَّس الروحي، وهي هنا ترى أن اليهودية وحدها هي التي تُجسِّد النزعات الدينية والروحية. وقد تناولت الموضوع نفسه في مجموعة قصصها القصيرة الحاخام الوثني وقصص أخرى (1971) . ففي إحدى القصص يظهر الحاخام كورن فيلد، أي حقل القمح، الذي تنجذب روحه إلى الطبيعة، وتبتعد عن طريق الروح والدين حتى ينتهي به الأمر إلى عبادة إله الطبيعة فيشنق نفسه على شجرة. ويتواتر الموضوع نفسه في كتابها الثاني إراقة الدم وثلاث روايات قصيرة (1976) ، وأخيراً في التنين: خمس روايات (1982) ، حيث نجد أن الشخصيات المسيحية تختار الطبيعة، أما الشخصيات اليهودية فتتجاوز عالم المادة والطبيعة، الأمر الذي يعني أن الوثنيين (المسيحيين) سيظلون دائماً ملتصقين بالمادة، أما اليهود فهم وحدهم القادرون على التسامي والتجاوز. ويُلاحَظ أن الشخصيات المتهودة تظل ذات طابع وثني طبيعي رغم تبنيها اليهودية ديناً. ذلك أن التهود، كما يبدو، لا يكفي لتغيير طبيعتهم الوثنية المسيحية. ومثل هذه الرؤية تُبيِّن أثر الفكر القبَّالي الوسيط والعرْقي الحديث على أوزيك. وقد كتبت أوزيك مجموعة مقالات ضمتها في كتاب الفن والحماس (1983) حيث تتناول الموضوع السابق نفسه، كما حاولت أن تتناول موضوع المرأة. أما آخر كتبها ماشيَّح ستوكهولم (1987) ، فيتناول موضوع النزعة المشيحانية. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
أدب عبري وأدب مكتوب بالعبرية
Hebrew Literature and Literature Written in Hebrew تُستخدَم أحياناً عبارة «الأدب العبري» للإشارة إلى الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية. وهو اصطلاح عام مقدرته التفسيرية والتصنيفية ضعيفة للغاية، فهو يشير إلى الانتماء اللغوي للعمل الأدبي وحسب ولا يغطي الانتماء الحضاري أو القومي. فتشرنحوفسكي ويهودا اللاوي كلاهما كتب بالعبرية، غير أن الأول ينتمي إلى التقاليد الأدبية الروسية الرومانتيكية، بينما ينتمي الثاني إلى التراث الأدبي العربي في الأندلس، أي أن القاسم المشترك بينهما ليس سوى اللغة وحسب. بل إن العبرية التي استخدمها كلٌّ منهما متأثرة بالمحيط الحضاري، ومن ثم فإن أياً منهما لم يكتب «أدباً عبرياً» وإنما عبَّر عن نفسه ورؤيته من خلال «أدب مكتوب بالعبرية» . وحيث إن هذه الآداب تتنوع بتنوع التقاليد الحضارية والأدبية واللغوية فنحن نتحدث عن «الآداب المكتوبة بالعبرية» . أما «الأدب الإسرائيلي» فهو الأدب المكتوب بالعبرية في إسرائيل بعد عام 1960، ونشير له أحياناً بأنه «الأدب العبري الحديث» . وقد اعتبرنا أن عام 1960 نقطة فاصلة ظهر بعدها الأدب العبري في إسرائيل (فكل من مات بعد هذا التاريخ من أدباء العبرية صُنِّف على أنه «أديب إسرائيلي» ) ، وهو اختيار فيه شيء من التعسف كما هو الحال في مثل هذه الأحوال. ومع هذا، يمكننا القول بأن الآداب المكتوبة بالعبرية، والتي كُتبت قبل ذلك التاريخ لم تكن متأثرة بالتقاليد الأدبية المختلفة التي وجد فيها الأدباء وحسب، وإنما هي صادرة عنها. ولا يمكن إطلاق مصطلح «أدب إسرائيلي» على تشرنحوفسكي لمجرد أنه هاجر إلى فلسطين، فالإنسان لا يغيِّر وعيه أو وجدانه أو طريقة إبداعه بمجرد انتقاله من مكان إلى آخر، خصوصاً إذا كانت قد تقدمت به السن وتشكلت رؤيته وتحددت أدواته الأدبية. أما في الستينيات، فرغم أن الأدب العبري كان لا يزال متأثراً بالتقاليد الأدبية الغربية (الحداثة وما بعد الحداثة) ، والتي يُقال لها «عالمية» ) ، فإنه كان لا يختلف في ذلك كثيراً عن كثير من الآداب القومية التي تحاول الوصول إلى ما يُسمَّى «العالمية» ، كما أنه بدأت تظهر له شخصية مستقلة، وأصبح يعبِّر عن آمال وآلام جيل الصابرا وتجربتهم التاريخية مع الاستيطان. وهو كذلك يعالج مشاكل الاستيطان الإسرائيلي بواقعه ومكوناته التي تشتمل أيضاً على ما هو غير يهودي وغير صهيوني. ومع هذا، يمكن القول بأن عبارة «الأدب المكتوب بالعبرية» غير مرادفة تماماً لعبارة «الأدب لإسرائيلي» إذ ليس كل الأدب الإسرائيلي مكتوباً بالعبرية، فلا نعدم أن نجد من يكتب بغير العبرية مثل الكاتبة يئيل ديان التي تكتب بالإنجليزية (ولكنها تمثل الاستثناء وليس القاعدة) ، وهناك أدباء عرب يكتبون بالعبرية مثل أنطون شماس صاحب رواية أرابيسك (1986) التي كتبها بعبرية أدهشت النقاد الإسرائيليين. وكان شماس قد كتب ونشر قصائد بالعربية والعبرية في السبعينيات، وفي الفترة نفسها تقريباً بدأت سهام داود، وهي كاتبة وصحفية عربية من حيفا، تكتب الشعر بالعبرية أيضاً. وفي عام 1992 كتب الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، عضو الكنيست الإسرائيلي، قصيدة هجا بها ليون زئيفي، أحد ممثلي أقصى اليمين الصهيوني في الحكومة الإسرائيلية. وكانت القصيدة على وزن المقامة، وهي لون شعري عبري كان يُقال على غرار المقامة العربية. ويعكف الشاعر الفلسطيني العربي نعيم عرايدي على كتابة رواية بالعبرية، وهو الذي عُرف بوصفه شاعراً وكاتباً عربياً في إسرائيل. وهناك محاولات ترمي إلى إدخال هذه الكتابات العربية التي كتبها فلسطينيون عرب من مواطني إسرائيل في تصنيف «الأدب الإسرائيلي» ، وهو أمر يصعب قبوله. وربما قد يكون من الأفضل الإشارة لكتابة هؤلاء باعتبارها «أدب عربي مكتوب بالعبرية» . الأدب الإسرائيلي Isreali Literature «الأدب الإسرائيلي» عبارة تُستخدَم للإشارة إلى «الأدب المكتوب بالعبرية في فلسطين المحتلة منذ عام 1960» وهي عبارة مرادفة تقريباً لعبارة «الأدب العبري الحديث» . الآداب المكتوبة بالعبرية حتى العصر الحديث Literature Written in Hebrew up to the Present تُعتبَر أسفار موسى الخمسة أقدم النماذج الأدبية العبرية التي يدل أسلوبها وبناؤها على تأثرها بالتشكيلات الحضارية المجاورة: البابلية والكنعانية والمصرية ... إلخ، وجاء بعدها من الناحية التاريخية كتب الحكمة مثل سفر الأمثال وأيوب وسفر الجامعة، والأشعار الدينية مثل المزامير والمراثي، وأشعار الحب والغزل مثل نشيد الأنشاد. ويرى بعض نقاد العهد القديم أن كتب الأنبياء ذاتها، رغم توجُّهها الديني والسياسي الواضح، أعمال أدبية يتسم أسلوبها بالجمال. أما الكتب الدينية التي ظهرت بعد ذلك فمعظمها مكتوب بالعبرية المشوبة بالآرامية، وما كُتب منها بالعبرية ليس ذا قيمة أدبية كبيرة. ويمكن الإشارة إلى بعض الكتب الخفية (أبوكريفا) والفتاوى الدينية وقصائد البيوط، وبعض الكتب الدينية مثل الشولحان عاروخ وكتب القبَّالاه، باعتبارها أعمالاً دينية لا تخلو من القيمة الأدبية، خصوصاً كتب القبَّالاه التي طوَّر كُتَّابها نسقاً رمزياً مركباً يدل على خيال خصب. ولكن الكتابات السابقة تظل نصوصاً غير أدبية تُوظِّف القيم الجمالية والأدبية من أجل هدف غير أدبي: ديني أو فلسفي أو تأمُّلي. غير أنه ظهر أدب مكتوب بالعبرية بين يهود العالم العربي والعالم الإسلامي، وكانت أهم مراكزه في الأندلس. ولما كان الشعر الغنائي هو أهم الأغراض الأدبية عند العرب، فقد انعكس هذا على الجماعة اليهودية. فظهر شعر غنائي عبري متأثر في أخيلته وعروضه بالشعر العربي. ووصل هذا الشعر إلى ذروته في الفترة بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر. ومن أهم شعراء العبرية في الحضارة الإسلامية، سليمان بن جبيرول ويهودا اللاوي (هاليفي) وموسى بن عزرا المعروف عند العرب باسم «أبو أيوب سليمان بن يحيى بن جبيرول» .ومما يجدر ذكره أن أغراض الشعر المكتوب بالعبرية داخل الحضارة العربية لم تكن دينية وإنما كانت دينية ودنيوية، فكانت تضم غزليات وخمريات وفخراً ووصفاً للطبيعة. وقد ظهرت أنواع أدبية أخرى بين يهود الحضارة العربية الإسلامية مثل المقامات والمقالات، ولكن الشعر الغنائي يظل النوع الأدبي الأساسي. وقد ظهر في إيطاليا شعر غنائي مكتوب بالعبرية إبان عصر النهضة. وكان عمانوئيل بن سولومون (عمانوئيل الرومي) هو أهم شاعر غنائي، فكتب سوناتات وقصائد هجائية، كما أن قصيدته «جهنم والجنة» متأثرة بقصيدة دانتي الكوميديا الإلهية. سليمان بن جبيرول (1021-1056) Solomon Ibn Gabirol شاعر وفيلسوف عربي يهودي كتب بعض الأعمال بالعبرية. عاش في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) ، وعُرف عند العرب باسم أبي أيوب سليمان بن يحيي بن جبيرول. وُلد في ملقا، وكان قبيحاً معتل الجسم. نزح إلى سرقسطة حيث تعرَّف إلى رئيس الجماعة اليهودية في المدينة الذي قُتل عام 1039. ثم اتجه ابن جبيرول إلى غرناطة ملتجئاً إلى ابن نغريلة وانضم إلى حاشيته. ويُقال إنه مات في ظروف مشابهة لموت يهودا اللاوي. وربما يدل هذا على الجانب الأسطوري في القصة التي تذهب إلى أن عربياً قد قتله. نَظَم عدة قصائد عبرية على نظام الموشحات، كما نظم قصيدة تتناول النحو العبري على غرار ألفية بن مالك، وكتب المدائح في أولياء نعمته. وتعالج قصائده الدنيوية موضوعات مثل الحب والخمريات ووصف الطبيعة والشكوى من الزمان والعالم. أما قصائده الدينية، فتعالج الموضوعات اليهودية التقليدية مثل البكاء من أجل صهيون. كتب ابن جبيرول بعض الأعمال الفلسفية بالعربية كعادة المفكرين العرب من اليهود، ثم تُرجمت هذه الأعمال إلى العبرية فيما بعد ومنها إلى اللاتينية حيث تركت أثراً في الفكر المسيحي. ومن أهم مؤلفاته كتاب ينبوع الحياة الذي يبيِّن أثر الأفلاطونية المحدثة عليه. وتتميَّز مؤلفاته بأنها خالية من الإشارة إلى اليهودية والعهد القديم، كما أنها تتناول موضوعات فلسفية ذات صبغة إنسانية في العادة. ولذا، كان البعض يتصور أن مؤلفاته من وضع كُتَّاب مسلمين. وقد اشترك بياليك في جمع أشعاره ونشرها عام 1924. الآداب المكتوبة بالعبرية منذ بداية العصر الحديث حتى عام 1960 Literature Written in Hebrew from the Beginning of Modern Times to1960 يرى بعض مؤرخي الآداب المكتوبة بالعبرية أن نقطة بداية هذه الآداب في العصر الحديث هو عام 1743، باعتباره العام الذي نشر فيه لوتساتو قصيدة مدح المستقيمين. ولكن هناك من يذهب إلى أن البداية الحقيقية إنما كانت في ألمانيا على يد نفتالي هيرتس فيزلي. ومهما يكن الأمر، فإن ما أُنتج من أعمال أدبية مكتوبة بالعبرية منذ عصر النهضة حتى أواخر القرن الثامن عشر لم يكن من الأهمية بمكان، وهو ما يجعل الإشكالية غير ذات موضوع. وفي تصوُّرنا أن تاريخ هذا الأدب يمتد حتى عام 1960 وهو العام الذي تبلوَّر فيه الأدب العبري الحديث، أو الأدب الإسرائيلي، وهو الأدب المكتوب بالعبرية والذي يعبِّر عن تجربة المستوطنين الصهاينة في فلسطين وبخاصة أبناؤهم ممن وُلدوا ونشأوا في فلسطين. ومنذ عصر النهضة في الغرب كانت الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية، في الأساس، تقليداً واضحاً وصريحاً للأعمال الأدبية الأوربية التي كان يتفاعل معها الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في الغرب، وهو أمر مفهوم تماماً، فقد كانوا يعيشون في كنف الحضارة الغربية وكانت أول لغة يتعلمونها هي لغة البلد الذي يعيشون فيه. ومع غياب أية تقاليد أدبية راسخة، أو أعمال أدبية كبرى بالعبرية، كان لابد أن يتوجه هؤلاء الأدباء من أعضاء الجماعات اليهودية نحو الأعمال الأدبية المتاحة لهم باللغة التي يعرفونها. ولذا، جاءت أغلب الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية إما مُترجَمة عن أصل أوربي أو مُقلِّدة له دون إبداع، متأثرةً في الشكل والمضمون بعمل أدبي غربي ما. وفي أغلب الأحيان، جاءت الترجمات أبعد ما تكون عن الأصل، هذا على عكس ما يحاول النقاد الصهاينة إثباته حيث يذكرون أن ما يسمونه «الأدب العبري» جاء نتيجة حركيات داخلية وتطوُّر طبيعي حدث بين أعضاء الجماعات اليهودية. ولكن التغيُّر في مجال الأدب لا يختلف عن التغيُّر في المجالات الأخرى، فالتحولات الضخمة التي طرأت على إيطاليا في عصر النهضة هي التي صاغت حياة كل أعضاء المجتمع بما في ذلك أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم جزءاً منه. وقد تركت الثورة الفرنسية والثورة الصناعية أعمق الأثر في الجماعات اليهودية داخل أوربا ثم خارجها. نشأت الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث من خلال تصاعد معدلات العلمنة في المجتمعات الغربية، إذ أدَّى هذا إلى أن الأدباء الذين يكتبون بالعبرية بدأوا يُسقطون الحديث عن القيم المطلقة في الفكر الديني اليهودي. بل إنهم تناولوا الموروث الديني من منظور لاديني، فمنهم من رفضه تماماً، ومنهم من حوَّله إلى مادة بحث وأعاد النظر فيه، ومنهم من اعتبره تراثاً شعبياً قومياً. ولذا نجد أن السمة الأساسية للآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث والتي تُميِّزها عما سبقها من آداب مكتوبة بالعبرية هي توجُّهها نحو الموضوعات الدنيوية وابتعادها عن الموضوعات الدينية (على الأقل داخل التشكيل الحضاري الغربي) . وظهرت في الآداب المكتوب بالعبرية الموضوعات الأساسية المتواترة في الآداب الغربية مثل العودة للطبيعة والبحث عن الذات والاغتراب عنها، وإن كانت هذه الموضوعات قد اكتسبت أحياناً بُعداً خاصاً في الآداب المكتوب بالعبرية، نظراً للتجربة الخاصة لأدباء العبرية باعتبارهم أعضاء في أقليات تواجه مشاكل خاصة لا يواجهها أديب من أعضاء الأغلبية. وعلى سبيل المثال، فإن الأديب الذي يكتب بالعبرية حين يحاول، بتوجُّهه العلماني، التمرد على التراث الديني اليهودي، شأنه في هذا شأن كثير من الأدباء الغربيين، ويقرر العودة إلى تراثه، فإنه يعود لهذا التراث الذي رفضه. ومن هنا ظهرت ازدواجية القبول والرفض. وبإمكان الدارس أن يعثر لدى الأديب الواحد على أعمال ترفض التراث وتهاجمه بحدة وعلى أعمال أخرى تمجده، الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأن الآداب الحديثة المكتوبة بالعبرية وُلدت فاقدة الاتجاه. ومن هذا المنظور، يمكن أن نفهم يهودا ليف جوردون في محاربته اليهودية الحاخامية في الوقت نفسه الذي تحدث فيه عن داود وبرزيلاي. وكذلك مابو الرومانسي الذي كتب رواية محبة صهيون في الوقت نفسه الذي كَتَب فيه المنافق. ومن الطبيعي أيضاً أن يتحوَّل موشيه ليلينبلوم داعية التنوير إلى صهيوني رومانسي في مرحلة تالية. وحينما ظهر الفكر الصهيوني، حاول آحاد هعام أن يعثُر على صيغة للتوفيق بين النزعتين الدينية والمعادية للدين، فقال: إن الأدب العبري في العصر الحديث هو صورة علمانية للتقاليد القديمة. وفي محاولة تبرير هذه الازدواجية الدينية/اللادينية، في الآداب المكتوبة بالعبرية، حاول النقاد تفسير استلهام التراث على أنه أساساً عملية أدبية حوَّلت التراث نفسه إلى مادة أدبية. فالأصل الإنساني لهذه المادة هو الذي أثار الاهتمام الأدبي لدى أدباء العبرية وليس القداسة الإلهية فيها. ومما يؤكد أن ما نتحدث عنه هو «آداب مكتوبة بالعبرية» لا «أدب عبري واحد» أن المراكز التي ظهر فيها هذا الأدب متعددة (بل ونجده متعدد المراكز داخل الدولة الواحدة) ، فلقد ظهر في وقت واحد في كلٍّ من إيطاليا حيث تأثر بالأدب الإيطالي، وألمانيا حيث تأثر بأدب التنوير وأعمال شيلر وجوته، وفي روسيا حيث تأثر بالأدب الفرنسي والأدب الألماني وبالأدب الروسي في مرحلة لاحقة. ولا يمكن فَهْم الآداب المكتوبة بالعبرية إلا بالعودة للتقاليد الحضارية والأدبية المختلفة التي وُلد من رحمها هذا الأدب والتي تفاعل معها الأدباء الذين يكتبون بالعبرية. ويمكن أن نشير إلى ثلاثة مصادر رئيسية للتأثير في الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث، وهي: الأدب الروسي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأدب غرب أوربا في بداية القرن العشرين، والأدب الأنجلو ساكسوني الذي أثر أساساً في أدباء العبرية الذين أقاموا في الولايات المتحدة وعلى الأدباء الشبان بعد ذلك في إسرائيل. ومما عمَّق أثر الآداب الأوربية على الآداب المكتوبة بالعبرية أنه، منذ ثمانينيات القرن الماضي، تُرجمت إلى العبرية العديد من أعمال الأدباء الأوربيين، وقام على هذه الترجمات عدد من كبار أدباء العبرية، مثل: فريشمان وبياليك وبرينر وعجنون وجنسين وبارون، وغيرهم. وفي جيل أبراهام شلونسكي وناثان ألترمان وليئة جولدبرج، تحوَّل أسلوب الترجمة إلى مصدر تأثير في الأسلوب النثري في العبرية. ويمكن أن نقسم مراحل الآداب المكتوبة بالعبرية في العصر الحديث إلى فترات تاريخية على النحو التالي: 1 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في القرن التاسع عشر (التنوير وإرهاصات الفكر الصهيوني) . 2 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في النصف الأول من القرن العشرين (تبنِّي المُثُل الصهيونية) . 3 ـ المرحلة الفلسطينية. وسنضيف إلى جانب التقسيم التاريخي تقسيماً جغرافياً. فالجماعات اليهودية عاشت خلال هذه الفترات في أماكن متعددة من أوربا، وخضعت هناك لمتغيرات بيئية جعلت التباين بينها واضحاً من حيث الأنماط السلوكية والحياة الفكرية التي تركت آثاراً واضحة في الإنتاج الأدبي المدوَّن في هذه الفترة. 1 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في القرن التاسع عشر: لا يمكن أن نفهم بداية الآداب الحديثة المكتوبة بالعبرية بمعزل عن المتغيرات التي تعرضت لها أوربا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. فحينما انتشر فكر الاستنارة في أرجاء أوربا، انعكس ذلك في حركة تنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية حيث انتشرت بينهم بسرعة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مُثُل حركة الاستنارة، وتبلورت بوضوح إبان القرن التاسع عشر. أ) غرب أوربا: ظهر في إيطاليا، معقل النهضة الأوربية، الأديب اليهودي موشيه حاييم لوتساتو الذي دفع الآداب المكتوب بالعبرية نحو الموضوعات العلمانية. ولم يكن لوتساتو الوحيد الذي بَرَز من الشعراء اليهود في ذلك الوقت. فقد برز معه أيضاً شعراء أمثال شبتاي حاييم ماريني الذي ترجم التناسخ عن أبوديوس، ويسرائيل بنيامين باسان الذي ترجم العديد من القصائد الإيطالية إلى العبرية، وغيرهما كثير. ولكن لوتساتو كان يتميَّز عنهم بجمال أسلوبه وبتملُّكه ناصية الشعر وبسعة الخيال، الأمر الذي مكَّنه من طَرْق موضوعات جمالية اعتُبرت في ذلك الوقت جديدة على الأدب وخرقاً للتقاليد الدينية اليهودية. وإذا كان موسى مندلسون هو الذي وضع الإطار الفكري لحركة الاستنارة، فإن نفتالي هيرتس فيزلي هو أديب التنوير في ألمانيا والذي وسَّع قاعدته بين أعضاء الجماعات اليهودية وأرسى أُسُس فن المقال في الآداب المكتوبة بالعبرية، كما كتب العديد من القصائد. وعموماً، فإننا نلاحظ أن كثيراً من أعمال أدب التنوير في ألمانيا قد تناولت القصة الدينية، كما يُلاحَظ تكرار استخدام شخصيات موسى وداود وشمشون وشاؤول. وكتب العديد من الأدباء مسرحيات ذات موضوعات توراتية أو مستوحاه من التراث الديني. وتُعتبَر حركة التنوير في النمسا فرعاً من فروع حركة التنوير في ألمانيا. وقد سار أدباء النمسا على نفس النهج الذي سار عليه أدباء برلين من استخدام الصورة الشعرية الحديثة واستلهام التراث في أعمالهم. ومن أشهر أدباء التنوير في النمسا، نفتالي هيرتس هومبرج ومناحيم مندل ليفين وشلومو بابنهايم، حيث لعب كلٌّ منهم دوره في إشاعة الاتجاه نحو تجديد الصورة التي اختطها فيزلي. وأشهر أدباء العبرية في النمسا شالوم هاكوهين، وريث فيزلي، الذي يُعتبَر حلقة الوصل بين الأدب المكتوب بالعبرية في ألمانيا والأدب المكتوب بالعبرية في النمسا. واستمر أدب التنوير في غرب أوربا حتى عام 1820 تقريباً. ورغم الأهمية التي يضفيها عليه مفكرو الصهيونية، فإنه كان فقيراً في قيمته الأدبية. فلا يوجد في هذه الفترة أديب يهودي واحد يمكن أن ترقى أعماله إلى مرتبة الأدب العظيم. وليس فيها عمل أدبي يرقى إلى مرتبة الإنتاج ذي القيمة الإنسانية التي تعيش معه عبر العصور متجاوزاً الأهمية التاريخية. وعموماً، فإن من سمات هذه الفترة أن الإنتاج الأدبي تنوَّع وطَرَق فروعاً ومجالات لم يعرفها من قبل. كما تم فيها تحديث اللغة العبرية إذ تحوَّلت من لغة تُتلى في المعابد وتُرتَّل بها الصلوات إلى لغة تُستخدَم استخداماً أدبياً. وكان هذا التحديث اللغوي بدوره نتاجاً مباشراً للحركة الرومانسية في أوربا الغربية. ومن الأمور التي ينبغي تسجيلها عدم وجود قصة واحدة طويلة باللغة العبرية، بل لم يُترجَم إلى العبرية سوى بعض القصص القصيرة. أما الموضوعات النثرية ذات الطابع القصصي التي نُشرت في الدورية الأدبية العبرية هامآسيف (صدرت في ألمانيا عام 1784) ، فلا ترقى بأية حال إلى مستوى الفن القصصي الرفيع. ومما يسترعي الانتباه أيضاً في هذه الفترة نوعية الأدباء أنفسهم، فكثير من الأثرياء من أعضاء الجماعات اليهودية اندمج تماماً في محيطه الثقافي ووصل به الأمر إلى التحول عن الدين اليهودي وتجنُّب الكتابة العبرية. وكان هؤلاء المندمجون، من أمثال هايني، من كبار الأدباء. ولم يكتب بالعبرية سوى الشخصيات متوسطة الخيال والذكاء. ووضع الآداب المكتوبة بالعبرية يشبه، في هذا، الحركة الصهيونية نفسها، حيث اندمج المثقف اليهودي في الوطن الذي يعيش في كنفه وانخرط في حركاته السياسية، أما أنصاف المثقفين فهم الذين قادوا الحركة الصهيونية. ب) شرق أوربا: حينما انتقل الأدب المكتوب بالعبرية من غرب أوربا إلى شرقها، كان اليهود هناك يعيشون في جو مشبَّع بالأفكار الدينية الصوفية القبَّالية المتمثلة في الحسيدية، وساعد هذا على أن يأخذ الأدب هناك طابعاً مختلفاً عما كان عليه في دول الغرب. كان دعاة التنوير في جاليشيا، من عائلات التجار والأثرياء، ملمين بثقافة بلدهم ولغاتها. وقد ترك هذا أثره في الأدب المكتوب بالعبرية في شرق أوربا. ويمكن اعتبار حاييم دوف جينسبرج أول أدباء التنوير في جاليشيا. وقد قلَّد شعراء العبرية في جاليشيا الشعر الأوربي، وبخاصة الشعر الألماني. ومن أبرز شعراء العبرية، في جاليشيا، ماير هاليفي ليتريس. وقد أرست الحركة الأدبية في جاليشيا أُسُس القصة المكتوبة بالعبرية. ومن روادها يوسف بيرل وإسحق آرثر. وشن كلاهما، في قصصهما الواقعية، الحرب على بعض جوانب حياة الجماعة اليهودية. أما في روسيا، فلم يكن أديب العبرية في حاجة إلى أن يتحسَّس الطريق، إذ كانت أمامه إنجازات أدباء العبرية في ألمانيا والنمسا وجاليشيا. ومن أبرز شعراء هذه الفترة آدم هاكوهين ليبنسون، كما برز معه أيضاً ابنه ميخا يوسف ليبنسون الذي تأثر بالشعراء الرومانسيين الألمان، فقدَّم أعمالاً استوحى موضوعاتها من التاريخ العبراني القديم، وأسقط على أبطاله القدامى مفاهيمه الحديثة. ويُعَدُّ ليبنسون (الابن) أول شعراء العبرية الذين كتبوا شعراً عن الحب. وأشهر شعراء هذه الفترة هو يهودا ليف جوردون. أما في مجال الرواية، فتُعتبَر رواية أبراهام مابو محبة صهيون (1853) أول رواية مكتوبة بالعبرية. وصحيح أنه كانت هناك محاولات كثيرة سبقتها، لكنها جميعاً لم تكن موفقة في تقديم صورة كاملة للحدث الدرامي كما فعل مابو في هذه الرواية. ويُعتبَر إسحق ليبنسون أبا التنوير في روسيا، حيث ساعدت كتبه ومقالاته في نشر فكر التنوير بين اليهود. وفي ليتوانيا، ظهرت مجموعة من دعاة التنوير تأثروا بأفكاره وأسلوبه في الكتابة، ربما كان أشهرهم مردخاي أهارون جينسبرج. 2 ـ الآداب المكتوبة بالعبرية في النصف الأول من القرن العشرين: أ) في أوربا: بعد عام 1881 وما صاحبه من أحداث في روسيا، صدرت قوانين مايو التي أدَّت إلى تعثُّر التحديث في روسيا، وبدأت تظهر بوادر ظاهرة جديدة حلت محل التنوير، وهي ظاهرة الصهيونية التي اتسم بها أدب النصف الأول من القرن العشرين. ففي ذلك الوقت، ظهر جيل من الشبان على دراية بالحضارة الأوربية، ورؤيتهم أوربية في جوهرها. وكانت النزعة الرومانسية قد بدأت تنحسر، لتحل محلها النزعة الطبيعية والفكر الدارويني والنيتشوي الذي يشكل تصاعداً في النزعة العلمانية، وسادت في الأدب الاتجاهات الواقعية والطبيعية. ودعم كل هذه الاتجاهات ظهور الحركات الثورية المختلفة والتحولات الاجتماعية العميقة في المجتمعات الأوربية وبخاصة في الشرق. وتُشكِّل الإمبريالية الخلفية العامة لكل هذه التحولات، فشهدت الساحة اليهودية تبعاً لذلك ازدياد النزعة الصهيونية بين كُتَّاب العبرية، وهو أمر مُتوقَّع باعتبار أن اختيارهم العبرية لغة كتابة كان يتضمن رفضاً لانتمائهم إلى الأوطان المختلفة. ويُعَدُّ حاييم نحمان بياليك (قبل أن يهاجر إلى فلسطين) من أهم أدباء العبرية في أوربا. وقد كتب أغلب أعماله في الفترة من 1882 إلى 1917. ويتجلى إسهامه في الشكل الأدبي في تحريره الشعر العبري من قيود بلاغة فترة التنوير. كما كانت حساسيته الشعرية أكثر أوربية من أيٍّ من معاصريه، فقدَّم في أعماله المزيد من الأشعار ذات الطابع الأوربي اعتماداً على كم هائل من أشكال الشعر الأوربي مثل: السوناته والبالاد. ومن شعراء هذه الفترة أيضاً زلمان شيناؤور، ويعقوب كاهان، ويعقوب فيخمان، الذين كانت أشعارهم تتَّسم بمحاولة وضع فلسفة شعرية تَصدُر عن الفكر الصهيوني. ومن أشهر كُتَّاب القصة والمقال في هذه الفترة، ميخا جوزيف بيرديشفسكي الذي حاول في قصصه العديدة، ذات النزعة النيتشوية، أن يجد حلاًّ لمشكلة الإنسان اليهودي في مواجهة المجتمع. ومعظم أبطاله يحاولون الهرب من هويتهم الضيقة ولكنهم عاجزون عن ذلك، ومن ثم فإنهم يعانون من الضياع والعقم الجسدي والنفسي. واشتهر في هذه الفترة أيضاً القاص بيرتس سمولنسكين، ومندلي موخير سفاريم (شالوم أبراموفيتس) الذي يُعتبَر رائد القصة الواقعية المكتوبة بالعبرية ويُعتبَر في الوقت نفسه رائد القصة في أدب اليديشية. وفي السنوات العشرين الأخيرة من القرن التاسع عشر، برز كل من بيرتس سمولنسكين وموشيه ليلينبلوم في فن المقال، وذلك بعد أن تحوَّلا عن فكر التنوير وبدأت كتاباتهما تضع البذور الأولى للفكر الصهيوني. وكما ظهر مندلسون بفلسفته ليوجِّه أدب العبرية توجُّهه الاندماجي في القرن التاسع عشر، ظهر آحاد هعام ليبلور هذا الأدب في القرن العشرين بتوجهاته الصهيونية. فحاول أن يجد صيغة توفيقية بين الدين والحياة حيث كان يرى أن الأمة هي الدين في صيغته الجديدة، وأنها هي المطلق الذي يحل محل المطلق التقليدي أي الخالق. وفي رأى آحاد هعام فإن الأدب العبري يجب علىه أن يُقلِّص حدوده ويقتصر على تناول الموضوعات اليهودية التاريخية، وعلى تناول الإنسان اليهودي في صورته الأدبية. وقد تجلَّى هذا الموقف في مجلته الشهرية هاشيلوح. وظهر في تلك المرحلة أيضاً إليعازر بن يهودا الذي يُعتبَر رائد إحياء اللغة العبرية. ب) في فلسطين: حينما انتقل مركز الآداب المكتوبة بالعبرية ليمارس نشاطه على أرض فلسطين، لم ينتقل إليها كاستمرار للآداب المكتوبة بالعبرية في أوربا بل كتحوُّل في الصورة والمضمون. وتحتم على كُتَّاب العبرية في فلسطين أن يطرحوا جانباً الموضوعات التقليدية التي تناولتها الآداب المكتوبة بالعبرية حتى ذلك الوقت، وبدأوا يبحثون عن موضوعات جديدة، وصور جديدة تتلاءم مع الوضع الاستيطاني الجديد الذي تسعى الصهيونية إلى تحقيقه. وفي أوربا، كان أديب العبرية يعيش واقعاً غريباً عنه ويتبنى رؤية صهيونية. وطوال هذه الفترة من تاريخ الآداب المكتوبة بالعبرية، كانت فلسطين موضوعاً مُهمَلاً، ولم يكن هناك إلا بعض الأشعار هنا وهناك أو بعض القصص التي تناولت موضوع الحنين تحت تأثير الرومانسية الأدبية الأوربية. ولذا، حينما انتقل بعض أدباء العبرية إلى فلسطين، لم تَعُد الصهيونية مجرد أفكار يتبنونها وإنما حقائق استيطانية تؤثر في حياتهم اليومية. وأظهرت خطوات الاستيطان الصهيوني الأولى في فلسطين مخاوف المستوطنين الجدد من أن تضيع أقدام هذا الجيل في مصير مجهول. وانعكست هذه المخاوف على الصورة الأدبية، وظل هناك سؤال أساسي يلح على وعي الأدباء الذين نزحوا إلى فلسطين: ما صورة الوجود في فلسطين؟ وهل حقاً ستُحدث تلك الثورة (الصهيونية) في داخلهم التحول الوجودي المطلوب؟ وقد أيقن أدباء هذه الفترة أن تغيُّر المكان لا يمكن أن يغيِّر ما يُسمَّى «المصير اليهودي» . ولازم هذا التوتر الأدب المكتوب بالعبرية في تلك الفترة، وأدَّى إلى ردود فعل مختلفة تتراوح بين الاقتناع والارتباط بهذ الواقع الجديد من جهة، واليأس والإحباط من جهة أخرى. أما مصادر التأثير في الأدب المكتوب بالعبرية في فلسطين، فهي كثيرة ومتنوعة. فأدب الهجرة الأولى كان لايزال يسير في ركاب أدب حركة التنوير، كما أن الواقعية الاجتماعية كانت تبرز بوضوح في أعمال رواد الهجرتين الأولى والثانية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأدب الذي أُنتج في أيام الهجرة الثالثة نحا منحى وضعياً. وبالإضافة إلى تأثير برينر الذي استمر، لفترة طويلة، عاملاً رئيسياً في توجيه دفة الآداب المكتوبة بالعبرية، وإلى تأثير برديشفسكي بأفكاره الفلسفية عن الفرد والمجموع، نجد أن المهاجرين الجدد جلبوا معهم من روسيا إلى فلسطين دستويفسكي وتشيكوف والأدباء الإسكندنافيين الرومانسيين والجيل الجديد من أدباء ألمانيا. وامتزجت كل هذه التأثيرات مع الميراث الأدبي الذي عاش مع هؤلاء المهاجرين الجدد في اللاوعي ليُخرج في النهاية أدباً يمزج بين الرومانسية والواقعية، وبين الاغتراب ومحاولة الانتماء، حتى إن الدارس ليمكنه أن يلمس في أدب تلك الفترة، وبسهولة، مدى الأزمة النفسية التي عاشها المهاجرون الجدد، أولئك الذين ما زالوا يتخبطون في أزمة البحث عن الذات. إن أغلب أدباء الهجرة الثانية كانوا على وعي كامل بوضعهم الجديد، وبأنهم مُقتلَعون من أرض أوربية ليعاد زرعهم من جديد في أرض شرقية. ولكن، رغم ما كان لدى بعضهم من حماس للالتقاء مع الأرض الجديدة، فإن أغلبهم كان على وعي كامل بحقيقة أنهم يفتقدون الارتباط بالأرض. وإذا كان أبناء الهجرة الثانية قد اعتقدوا أنه سوف تتحقق في فلسطين كل الآمال الصهيونية الاستيطانية، فإنهم سرعان ما شعروا بأنهم تعلَّقوا بآمال واهية، ولذا عاد الكثير منهم إلى حيث أتوا. أما الذين مكثوا في فلسطين، فقد أنتجوا أدباً أكد قيم الصهيونية. وخلق التناقض بين مطالب الهجرة الصهيونية وبين الواقع النفسي للمهاجرين أدباً مركَّباً يتأرجح بين رؤية المهاجرين والواقع المرير الذي اصطدموا به. وقد أثيرت مؤخراً قضية جديدة كل الجدة على الأدب المكتوب بالعبرية والأدب العبري، وهي ظهور مجموعة من الكُتَّاب الفلسطينيين العرب الذين يكتبون بالعبرية. ومن أهمهم أنطون شماس صاحب رواية أرابيسك (1986) والتي كتبها بعبرية أدهشت الإسرائيليين. وكان شماس قد كتب ونشر قصائد بالعربية والعبرية في السبعينيات، وفي الفترة نفسها تقريباً بدأت سهام داود وهبى كاتبة وصحفية عربية من حيفا تكتب الشعر بالعبرية أيضاً. وفي عام 1992 كتب الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، الذي كان عضواً في الكنيست الإسرائيلي قطعة شعرية على وزن المقامة، وهي لون شعري عبري كان يُقال على غرار المقامة العربية، قصيدة هجا بها لبون زئيفي، الذي كان وزيراً في الحكومة الإسرائيلية ممثلاً أقصى اليمين الصهيوني. ويعكف الشاعر الفلسطيني العربي نعيم عرايدي على كتابة رواية بالعبرية، وهو الذي عُرف بوصفه شاعراً وكاتباً عربياً في إسرائيل. ولعله يمكن الإشارة إلى هذا الأدب على أنه «أدب عربي مكتوب بالعبرية» . موشيه لوتساتو (1707-1747 (Moses Luzzato شاعر ومفكر قبَّالي من أتباع القبَّالاه اللوريانية. وُلد في بادوا بإيطاليا، وتلقى تعليماً دينياً، وكان يجيد عدة لغات منها الإيطالية والفرنسية واليونانية. ونتيجة تبحُّره في القبَّالاه والعلوم الدينية اليهودية، سيطرت عليه حالة من التطرف الديني جعلته يؤمن بأنه على اتصال بأرواح أبطال العهد القديم تملي عليه القصائد الباطنية. واحتشد حوله جماعة من المريدين. وألَّف لوتساتو كتاب الزوهار الثاني، الأمر الذي جعل رجال الدين اليهودي في البندقية يُصدرون عام 1735 قراراً بحظر تداول كتبه واعتباره خارجاً على الدين، فهرب إلى فرانكفورت ومنها إلى أمستردام. نادى لوتساتو بتحرير الشعر العبري من البحور والأوزان التي كان قد اقتبسها في العصور الوسطى من الشعر العربي. وقدَّم في أشعاره بحراً يحتوي على إحدى عشرة حركة للبيت الطويل وسبع حركات للبيت القصير مع تركيز خاص على النبرة. وظهر له عام 1743 قصيدة «مدح المستقيمين» التي يعتبرها نقاد الأدب الحديث المكتوب بالعبرية نقطة بداية هذا الأدب. وتُعتبَر هذه القصيدة انعكاساً رمزياً لتجربته الشخصية وصراعه مع اليهود، إذ كان يرى أنهم بدَّلوا التعاليم التوراتية بتعاليم أخرى. كتب مسرحية رعوية تُسمَّى برج عوز اعتبرها رواد التنوير بعد ذلك قصتهم هم. وتأثر لوتساتو بالشعر الرعوي الذي انتشر في إيطاليا في القرن السادس عشر فكتب قصائد رعوية في وصف الطبيعة وجمالها، كما تظهر في أعماله روح الأدب اليوناني القديم. ولقد تركت أعماله أثراً واضحاً في شعر العبرية في أوربا. جوزيف بيرل (1773-1839) Joseph Perl أديب روسي يكتب بالعبرية وله مؤلفات بالألمانية واليديشية. وُلد في جاليشيا، وتلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً، ولكنه تحمَّس لفكر حركة التنوير وأصبح أحد رواد الحركة. أسَّس عام 1813 في بلدة تارنوبول أول مدرسة حديثة في جاليشيا، وعمل من خلالها على تحديث أعضاء الجماعة اليهودية في البلدة مستعيناً في ذلك بمعونة الحكومة الروسية، ثم بمعونة حكومة النمسا اعتباراً من عام 1815. كما أسَّس معبداً يهودياً كانت تُقام فيه الشعائر باللغة الألمانية. وشن بيرل في أعماله هجوماً شديداً على الحسيدية إذ كان يرى أنها تنطوي على النفاق والجهل والتعصب والخداع، كما كان يعتقد أن المعارضة التي يبديها القادة الحسيديون هي العائق الأساسي أمام تحديث اليهود. ولم يكتف بيرل بذلك، بل عمل على تحريض السلطات الروسية ثم النمساوية في جاليشيا على اتخاذ إجراءات عنيفة ضد الحركة الحسيدية، وذلك من خلال المذكرات والشكاوى الكيدية التي كان يرسلها بانتظام إلى المسئولين (وقد وُجدت هذه الكتابات ونُشرت مؤخراً) . وتتَّسم كتابات بيرل، التي كان يوقعها باسم مستعار، بأنها ذات طابع هجائي ساخر. وأبرز هذه الكتابات هي: كاشف الأسرار (1819) حيث يثبت ما يدَّعي أنها نصوص حسيدية حصل عليها بعد أن تخفَّى بشكل سحري، أما امتحان الأتقياء (1838) الذي يُعَدُّ استمراراً لكتابه الأول، فإنه يصف بقية لوح سحري تسجَّل عليه كل الأحاديث سراً ولا يمكن محوها إلا بأنفاس رجل تقي صالح، ومما له دلالة أن جميع قادة الجماعة اليهودية يفشلون في محو الأحاديث المسجلة ولا ينجح في ذلك إلا المزارعون. وفي هذا العمل، يظهر البطل الجوَّال غير المرئي الذي يكتسب صفات عديدة غير طبيعية. ويصف الكاتب وضع اليهود الاجتماعي والأخلاقي المتدهور في جنوب روسيا من خلال تجواله ومغامراته. وفي كلا العملين، يظهر الحسيدي السابق الذي تمرَّد على حسيديته. وتأثر بيرل في قصصه هذه بالكتابات الهجائية الساخرة التي شاعت في الآداب الأوربية في القرن الثامن عشر، وعلى الأخص كتاب مونتسيكو رسائل فارسية (1721) . وقد كتب بيرل بعض أعماله، ومنها كاشف الأسرار، بكلٍّ من اللغة العبرية واللغة اليديشية، كما يُعتَقد أنه ترجم إلى اليديشية بعض الأعمال الأدبية الأوربية (مثل رواية فيدلنج توم جونز) ، وكان له بذلك فضل الريادة في إثراء الفن القصصي في اليديشية. غير أنه لم يتبن الكتابة بتلك اللغة إلا لهدف عملي بحت وهو نشر الأفكار التنويرية في أوساط المتحدثين بها. أبراهام ليبنسون (1794-1878 ( Abraham Lebensohn شاعر ونحوي يكتب بالعبرية. وُلد وعاش معظم حياته في فلنا (ليتوانيا) حيث تلقى تعليماً دينياً تقليدياً. وظهر اهتمامه بدراسة نحو اللغة العبرية في سن مبكرة. وعمل ليبنسون بالتدريس لفترة قصيرة، ولكنه هجر عمله هذا لاعتلال صحته، وعمل لسنوات طويلة سمساراً في الوقت الذي كان يواصل فيه أنشطته الأدبية التي تفرَّغ لها تماماً خلال السنوات العشرين الأخيرة من عمره. ويُعَدُّ ليبنسون من أبرز شعراء عصر التنوير ومن أبرز الشعراء الذين كتبوا بالعبرية على وجه العموم. ورغم أن قصائده المبكرة لم تتجاوز نطاق شعر المناسبات الذي يُكتَب تقرُّباً للوجهاء والمشاهير، إلا أن مجموعته الشعرية الأولى أناشيد اللغة المقدَّسة (1842) أثارت اهتماماً كبيراً حيث وُصفت بأنها فاتحة عهد جديد في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية في روسيا، ووُصف صاحبها بأنه «أعظم شعراء العبرية في عصره» ، وهي مبالغة لا أساس لها في الواقع. وقد أصدر ليبنسون مجلدين آخرين من الأناشيد (في عامي 1856 و1869) ، وشمل المجلد الثالث بعض قصائد ابنه الشاعر ميخا ليبنسون الذي خلَّف موته المأساوي في سن مبكرة أثراً عميقاً في حياة ليبنسون الأب وفي شعره على حدٍّ سواء، حيث غلبت على قصائده الأخيرة نبرة الكآبة واليأس والتبرم من ظلم الطبيعة والجنس البشري والإحساس بالعجز إزاء الموت. ومع ذلك، ظل شعر ليبنسون بوجه عام محتفظاً بخصائصه الأساسية التي ظهرت في مراحله الأولى، فهو شاعر نمطي يميل إلى التنميق اللفظي والحماس البلاغي، كما أنه يلتزم بالتقاليد القديمة في النظم والبناء دون أن يسعى إلى التجديد أو التجاوز. وعلى أية حال، فإن شعره يفصح عن أن صاحبه لم يكن ذا خلفية فكرية عميقة ولم يكن على دراية بالآداب الأوربية وما طرأ عليها من تطوُّر. وقد ظلت خبراته محصورة في نطاق حياته المحدودة في بلدته الصغيرة. وبالإضافة إلى الشعر، كتب ليبنسون مسرحية بعنوان الحقيقة والإيمان (1867) لم تكن لها قيمة تُذكَر، ولكنها أصبحت حينذاك موضوعاً للسجال الأدبي حيث أثارت حفيظة اليهود الأرثوذكس بسبب سخريتها من التعصب الديني ودعوتها إلى إخضاع الدين اليهودي للواقع المادي وإلى ضرورة تطهير الدين من المبالغات، وذلك بينما نجد أن أنصار حركة التنوير نظروا إلى مضمونها بوصفه أمراً عفَّى عليه الزمان. كما وضع ليبنسون كتاباً في نحو اللغة العبرية عام 1874، وأسهم في إصدار الطبعة الثانية من الترجمة العبرية التفسيرية للعهد القديم التي أعدها موسى مندلسون وأتباعه، ولكنه أضاف إليها شروحاً جديدة خلت منها الطبعة الأولى. وقد نُشرت الطبعة الثانية بالعنوان الفرعي شروح جديدة (1858) وقد كان لهذه الشروح دور كبير في ذيوع فكر حركة التنوير في أوساط يهود روسيا. مردخاي جينسبرج (1796-1846 ( Mordechai Ginsberg قاص يكتب بالعبرية، وُلد في روسيا، وساهم في إدخال أفكار حركة التنوير الأدب الحديث المكتوب بالعبرية من خلال العديد من مؤلفاته. كان صاحب أسلوب بسيط وسلس، الأمر الذي جعل لغته سهلة على القراء ومحببة إليهم. كتب في العديد من الموضوعات الحية التي عاشها أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا مثل ضرورة إصلاح مؤسسات الإدارة الذاتية اليهودية، ووضع مؤلَّفاً عن جغرافية فلسطين وعن السامريين وعن تاريخ اليهود الروس، وترجم بعض القصص عن الأدب الألماني. من أهم أعماله، قصته إليعازر وهي سيرته الذاتية، وقد جاءت على غرار السير الذاتية التي نُشرت بعد اعترافات جان جاك روسو. وكان الهدف من هذه القصة إظهار قصور التعليم اليهودي القديم ولَفْت الأنظار إلى الثقافة الحديثة. وكان من الممكن أن تُعتبَر هذه القصة حجر الأساس في تطوُّر القصة الطويلة المكتوبة بالعبرية، سواء في تصوير الحدث أو في رسم الشخصيات. لكن هذه القصة كان يعيبها غياب وحدة الحدث وافتقارها إلى كثير من الأسس التي تقوم عليها القصة الطويلة. أبراهام مابو (1808-1867) Abraham Mapu روائي يكتب بالعبرية، وُلد في كوفنو (ليتوانيا) ، وتلقَّى تعليماً دينياً تقليدياً. ولكنه اهتم، إلى جانب ذلك، بدراسة اللغات اللاتينية والفرنسية والألمانية والروسية، وهو أمر لم يكن معهوداً في أوساط اليهود الأرثوذكس، بل كان يُقابَل بالعداء. وكان مابو، في مطلع حياته، متعاطفاً مع الحركة الحسيدية، ودرس القبَّالاه والسحر (يُقال إنه حاول أن يصبح رجلاً خفياً من خلال اتباع تعاليم القبَّالاه) . ولكن هذا لم يَدُم طويلاً إذ أصبح مابو من أشد أنصار حركة التنوير وعُيِّن في مدرسة حكومية، وهو منصب احتفظ به بقية حياته. بدأ مابو حياته الأدبية برواية محبة صهيون التي استغرقت كتابتها ما يقرب من عشرين عاماً. وعند نشرها عام 1853 حظيت بنجاح كبير حيث تُعَدُّ أول رواية باللغة العبرية، وإليها يرجع الفضل في المكانة الأدبية الرفيعة التي تبوأها صاحبها كمؤسس للفن الروائي في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية. وتدور أحداث الرواية في زمن حزقيال والنبي أشعياء، وقد نجحت الرواية في إعادة بناء الجو العام للمجتمع العبراني في ذلك الوقت. ويعود نجاح الرواية إلى الجو المثالي العام الذي يسودها وإلى لغتها التوراتية، أما من ناحية ترابُط الأحداث وتصوير الشخصيات فهي ضعيفة للغاية. وطُبعت الرواية أربع طبعات (حتى عام 1873) وتُرجمت إلى الإنجليزية ثلاث ترجمات مختلفة وسبع مرات إلى اليديشية وإلى الفارسية والعربية (1908) كما ظهرت ترجمة إلى الألمانية (1885) دون ذكر اسم المؤلف على الغلاف. ودفعه هذا النجاح إلى مواصلة الكتابة، فكتب ثلاث روايات أخرى هي: المنافق (1857 ـ 1861) ، وهي رواية تدور أحداثها في الوقت الحاضر وتصف الصراع بين الحسيديين ودعاة التنوير، ومن أهم الشخصيات الحاخام صادوق الذي يستخدم الخرافات ليستغل الناس. والرواية سطحية للغاية لا يوجد فيها أي عُمْق نفسي أو إنساني، وهي من النوع الدعائي المباشر الذي يدافع عن قضية بعينها. أما روايته الثالثة خطيئة السامرة (1856) ، فهي تُبيِّن الصراع بين القدس والسامرة وتأخذ صف القدس بلا تحفُّظ إذ تصوِّر رجالات مملكة يهودا بشكل مثالي، أما النساء والرجال في السامرة فهم لصوص متآمرون. ومرة أخرى نجد أن تصوير الشخصيات ضعيف. وقد كتب مابو كذلك رواية عن شبتاي تسفي (وشخصيته ذات مركزية خاصة في الوجدان الصهيوني، فهرتزل مثلاً كان يفكر في كتابة أوبرا عنه) . إلا أن خصوم حركة التنوير، ممن صدمتهم أفكار مابو، نجحوا في تحريض السلطات على منع نشر الرواية الأخيرة (وضاعت أجزاء كبيرة منها) . كما أن مابو وضع بعض المؤلفات الأخرى في موضوع تطوير طرق التدريس التي كانت شائعة في عصره. وتنتمي روايتا محبة صهيون وخطيئة السامرة إلى النوع التاريخي، حيث تدور أحداثهما في عصر أشعياء. أما روايته المنافق، فتتناول الحياة المعاصرة لأعضاء الجماعة اليهودية في ليتوانيا. ورغم هذا التباين في زمان ومكان الأحداث، فإن ثمة موضوعاً أساسياً يتواتر في الروايات الثلاث وهو الرغبة في العودة إلى فلسطين وهو ما يجعله من أهم دعاة الصهيونية. وتزخر أعمال مابو بتأثيرات شتى، وهو ما يدفع إلى القول بأنه لم يكن مبدعاً أصيلاً بقدر ما كان مقلِّداً. فهناك، أولاً، التأثر الشديد بلغة العهد القديم وبأسلوبه في القص وفي تصوير الخلفية الزمانية والمكانية. وهناك، ثانياً، السير على نهج الكُتَّاب الرومانسيين الفرنسيين، وعلى الأخص ألكسندر دوماس الأب (حيث رسم الشخصيات ووضع شخصيات تاريخية إلى جانب الشخصيات الروائية فضلاً عن إسقاط أحداث الماضي على الواقع المعاش) . كما تأثر بأيوجين سو (التركيز على المغامرات والحبكة والعنف) . وتفتقر أعمال مابو إلى كثير من الأسس التي يقوم عليها الفن الروائي، فالأحداث متعددة ومتداخلة ويعوزها الترابط والاتساق في كثير من الأحيان. أما السرد، فيغلب عليه التكرار والإسهاب الذي لا يبرره شيء، كما أن الاستخدام الرمزي للشخصيات يتَّسم بالسطحية والسذاجة. وهذه العيوب الفنية الواضحة هي أحد مبررات ذلك الرأي الذي يذهب إلى أن القيمة الأساسية لأبراهام مابو تكمن في ريادته وليس في فنيته. ميخا ليبنسون (1828-1852 ( Micha Lebensohn يُعرَف أيضاً باسمه الأدبي «ميخال» ، وهو شاعر يكتب بالعبرية، وُلد في فلنا (ليتوانيا) ، وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً يجمع بين دراسة التوراة والتلمود وبين دراسة العلوم والآداب الحديثة، وذلك بتوجيه من أبيه الشاعر أبراهام دوف ليبنسون الذي شجعه كذلك على تنمية مواهبه الأدبية. فاتجه منذ صباه إلى كتابة الشعر فضلاً عن ترجمة مقتطفات من أعمال فرجيل وهوراس وشيلر وجوته، وغيرهم، إلى اللغة العبرية. ولم يُصدر ميخال خلال حياته سوى مجموعة شعرية وحيدة بعنوان أناشيد ابنة صهيون (1851) ، ضمت ست قصائد ملحمية تتناول موضوعات وشخصيات توراتية. وبعد وفاته، نشر أبوه مجموعة أخرى من القصائد الغنائية والقصائد المترجمة صدرت بعنوان قيثارة ابنة صهيون (1860) ، فضلاً عن طبعة ثانية من الأناشيد (1869 (. وأبرز الموضوعات المتواترة في الشعر الملحمي لميخا: التناقض بين الحياة والموت، ودور الشعر ورسالة الشاعر، والصراع الأخلاقي بين العواطف الإنسانية والواجبات الوطنية. أما شعره الغنائي، وخصوصاً المتأخر منه، فقد انطبع بمصيره المأساوي إثر إصابته بالسل في مطلع شبابه، وهو الأمر الذي جعله كإنسان وشاعر يقف على عتبة الحياة منتظراً موته المحتوم. ويغلب على قصائده عموماً الطابع الرومانسي الذي ينأى بها عن النزعات الأخلاقية والبلاغية التي سادت بواكير الشعر المكتوب بالعبرية في عصر التنوير. وتحفل تلك القصائد في شكلها ومضمونها بتأثيرات شتى، حيث تعكس هذه القصائد الملحمية التأثر بأسلوب كل من شكسبير وملتون، بينما تتردد في القصائد الغنائية أصداء الشعراء الرومانسيين الألمان وعلى الأخص شيلر وهايني. أما رؤيته الفنية والفكرية، فتأثرت إلى حدٍّ بعيد بأفكار الفيلسوف الألماني شلنج والتي تَخلُص إلى أن الشعور بالجمال في الطبيعة والفن هو أرفع الصور الروحية للحياة وأن الحدس (الفني) هو الطريقة الوحيدة لتصوُّر وحدة الوجود. ورغم قلة إنتاجه ووفاته في سن مبكرة، يُعَدُّ ميخا ليبنسون من أبرز شعراء عصر التنوير، وشعراء العبرية بوجه عام، ممن حققوا وظيفة الشعر العلماني المكتوب بالعبرية كما تصوَّرها أنصار حركة التنوير. ومع أنه لم يغامر بتجديد شكل القصيدة، إلا أنه كان أول من طبَّق قواعد العروض الحديثة على الشعر المكتوب بالعبرية. يهودا جوردون (1830-1882) Yehuda Gordon شاعر وقاص وناقد كتب بالعبرية، وهو من مواليد ليتوانيا. ويُعَدُّ من أهم دعاة حركة التنوير اليهودية ومن أهم المعبِّرين عنها، ولكن فكره وتمرُّده ضد التراث الديني اليهودي يشيان بما في داخله من بذور الصهيوينة. تلقَّى جوردون تعليماً تقليدياً في طفولته. وفي سن السابعة عشرة، تلقى تعليماً غربياً حديثاً، ودَرَس عدة لغات (الروسية ـ الألمانية ـ البولندية ـ الفرنسية ـ الإنجليزية) .وتخرَّج في إحدى الكليات التربوية الحكومية عام 1853 وعمل مدرساً في مدارس الحكومة. انضم جوردون إلى جماعة من دعاة حركة التنوير كان من أهم أعضائها شاعر العبرية أبراهام دوف ليبنسون وابنه ميخا. تبنَّى جوردون فكر حركة التنوير تماماً، وشن هجوماً شرساً على التقاليد الدينية، واتهم اليهودية بأنها دين متحجر يحوِّل اليهود إلى شعب من الكهنة، وطالب بإدخال القيم المادية العلمانية في حياة اليهود. وكان مديراً لجمعية نشر الثقافة بين يهود روسيا، وهي من أهم جمعيات نشر مُثُل حركة التنوير. كتب جوردون كتابات نثرية عديدة، من بينها مقالات بالعبرية والروسية. ولكن إسهامه الأدبي الأساسي هو أشعاره. ويُقسِّم النقاد أدبه إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة رومانسية، وأخرى واقعية: 1 ـ المرحلة الرومانسية: وهي المرحلة التي قاد فيها حركة التنوير التي تهدف إلى إصلاح اليهود وتحويلهم إلى شعب منتج. وتتناول قصائده في هذه المرحلة الموضوعات التاريخية والتوراتية وبعض الموضوعات السائدة في عصره، وإن كان تناوله ليس مباشراً أو واقعياً. وتعكس قصيدة «داود وبرزيلاي» (1851 ـ 1856) الدعوة إلى العودة للأرض. وتؤكد القصائد الأخرى في هذه المرحلة روح الاعتزاز بالذات القومية التي كان يرى جوردون أنها تنعكس في بعض شخصيات العهد القديم. وأهم قصائد هذه المرحلة قصيدة «بين أنياب الأسد» (1868) التي تحكي قصة سيمون بر جيورا (أحد أبطال التمرد اليهودي الثاني ضد الرومان) ونهايته المأساوية. وفي هذه القصيدة، ينحي جوردون باللائمة على التعاليم الحاخامية التي أدَّت باليهود إلى رفض الحياة وقبول العبودية، وإلى أن يقبعوا خلف الأسوار ويكونوا موتى في الأرض أحياء في السماء» فتراب كتابكم وأوراق أحاديثكم الجافة غطتكم تماماً وجعلت منكم مومياء حية لعدة أجيال. « ومن الواضح أن رومانسية جوردون من النوع النيتشوي الذي يُمجِّد القيم العضوية والحيوية وقيم البطولة. ومن أهم قصائد هذه المرحلة أيضاً قصيدة «استيقظ يا شعبي» (1856) ، وهي دعوة لليهود أن يتبنوا مُثُل حركة التنوير وأن يخرجوا من ظلمات الجيتو ويتعلموا العبرية وينبذوا اليديشية ويعملوا في الحرف اليدوية المنتجة وفي الصناعة والزراعة. وقد اختتم هذه القصيدة بالكلمة المأثورة التي أصبحت فيما بعد شعاراً لهذه الحركة: "كن يهودياً في بيتك وإنساناً خارجه". ومع هذا، يظل التوجه نحو فكرة الشعب العضوي (فولك) ، والكتلة القومية المتماسكة وليس نحو الفرد، على عكس مُثُل حركة الاستنارة التي كانت تتوجه أساساً إلى الفرد. ومن أهم أعمال هذه الفترة القصص الخرافية الوعظية التي كتبها جوردون على نمط خرافات إيسوب ولافونتين وكريلوف وسخر فيها من معاصريه أعضاء الجماعات اليهودية الذين نبذوا مُثُل حركة التنوير وعاشوا في الظلام (بحسب تصوُّره (. 2 ـ المرحلة الواقعية: يشكل عام 1867 نقطة حاسمة في حياة جوردون، إذ وقف إلى جانب ليلينبلوم في دعوته إلى الإصلاح الديني. وكانت قصائده في هذه المرحلة هجوماً مباشراً لا هوادة فيه، في شكل قصص ساخرة، على الخرافات الدينية وانحلال الحياة الدينية الذي أدَّت إليه الشعائر اليهودية التي كان يرى جوردون أنها معادية للحياة. وأهم القصائد هي «حكاية اليود [الياء] أو أتفه الأشياء» التي أتمها عام 1876، وهي تتناول مأساة امرأة شابة مطلقة لا يمكنها أن تتزوج مرة ثانية لأن الحاخام رفض الاعتراف بقسيمة الطلاق لأن توقيع زوجها ينقصه حرف اليود (أي حرف الياء وهو أصغر الحروف في اللغة العبرية) ، ولذا فهي تظل مطلقة (عجوناه) لا يحق لها الزواج. أما قصيدة «اليوسفان بن سيمون» ، فهي هجوم على القهال ورئيسه الذي تآمر وأرسل أحد دعاة حركة التنوير، ويُسمَّى يوسف بن سيمون، إلى السجن بدلاً من لص قاتل يحمل نفس الاسم. ومن قصائد هذه المرحلة قصيدة «الملك صدقياهو في السجن» ، وهي مونولوج درامي يعبِّر عن احتجاج آخر ملوك يهودا ضد روحانية الأنبياء التي قضت على حياة اليهود العادية والطبيعية وعلى وجودهم السياسي. وهذا الموضوع كامن ومتكرر وأساسي في الأدبيات الصهيونية ذات الطابع النيتشوي. وقد أخذت الموضوعات الصهيونية تظهر على السطح بشكل أكثر تزايداً ووضوحاً، ففي قصيدة «لمن أعمل» يُلاحظ الشاعر أن مُثُل حركة التنوير أدَّت إلى اندماج الشبان اليهود في مجتمعهم. وهذا تناقُض كامن في حركة التنوير العبرية، فهي تدعو إلى الاندماج في المجتمع، وفي الوقت نفسه تدعو إلى بعث العبرية التي تعزل المتحدثين بها عن مجتمعهم. ولذا، نجد أن هذا الداعية للتنوير يقول «من بوسعه أن يخبرني عن المستقبل، لعلي آخر شعراء صهيون ولعلك آخر القراء» . وبعد تعثُّر التحديث في روسيا عام 1881، نبذ جوردون مُثُل الاندماج ولكنه لم يتبن فكرة هجرة اليهود. وفي قصيدته «أختي روحاماه» (1882) ، يدعو جوردون اليهود إلى الهجرة ولكنه يرى أن الهجرة يجب أن تكون إلى الولايات المتحدة لا إلى فلسطين العثمانية. وقد وصل جوردون إلى صيغة صهيونية تشبه الصيغة الآحاد هعامية «لن يتحقق خلاصنا إلا بعد خلاصنا الروحي» . وقد أشار آحاد هعام إلى دَينه الفكري لجوردون. وجوردون هو الذي أشاع عبارة «يابيت يعقوب هلم فلنسلك في نور الرب» (أشعياء2/5) التي استخدمها في مقال له عام 1866 ونادى فيها بأن يصبح اليهود جزءاً من أوربا. وقد أصبحت فيما بعد شعاراً لأعضاء جماعة البيلو الذين استوطنوا في فلسطين. ولعل هذا يبيِّن التناقض الكامن في مُثُل حركة التنوير اليهودية. وكتب جوردون نقداً لكتاب بنسكر الانعتاق الذاتي، ولكنه كان نقداً متعاطفاً، كما أنه عبَّر عن حماسه لاستعمار إنجلترا لمصر عام 1882 إذ رأى أن هذا الاحتلال سيزيد من أهمية فلسطين كممر إلى مصر ومركز للتجارة الآسيوية «وقد يجذب الحكم البريطاني كثيراً من إخواننا في الدياسبورا ليستقروا في فلسطين ليحرثوا أرضها ويبنوا السكك الحديدية ويحيوا التجارة والفنون والحرف» . ونادى بإنشاء جمعية من أجل الذاهبين إلى فلسطين، أي أنه تبنى المشروع الصهيوني بكل أبعاده. ورغم أهمية جوردون كشاعر يكتب بالعبرية، فإن كثيراً من النقاد يميلون إلى القول بأنه لم يكن شاعراً وأنه كان ناظماً للقصائد ومهيجاً اجتماعياً بالدرجة الأولى. وقد ترجم جوردون كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية، وهو يُعَد من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. زئيف جافتس (1847-1924) Zeev Javitz مؤرخ وكاتب وفيلسوف ديني صهيوني يكتب بالعبرية. وُلد في بولندا لأسرة ثرية واتجه إلى الكتابة الأدبية والتاريخية بعد فشله في الأعمال التجارية. كانت أولى كتاباته التي لفتت إليه الأنظار مقالة بعنوان «برج القرن» (1887) كتبها بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة موسى مندلسون وانتقد فيها بشدة فكر حركة التنوير الداعي إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم. وقد استقر جافتس في فلسطين من عام 1888 حتى عام 1898 حيث عمل بالتدريس والمحاماة والصحافة. وساهم بنشاط في أعمال اللجنة التي اضطلعت بمهمة تطوير العبرية وتحديثها، حيث ذهب إلى ضرورة تطعيم العبرية بعناصر لغوية مستمدة من المشناه والتلمود والمدراش. كما وضع جافتس عدة كتب للناشئة تسرد الأساطير التلمودية نظماً، ومن بينها: تل الميلاد (1891) ، أنغام من الماضي (1892) ، والمعلم (1894) . أما العمل الرئيسي لزئيف جافتس والذي كرس له جل حياته فهو كتاب تاريخ إسرائيل (1895 ـ 1940) الذي صدر في أربعة عشر مجلداً. وهو كتاب لا يمت بصلة إلى البحث التاريخي الحقيقي، ولكنه يعكس سعيه الدؤوب لإظهار تميُّز الدين والثقافة اليهوديين ولإثبات أن التقاليد اليهودية تشكِّل جذور التراث الإنساني بأسره. ولم يقف نشاط جافتس عند حدود كتابة المقالات والدراسات، فساهم بحماس في الحركة الصهيونية حيث كان أحد أعضاء حركة أحباء صهيون البارزين. وبعد رحيله عن فلسطين، تنقَّل جافتس بين فلنا (ليتوانيا) وألمانيا ولندن حيث شارك في تأسيس حركة مزراحي وتولَّى رئاسة تحرير صحيفتها الشهرية هامزراح (1903 ـ 1904) ، ويُعدُّ أحد ممثلي التيار الأرثوذكسي في الأدب المكتوب بالعبرية في العصر الحديث وفي الحركة الصهيونية على حدٍّ سواء. ديفيد فريشمان (1859-1922 ( David Frischman أديب وشاعر يكتب بالعبرية واليديشية، وُلد في بولندا، حيث تلقى تعليماً تقليدياً وحديثاً. كان إنتاجه الأدبي غزيراً متنوعاً، حيث كتب القصة وقرض الشعر ومارس الترجمة واحترف النقد الأدبي وعمل محرراً صحفياً. تبرز في أدبه تلك التوترات التي اتسم بها أدب ما بين الجيلين الذي ظهر في فترة ما بين انحسار التنوير وظهور الصهيونية التي تبنَّى مُثُلها في أيامه الأخيرة. ومن أشهر أعمال الشعرية قصيدة «طبقان» التي لخص فيها نظرته إلى التنوير وآماله في الصهيونية، استمد مادتها من الأساطير اليهودية القديمة عن موسى. وتُعتبَر هذه القصيدة من أكثر القصائد تعبيراً عن الصهيونية في أوضح صورها، كما أنها تحمل بين طياتها دعوة صريحة إلى استعباد الشعوب الأخرى. وقد دارت أغلب قصصه حول موضوعات مستوحاة من الأساطير الشعبية اليهودية في شرق أوربا. وفيها حاول أن يعبِّر عن الواقع الاجتماعي اليهودي المعاصر له هناك، وعن التمزق بين واجب الاحتفاظ بالتقاليد اليهودية وضرورة الاندماج في المجتمع الأوربي المحيط. كما كتب عدة قصص تناولت موضوع معاداة اليهود. من أشهر أعماله القصصية معلم الحق، وفي يوم الغفران. ويُعتبَر موضوع هذه القصة جديداً على الأدب المكتوب بالعبرية، حيث يتحدث فيها عن صراع الأجيال؛ الصراع بين الآباء والأبناء. تتناول هذه القصة حياة فتاة يهودية تعشق الموسيقى وتصبح مغنية شهيرة، فتهجر الجماعة اليهودية وتغني في الكنيسة، ولكنها تلقى حتفها حينما تخنقها أمها التي جُنَّت. أما قصة الرجل وغليونه فهي عن حاخام يدمن التدخين إلى درجة أنه يضطر إلى أن يخرق الشعائر الخاصة بالسبت، سراً في بادئ الأمر ثم علناً، ومن ثم يتم طرده من حظيرة الدين. ويرسم فريشمان هذه الشخصيات بكثير من التعاطف. أما الراقصات، وهي تُعَدُّ من أفضل ما كتب، فقد استوحى موضوعها من التراث الديني اليهودي القديم، وهي ترمز بصورة واضحة إلى صراع الصهيونية مع القيادات اليهودية التقليدية. ومن أهم أعماله وآخرها، سلسلة قصص مستوحاة من العهد القديم عنوانها في البرية. وحينما عمل فريشمان مساعداً لرئيس تحرير جريدة اليوم، وهي أول جريدة تصدر في روسيا بالعبرية (1886 ـ 1887) ، كتب سلسلة من المقالات تعني بالحياة اليومية والحياة الأدبية للكُتَّاب اليهود، وهي تعتبر تطويراً لفن المقال في أدب العبرية. كما نشر أعمالاً قام بترجمتها عن الآداب الغربية، وكذلك بعض أعمال نيتشه. وعمل فريشمان، كذلك، مساعداً لرئيس تحرير الجريدة اليديشية هاينت في وارسو (منذ عام 1908) ، ونشر فيها قصائد وقصصاً باليديشية. وقد قام فريشمان بإدخال القيم الأدبية الغربية على الأدب المكتوب بالعبرية وحرَّر الرواية المكتوبة بالعبرية من الحبكة المفتعلة التي تسم روايات فترة التنوير. ميخا بيرديشفسكي (1865-1921 ( Micha Berdyczevsky كاتب روسي ومفكر صهيوني رومانتيكي كوني النزعة حلولي الرؤية كان يكتب باليديشية والعبرية. وُلد في مدينة ميدزيبوز الروسية، مَهْد الحسيدية في القرن الثامن عشر، ونشأ في عائلة عريقة في التدين، وكان أبوه يعمل حاخاماً، وفي سن السابعة عشرة كان بيرديشفسكي قد تلقَّى تعليماً تلمودياً كاملاً وألم بكل تعاليم القبَّالاه والحسيدية. حاول في كتاباته الأولى أن يفعل ما وصفه فيما بعد بأنه المستحيل: التوفيق بين التقاليد الحاخامية وحركة الاستنارة اليهودية. وفي عام 1890، انتقل إلى أوربا الغربية ليتلقى شيئاً من التعليم العلماني (المحرم) . وأثرت فيه هذه الفترة القصيرة ووسمته بسماتها. ثم بدأ بعد ذلك في الترحال بين برن وبرلين حيث قضى أكثر فترات حياته إبداعاً. كتب بيرديشفسكي (اسمه الأدبي المستعار «بين جوريون» ) كثيراً من المقالات النقدية والقصص القصيرة والطويلة العبرية واليديشية. وتأثر بيرديشفسكي بأفكار شوبنهور بشأن علاقة الفرد بالجماعة، وتأثر أيضاً بأفكار نيتشه وبخاصة أفكاره بشأن السوبرمان أو الفرد الممتاز المتميِّز الذي يرتفع على الجماعة والتقاليد، كما تبع نيتشه في إصراره على " إعادة تقييم جميع القيم " وإخضاعها للنقد الكامل. لكل هذا نجد أن بيرديشفسكي يهاجم التقاليد اليهودية الروحية في خضوعها وخنوعها وفي تكبيلها للإنسان بالطقوس المميتة. كما هاجم بعض أدباء العبرية (بياليك وكلاوزنر) واليديشية (مندلي موخير سيفاريم) ولكنه شجع بعض الأدباء الجدد مثل حاييم برنر ممن يشاركونه رؤيته للعالم. وقد هاجم بيرديشفسكي وبشدة جماعة أحباء صهيون وهرتزل وآحاد هعام لأن الآخير أكد أهمية ما سماه «القيم الروحية» ، ولعله لو قرأ كتاباته بقليل من الإمعان لاكتشف النزعة النيتشوية القومية فيها، ولاكتشف أيضاً أن مفهوم آحاد هعام بشأن «السوبر أمة» أو الأمة الكاملة لا يختلف كثيراً عن مفهوم السوبرمان أو الإنسان الكامل، ولاكتشف أن القومية العضوية مفهوم يجمع بينه وبين آحاد هعام ونيتشه. كتب بيرديشفسكي أكثر من 150 قصة بالعبرية وكتب بعض القصص باليديشية. وتصوِّر قصصه تمزُّق اليهودي في العصر الحديث بين تقاليد اليهودية وروح الحضارة الغربية، والشتتل هو الخلفية الأساسية لعديد من هذه القصص التي تتضمن نماذج بشرية مختلفة تجابه مشاكل يهودية محدَّدة مثل التقاليد الخانقة والزيجات الاضطرارية المرتبة. وتعالج القصص الدوافع الإنسانية لهذه الشخصيات في تصارُعها مع كل هذه العوائق والحواجز. وتدور معظم قصصه حول موضوعين أساسيين: 1 ـ الحياة اليهودية في المدن اليهودية الصغيرة في آخر القرن التاسع عشر التي يقسمها دائماً نهر يفصل حي اليهود عن حي الأغيار. 2 ـ حياة الطلبة اليهود من شرق أوربا في وسط أوربا وغربها وإحساسهم بالانبهار والاغتراب. ويمكن القول بأن هذين الموضوعين هما أهم موضوعين في حياة معظم المفكرين الصهاينة، بل ومعظم المفكرين والأدباء الذين تناولوا الموضوع اليهودي. وثمة صراع يدور بين الخير والشر وبين الجمال والقبح ينتهي بهزيمة الخير والجمال. فالشتتل ـ ساحة هذا الصراع ـ قد وقع في قبضة قوة عمياء قاسية. وتوجد في روايته أنماط إنسانية متكررة: امرأة ذكية رقيقة متزوجة من إنسان فظ خشن ـ رجل لا قسمات له ولا ملامح ـ طالب متمرد على أوضاع مجتمعه ـ أشخاص يقضون حياتهم يعانون من الزيجات المُرتَّبة - شخصيات متمردة على التراث اليهودي مثل المهرطقين ومدَّعي المشيحانية. ومعظم قصصه ذات طابع انطباعي تتكون من مونولوجات عاطفية مع استطرادات هي أقرب إلى المقالات. وطريقة السرد في قصصه تشكل انتقالاً من أشكال السرد الخاصة بالقرن التاسع عشر إلى الأشكال الأكثر دقة. جمع بيرديشفسكي بعض الأساطير الحسيدية، واهتمامه بالحسيدية رغم تمرُّده على التراث اليهودي يَصلُح مدخلاً لفهم فكره الصهيوني. فهو يعيد تقييم اليهودية ويذهب إلى أن اليهودية القديمة إنما هي في واقع الأمر العبادة اليسرائيلية القربانية الوثنية، التي تدور حول عبادة الطبيعة والكون والأصنام، وأن الطبقة التوحيدية (التوراتية) دخيلة على هذه العقيدة. وفي كتابه سيناء وجيرزيم، يذهب بيرديشفسكي إلى أن الجبل المقدَّس ليس جبل سيناء، وأن مؤسس العقيدة اليسرائيلية هو يوشع بن نون وليس موسى. فكأن بيرديشفسكي يطالب بالعودة إلى الوثنية الحلولية القديمة كطريقة للتحرر من اليهودية الحاخامية. فالبعث القومي بعث كوني وثني حلولي، وعلى اليهود أن يرفضوا عبوديتهم الظاهرة التي حوَّلتهم إلى أمة من الرجال الذين نضبت قواهم الطبيعية واستوُعبوا في يهودية مجردة خالية من الحياة. عليهم العودة إلى يهودية جديدة: يهودية تضع اليهودي قبل اليهودية وإسرائيل قبل التوراة، وتعيش في وئام مع الطبيعة، وتتغنى بنشيد الأنشاد الذي يحتفي بالجسد وبنشيد داود الذي يتغنى بالطبيعة السامية التي لا حدود لها، الطبيعة التي هي منبع كل شيء، منبع كل ما يحيا وروحه. هذه الوثنية الجديدة ترى أن جوهر الحياة هو السيف، بل هو تجسيدها في أعرض خطوطها المادية والجوهرية إذ حل السيف محل التوراة. وهذه العودة للطبيعة هي برنامج بيرديشفسكي لإصلاح اليهود واليهودية، وعلى حد قوله فإن الشعب المقدَّس سيصبح الشعب الحيّ. ويمكننا أن نسمي صهيوينة بيرديشفسكي «الصهيونية الطبيعية» أو «الصهيونية الكونية» أو «الصهيونية العضوية» ، باعتبار أن الإنسان اليهودي سيستمد هويته وكينونته من خلال العودة للطبيعة والالتحام بها وبفقدان الذات فيها. ولكن الطبيعة التي يعود إليها هي في واقع الأمر بديل الأرض في الثالوث الحلولي العضوي في مرحلة موت الإله: الأرض ـ الإنسان ـ روح الحياة التي تربط بينهما (التي هي أيضاً العنف أو السيف) . ومثل هذه الصياغة الحلولية العضوية الحيوية لا تختلف عن كثير من الصياغات اليهودية التقليدية، فاليهودية تحوي داخلها طبقة حلولية تجُبُّ الطبقة التوحيدية بحيث تحل أصنام جرزيم محل التوحيد. وصهيونية بيرديشفسكي لا تختلف كثيراً في بنيتها عن صهيونية جوش إيمونيم الحلولية العضوية، فكلاهما جعل الأرض موضع الحلول وأهم عناصر الثالوث الحلولي. ولعل هذا التشابه بين المتمرد بيرديشفسكي ومعظم الصهاينة جعله يُفسِّر سرَّ حماسه للحسيدية وقصصها. ويمكننا أن نقول إن بيرديشفسكي لا يعارض الحلولية التقليدية وإنما يعارض سكونها وحسب، وهو سكون اضطرت إليه بعد فشل كثير من الحركات المشيحانية فتحوَّلت النزعة المشيحانية العدمية المدمرة إلى توجُّه نفسي وغوص في الذات، عدميته وتدميريته كانت موجودة بالقوة، ثم تفجرت في الدولة الصهيونية وأصبحت توجد بالفعل. وقد صدرت أعمال بيرديشفسكي الكاملة في 20 جزء (1921 ـ 1925 (. ديفيد شمعوني (1866-1956 ( David Shimoni شاعر يكتب العبرية، وُلد في منسك (روسيا) ، وهاجر إلى فلسطين عام 1909 حيث عمل حارساً وعاملاً زراعياً في إحدى المستوطنات اليهودية، ثم رحل إلى ألمانيا عام 1911 حيث تلقى تعليمه في عدة جامعات بها. وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى عاد إلى روسيا وظل بها حتى وضعت الحرب أوزارها، ثم رحل ثانيةً إلى فلسطين عام 1921 واستقر بها حتى وفاته. ونشر شمعوني أولى مجموعاته الشعرية بعنوان البرية (1911) وأتبعها بالمجموعة الثانية العاصفة والسكون (1912) ، ثم بدأ بعد ذلك نشر الأناشيد الرعوية التي اقترنت بها شهرته. وقد جُمعت أعماله ونشرت في أربعة مجلدات حملت العناوين التالية: قصائد غنائية (1925) ، وأناشيد رعوية وأغان شعبية عن الحياة في فلسطين الجديدة (1927) ، وملحمة وأعمال شعرية تأملية (1930) ، وشعر الترحال (1931) . ويعكس شعر شمعوني قيم وهموم الجيل الثاني من المهاجرين اليهود إلى فلسطين، فرغم أنه شعر يحاول الاحتفاء ببطولات ما يُسمَّى «الرواد الصهاينة» إلا أن الإحساس بالحزن والكآبة وبحتمية المصير المأساوي يغلب عليه، شأنه في ذلك شأن معظم كتابات المستوطنين الصهاينة في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. كما يشيع في كثير من قصائده طابع تعليمي مباشر ينأى بها عن الجماليات الشعرية ويجعلها أقرب ما تكون إلى المواعظ والإشارات. وينتمي شمعوني إلى ذلك الجيل من الأدباء الذين بهرهم شعر بياليك وخلَّف أثراً واضحاً في كتاباتهم، إلا أنه لم يسع إلى تجديد شكل القصيدة ولم يغامر بالبحث عن إيقاعات وأخيلة مغايرة، ولم يتجاوز أسلوبه ذلك الأسلوب التقليدي للشعر المكتوب بالعبرية في عصره، والذي بدأت تظهر فيه بوادر اضمحلاله بجلاء نظراً لعدم قدرته على التعبير عن الواقع المتغيِّر والمضطرب. ولهذا كله جاء شعره رتيباً ونمطياً في مجمله. وبالإضافة إلى أعماله الشعرية، ترجم شمعوني إلى العبرية العديد من أعمال الكُتّاب الروس أمثال بوشكين وليرمنتوف وتولستوي. حاييم بياليك (1873-1934 ( Hayyim Bialik أهم شاعر روسي يهودي كتب بالعبرية في العصر الحديث. وُلد لأبوين فقيرين، وكان أبوه عالماً دينياً وتاجر أخشاب فقيراً. وقد عمل الشاعر نفسه بعض الوقت كتاجر أخشاب، وتزوج من ابنة رجل يعمل بنفس المهنة. قام جده بتربيته بعد وفاة أبيه، فدرس في مدرسة تلمودية، لكنه قرأ، في الوقت نفسه، العديد من كتب حركة التنوير اليهودية سراً. رحل بياليك إلى فولوجين، مركز الحركة الحسيدية، إذ تصوَّر خطأً أن المدرسة التلمودية في هذه المدينة تجمع بين الدراسات العلمانية والدراسات الدينية، وبقي في هذه المدرسة ثمانية عشر شهراً، وهناك بدأ في الكتابة الأدبية، والتحق بجماعة أحباء صهيون. وفي عام 1891، ذهب إلى أوديسا التي كانت آنذاك مركزاً للبعث الثقافي الروسي اليهودي حيث تعرَّف إلى "آحاد هعام" الذي شجعه على الكتابة والنشر. هاجر بياليك من روسيا السوفيتية عام 1921، ومكث ثلاث سنوات في برلين، ثم هاجر بعدئذ إلى تل أبيب. وقد درس بياليك أدب العبرية التقليدية، ولكنه في الوقت نفسه قرأ واستوعب الكثير من الأعمال الأدبية الأوربية الروسية والألمانية، وبخاصة أعمال المرحلة الرومانتيكية. ولعل الموضوع الأساسي في أعمال بياليك هو الشد والجذب بين القديم والجديد والبحث عن مخَرَج من الأزمة المستحكمة. وقد عبَّر الشاعر عن تطلعاته الصهيونية من خلال ثلاث فكرات أساسية هي: فكرة العودة إلى الأرض والطبيعة، وفكرة الماشيَّح المخلِّص، وفكرة نبذ حركة الاستنارة اليهودية وحركة الاندماج في الشعوب الأخرى. وقد استخدم الشاعر أدوات وقوالب تعبيرية متنوعة، فكتب قصائد في وصف الطبيعة وقصائد مناسبات وقصائد ذات طابع أسطوري. ويتميَّز شعره بالنبرة الغاضبة وبتواتر صور الهلاك والثأر والصور المرتبطة بآخر الأيام. من أهم قصائده قصيدتا «حقاً إن الشعب لشعب» و «في مدينة الذبح» حيث يتمرد على خنوع اليهود أمام هجوم الروس عليهم، وخصوصاً في كيشينيف، وكذلك قصيدتا «إلى الهاجاداه» و «على أعتاب بيت هامدراش» حيث يتأوه من أجل الماضي اليهودي الذي ولَّى ولم يَعُد له وجود. وقد كتب بياليك قصائد للأطفال وترجم بعض الأعمال الأدبية العالمية إلى العبرية. وكانت له نشاطات ثقافية بين أدباء التجمع الاستيطاني الصهيوني. وبعد عام 1934، أُنشئت في إسرائيل جائزة أدبية تحمل اسمه. وقد نُشرت أعماله الكاملة بالعبرية، كما تُرجمت معظم قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والعربية. موردخاي فويربرج (1874-1899 ( Mordecai Feuerberg أديب روسي يهودي يكتب بالعبرية، وُلد في نوفجورد لأسرة حسيدية شديدة التدين. وكان أبوه رجل دين متزمتاً. درس في صباه القبَّالاه وفلسفة يهودا اللاوي وابن ميمون. ولكنه اتجه بعدئذ للدراسات العلمانية والأدبية الحديثة المرتبطة بفكر حركة التنوير اليهودية. أدَّت هذه الدراسات العلمانية إلى غضب أبيه وتوتر علاقتهما في الوقت الذي توطدت فيه علاقته بجماعة أحباء صهيون. وقد حاول أبوه إثناءه عن هذه الارتباطات فافتتح له محل بقالة وخطب له ابنة رجل دين حسيدي آخر. لكن هذه الزيجة فشلت بسبب ضعف صحة فويربرج وإصابته بالسل. ارتحل فويربرج إلى وارسو عام 1896 محاولاً أن يصنع لنفسه اسماً في عالم الأدب العبري حيث كانت وارسو عاصمة الأدب العبري. وهناك قابل ناحوم سوكولوف الذي كان يصدر مجلة أدبية عبرية وعرض عليه إنتاجه الأدبي من شعر وقصة قصيرة، فنصحه سوكولوف بالتركيز على القصة القصيرة وترك الشعر. ونشر فويربرج قصته الأولى المسماة الحارس ياكوف عام 1897. تعرف أيضاً إلى آحاد هعام وتوثقت علاقتهما، ونشر له آحاد هعام قصصه كلها في المجلة التي كان يصدرها، واشتغل معه فويربرج مراسلاً صحفياً أعوام 1897 ـ 1899. وكان فويربرج يخطط عام 1899 لكتابة رواية تاريخية عن حياة إسرائيل بعل شيم طوف مؤسس الحسيدية في الوقت الذي أعدَّ فيه آحاد هعام رواية فويربرج الوحيدة والمسماة لماذا؟ للنشر. وكان آحاد هعام قد أدخل عليها تعديلات كثيرة بموافقة فويربرج. تُوفي فويربرج من جراء إصابته بالسل عام 1899 ولم يستطع أن يتم أياً من مشاريعه الأدبية التي كلم آحاد هعام عنها. ونُشرت روايته وبعض قصصه بعد موته. ورغم أن أعماله الأدبية ينقصها النضج الحرفي، ورغم قلة ما كتب عموماً، سواء من الأدب أو الصحافة، فإنه يُعتبَر من أهم كُتَّاب العبرية الحديثة. والموضوع الرئيسي الذي تدور حوله أعماله هي قضية الصراع بين عملية العلمنة المتزايدة وسيطرة النزعة الأوربية الغربية على اليهود من جهة والقيم الأرثوذكسية التقليدية في اليهودية من جهة أخرى. وقد استخدم القصة القصيرة الشعرية لبيان الاعترافات الداخلية لإنسان بائس وروح مُمزَّقة مهزومة وتحمل رمزاً عاماً في طياتها. وكان فويربرج يؤمن بأن وظيفة الأدب العبري هي وصف "صورة اليهودي الأصيلة" والتي تعبِّر عن حالة يهود شرق أوربا الخاصة والتي حكمتها طريقة التربية والنشأة وظروف البيئة المحيطة والتقاليد. ومرجع هذه الرؤية يعود إلى أنه كان يؤمن بأن اليهودي حالة خاصة يختلف عن غيره من البشر حتى أن ما يراه وما يحسه وما يسمعه وما يأكله ليس هو حالة الأشياء في ذاتها وإنما هو قيمة خاصة لا يعرفها ولا يحبها إلا اليهودي. ومن ثم، كان يؤمن بأن محاولة الأدب العبري التعبير عن موضوعات عامة وعالمية أو التشبه بالأدب الأوربي هي محاولة محكوم عليها بالفشل. وتعبِّر قصصه عن مجمل آرائه هذه فهي تذخر بالشخصيات المترددة التي تتأرجح بين التقاليد الأرثوذكسية اليهودية وبين قيم الحياة الأوربية العصرية، مثل ياكوف (الجندي الروسي) في قصته «الحارس ياكوف» ، وناثان في روايته لماذا؟. وتمتلئ قصصه أيضاً بوصف حياة التجمعات اليهودية في أوربا الشرقية. وقد استخدم فويربرج كذلك الأساطير الحسيدية كآلية ربط بين البطل وبين التقاليد الدينية كما في قصته «في المساء» من ثلاثية ذكريات الطفولة. وتُعتبَر روايته لماذا؟، برغم الضعف البنيوي وتفكُّك اللغة واستخدام الألفاظ الرنانة والانفعالية، من أهم روايات الأدب العبري المعاصر حيث تعبِّر عن معاناة البطل وتمزُّقه بين الإيمان الديني والعلمانية ومحاولته الوصول إلى الخلاص أولاً من خلال المشيحانية ثم من خلال الإيمان بالعلم الخالص، وتنتهي الرواية بخطاب يوجهه ناثان البطل للشعب اليهودي يحثه فيه على التوجه إلى الشرق باعتبار أن تلك الفكرة هي الخلاص الحقيقي. ويُعتبَر فويربرج رائد تيار خاص في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية معاد للفكر التنويري. جوزيف كلاوزنر (1874-1958 (Joseph Klausner مؤرخ وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في أولينسك (ليتوانيا) وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، كما درس اللغات السامية والحديثة وعلم اللغة والتاريخ في جامعة هايدلبرج (ألمانيا) حيث حصل على درجة الدكتوراه عام 1902. ثم تولى تدريس التاريخ اليهودي في المدرسة التلمودية الحديثة في أوديسا إلى أن عُيِّن عام 1917 أستاذاً للدراسات الشرقية في جامعة أوديسا. وفي عام 1919، هاجر إلى فلسطين حيث واصل أنشطته الأدبية والبحثية حين عُيِّن عام 1926 أستاذاً لأدب العبرية في الجامعة العبرية. وفي عام 1944، عُيِّن أستاذاً لما يسمونه «تاريخ الهيكل الثاني» في الجامعة نفسها وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. كما عمل كلاوزنر في مجال الصحافة حيث خلف آحاد هعام في رئاسة تحرير المجلة العبرية هاشيلواح، وظل يشغل هذا المنصب لفترة طويلة (من 1903 حتى 1926) . وقد كان يشاركه في بعض الأحيان كلٌّ من حاييم بياليك ويعقوب فيشمان. وفي عامي 1933 و1934، رأس كلاوزنر تحرير المجلة العبرية بيتار لسان حال حزب الصهاينة التصحيحيين، كما أشرف منذ عام 1950 على تحرير دائرة المعارف العبرية. خلَّف كلاوزنر عدداً كبيراً من المؤلفات تتوزع بين الدراسات التاريخية والنقد الأدبي وعلم اللغة، ولكنه وجَّه جل اهتمامه إلى إحياء اللغة العبرية وتوسيع نطاق استخدامها. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب اللغة العبرية لغة حية (1896) والذي دعا فيه إلى توسيع معجم العبرية لتلبية احتياجات العصر الحديث من خلال تعديل الاستخدامات اللغوية في التلمود والمشناه على أساس استخدامات العهد القديم، وكذلك كتاب موجز نحو اللغة العبرية (1935) الذي كان من المحاولات لوضع قواعد حديثة للعبرية. ومن أهم كتابات كلاوزنر مجموعة من المقالات في مجال النقد الأدبي نُشرت في ثلاثة مجلدات بعنوان الخالقون والبناءون (1925 ـ 1929) ، يناقش فيها المهام الوظيفية للأدب المكتوب بالعبرية في مرحلة ما أسماه «البعث القومي» ، وكذلك كتابه تاريخ الأدب العبري الحديث (1930 ـ 1950) الذي يعرض فيه إسهامات الأدباء في تطوير اللغة العبرية ثم علاقة الأدب المكتوب بالعبرية بالأدب العالمي وكذلك علاقته بما يُسمَّى «القومية اليهودية» . ويستخدم كلاوزنر في هذه الكتابات الطرق التقليدية في البحث الأدبي التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر بين النقاد الوضعيين، فكان يعطي اهتماماً بالغاً للسيرة الذاتية للكاتب ولعناصر الزمان والمكان والهوية القومية بوصفها عناصر حاسمة في الإبداع الفني، إلا أن رؤيته لتأثير تلك العناصر تشوبها نزعة آلية وعنصرية. وفي تقييمه للأعمال الأدبية، ينطلق كلاوزنر في معظم الأحيان من أحكام أيديولوجية مسبقة تتسم بالثبات والصرامة، الأمر الذي يقوده إلى إغفال خصوصية العمل الفني وجمالياته واستخلاص نتائج قد تبدو مُقحَمة أو مفتَعلة. وتكشف كتابات كلاوزنر التاريخية عن ملامح فكره بشكل أكثر وضوحاً. ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال كتاب التاريخ اليهودي (1907) ، وكتاب اليهودية والإنسانية (1910) ، وكتاب تاريخ الهيكل الثاني (1949) . وفي هذه الكتابات، يسعى كلاوزنر إلى تقييم أحداث الماضي لا على أساس سياقها التاريخي بل على أساس قيم الحاضر، كما يسعى إلى إثبات المقولات الأساسية التي تشكل عصب الفكرة الصهيونية مثل تميز اليهود وتفوقهم، ووجود سمات مشتركة بين الجماعات اليهودية في العالم تجعل منها شعباً واحداً له خاصية «الاستمرار التاريخي» والذي لم تَشُبه شائبة منذ بدء الخليقة حتى العصر الراهن. وبالإضافة إلى ذلك، كتب كلاوزنر بعض الدراسات المثيرة للجدل حول تاريخ المسيحية، منها كتاب يسوع الناصري: حياته وعصره وتعاليمه (1922) الذي يتناول فيه يسوع المسيح بوصفه شخصية يهودية زاعماً أنه كان يهودياً قومياً ولم يتخل عن يهوديته قط، وكذلك كتاب من يسوع إلى بولس (1939 ـ 1940) الذي يتتبع فيه تطور المسيحية استناداً إلى مصادر دينية يهودية. ورغم كل دعاوى التجرد والموضوعية في البحث، يظل مفهوم كلاوزنر للتاريخ مفهوماً أسطورياً يتحايل بكل السبل من أجل إيجاد مسوغات للمزاعم الصهيونية التقليدية، الأمر الذي جعل كتاباته تنضح بالتعصب الشديد لليهود وبالازدراء التام لكل ما هو غير يهودي في التاريخ الإنساني بأسره. ولم تكن صهيونية كلاوزنر هذه مجرد نزعة فكرية بل كانت قضية حياته بأسرها. فقد انضم في شبابه إلى حركة أحباء صهيون وكان من أنشط أعضائها، كما حضر المؤتمر الصهيوني الأول (1897) وجميع المؤتمرات التالية تقريباً حتى المؤتمر الحادي عشر. ومنذ عام 1930، قام كلاوزنر بدور بارز في صفوف حزب الصهاينة التصحيحيين ثم في حزب حيروت الذي جاء على أنقاضه. وكان يُعَدُّ أحد المنظِّرين الأساسيين للتيار الذي عبَّر عنه الحزبان. وفي عام 1949، قدمه حزب حيروت مرشحاً عنه ضد حاييم وايزمان في أول انتخابات لرئاسة الدولة الصهيونية. شاؤول تشرنحوفسكي (1875 ـ1943 ( Saul Tschernohvsky شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية، ويُعدُّ هو وبياليك قطبي الأدب المكتوب بالعبرية في روسيا. وتشرنحوفسكي هو ابن لأبوين متدينين تأثرا بأدب التنوير اليهودي، ولكنهما انضما إلى حركة أحباء صهيون. وقد أرسل الأبوان ابنهما إلى مدرسة يهودية حيث تلقى تعليماً تقليدياً ودروساً في العبرية، ثم أرسلاه بعد ذلك إلى مدرسة تجارية. ولكن الشاعر، مع هذا، قرأ عديداً من الكتب الأدبية والفكرية العالمية. ومن بين قراءاته، نجد قصص جول فيرن وألكسندر دوماس والإلياذة والأوديسة وأعمال جيته ونيتشه، جنباً إلى جنب مع التوراة والتلمود والكتب الدينية اليهودية. درس تشرنحوفسكي الطب في ألمانيا، وتزوج من سيدة روسية مسيحية من أصل أرستقراطي تقية ورعة متمسكة بأهداب دينها وتعاليمه. وبعد أن انتهى من دراسته، توجه إلى روسيا حيث مارس مهنته هناك بعد طول عناء. ولكن وضعه الطبقي تدهور، بنشوب الثورة البلشفية، وهو ما اضطره إلى الهجرة. وقد حاول تشرنحوفسكي جاهداً الحصول على وظيفة طبيب في فلسطين، ولكنه لم يفلح، فهاجر إلى برلين. وتصف قصيدته المعنونة «الماء الآسن» الآلام الروحية والجسدية لمثقف فقد مكانته بسبب النظام الاجتماعي الجديد، ولكنه يظل مع هذا يحلم بالماضي السعيد. ولم يستقر تشرنحوفسكي في فلسطين (عام 1931) إلا بعد أن حصل على وظيفة طبيب. وهناك أيَّد الغزوة الصهيونية، كما أسهم في الدعاية الصهيونية بشكل واضح. ولكنه، رغم ذلك، كانت تمر به لحظات يخامره فيها الشك فيما يفعل على نحو ما صوَّر في قصيدة «ليس لي شيء يخصني» . ويمكن تقسيم شعر تشرنحوفسكي إلى ثلاث نبرات أساسية: أولاً، النبرة العلمانية الحلولية الوثنية المتمردة، حيث يطرح الشاعر التراث اليهودي التقليدي جانباً ويتوحد بالوجود والكون والطبيعة ويحلم ببعث يهودي وبظهور شعب لا ينوء تحت نير الغيبيات، وتعبِّر عن ذلك قصيدتا «إلى الشمس» و «إني أعتقد» . ثانياً، النبرة اليهودية القَبَلية، حيث يعبِّر تشرنحوفسكي عن إحساسه اليهودي بالانفصال عن الأغيار وبالعداء الشديد تجاههم على نحو ما يظهر في قصيدتي «باروخ المغنتسي» و «فليكن هذا هو ثأرنا» . ثالثاً، النبرة الغيبية اللادينية، حيث يحاول الشاعر أن يمزج بين النبرتين السابقتين وينجح في أن يقدم رؤية صهيونية علمانية عقلانية المظهر غيبية المخبر، كما في قصيدة «أمام تمثال أبوللو» . تأثر تشرنحوفسكي بأفكار المفكر الصهيوني بيرديشفسكي، ونحا منحى كنعانياً ونادى بقومية إسرائيلية جديدة منفصلة عن قومية يهود المنفى. وقد كتب تشرنحوفسكي قصصاً ومقالات وقصائد للأطفال، مقلداً كثيراً من الأشكال الأدبية الغربية من السوناتا إلى الملحمة إلى الخمريات الأناكرونية الإغريقية، وترجم كثيراً من الأشعار الغربية إلى العبرية. وهو يُعَدُّ من المجددين في الشعر المكتوب بالعبرية. جوزيف برينر (1881-1921 ( Joseph Brenner مؤلف روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية، تأثر بأعمال بيرديشفسكي وبرؤيته للحياة وبأعمال مندلي موخير سيفاريم. وتأثر، شأنه شأن كثير من المؤلفين الذين يكتبون بالعبرية في عصره، بأعمال دوستويفسكي وتولستوي ونيتشه. وُلد في أوكرانيا، ودرس في إحدى المدارس التلمودية العليا، ثم عمل ككاتب (سوفير) حيث كان يكتب رقائق التوراة والتمائم، وانضم إلى حزب البوند. وقد كتب بعض القصص من أهمها روايته القصيرة في الشتاء (1902) التي تُعَدُّ أول أعماله الروائية المهمة. عاش برينر بعد عام 1900 في وارسو، وخدم في الجيش الروسي بين عامي 1901 و1904، ولكنه هرب إلى لندن حيث نشط في جماعة عمال صهيون، ثم بدأ العمل بالطباعة والنشر والتأليف بعض الوقت ثم استقر في فلسطين حيث قام بتدريس العبرية في يافا عام 1915، ثم اضطر إلى تركها. ولكنه عاد مع القوات البريطانية واستمر في نشاطاته الصهيونية العديدة التي كان من أهمها المساهمة في تأسيس الهستدروت. وقد قُتل عام 1921 أثناء بعض أعمال المقاومة العربية ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني. وُصفت أعمال برينر الروائية بأنها انعكاس مباشر للحياة ولحياته هو على وجه التحديد، ولذا نجد أن الراوي فيها هو الشخص الأول (المتكلم) . ومهما اختلف الأسماء والشخصيات الأساسية فهم في نهاية الأمر برينر نفسه: يورمان في قصة «في الشتاء» ، وأبراسون في قصة «حول النقطة» ، وإليعازر في قصة «في المساء والصباح» ، ويوحانان ماهاراشك في قصة «خلف الحدود» ، وشاؤول جمسو في قصة «بين الحروب» ، ويحزقئيل حيفز في قصة «الفرار والفشل» . وتأخذ أعماله الأدبية الأشكال التالية: 1 ـ القصة الوثائقية التي تتبع منهج التعاقب التاريخي. 2 ـ المذكرات التي تم تحريرها وتحويرها. 3 ـ الراوي الذي يرى الأحداث بعينه ولكنه لا يشارك فيها. وتُقدِّم كثير من شخصيات برينر اعترافاتها وتكشف خبايا نفسها بنفسها، وهي شخصيات تُغيِّر مكان إقامتها لتكتشف أن هذا لا يجدي فتيلاً إذ أن الخلل في الداخل، ولذا فهي تنتهي بالإحساس بالمرارة تجاه نفسها وتجاه العالم. وكثير من أبطاله هم أبطال مضادون، بعضهم قد يبحث عن معنى لحياته، أو عن هويته والبعض الآخر يستسلم تماماً لقدره (من أهم أعماله رواية من هنا وهناك وهي مستوحاه من حياة جوردون الذي تتضمن شخصيته قدراً من الإيجابية والتفاؤل (. حاول برينر أن يقدِّم الواقع من خلال لغة الحديث العبرية، وهي لغة لم تكن موجودة آنذاك، ولذا فقد حاول تطعيم اللغة بكلمات ومفردات من اليديشية والروسية والألمانية. كما أن بنية الجملة ذاتها كانت تعكس محاولته أن يُدخل الحياة على أسلوب العبرية الحديثة، ولذا فقد كان كثيراً ما يلجأ إلى التكرار واستخدام الجمل الناقصة وعلامات الاستفهام والتعجب وكان لا يستخدم الصور الشعرية إلا في اللحظات التي تصل الأحداث فيها إلى الذروة. هاجم برينر آحاد هعام وكان محور الصراع مفهوم المنفى. فبرينر كان يعبِّر عن وجهة النظر الاستيطانية العمالية بكل شراستها وتبلورها وتطرفها ذاهباً إلى أن يهود العالم كيان لابد من تصفيته، ومهمة اليهود هي الاعتراف بوضاعتهم منذ بدء التاريخ حتى يومنا هذا وبكل نقائص شخصيتهم. فاليهود يحيون بأية طريقة، حتى كالنمل أو الكلاب؛ يحب كل يهودي ذاته ويتكيف مع الأوضاع ويذل نفسه من أجل البقاء. والتاريخ اليهودي هو تاريخ طويل من الذل والمهانة. ثم يجيء بعد هذا آحاد هعام، المتحدث باسم الإثنية اليهودية (إثنية يهود المنفى) ، ويكيل الثناء للتاريخ المليء بالشهداء والوضعاء؛ وذلك التاريخ الذي تشكلت فيه الهوية اليهودية من خلال الاضطهاد والطرد، حتى ظهر في آخر الأمر شعب يحيا بدون مجتمع، خارج أي مجتمع على الإطلاق، «شعب هائم شاذ معذب لا هدف لحياته ولا استقلال لها» . وبعد هذه الصورة السلبية ليهود العالم، لم يبق سوى الخروج. ولذا، يقترح برينر إنشاء مجتمع جديد حتى يمكن تطبيع الشخصية اليهودية من داخله: «مستعمرات للعمال هذه هي ثورتنا الوحيدة» . وقد نُشرت أعمال برينر الكاملة في ثمانية أجزاء. جيكوب كاهان (1881-1960 (Jacob Kahan شاعر ومسرحي يهودي روسي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وتنقل بين بولندا وسويسرا وألمانيا حيث مارس نشاطاً واسعاً في مجال إحياء اللغة العبرية، فأسس في برن جمعية دولية لتطوير اللغة العبرية، وشغل في برلين منصب أمين جمعية اللغة والثقافة العبريتين. وفي عام 1930، انتُخب رئيساً لنادي القلم العبري في بولندا وظل يشغل هذا المنصب لمدة أربع سنوات. وساهم كاهان بنشاط في الحركة الصهيونية حيث كان عضواً في اللجنة المركزية للمنظمة الصهيونية التصحيحية وأحد القادة البارزين لحزب الدولة اليهودية. وفي عام 1934، هاجر كاهان إلى فلسطين واستقر فيها حتى وفاته. بدأ كاهان كتابة الشعر في سن مبكرة، وصدرت أولى مجموعاته الشعرية في وارسو عام 1903، وأتبعها بأربع مجموعات أخرى في الفترة 1905 - 1920. ثم أصدر طبعة جديدة تشمل هذه الأعمال جميعها بعنوان شباب وتجوال (1928) ومجموعة أخرى بعنوان بين الأطلال (1930) . وبينما اتسمت قصائد المجموعات الأولى بالغنائية والعذوبة، جاءت المجموعة الأخيرة دعائية فجة تعكس التعطش للعنف الدموي والعدوان كسبيل لتحقيق الحلم الصهيوني، وهو ما توجزه أبيات إحدى قصائد المجموعة: «بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار سوف تنهض يهودا» . وبالإضافة إلى الشعر، كتب كاهان حوالي ثلاثين مسرحية تناول فيها الشخصيات التوراتية الأساسية (مثل داود وسليمان وإليشع) ، كما تناول دلالتهم التاريخية والأسطورية بالنسبة لمصير اليهود. إلا أن كاهان الشاعر تبوأ مكانة مرموقة في مصاف الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث حيث وصفه بياليك في مقال شهير له بأنه يفوق، في صفاء غنائيته، جميع شعراء العبرية في مطلع القرن العشرين. أما كاهان المسرحي فهو في نظر معظم النقاد لا يعدو أن يكون مجرد كاتب لحكايات ساذجة تقوم على المصادفات المفجعة. ولم يكن كاهان واعياً بصراع القوى السياسية المختلفة، فاعتقد أن من الممكن صهر اليهودية في بوتقة الحضارة العالمية وتخليصها مما سماه «التقاليد البالية وشوائب المنفى» . وقد عبَّرت أشعاره عن الحنين الجارف إلى الماضي اليهودي السحيق، والرغبة في تحقيق السعادة التي طال انتظارها، وذلك من خلال بعث هذا الماضي. وقد نُشرت أعماله في أربعة عشر جزءاً. يهودا قرني (1884-1949) Yehuda Karni شاعر وصحفي روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في منسك، وانخرط في الحركة الصهيونية في سن مبكرة، حيث ساهم بنشاط في حركة عمال صهيون، وحضر عدة مؤتمرات صهيونية ممثلاً لها. وفي عام 1921، هاجر إلى فلسطين وواصل فيها أنشطته الأدبية والصهيونية، وعمل منذ عام 1923 وحتى وفاته ضمن هيئة تحرير صحيفة هاآرتس. غلب على شعره المبكر الطابع الذاتي المجرد والتأثر الشديد بشعر كلٍّ من بياليك وتشرنحوفسكي، أما القصائد اللاحقة فتعكس التشبع بالأفكار والتقاليد الصهيونية والتطلع إلى تحقيق الحلم الصهيوني بإقامة الدولة على «أرض الوعد» ، ويظهر ذلك بوضوح في مجموعاته الشعرية: بوابات (1923) ، ووطن على بواباتك (1935) ، وأغاني القدس (1948) . وفي هذه المجموعة، وفي كثير من القصائد الأخرى، يقدم الشاعر مدينة القدس بوصفها رمزاً أبدياً لليهود ولقدرهم الحتمي. أما مجموعته الأخيرة أغاني ودموع (1948) ، فقد كرسها لرثاء ضحايا المذابح النازية من اليهود. ولا تخلو مقالات قرني من الطابع الرثائي الذي ساد شعره، حيث خصَّص قسطاً كبيراً منها للبكاء على ما آل إليه مجتمع المستوطنين اليهود في فلسطين، حيث اكتشف الكاتب أنه أبعد ما يكون عن صورة المجتمع الفردوسي الذي حلم به المستوطنون الأوائل. ديبورا بارون (1887-1956 ( Devorah Baron كاتبة قصص روسية يهودية تكتب بالعبرية. وُلدت في منسك، لأسرة متدينة، وكان أبوها حاخام المدينة. وقد أثر الجو الديني الذي نشأت فيه تأثيراً كبيراً في تكوينها الأدبي وفي مفاهيمها الثقافية. وهاجرت بارون إلى فلسطين عام 1911 وتزوَّجت من أحد قادة الصهيونية العمالية، وأخذت تشارك في تحرير الملحق الأدبي لمجلة هابوعيل هاتسعير (العامل الفتي) . وفي عام 1915، نفتها الحكومة التركية إلى مصر، ثم عادت إلى فلسطين بعد انقضاء الحرب العالمية الأولى واستقرت هناك حتى وفاتها. ومن أبرز أعمال بارون مجموعة قصص قصيرة بعنوان حكايات (1927) ، ومجموعة أخرى بعنوان أشياء صغيرة (1933) نالت عنها جائزة بياليك في الأدب عام 1934، وكانت أول أديبة تحصل عليها. والموضوعات المحورية لقصص هاتين المجموعتين هي ذكريات الطفولة وحياة التجمعات اليهودية في شرق أوربا في مطلع القرن العشرين، وكذلك ملامح الأحياء اليهودية التي تصورها الكاتبة بوصفها جزراً منعزلة يشيع فيها الإحساس بالوحدة وسط عالم غريب يملؤه الفقر والعداء لليهود. وتَغلُب على شخوص قصصها مشاعر الخوف والرعب إزاء نهايتهم المأساوية الحتمية، وهي سمة تسود معظم الأعمال الأدبية التي كتبها المستوطنون اليهود في فلسطين قبل قيام الدولة الصهيونية. أما أسلوب الكاتبة، والذي تأثر بتقاليد القصة الأوربية في القرن التاسع عشر، فيجمع بين الواقعية والانطباعية مع مسحة خيالية واضحة تخلع على كثير من أحداث قصصها طابع المصادفات المفجعة. وقد كان آخر ما نُشر لبارون في حياتها مجموعة قصصية بعنوان منذ الليلة الأخيرة (1956) ، تصف فيها واقع التجمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين أثناء الحرب العالمية الثانية وكيف وضع المستوطنون أنفسهم في خدمة القوات البريطانية لمواجهة الزحف النازي مقابل الدعم البريطاني لمشروع الصهيونية. وقد تُرجمت لها إلى الإنجليزية مجموعة قصص قصيرة صدرت تحت عنوان طريق الشوك (1969) . جيكوب ستاينبرج (1887-1959) Jacob Steinberg شاعر وكاتب قصة روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا، ولا نعرف سوى القليل عن المراحل الأولى في حياته من خلال قصصه ورواياته القصيرة حيث يصور الفقر والمعارك العائلية والتمرد على التقاليد والهروب إلى المدينة. فرَّ ستاينبرج وهو بعد في الرابعة عشرة من عمره إلى أوديسا حيث قابل بياليك وزلمان شنياؤور، ثم انتقل إلى وارسو عام 1903 حيث نشر أولى قصائده العبرية وكتب في الصحافة العبرية واليديشية. استقر ستاينبرج في فلسطين مع بداية الحرب العالمية الأولى حيث توقف عن الكتابة باليديشية واستمر في الكتابة بالعبرية. ومنذ عام 1942، أصبح أحد محرري المجلة التي كان يصدرها اتحاد الكتاب العبريين. من أهم مصادره الأدبية أشعار فرلين وبودلير والكُتَّاب الواقعيين الروس. وكان شعره يبتعد عن التقريرية والمباشرة ويمور بالضجر والإحساس بتخثُّر الأشياء، وثمة إشارات عديدة للمقابر والسم والألغاز، كما يمتلئ شعره بالتناقضات (وهو ما يدل على أثر بودلير العميق) . وانطلاقاً من رؤية بودلير للشاعر، يذهب ستاينبرج إلى أن مهمة الشاعر هي اكتشاف علاقات التناظر (بالإنجليزية: كورسبندانس correspondence) الأساسية في الكون. فالقياس يبيِّن أن ثمة نظاماً في العالم وأن ذلك لم يتم بالصدفة، والشاعر هو القادر على اكتشاف علاقات التناظر الكامنة. ولذا، فإن الشاعر هو القادر على المواءمة بين المتناقضات دون تقليل عنصر التوتر بينها، ذلك أن عنصر التوتر هذا مفتاح الوجود وسر الحياة. ويتسم أسلوب ستاينبرج بإيقاعاته التوراتية وبحدته. كما أن رؤيته الأدبية رؤية صهيونية تماماً، فهو يرى أن تاريخ الأدب العبري هو عملية اغتراب تدريجية من البيت الشعري المفرد المحدد الذي يُولِّد الحياة، وأن عدم اهتمام اليهود بالأبعاد الجمالية هو علامة على أنهم شعب لا جذور له. ولذا، فإن مستقبل الشعر العبري مرتبط عنده بمستقبل الشعب اليهودي. وفي الواقع، فإن عودة الشعر العبري إلى بيت الشعر الحيوي يتضمن عودة اليهودي إلى الحياة الطبيعية، أي أن نقده لتقاليد الأدب العبري مرتبط تماماً بالنقد الصهيوني ليهود الدياسبورا، والحل في كلتا الحالتين هو العودة. وقد تأثر ستاينبرج كذلك بأصحاب مدرسة الصورة الشعرية (بالإنجليزية: إيمجيستس Imagists) الذين طالبوا الشعراء بالبُعد عن الخطابية وأن يكون الشعر مُكوَّناً من صور متعيِّنة موجزة هي ذاتها تولِّد المعنى. وكعادة بعض الأدباء المفكرين اليهود، اكتشف ستاينبرج هذا الاتجاه في التراث اليهودي، فالعبرانيون القدامى لم يمتلكوا ناصية المعمار أو النحت ولكنهم امتلكوا ناصية نحت الأفكار المجردة على هيئة كلمات. وهذه ـ حسب تصور ستاينبرج ـ هي ميزة اللغة العبرية، فكلماتها أحجار صلبة منحوتة وليست رملاً لا شكل له كما هو الحال في اللغات السلافية أو الألمانية. ومرة أخرى، نلاحظ النمط الصهيوني، فهو يعود لتاريخ العبرانيين القدامى ويكتشف هوية يهودية خالصة مختلفة عن هوية الأغيار متجسدة في اللغة. كتب ستاينبرج عشرين قصة عن حياة اليهود في الشتتل في أوكرانيا، وهي تصور حياة مليئة بالإحباط والحب الفاشل والقذارة. وتنتهي هذه القصص عادةً بالموت والهزيمة والانتحار وبالعاطفة المشبوبة التي تُحبَط فتتحول إلى قوة من قوى الهدم. والقصص كلها دراسات (صهيونية) في اليهودي الذي لا جذور له. وستاينبرج يقف هنا ضمن عدد كبير من كُتَّاب العبرية أمثال حاييم برينر ومندلي موخير سيفوريم ممن يرون اليهود باعتبارهم جماعةً حُكم عليها أن تعيش خارج مسار الطبيعة وعليها أن تعيش من أجل الموت بسبب غياب أي هدف دنيوي يمكنها أن تكرس نفسها له. ورفض ستاينبرج ليهود العالم (يهود المنفى) رفض كامل، ولذا فهو يصفهم بأنهم «أشباح مشوهة» ولا علاج للأشباح المشوهة إلا بالعودة للأرض لتشفى من مرض الموت. وقد نُشرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء (1937) ؛ يضم الجزء الأول منها أشعاره، والجزء الثاني قصصه القصيرة، أما الجزء الثالث فيضم المقالات. زلمان شنياؤور (1887- 1959) Zelman Shneour شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي يهودي يكتب بالعبرية واليديشية. وُلد في روسيا البيضاء لأسرة حسيدية وكان أبوه يعمل في تجارة المجوهرات. تلقى شنياؤور تعليماً تقليدياً وأصبح على دراية بالتراث الحسيدي وكان اخوته من دعاة التنوير فتأثر بفكرهم وترك أهله وهو بعد في سن الثالثة عشر وبدأ حياة من التجوال. قضى بعض الوقت في أوديسا حيث تعرَّف إلى بياليك ثم استقر في وارسو لبضعة سنوات حيث عمل في دار نشر عبرية كما عمل سكرتيراً خاصاً لأيزاك بيريتس. وهناك قابل فريشمان الذي أصبح صديقه وأستاذه. ثم ذهب إلى فلنا حيث تعرَّف إلى بعض كبار مثقفي اليديشية. ويبدو أنه أحب هذه المدينة فكتب عنها قصيدة طويلة، ومنذ ذلك الوقت أصبح يكتب بالعبرية واليديشية. وساهم بالكتابة في العديد من المجلات العبرية واليديشية. توجه شنياؤور بعد ذلك إلى سويسرا حيث كتب (عام 1908) قصيدة غنائية طويلة بعنوان «في الجبال» تتناول الموضوع الرومانتيكي المألوف: التناقض بين الطبيعة الحرة التلقائية والمدينة الكئيبة المكبلة بالتقاليد المصطنعة. ثم ذهب إلى باريس حيث درس في السوريون بعض الوقت. وقد سافر منذ عام 1908 حتى عام 1913 في أوربا (وزار المغرب العربي) ، وأثناء هذه الفترة كتب مجموعة قصائد بعنوان «على أنغام الماندولين» (1912) حيث يعبِّر الشاعر عن حبه العميق «لفتاة إيطالية سمراء لوحتها الشمس» سحرته بجمالها ويطلب منها أن تعزف له على آلة الماندولين. ومع هذا يتذكر الشاعر أن أسلافها هم الذين حطموا الهيكل وتسببوا في تشتت الشعب اليهودي. وموقفه المبهم هذا، الذي يتأرجح بين الحب والكراهية، هو تعبير عن موقفه من الأغيار ككل. وفي قصيدة «إيقاعات إسرائيل» (1912) يصف شنياؤور «انتقام اليهود من الأغيار» ، وهو انتقام يتم في عالم الروح إذ أن اليهودي منحهم اليهودية، هذه الديانة التي فرضت عليهم مفهوماً للإله أبعدهم عن آلهتهم الحسية الجميلة أي أن التوحيد اليهودي هو تعبير عن نقمة اليهودي على عالم الوثنية الحلولي الجميل. وفي عام 1913 أثناء محاكمة بيليس كتب شنياؤور قصيدة بعنوان «العصور الوسطى ستعود» يحذر فيها اليهود من الانخداع بمظاهر التقدم والتسامح، إذ أن الكراهية والحروب ستعود مرة أخرى. ومع بداية الحرب العالمية الأولى، كان شنياؤور في ألمانيا فدرس الطب في برلين وعمل في مستشفى، وأسس داراً لنشر الكتب العبرية. ولكن بعد تفرُّق أدباء العبرية استقر في باريس عام 1923 وظل مقيماً هناك حتى عام 1940 (مع وصول القوات النازية) ثم فر إلى الولايات المتحدة. وعند إعلان دولة إسرائيل لم يهاجر إليها على الفور إذ أنه لم يستوطن في فلسطين المحتلة إلا عام 1951. وينتمي شنياؤور لهذا الجيل من المؤلفين الصهاينة الذين ينم أدبهم عن كره عميق لليهودية ويهود المنفى (أي كل اليهود في كل أنحاء العالم) ويطرحون بدلاً من ذلك رؤية علمانية مبنية على قيم القوة والبطش، ففي رواية نواه باندري (باليديشية) يُقدِّم شنياؤور شخصية نواه (نوح) باعتباره نموذجاً لليهودي الجديد الذي لم يتلق تعليماً دينياً، فهو ليس حزمة أعصاب يخاف من ورقة الشجر التي تحملها الريح. وهو يهودي بالعرْق والوراثة (لا العقيدة) ، قوي لا يهاب؛ يداه هي يدا عيسو تكسب له احترام الأغيار الذين كانوا يظنون أن اليهودي جبان بطبعه يعيش حياة روحية محضة. وفي قصيدة «اللوحات المُخبَّأة» يتخيل شنياؤور أنهم أثناء التنقيب عن الآثار في فلسطين قد يجدون بعض الأعمال التي كتبها أعداء التراث الديني التقليدي، أعمال مثل الكتب الخفية (أبوكريفا) ومثل نشيد الأنشاد وسفر الأمثال التي حاول الحاخامات منع نشرها ولكنها نجت من هذا المصير بأعجوبة وتم تضمينها في العهد القديم. والقصيدة أثارت الكثير من النقاش فهي تروي تاريخ إسرائيل بطريقة تختلف عن الرواية التوراتية، تشبه رؤية قورح والصدوقيين وغيرهم ممن يقفون خارج التراث ويحاولون تقويضه. إن شنياؤور يشن هجوماً عنيفاً على اليهودية البالية التي شاخت وتحجرت وعلى التراث اليهودي وعلى التاريخ اليهودي ولكنه يصر مع هذا على انتمائه اليهودي الإثني، الذي لا وجود له خارج هذا التاريخ اليهودي الوهمي. ولهذا نجد أن شعره يزخر بالتناقضات، فقصائده تجمع بين النزعة الحسية الواضحة والنزعة التشاؤمية التي لا ترى في الحياة إلا وهماً فارغاً. ورغم تمرُّده على سائر أشكال الضعف والخنوع، إلا أنه يبدو يائساً ومستسلماً تماماً إزاء المصير الإنساني المأساوي المحتوم. وكثيراً ما يأتي ذكر شنياؤور، إلى جانب بياليك وتشرنحوفسكي، بوصفه أحد " الثلاثة العظام " في الأدب الحديث المكتوب بالعبرية، ولكنه يفوقهم من ناحية غلبة الطابع الحسي في شعره. ومن مؤلفات شنياؤور الأخرى قصائد للأطفال (1908) ، والجسور (1923) ، والرؤى (1924) ، وفصول الغابة (1933) ، وكلها مجموعات شعرية. ومن مؤلفاته القصصية من الحياة والموت (1910) ، والمضايق (1923) ، وكلها بالعبرية. أما مؤلفاته اليديشية (التي تفوق في غزارتها مثيلتها بالعبرية) فمن بينها: أعماله الكاملة (1909) ، وموت ـ من مذكرات منتحر مجنون (1909) ، ورواية نابليون والحاخام التي صدرت لها ترجمة فرنسية عام 1943. ومعظم أعماله اليديشية نُشرت في صحف ومجلات متنوعة، ولم يظهر منها على هيئة كتب إلا عدد قليل. وقد تُرجم كثير من أعمال شنياؤور إلى اللغات الأوربية، وقام هو نفسه بترجمة كثير من مؤلفاته اليديشية إلى العبرية. إليشيفا (1888-1949) Elisheva إليشيفا بيخوفسكي هو الاسم الأدبي للكاتبة إليزافيتا جيركوفا، وهي أديبة روسية غير يهودية تكتب بالعبرية. وبدأت حياتها الأدبية بالكتابة بالروسية فنشرت مجموعتين شعريتين هما: دقائق (1919) ، أغان خفية (1919) . تزوجت من روسي يهودي في عام 1920، وهاجرت معه إلى فلسطين حيث استوطنا فيها. واتجهت إلى الكتابة بالعبرية، فنشرت أعمالاً أدبية متنوعة أهمها: قصائد بعنوان كوب صغير (1926) ، ومجموعة قصص بعنوان قصص (1928) ، وقصة بعنوان حادثة تافهة (1929) ، ورواية بعنوان الحارات (1929) ، ودراسة بعنوان الشاعر والإنسان عن الشاعر الروسي ألكسندر بلوك (1929) ، ثم قصائد (1946) . كما ترجمت إلى الروسية بعض الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية. كانت إليشيفا تُبدي إعجاباً شديداً بقيم اليهودية، كما أبدت تعاطفاً مع دعاوى «القومية اليهودية» (أي الصهيونية) ، إلا أنها ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية ولم تتحول إلى اليهودية. ورغم أن إليشيفا ليس لها أية أهمية، إلا أنها تثير قضايا منهجية عديدة. فالتصور العام أن الآداب المكتوبة بالعبرية هي جزء مما يُسمَّى بالأدب اليهودي، وأنه تعبير عن الهوية اليهودية، ولكن ماذا لو كتب أديب بالعبرية عن مواضيع غير يهودية أو كتب أدباً معادياً لليهود واليهودية؟ هل يظل هذا أدباً يهودياً؟ وهناك القضية الأخرى وهي: هل الأعمال الأدبية المكتوبة بالعبرية تشكل أدباً عبرياً أم آداباً مكتوبة بالعبرية؟ وتثير إليشيفا كل هذه القضايا وبحدة، فهي روسية مسيحية أرثوذكسية ظلت متمسكة بعقيدتها المسيحية رغم أنها كانت تكتب بالعبرية ورغم أنها هاجرت إلى فلسطين واستوطنت فيها، ولابد أنها كانت تدور داخل إطار التقاليد الأدبية الروسية، أي أنها ظلت مسيحية من ناحية العقيدة، روسية من ناحية الانتماء الأدبي، وهو ما يجعل العبرية مجرد أداة لغوية. وهي، في هذا، تشبه أنطون شماس الفلسطيني العربي الذي كتب رواية بالعبرية وأصبح من رواد الأدب العبري في إسرائيل! آشير باراش (1889-1952 (Asher Barash روائي وناقد يكتب بالعبرية. وُلد في جاليشيا واستقر في فلسطين منذ عام 1914. بدأ الكتابة الأدبية في سن مبكرة باللغة اليديشية، وكتب بعض أعماله الأولى باللغتين الألمانية والبولندية ثم تحوَّل بعد ذلك إلى الكتابة باللغة العبرية شعراً ونثراً. وتتناول بعض قصص باراش حياة مهاجري الموجة الثانية إلى فلسطين وواقع ما بعد تأسيس الدولة الصهيونية، ويتبدَّى في بعضها الآخر نزوع إلى ذكريات الحياة الأولى التي خلفها في جاليشيا. يغلب على قصصه طابع السرد التقليدي والوصف البسيط الذي لا يخلو من مضامين عقائدية موجَّهة. ففي روايته الحب المنبوذ (1930 ـ 1938) ، يحاول الكاتب أن يصل بالقارئ إلى نتيجة محددة مفادها أن مجتمع الأغيار حاقد وشرير، وأنه لا سبيل إلى التعايش الطبيعي بين اليهود وغيرهم. إن علاقة الحب بين فتى يهودي وفتاة من الأغيار تصل إلى طريق مسدود، ويكون الحل الذي تقدمه الرواية هو زواج الفتاة من شرطي معاد لليهود. كتب باراش عدة أعمال نقدية أبرزها كتاب نظرية الأدب (1931) وهو محاولة لتقديم نظرية منهجية عن أدب العبرية، بيد أنه لم تَعُد له قيمة تذكر نظراً للطابع المطلق والجامد لكثير من أحكامه. كما ترجم باراش إلى العبرية بعض الأعمال الأدبية الإنجليزية والألمانية فضلاً عن يوميات هرتزل. مناحم ريبالو (1896-1953 ( Menahem Ribalow صحفي وناقد أدبي روسي يهودي يكتب بالعبرية. تلقَّى تعليمه في إحدى المدارس التلمودية ثم في جامعة موسكو. هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1921 واستقر فيها. وفي عام 1923، اختير رئيساً لتحرير المجلة الأسبوعية العبرية هادوعار التي كانت تصدر في نيويورك، وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته. وتناول ريبالو في مقالاته، (التي كان يوقعها باسم مستعار هو «م. شوشاني» ) العديد من قضايا الأدب الحديث المكتوب بالعبرية وخصوصاً الشعر. ساهم بقسط وافر في حركة إحياء اللغة العبرية وفي مجال خلق جسور التفاهم بين الأدباء الذين يكتبون بالعبرية وأولئك الذين يكتبون باليديشة في الولايات المتحدة. كما تولى منصب الرئيس المناوب للاتحاد العالمي للعبرية (مع إسحق بن تسفي (. شارك ريبالو في تحرير الكتاب السنوي ليهود أمريكا منذ عام 1931 وحتى عام 1949، فضلاً عن تحرير عدد من المختارات الأدبية العبرية. وقد جُمعت مقالاته وظهرت في خمسة مجلدات تحمل العناوين التالية: كتاب مقالات (1928) ، وأدباء وشخصيات (1936) ، وكتابات ولفائف (1942) ، وفي صحبة شجرة السلوى حتى الربيع (1950) ، ومن عالم إلى عالم (1955 (. إسحق لمدان (1896-1953 ( Isaac Lamdan شاعر روسي يهودي يكتب بالعبرية. وُلد في أوكرانيا وتلقى تعليماً تقليدياً وعلمانياً. وقد دفعته مآسي الحرب العالمية الأولى إلى التعاطف مع الأفكار الشيوعية، فتطوع في الجيش الأحمر عند اندلاع الثورة البلشفية، ولكنه لم يلبث أن اكتشف عدم إمكان التوفيق بين انتمائه اليهودي والانتماء إلى حركة اشتراكية ثورية فهاجر إلى فلسطين عام 1920 حيث عمل حيناً في المزارع ورصف الشوارع، وهو ما أتاح له فرصة التعرف على هموم الجيل الثالث من المهاجرين اليهود إلى فلسطين وجعله يشعر بخيبة أمله في كثير من الوعود والآمال البراقة للحلم الصهيوني، ذلك الشعور الذي انعكس في بعض قصائده. ومنذ عام 1934، تفرغ لمدان للكتابة، وأسَّس مجلة أدبية شهرية باللغة العبرية. ومع أنه رفض إخضاع مجلته لأية جماعة سياسية، إلا أنها كانت منبراً لأشد الآراء تعصباً وعنصرية. أثارت قصائد لمدان المبكرة، والتي نُشرت في الصحف والمجلات الصهيونية، اهتماماً ملحوظاً، وعلى الأخص قصيدته الملحمية الطويلة ماسادا (1927) التي يستعرض فيها بشكل أقرب إلى الرثاء ما حل باليهود عبر التاريخ. وتتميَّز هذه القصيدة، وكثير من قصائد لمدان، بغلبة التعبيرات البلاغية الانفعالية ونبرة التعصب المتشنج على المهارة الفنية. أما مجموعاته الشعرية الأخرى، وأهمها العدة الثلاثية (1930) ، وفي ممر العقارب (1945) ، فلم تحظ بالنجاح الذي صادفته ماسادا رغم أنها جاءت أقل فجاجة في نزعتها الدعائية. وبالإضافة إلى كتابة الشعر، ترجم لمدان إلى العبرية بعض مؤلفات ماكس برود وجوزيف كونراد وجاك لندن وغيرها. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الأدب اليديشي
Yiddish Literature إذا كان يَصُعب الحديث عن «أدب عبري» حتى عام 1948، باعتبار أنه أدب يتبع عدة تشكيلات حضارية مختلفة، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الأدب اليديشي المرتبط بتشكيل حضاري واحد في شرق أوربا، روسيا وبولندا على وجه الخصوص. ولذا، فإن مصطلح «الأدب اليديشي» مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية، خصوصاً إن ذُكر الانتماء القومي للكاتب باليديشية (بولندي، روسي، ... إلخ) . وظهرت أول أعمال أدبية يديشية في القرن السادس عشر، وكانت ترجمات للآداب الغربية وكُتُب الصلوات. وقد استخدم بعض دعاة حركة التنوير اللغة اليديشية، بدلاً من العبرية، كلغة للتعبير الأدبي باعتبار أنها لغة حية وتتحدث بها الجماهير اليهودية من يهود اليديشية. ثم ظهر أساطين الأدب اليديشي وأهمهم إسحق بيريتس، وشالوم عليخيم، ومندلي موخير سيفوريم، الذين كتبوا أعمالاً روائية بالأساس. كما ظهر مسرح يديشي عام 1870 (مع تعثُّر التحديث في الإمبراطورية الروسية) ، ولكنه لم يتطور وينمو إلا في الولايات المتحدة والأرجنتين حيث حمل المهاجرون الروس اليهود اللغة أو اللهجة اليديشية معهم، والتي أصبحت لغة الشارع اليهودي في المهجر. وكانت هناك مراكز للأدب اليديشي أينما هاجر يهود اليديشية، لكن المركز الأساسي كان في بولندا وروسيا ثم الولايات المتحدة. وربما كان الاستثناء الوحيد من القاعدة هو فلسطين حيث كانت المؤسسة الصهيونية تعارض اللغة اليديشية. تمتع الأدب اليديشي بمرحلة من الازدهار والإبداع الأدبي ساعد عليها حزب البوند والتنظيمات العمالية اليهودية التي تبنت اليديشية كلغة للجماهير اليهودية في شرق أوربا. لكن فترة الازدهار هذه كانت قصيرة للغاية، فاليديشية لم تُستخدَم كلغة للتعبير الأدبي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، أي أنه لم يكن هناك تراث أدبي يديشي. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهرت عوامل حضارية وسياسية قضت على فرص هذا الأدب في التطور من أهمها أن يهود اليديشية أنفسهم اندمجوا في محيطهم الحضاري (السوفيتي والأمريكي) ، واختفت اليديشية كلغة للتعامل. كما أن العقول المبدعة من بين أعضاء الجماعات اليهودية تبدع عادةً من خلال التشكيل الحضاري الذي تنتمي إليه ومن خلال لغة المجتمع الذي تعيش في كنفه، خصوصاً إذا كان المجتمع متسامحاً معهم، ويتيح لهم بعض فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي. ولذا، يُلاحَظ أن أساطين الأدب اليديشي الذين ماتوا مع أواخر الحرب العالمية الأولى، مثل: بيريتس (1915) وشالوم عليخيم (1916) ومندلي موخير سيفوريم (1917) ، لم يَخلُفهم أحد في مستواهم الأدبي. ومما لا شك فيه أن الإبادة النازية لليهود، خصوصاً يهود اليديشية، والتصفيات الستالينية في الاتحاد السوفيتي، ساهمت في القضاء على كثير من كُتَّاب اليديشية. ولكن يظل العنصر الأساسي اختفاء جماهير اليديشية. ولذا، لم يَعُد من المجدي للأدباء الكتابة بهذه اللغة، ونجد كاتباً مهماً وشهيراً (مثل باشيفيس سنجر) ينتقل إلى الكتابة بالإنجليزية، أو يكتب باليديشية مدركاً أن عمله الأدبي سيترجم إلى الإنجليزية. هذا، رغم عدم تعرض يهود الولايات المتحدة لإبادة أو تصفية أو اضطهاد. وكانت تَصدُر في الاتحاد السوفيتي مجلة سوفيتيش هايملاند، وهي مجلة أدبية يديشية. مندلي موخير سفوريم (1836-1917 ( Mendle Mocher Sephorim أديب يكتب بالعبرية واليديشية اسمه الحقيقي «شالوم جيكوب أبراموفيتش» ، أما اسمه الأدبي فهو «مندلي موخير سفوريم» وهي عبارة عبرية تعني «مندلي بائع الكتب» . وُلد في روسيا وتلقى تعليماً تقليدياً. ويُعَدُّ مندلي أحد مؤسسي الأدب اليديشي. قابل وهو بعد في سن السابعة عشرة متسولاً يُسمَّى أبراهام الأعرج أقنعه بأن ينضم إلى جماعة المتسولين التي كان يرأسها أو يديرها. وبعد فترة من التسول والتنقل بين المدن، فرَّ مندلي من الجماعة والتقى بأحد دعاة حركة التنوير الذي لقنه تعليماً حديثاً بما في ذلك الروسية والألمانية والرياضيات وأثر فيه تأثيراً عميقاً إذ استوعب مندلي مُثُل الحركة والفلسفة الوضعية. ودعا مندلي إلى علمنة أسلوب حياة اليهود، وكان من أوائل دعاة حركة التنوير ثم الصهيونية. تأثر مندلي بأعمال تورجينيف وفيكتور هوجو، وكتب بالعبرية دون أن يحالفه النجاح. وفي عام 1864، قرر أن يكتب باليديشية وهو قرار كان يُعَدُّ خطوة جريئة نظراً لأن اليديشية كان يُنظَر إلىها باعتبارها رطانة فاسدة لا تستحق أن يكتب بها المثقفون، كما لم يكن هناك أدب جاد مكتوب بها إذ اقتصرت الأعمال المكتوبة بهذه الرطانة على الصلوات وبعض القصص الشعبية. ولكن مندلي ارتأى أن هذه هي لغة الجماهير اليهودية التي يجب أن يصل إليها. وحتى ينجز ذلك، خلق شخصية أدبية هي شخصية بائع كتب، واختار لنفسه هذا الاسم الأدبي الذي اشتهر به. أحدثت كتاباته ثورة في عالم الأدب اليديشي، إذ صور الجيتو بطريقة واقعية وشاملة: شخصياته وعاداته ونكاته ومآسيه، ولكنه كان تصويراً مشوباً بالتعاطف رغم قسوته في الوصف. وكان من أوليات أعماله اليديشية رواية الرجل الصغير (1864) ، ومسرحية ضريبة اللحم (1869) ، وهي مسرحية انتقادية يسخر فيها من المؤسسة اليهودية التي صارت أداة في يد القهر القيصري. ومن أهم أعماله الأخرى فيشكه المتسول (1869) التي تستند إلى تجربته الشخصية وتروي قصة حب حزينة بين فشكه وفتاة متسولة. أما رواية المهر العجوز (1873) ، فهي قصة رمزية عن تجربة يهود شرق أوربا، أي يهود اليديشية. وعاد مندلي إلى الكتابة بالعبرية بعد عام 1886 وحقق نجاحاً لا بأس به. وكانت أولى رواياته العبرية هي مكان الرعد الخفي (1886) . ومن أهم أعماله الأخرى بالعبرية الحلقات التلمودية السماوية والأرضية (1894 - 1895) حيث يصف انقسام أعضاء الجماعة اليهودية بين الاندماجيين والأرثوذكس والصهاينة ويقدم وجهات نظرهم المتصارعة. ويظهر المؤلف نفسه كأحد شخصيات الرواية، ولكن موقفه يتسم بالتردد، فيدافع عن حركة التنوير تارة وعن الأرثوذكسية طوراً وعن الصهيونية مرة ثالثة. ولكن، مع هذا، يمكن القول بأن ما يسم أعماله ليس تردده وإنما سخريته العميقة من حياة أعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا، الأمر الذي حدا ببعض النقاد إلى المطالبة بتطهير قصصه من تلك الفقرات التي يعدونها شرسة في هجومها. وقد ترك مندلي أثراً عميقاً في الأدباء الذين كتبوا بالعبرية واليديشية من بعده. إسحق بيريتس (1851-1915 ( Isaac Peretz شاعر ومؤلف وُلد في بولندا وكتب بالعبرية واليديشية. تأثر بالفكر الحسيدي في مقتبل حياته، لكنه اطلع على فكر حركة التنوير وتأثر به، وكان أول أعماله الأدبية مجموعة من القصائد بالعبرية (1877) ثم نشر في عام 1888 قصيدة «مونيش» باليديشية، وهي قصيدة طويلة تتناول حياة الجماعة اليهودية في شرق أوربا أي يهود اليديشية. وقد ذاع صيته بعد ذلك، واُعتبر أحد مؤسسي الأدب اليديشي. ومن أهم أعماله النثرية صور من رحلة ريفية (1891) حيث وصف الفقر والذل في منطقة الاستيطان. وقد كتب أيضاً قصصاً قصيرة باليديشية من أشهرها «مناظر مألوفة» عام 1890. وكتب مسرحية بالعبرية ثم ترجمها إلى اليديشية بعنوان في السوق القديم ليلاً (1907) ، وهي صورة بانورامية للوجود اليهودي في بولندا. شالوم عليخيم (1859-1916 ( Shalom (Sholem) Aleichem كاتب يديشي اسمه الحقيقي «شالوم رابينوفتس» ، أما اسمه الأدبي فهو «شالوم عليخيم» ، وهي عبارة عبرية تعني «السلام عليكم» . وُلد في أوكرانيا وكان أبوه تاجراً ميسور الحال، مهتماً بفكر حركة التنوير. وقد تدهورت الأحوال المالية للأسرة، كما ماتت أم شالوم وتزوج أبوه مرة ثانية. وكان أول أعمال شالوم، الذي كان يتمتع بموهبة السخرية، معجم باليديشية للشتائم واللعنات التي عادةً ما كانت تصبُّها زوجة الأب على رؤوس أولاد زوجها. كما كتب شالوم بعض المقالات وبعض الأعمال الأدبية بالعبرية. ولكنه، ابتداءً من عام 1883، قرَّر أن تكون كل أعماله باليديشية، وأصبح بذلك أحد مؤسسي الأدب اليديشي. واتخذ لنفسه اسماً أدبياً ينشر به لأنه لم يكن يجرؤ على أن ينشر بهذه الرطانة التي كانت محط احتقار المثقفين اليهود الذين كانوا يكتبون إما باللغات الأوربية أو بالعبرية، لغة النخبة. وقد نجح شالوم عليخيم في أن يخلق عالماً مُحدَّد المعالم، سجل فيه حياة يهود شرق أوربا بكل تفاصيلها وبطريقة تختلط فيها المأساة بالملهاة. وأصبحت شخصياته جزءاً من مصطلح يهود اليديشية، فمثلاً إن أشار أحدهم إلى أن فلاناً أصبح «مناحيم مندل» فإن هذا يعني أنه شخص خيالي صاحب مشاريع لا يمكن أن تتحقق. وقد حاول مناحيم هذا، كما رسمه شالوم عليخيم، أن يعمل كخاطبة نظير أجر، لكنه اكتشف أنه كان يرتب زواجاً بين فتاتين. ومن أهم شخصياته «طوبيا اللبان» ، وهو فلاح جاهل يضرب بجذوره في الأرض لا تتعدى ثقافته ثقافة يهود اليديشية، وهو يقتبس كلمات العهد القديم دون أن يدرك معناها على وجه الدقة ولكنه يعرف معناها على وجه العموم. وقد استُخدمت هذه الشخصية في المسرحية الغنائية الشهيرة «عازف الكمان على السطوح» بعد أن أُعطيت بُعْداً صهيونياً. ويُعَدُّ شالوم عليخيم من أهم كُتَّاب اليديشية إن لم يكن أهمهم على الإطلاق. س. آن-سكي (1863-1920 ( S. An-Ski واحد من أهم أدباء اليديشية ومن المهتمين بفلكلور يهود اليديشية اسمه الحقيقي شلوبيم زانفيل رابابورت. وُلد في روسيا البيضاء وكان أبوه وكيلاً لأحد المُلاَّك الزراعيين من بقايا يهود الأرندا، وكانت أمه تُسمَّى حنا أو أنَّا (وقد يكون هذا هو مصدر اسمه المستعار) . تأثر بفكر حركة التنوير وحركة الشعبيين الروس (نارودنكي) وبالفكر الاشتراكي، فترك منزله وهو بعد في السادسة عشرة وذهب ليعيش بين العمال والفلاحين الروس حيث عمل حداداً وعاملاً ومدرساً. واضطر إلى الهرب إلى باريس عام 1892 بسبب نشاطه الثوري، وعاد منها عام 1905. كتب أن سكي مؤلفاته بالروسية، ولكنه انضم عند عودته إلى حزب البوند وبدأ يكتب باليديشية قصصاً وأساطير عن فقر يهود روسيا، كما نظم أنشودة حزب البوند (القَسَم) . وبدأ يهتم بالفلكلور، فانضم إلى بعثة لجمع الفلكلور اليديشي (نظمها المليونير الروسي اليهودي البارون جونزبورج) . وقد مات أن سكي في وارسو. تبلغ الأعمال الكاملة لآن سكي خمسة عشر جزءاً، لكن أهم أعماله وأشهرها هي مسرحية الديبوق (الالتصاق) التي نُشرت عام 1919. وقد ترجمت هذه المسرحية إلى عدة لغات، وتدور أحداثها حول رجل وحبيبته لا يتم زواجهما بسبب جشع والدة الحبيبة، ويموت الحبيب لكنه بمساعدة آليات القبَّالاه ينجح في أن يتلبَّس جسد حبيبته، وحينما ينجح الحاخامات في طرد روحه تموت الحبيبة وتلتحم روحاهما. ولم تُمثَّل المسرحية إلا بعد وفاة آن سكي، لكنها لاقت نجاحاً كبيراً. وتم إخراجها سينمائياً عدة مرات، كما أن هناك أوبرات ومسرحيات موسيقية مُقتَبسة منها. شوليم آش (1880-1957) Sholem Asch روائي وكاتب مسرحي. تلقى تعليماً دينياً حتى سن السابعة عشرة، ثم تعرَّف على فكر حركة التنوير. كتب أول أعماله بالعبرية، ولكن أهم أعماله كتبه باليديشية. أحرز شهرة في الأوساط اليديشية بروايته المدينة. ومن رواياته الأخرى أمريكا، وموتكي اللص. وتُعَدُّ مسرحيته رب الانتقام من أهم المسرحيات اليديشية. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1910 حيث استمر في الكتابة باليديشية. وتصور روايتاه المدن الثلاث والخلاص جوانب من حياة يهود اليديشية في أوربا. أما روايته النهر الشرقي فتتناول حياة الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. حاول في رواياته الأخيرة، موسى والنبي والناصري أن يضيق الهوة العقائدية بين اليهود والمسيحيين بأن يبيِّن ما تصوَّره تراثهم الروحي المشترك. وأثار هذا غيظ الأوساط الأرثوذكسية واليديشية عليه، فاتُهم بالقيام بنشاط تبشيري. استقر شوليم في إسرائيل قبل وفاته بعامين، ولا ندري سبب اتخاذه هذه الخطوة مع أن أدبه ذو نزعة يديشية وإنسانية عالمية معادية للصهيونية. ولعل ذلك يعود إلى اختفاء قراء اليديشية في الولايات المتحدة. سولومون ميخولز (1890-1948 ( Solomon Mikhoels ممثل في المسرح اليديشي. وكان المدير اليهودي لمسرح الدولة، ورئيس لجنة معاداة الفاشية في الاتحاد السوفيتي. قُتل في حادث سيارة، ويُقال إن البوليس السري السوفيتي قام بتدبير ذلك الحادث. وفي عهد جورباتشوف، تم تأسيس مركز ثقافي في الاتحاد السوفيتي سُمِّي باسمه ولكنه أُغلق بعد قليل. بيريتس ماركيش (1895-1952 ( Peretz Markish شاعر وروائي وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في فولينيا وتلقَّى في صباه تعليماً دينياً يهودياً تقليدياً، ثم تلقَّى بعض الدراسات الجامعية في أوديسا. وكان ماركيش العضو الأصغر في ثلاثي كييف الأدبي الذي ضم إلى جانبه الأديبين هوفشتاين وكفيكو. وقد أصدر معهما مجموعة من الأعمال الأدبية والشعرية تضم الشعر والأدب اليديشي الحديث، وتشيد بالثورة والدولة السوفيتية الجديدة، كما تعبِّر عن تجارب الحرب العالمية الأولى وأعمال الهجوم ضد اليهود. وترك ماركيش روسيا عام 1919، فانتقل إلى بولندا وزار فرنسا وانجلترا وفلسطين. وأسس في وارسو مجلة أدبية. وفي عام 1922، شارك مع الكاتب إسرائيل جوشوا سنجر في تحرير أول مجموعة من المختارات الأدبية، وأصدر مجموعة ثانية في باريس بالتعاون مع فارشافسكي ومارك شاجال الذي شارك برسومه. عاد ماركيش مرة أخرى إلى الاتحاد السوفيتي عام 1926 بعد أن أصيب بخيبة أمل من وضع الجماعة اليهودية في بولندا وتزايد الاتجاهات المعادية لهم. وقد أصبح من الشخصيات الأدبية البارزة في الاتحاد السوفيتي وأصدر قصائد عديدة تشيد بالنظام السوفيتي وبستالين، كما تم عرض العديد من مسرحياته على المسارح اليديشية والروسية في أنحاء الاتحاد السوفيتي حيث كانت تتناول مواضيع تحول الجماهير اليهودية إلى العمل المنتج سواء في الزراعة أو الصناعة واستيعابهم في البناء الاشتراكي الجديد. عمل ماركيش سكرتيراً لجمعية الكتاب اليهود، وتلقَّى وسام لينين عام 1939. وفي عام 1942، عمل كمراسل صحفي على الجبهة الروسية الألمانية. وقد كانت أعماله خلال فترة الحرب تتسم بوطنيتها الشديدة والحزن على مصير اليهود. وتم إلقاء القبض عليه عام 1948 مع غيره من الكُتَّاب والأدباء الروس اليهود، وأخيراً أُعدم عام 1952. ورُدَّ الاعتبار إليه بعد موت ستالين ونُشرت قصائده بالروسية عام 1957. إسحق فيفر (1900-1952) Isaac Fefer شاعر وناقد وكاتب مسرحي روسي كان يكتب باليديشية. وُلد في أوكرانيا وعمل منذ وقت مبكر في مطبعة. وانضم إلى حزب البوند كما اشترك في الحرب الأهلية الروسية التي أعقبت ثورة 1917. وفي سنة 1919، انضم إلى الحزب الشيوعي، وهي السنة نفسها التي نشر فيها أول أشعاره في جريدة العلم الشيوعي في كييف. وأصبح فيفر من أبرز أدباء اليديشية السوفييت، وكانت قصائده تتناول تجاربه خلال الحرب الأهلية وعمليات الهجوم ضد اليهود، كما كانت تتناول التحولات الاجتماعية بين الجماعة اليهودية في ظل الدولة السوفيتية. ومن بين قصائده قصيدة «ستالين» الشهيرة، و «أنا اليهودي» التي كتبها خلال الحرب العالمية الثانية، و «ظلال جيتو وارسو» . كما كتب قصائد حول تجربة بيروبيجان. وفي عام 1933 أصدر كتاباً حول الأدب اليديشي في الدول الرأسمالية هاجم فيه بحدة كُتَّاب اليديشية البارزين في هذه البلاد. وقد خدم فيفر في الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الثانية، كما زار الولايات المتحدة وكندا كممثل للجنة اليهودية المعادية للفاشية من أجل كسب دعم وتأييد الجماعة اليهودية في هذين البلدين للاتحاد السوفيتي في حربه ضد ألمانيا النازية. تم إلقاء القبض على فيفر عام 1948 في ظل حكم ستالين، ضمن غيره من الكُتَّاب الروس اليهود، وأُعدم في عام 1952. وقد رُدَّ الاعتبار إليه بعد وفاة ستالين، كما تم إصدار أعماله مُترجَمة إلى الروسية في الاتحاد السوفيتي عام 1958. إسحق باشيفيس سنجر (1904-1990 ( Isaac Bashevis Singer صحفي وكاتب روائي يديشي. وهو شقيق الكاتب اليديشي إسرائيل سنجر. وُلد في بولندا لأسرة حاخامية، وكان أبوه يعقد بيت دين (محكمة شرعية) في منزله. وتلقى باشيفيس تعليماً دينياً تقليدياً، وانغمس في الدراسات القبَّالية، إلا أنه درس أيضاً بعض العلوم الدنيوية. وتركت فيه هذه العناصر المختلفة والمتناقضة أعمق الأثر. من أهم الموضوعات في رواياته ما سُمِّي بالنزعة المضادة للبروميثية (أو الفاوستية) التي تتبدَّى في روايته الشيطان في جوري (1953) حيث يستخدم البطل العارف بأسرارالقبَّالاه الصيغ القبَّالية المختلفة للسيطرة على الواقع ولكنه يقع، في نهاية الأمر، في قبضة الشيطان، تماماً مثل فاوستوس. وأبطال باشيفس لا سلطان لهم على عواطفهم الشيطانية التي تتملكهم. هاجر باشيفيس سنجر إلى الولايات المتحدة عام 1935، وبدأت رواياته تظهر باليديشية (على هيئة حلقات في الصحف اليديشية) وكذلك بالإنجليزية، أي أنه كان يكتب لجمهورين مختلفين. ويُلاحَظ أن باشيفيس سنجر يربط بين العنصر الشيطاني البروميثي والجنس، وهذا يعود إلى أثر القبَّالاه فيه. وقد نُشرت أولى رواياته في الولايات المتحدة عام 1950 وهي رواية ملحمية واقعية عن وارسو قبل الحرب العالمية الثانية. وقد ظهرت روايات عديدة لباشيفيس، الضيعة (1967) ؛ وهي رواية واقعية تؤرخ لأسرة يهودية بولندية في القرن التاسع عشر، ولكنها رواية مُفكَّكة في بنيتها، ثم ظهرت لها تتمة بعنوان الضيعة (1970) . أما رواية ساحر لوبلين (1960) ، فهي تتناول مرة أخرى الموضوع الفاوستي ومخاطره. وتدور أحداث رواية العبد (1962) إبّان انتفاضة شميلنكي، وتتناول شخصية يهودي يحب ابنة الفلاح الذي استعبده. لكن تميُّز باشيفيس يتجلى في رواياته القصيرة جمبل (1957) ،وإسبينوزا شارع السوق (1961) ،والجمعة القصيرة (1964) .وكل هذه الروايات خلفيتها هي الشتتل الذي عادةً ما يزوره رسل الشيطان، وهي تتضمن تحليلات في المرض النفسي والشر الإنساني. وقد حصل باشيفيس سنجر على جائزة نوبل في الأدب. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
اللغات اليهودية
Jewish Languages «اللغات اليهودية» اصطلاح تستخدمه بعض المراجع الصهيونية (أو المتأثرة بها) للإشارة إلى اللغات واللهجات والرطانات التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية في العالم. وهو اصطلاح غير دقيق بالمرة، فالجماعات اليهودية تتحدث اللغات نفسها التي يتحدث بها أغلبية أعضاء المجتمعات التي يعيش اليهود في كنفها، وإذا كان ثمة اختلافات، فهي عادةً اختلافات طفيفة تجعل طريقة حديثهم مجرد لهجة أو رطانة. لغات الجماعات اليهودية ولهجاتها ورطاناتها Languages, Dialects and Jargons of the Jewish Communities لم يتحدث اليهود اللغة التي تُعرَف بالعبرية إلا لفترة قصيرة للغاية، فلغة الآباء (إبراهيم وإسحق ويعقوب) (2100 ـ 1200 ق. م) كانت لهجة سامية قريبة من العربية أو الآرامية، أما العبرية فكانت لهجة من اللهجات الكنعانية ولم يتخذها اليهود لساناً لهم إلا بعد إقامتهم في كنعان (ابتداءً من 1250 ق. م) . ويبدو أن العبرية قد اختفت بوصفها لغة الحديث بين اليهود مع التهجير البابلي (567 ق. م) (وثمة نظرية تذهب إلى أن الآرامية كانت لغة المسئولين في بلاط ملوك مملكة يهودا الجنوبية) . ورغم أنه بقي بعض اليهود في فلسطين يتحدثون العبرية، إلا أن الآرامية حلت تماماً محل العبرية نحو 250 ق. م. أما اللغات التي كان يستخدمها أعضاء الجماعات اليهودية في تعاملهم مع الآخرين بعد انتشارهم في العالم، فكانت في معظم الأحيان لغة الوطن الذي استقروا فيه وانتموا إليه، أو إحدى اللغات الدولية السائدة. فكان يهود بابل يتحدثون الآرامية، لغة التجارة الدولية والإدارة في الشرق الأدنى القديم. وكان يهود الإسكندرية في العصر الهيليني يتحدثون اليونانية، كما أن يهود فلسطين كانوا يتكلمون إما الآرامية أو اليونانية (جاء في العهد الجديد أن القديس بولس تحدَّث للناس في فلسطين باليونانية ثم تحدَّث معهم بالآرامية بعد ذلك) . وبعد انقسام الإمبراطورية الرومانية، كان يهود الإمبراطورية الشرقية يتحدثون لغة هذه الإمبراطورية، أي اليونانية (وظلوا يتحدثون بها حتى الفتح العثماني) . أما يهود الإمبراطورية الغربية وأفريقيا وغرب أوربا، فكانوا يتحدثون اللاتينية. ويبدو أن بعض يهود الإمبراطورية الإيرانية كانوا يتحدثون باللهجات الفارسية المختلفة (ففي سفر إستير ورد أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يتحدثون بالفارسية مع الفرس بدون صعوبة) ، وكان يهود العالم العربي يتحدثون العربية في العالم العربي، وهكذا. وفي بعض الأحيان، كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون، في التعامل فيما بينهم، رطانات مُكوَّنة من لغة الوطن أو لغة المنشأ بعد أن يُدخلوا عليها بضع كلمات ومصطلحات عبرية أو آرامية أو ألفاظاً من أية لغة أخرى كانوا يتحدثون بها في البلد الذي كانوا فيه قبل هجرتهم. فيهود الأندلس، على سبيل المثال، كانوا يتحدثون رطانة تُسمَّى «العربية اليهودية» ، ويهود إسبانيا كانوا يتحدثون اللادينو. أما يهود أوربا الشرقية، فكانوا يتحدثون اليديشية، وهي رطانة ألمانية تحوَّلت في مرحلة لاحقة إلى ما يشبه اللغة المستقلة للحديث والكتابة. وفي القرن السادس عشر، يبدو أن معظم يهود العالم كانوا يتحدثون إما اليديشية (في أوربا) أو اللادينو (في الدولة العثمانية) . وكثيراً ما كان أعضاء الجماعات اليهودية يستخدمون الحروف العبرية في كتابة هذه الرطانات في المعاملات اليومية، مثل الفواتير التجارية أو غير ذلك من أمور الدنيا. ولم يكتب أعضاء الجماعات اليهودية بهذه الرطانات أدباً ذا بال، لا في الماضي ولا في العصر الحديث. وربما يمكن استثناء اليديشية من ذلك، فنظراً لأنها عمرت طويلاً (نسبياً) وأصبحت، مع القرن التاسع عشر، لغة مستقلة يتحدث بها معظم يهود العالم الغربي الذين كانوا مُركَّزين في روسيا وبولندا، فكُتب بها أدب شعبي للنساء والعامة في بادئ الأمر، ثم كُتبت بها أعمال أدبية بعضها يرقى إلى مستوى الأعمال الجادة. ولكن هذه المرحلة دامت فترة قصيرة للغاية بسبب اختفاء اليديشية. وفي محاولة تفسير وجود لغة أو رطانة أو لهجة خاصة بأعضاء الجماعات اليهودية، يمكن القول بأن كثيراً من الجماعات اليهودية شكلت جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بدور التجارة والربا والأعمال الشبيهة الأخرى، ومثل هذه الجماعات كانت في العادة تربطها بالمجتمع علاقة موضوعية، الأمر الذي تطلَّب خَلْق مسافة بينها وبين المجتمع. واللغة الخاصة تزيد من غربة الجماعة الوظيفية وتزيد تجردها وتحتفظ لها بعزلتها وهو ما يُيسِّر اضطلاعها بدورها الخاص في المجتمع، فجماعات الغجر تتحدث لغة خاصة بهم تماماً كما كان المماليك يتحدثون الشركسية. أما بالنسبة للغة التأليف الديني، فإننا نجد أن العهد القديم كُتب بعبرية العهد القديم التي اختفت كلغة مُستخدَمة بعد التهجير البابلي، ولذا نجد أن لغة التلمود هي الآرامية بالأساس. ومع هذا، ظلت العبرية لغة المؤلفات الدينية في معظم الأحيان وليس كلها، فوضع هليل وشماي مؤلفاتهما بالعبرية، في حين وضع المفكرون اليهود، في الإسكندرية في العصر الهيليني، مؤلفاتهم الدينية والدنيوية باليونانية. وكان موسى بن ميمون يكتب بالعربية، أما راشي، فكان يكتب بالعبرية، وكُتب معظم أدب القبَّالاه الصوفي بالآرامية. وظل هذا الوضع قائماً حتى القرن التاسع عشر، حين بدأ المفكرون اليهود يضعون مؤلفاتهم الدينية بلغة الوطن الأم وحسب. فكتب موسى مندلسون بالألمانية، وكذا كل المفكرين اليهود الإصلاحيين ومارتن بوبر. ويكتب كثير من المفكرين اليهود الآن، مثل جيكوب نيوزنر في الولايات المتحدة، مؤلفاتهم الدينية باللغة الإنجليزية، بل إن لغة الصلاة عند اليهود الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين أصبحت الإنجليزية، ولا يستخدم العبرية سوى الأرثوذكس. أما بالنسبة إلى الكتابات التي تقع خارج نطاق التفكير الديني من أدب وفلسفة وعلم، والتي قام بوضعها مؤلفون يهود، وهم قلة نادرة حتى القرن التاسع عشر، فقد كانت اللغة منذ البداية لغة الوطن الأم. ففيلون السكندري وضع مؤلفاته باليونانية، وموسى بن ميمون كان يستخدم العربية، وكذلك معظم الشعراء اليهود في الأندلس. أما في العصور الوسطى في الغرب، فلم يظهر مؤلفون يهود يُعتد بهم حتى القرن السابع عشر حيث ظهر إسبينوزا، المنشق على اليهودية، الذي كتب مؤلفاته باللاتينية شأنه شأن كثير من الكُتَّاب الغربيين في عصره. وغني عن البيان أن المؤلفات غير الدينية للمؤلفين من أعضاء الجماعات اليهودية تُكتب كلها في الوقت الحاضر بلغة الوطن الذي يعيشون في كنفه. فيعقوب صنوع (الكاتب المصري اليهودي) كتب بالعربية، وهايني وماركس بالألمانية، وبروست بالفرنسية، ودزرائيلي وسول بيلو بالإنجليزية، بل إن معظم كلاسيكيات الفكر الصهيوني كُتبت بالألمانية أو الإنجليزية. وكان هرتزل لا يعرف العبرية ولا أبجديتها، لكنه حاول في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) أن يُدخل البهجة على قلوب الحاخامات الأرثوذكس فنطق ببعض كلمات عبرية كُتبت له بالأبجدية اللاتينية، وكتب فيما بعد في مذكراته ملاحظة يقول فيها: «إن محاولتي هذه قد سببت لي مشقة كبيرة تفوق كل متاعبي في الإعداد للمؤتمر» . وقد كان هرتزل ونوردو وكثير من المفكرين الصهاينة الأوائل، لا يؤمنون بوجود ما يُسمَّى الثقافة اليهودية. وقد سخر هرتزل من هذا المفهوم بصوت عال حينما طُرح لأول مرة في أحد المؤتمرات. ولم يكن هرتزل يتصوَّر أن تكون العبرية هي لغة الوطن القومي الذي يقترحه، إذ كان يرى أن كل مستوطن يهودي سيتحدث بلغته. وقد نشبت في السنين الأولى من الاستيطان حرب سُمِّيت «معركة اللغة» بين دعاة استخدام الألمانية من أتباع الاستعمار الألماني ودعاة استخدام العبرية من يهود شرق أوربا التابعين للاستعمار الإنجليزي. ولغة يهود العالم الأساسية الآن هي الإنجليزية التي يتحدث بها يهود الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا، وهؤلاء يشكلون الأغلبية العظمى من يهود العالم (وهذا يعود إلى ارتباط الجماعات اليهودية في العصر الحديث بالتشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي بشكل عام، والأنجلو ساكسوني على وجه الخصوص) ثم تأتي العبرية لغة يهود إسرائيل في المرتبة التالية، أما اليديشية فقد اختفت تماماً تقريباً في الولايات المتحدة، وهي آخذة في الاختفاء في روسيا. واللادينو لم يَعُد لها من أثر. ويُقال إن تعدد لغات الجماعات اليهودية في شرق أوربا كان سبباً أساسياً في أزمة الهوية التي جابهوها، فقد كانت لغتهم المقدَّسة هي العبرية، ولغتهم القانونية هي الآرامية (لغة التلمود) ، ولغة الحديث هي اليديشية، ولغة المثل الأعلى الاندماجي هي الألمانية أو البولندية أو الروسية وأحياناً الأوكرانية، ولغة المثل الأعلى الصهيوني هي العبرية كلغة حديث لا كلغة عبادة. وكان يقابل هذه الانقسامات اللغوية انقسام طبقي واجتماعي. وساعدت كل هذه الانقسامات على تصعيد الأزمة. ومع بدايات العصر الحديث وخروج اليهود من الجيتو، وبعد تحديثهم وزوال تميُّزهم الوظيفي، بدأت تختفي هذه الرطانات إذ طالبت الدولة القومية الحديثة أعضاء الأقليات بأن يكون انتماؤهم القومي لأوطانهم كاملاً. وتعرضت اليديشية بالذات لهجوم شديد، خصوصاً أن التجار اليهود كانوا يستخدمونها وهو ما كان يُسهِّل لهم غش الآخرين. وتظل الصورة اللغوية العامة بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وفيما يختص بالحديث ولغة المعاملات اليومية، هي أنهم من ناحية الأساس يتحدثون لغة الموطن الذي كانوا يعيشون في كنفه. اللغات السامية Semitic Languages يضم الفرع السامي من اللغات عدداً من اللغات القديمة والحديثة. واللغات السامية من أقدم اللغات التي وصلت إلينا مدوَّنة، إذ دُوِّنت الأكادية عام 2500 ق. م، ودُوِّنت الأجريتية نحو عام 1400 ق. م. وأقرب المجموعات اللغوية الأخرى إليها هي المجموعة الحامية، حتى أن بعض العلماء يجعلونها مجموعة واحدة: سامية حامية. وثمة نواحي تشابه بين اللغات السامية في الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. أما من الناحية الصوتية، فإننا نجد أن اللغات السامية تضم مجموعة حروف الحلق (مثل: العين والحاء والغين والخاء) وهي موجودة في العربية، ومنها تداخلت في العبرية. ومن الناحية الصرفية، نجد أن اللغات السامية تتَّسم بوجود الفعل الثلاثي مصدراً أساسياً للتصريف (لبعضها أصل ذو حرفين) . وتصريف الفعل يتبع الأسلوب نفسه، ويتم اشتقاق معظم الكلمات بتغيير الصيغ التي يتوقف عليها نوع الدلالة. ومن ناحية الجنس النحوي، تُصنَّف الصيغ في اللغات السامية إلى مذكر ومؤنث، ومن ناحية العدد إلى مفرد ومثنى وجمع. ويوجد زمنان للفعل هما الماضي (التام وغير التام) والمضارع. وقد نشأ من اشتقاق الكلمات من أصل «فعل» أن سادت ما يمكن تسميته «العقلية الفعلية» ، إن صح هذا التعبير، على اللغات السامية، أي أن لأغلب الكلمات في هذه اللغات مظهراً فعلياً. وحتى الأسماء الجامدة والألفاظ الدخيلة التي تسربت من اللغات الأعجمية إليها، اكتسبت هي الأخرى هذه الصفة. والفعل في اللغات السامية هو كل شيء، فمنه تتكون الجملة. ولم يخضع الفعل للاسم والضمير، بل نجد الضمير مسنداً إلى الفعل ومرتبطاً به ارتباطاً وثيقاً. وفي جميع اللغات السامية نجد تشابهاً بين الكلمات الأساسية كالضمائر الشخصية والأسماء التي تدل على القرابة والأعداد وأعضاء الجسم الرئيسية والنبات والحيوان: إثيوبية (جعفرية) / أكادية / آرامية / عبرية / عربية أحادو / إيدو / حاد / أحاد / أحد (واحد) شلاش / شلاشو / تلات / شالوش / ثلاثة أم / أم / أم (أما) / أم / أم ويرى بعض العلماء أنه كانت هناك لغة سامية واحدة تفرعت عنها كل هذه اللغات، وأن أقرب اللغات الحية إلى هذه السامية الأصل هي العربية. وتُقسَّم اللغات السامية إلى قسمين أساسيين: 1 ـ السامية الشمالية: وتشمل الآشورية/البابلية، واللهجات الكنعانية المختلفة (العبرية والمؤابية والفينيقية واللهجات الآرامية والقرطاجية) . 2 ـ أما السامية الجنوبية: فتشمل العربية الشمالية بلهجاتها المختلفة، والعربية الجنوبية، والإثيوبية. وقد اشتبكت اللغات السامية في صراع مع بعضها البعض. وأول صراع حدث فيما بينها كان صراع الآرامية مع اللغات الأكادية والكنعانية. فقد اشتبكت الآرامية في صراع مع الأكادية أولاً وقضت عليها في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، ثم صرعت العبرية في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتغلبت على الفينيقية (في آسيا) في القرن الأول قبل الميلاد. وكان الصراع الثاني صراع العربية مع أخواتها. فاشتبكت في صراع مع اللغات اليمنية القديمة وقضت عليها قبيل الإسلام. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق متطرفة نائية ساعد انعزالها وانزواؤها على نجاتها، فظلت محتفظة بلهجتها القديمة حتى العصر الحاضر. ثم اقتحمت العربية على الآرامية معاقلها في الشرق والغرب وانتزعتها منها معقلاً معقلاً حتى تم لها القضاء عليها نحو القرن الثامن الميلادي. ولم يفلت من هذا المصير إلا بعض مناطق منعزلة لا تزال تتكلم اللهجة الآرامية إلى العصر الحاضر. وامتد أثر العربية إلى الأمم الآرية والطورانية التي اعتنقت الدين الإسلامي (الفرس والهنود والأتراك ... إلخ) ، فاحتلت لديها مكانة مقدَّسة سامية، وتركت آثاراً عميقة في كثير من لغاتها، فاتسعت بذلك مناطق نفوذها حتى بلغ عدد الناطقين بها والمتأثرين بها نحو خمسمائة مليون من سكان المعمورة. العبرية: تاريخ Hebrew:History العبرية إحدى اللغات السامية من المجموعة الكنعانية (مع المؤابية والفينيقية) ، كان يتحدث بها الكنعانيون ثم اتخذها العبرانيون (الذين كانوا يتكلمون إحدى اللهجات الآرامية القديمة) لغة لهم بعد تسلُّلهم إلى أرض كنعان. وسُمِّيت هذه اللغة «عبرية» في وقت متأخر من العصور الوسطى، فلا يوجد في صحف العهد القديم ما يدل على أنهم كانوا يسمونها بهذا الاسم، إذ كان يُشار إليها بمصطلح «يهوديت» (يهودي) أو «لسان كنعان» ، ولم يظهر مصطلح «لاشون عفريت» ، أي «اللسان العبري» ، إلا مع المشناه، ثم ورد نفس المصطلح في كتاب حكم ابن سيراخ وفي مصنفات يوسيفوس. وعمر العبرية قصير جداً، كما أن بدايتها يلفها الغموض، فهي مجرد لهجة من لغة أكبر (اللغة الكنعانية) ؛ لهجة لم تكن قد نضجت أو تبلورت بعد. وتبين ألواح تل العمارنة أن العبارات الكنعانية التي توجد عليها قريبة من العبرية للغاية، وكذا النقوش المؤابية على الحجر المؤابي المعروف باسم «حجر الملك ميشع» . ويُقسِّم الباحثون تاريخ اللغة العبرية على النحو التالي: أ) العبرية القديمة: يجد بعض الباحثين أن من الصعب إطلاق كلمة «العبرية» على تلك المرحلة الأولى من تاريخها فلم تكن قد توفَّر لها بعد أسباب الاستقلال اللغوي أو التمايز اللهجي (الرقعة الجغرافية المتسعة والتطور الطبيعي عبر الزمان) . وتُسمَّى عبرية هذه المرحلة «عبرية العهد القديم» أو «العبرية القديمة أو الكلاسيكية» أو «عبرية ما قبل المنفى» . وهي تتمثل في عبرية أسفار العهد القديم، وهي لغة دينية أساساً. وهذه العبرية استعارت كلمات كثيرة من اللغات المجاورة كالبابلية والآشورية والآرامية والمصرية القديمة والفارسية وأخيراً اليونانية. ويبدو أن العبرانيين كانوا يتحدثون بأكثر من لهجة من لهجات كنعان إذ كانت لهجة المملكة الجنوبية مختلفة عن لهجة المملكة الشمالية، كما يبدو أن المسئولين في البلاط الملكي في مملكة يهودا كانوا يتحدثون الآرامية. وظل العبرانيون يستخدمون هذه اللغة حتى التهجير البابلي في 586 ق. م. ثم أخذت عوامل الاضمحلال تدخل عليها نظراً لظهور الآرامية كلغة لأعداد كبيرة من العبرانيين وكلغة للتجارة والإدارة في الشرق. ويبدو أنها اختفت تماماً حتى في فلسطين نحو عام 250 ق. م. ب) عبرية المشناه: ظهرت بعد ذلك عبرية المشناه، وهي ليست مستقاة من عبرية العهد القديم وإنما هي عبرية مُشبَّعة بالآرامية أو آرامية مشوبة بمفردات عبرية وفارسية ويونانية ... إلخ. وأصبحت لغة الكتابة من القرن الأول قبل الميلاد على يد معلمي المشناه (تنائيم) ، ثم ماتت هذه العبرية تماماً مع القرن الثاني بعد الميلاد. وكانت الآرامية هي اللغة السائدة في فلسطين، قبل عصر المسيح وأثناءه وبعده، إلى جانب اليونانية. أما يهود الإسكندرية، فكانوا قد نسوا العبرية والآرامية تماماً مع القرن الثالث قبل الميلاد، وهو ما اضطر علماء اليهود إلى ترجمة أسفار موسى الخمسة إلى اليونانية (الترجمة السبعينية) . جـ) العبرية الوسيطة: بعد انتشار اليهود في العالم القديم، استخدم يهود أوربا العبرية التلمودية في كتاباتهم الدينية أساساً، واستخدموا لغات البلاد التي يعيشون فيها للمؤلفات الدنيوية. واستخدم يهود البلاد العربية العبرية المستعربة، وهي عبرية في معظم المفردات الأساسية لكنها عربية النحو والدلالة والمفاهيم، كما استخدموا العربية في كتاباتهم الأخرى، وفي بعض الكتابات الدينية أيضاً مثل كتابات موسى بن ميمون الذي وضعها أصلاً بالعربية ولكن بحروف عبرية. ومن العصور الوسطى في الغرب، أصبحت العبرية لغة دينية من ناحية الأساس، واقتصر استخدامها على الصلوات اليهودية وعلى الكتابات الدينية مثل المشناه وسائر كتب الهالاخاه والمدراش. أما الجماراه والباهير والزوهار، فكُتبت بالآرامية أساساً. ومع هذا، لم تكن «عبرية الصلوات» ذات سمات واحدة محدَّدة، إذ نجد أن النصوص العبرية التي يتعبد بها الإشكناز مختلفة عن تلك التي يتعبد بها السفارد، فتتسم الأخيرة بأنها أكثر فصاحة لمجاورتها اللغة العربية. ولذلك، ورغم التوجه الإشكنازي للدولة الصهيونية، فإن النطق المُعتَمد رسمياً للغة العبرية في التعليم والإذاعة والمسرح والأدب العبري الحديث هو النطق السفاردي للغة. وترتَّب على موت اللغة العبرية، واستخدامها في الصلوات وحسب، أن أصبحت تُسمَّى «اللغة المقدَّسة» (بالعبرية: لاشون هاقوديش) (وهذا تعبير آخر عن الاتجاه الحلولي الذي سيطر على اليهودية) . وكان يُظَن أن العبرية هي اللغة التي يتحدث بها الملائكة، مع أن معظم ما جاء في التلمود قد كُتب بالآرامية. ومما زاد من اتساع هالة القداسة، أن الكتب القبَّالية تُسبغ على الحروف العبرية دلالة صوفية حتى أنه يُقال إن الرب استخدم اللغة العبرية في خلق العالم، وحيث إن لكل حرف عبري مقابلاً عددياً، فقد استخدم الخالق حروف العبرية وأرقامها أداة لخلق التنوع والتعدد في العالم. وتعتمد كثير من القراءات القبَّالية والباطنية للعهد القديم على هذا التصور لوجود دلالة رقمية لكل حرف عبري، فيُترجَم النص إلى مقابله الرقمي وتُستَخلص الدلالات التي يريدها المفسِّر عن طريق الجمع والطرح والقسمة. وقد كان يهود الجيتو أسرى تقديس الحروف العبرية رغم أنهم لم يكونوا يتحدثون العبرية أو الآرامية. ولذلك كانت اليديشية (اللغة أو الرطانة التي يتحدث بها يهود شرق أوربا) مكتوبة بحروف عبرية، كما أنهم منعوا أطفالهم من الدراسة في مدارس الأغيار لأن التصور الذي كان سائداً بينهم أن اليهودي الذي ينظر إلى حروف غير عبرية تُحرَق عيناه يوم القيامة. د (العبرية الحديثة: أُعيد بعث اللغة العبرية في العصر الحديث على يد مفكري حركة التنوير الذين حاولوا بعث ما تصوروه «التراث اليهودي» الأصلي. فتبنوا عبرية العهد القديم باعتبارها لغة خالصة، وأنتجوا أدباً حديثاً، ولكنهم فشلوا في المواءمة بين العبرية ومتطلبات العصر، وساعد على ذلك أن عبريتهم كانت قاصرة ومُتكلَّفة وجامدة، فاستعانوا بمفردات العبرية التلمودية، ثم لجأوا أخيراً إلى الاستعارة من اللغات الأوربية، وبخاصة الألمانية والروسية وغيرهما من اللغات. وبينما بلغ عدد مفردات عبرية التوراه ما بين 7,500 و8,500 كلمة، جاء قاموس العبرية الحديثة يضم ما يزيد على 68,000 كلمة. وظهرت أول مجلة عبرية في عام 1856. وقد تبنى الصهاينة فكرة بعث العبرية باعتبار أن اللغة تعبير عن الشعب العضوي (فولك) وعن بُعْد أساسي من أبعاد الشخصية القومية، وتأثر الصهاينة في هذا بالفكر القومي العرْقي الغربي. ونجد أن الأدباء الذين يكتبون بالعبرية في العصر الحديث هم أيضاً من أهم المفكرين الصهاينة. ويمكننا أن نذكر من بينهم آحاد هعام وبياليك وتشرنحوفسكي. وقد حاول المفكر الصهيوني إليعازر بن يهودا إحياء العبرية، وقوبلت محاولته بعداء شديد في بادئ الأمر من قبَل اليهود المتدينين الذين كانوا يرون أن العبرية لغة مقدَّسة يجب ألا تُمتَهَن باستخدامها في الحديث اليومي. وقام صراع حول استخدام العبرية في الصلوات. وكان ذلك من المسائل الأساسية التي ناقشتها الفرق اليهودية المختلفة في العصر الحديث. فحاول الإصلاحيون استبعادها لتأكيد عدم ازدواج ولاء اليهود ولتشجيع اندماجهم الحضاري واللغوي مع الأمم التي يعيشون بين ظهرانيها، في حين حاول المحافظون والأرثوذكس (بدرجات متفاوتة) الإبقاء عليها. ونشبت حرب اللغة بين دعاة استخدام العبرية ودعاة استخدام الألمانية. وانتصرت العبرية في نهاية الأمر، فظهرت أول جريدة عبرية في فلسطين عام 1886، وأصبحت لغة التعليم عام 1913 في مدارس المستوطنين الصهاينة في فلسطين، وعملوا على أن تعترف حكومة الانتداب بها، إلى جانب الإنجليزية والعربية، كلغة رسمية. والعبرية الحديثة هي مزيج من كل المراحل السابقة للعبرية، إذ أخذت منها مختلف العناصر التي توائمها، وأصبحت المفردات والعبارات المستقاة من فترات مختلفة مترادفات، أما بناء الجملة فتأثر باللغات الأوربية. وقد نُحتَت كلمات عديدة، كما تم توليد معان جديدة من كلمات قديمة للتعبير عن المفاهيم الجديدة، ودخلت على العبرية الحديثة كلمات أجنبية كثيرة خصوصاً من الإنجليزية واليديشية. ومؤخراً، بدأ ينتشر في اللغة العبرية الإكثار من استخدام الاختصارات بدلاً من كتابة العبارة كاملة. والعبرية هي اللغة الرسمية في إسرائيل. بل تؤكد الحكومة الإسرائيلية لمواطنيها أن الرباط اللغوي يكاد يكون الرباط القومي الوحيد بينهم وليس التوراة، وذلك على اعتبار أن التراث الحضاري للجماعات اليهودية متنوع، كما أن الكتب الدينية اليهودية متنوعة وبعضها مكتوب بالآرامية ولا يؤمن به كثير من الإسرائيليين. وتحاول الحكومة الإسرائيلية استخدام اللغة كأداة لتذويب الفوارق القومية الدينية، فالعبرية أحد أُسُس أسطورة «بوتقة الصهر» الإسرائيلية. وقد جعلت إسرائيل المشاركة في الأعمال ذات الأهمية والحساسية في الدولة مقصورة على من يجيد العبرية. كما أن الجيش الإسرائيلي (أهم عناصر التكامل الاجتماعي في إسرائيل) يُدرِّس العبرية للمجندين القادمين من أطراف العالم ليصبغهم بالصبغة القومية المرجوَّة. كما أنه يتعيَّن على كبار موظفي الحكومة أن يعبرنوا أسماءهم. ورغم كل هذه المحاولات، يبدو أن عملية الدمج لم تنجح بَعدُ تماماً. ويتضح هذا من عدد الصحف التي تظهر بلغة البلاد الأصلية التي هاجر منها الإسرائيليون، كما أن الإذاعة الإسرائيلية تذيع برامج بلغات عديدة، مثل: اليديشية والفرنسية والإنجليزية والرومانية والتركية والفارسية والعربية والروسية والإسبانية، ولكن معظم الإسرائيليين يتحدثون العبرية خارج منازلهم. أما داخلها، فإنهم يتحدثون إما لغة الموطن الذي جاءوا منه وإما العبرية باللهجة التي يعرفونها. ولكن الصابرا يتحدثون العبرية داخل المنازل وخارجها، فهي اللغة الأم بالنسبة إليهم. ونجم عن هذا الوضع ظهور مستويات مختلفة للغة العبرية إذ توجد عبرية أدبية متعددة الانتماءات، فهناك عبرية توراتية وأخرى تلمودية متأثرة بالآرامية وثالثة يديشية (أي متأثرة لغوياً بالتراث اليديشي) . وهناك عبرية نمطية يتعلمها الطلاب في المدارس، وهي مبنية على نمط النحو العربي الذي قاس اللغويون اليهود عليه نحوهم منذ العصر الأندلسي ثم هناك العبرية التي يستخدمها العامة. ومن الجدير بالذكر أن مستويات نُطْق العبرية تختلف من فئة اجتماعية لأخرى تبعاً لاختلاف أصولهم. وثمة تهاون من جانب المستوطنين الصهاينة في إخراج الحروف من مخارجها، فهم مثلاً ينطقون العين كالهمزة والحاء كالخاء والراء غيناً والطاء تاء والقاف كافاً، كما يهملون الإدغام إهمالاً شبه تام. وقد لاحظ برنارد أفيشاي، أحد مؤرخي الحركة الصهيونية والأستاذ بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، أن اللغة العبرية لغة متحجرة جامدة، كما يرى أن هذه الخاصية تركت أثرها في الخطاب السياسي الإسرائيلي وعلى الفكر السياسي للإسرائيليين، وهي وجهة نظر خلافية تستدعي الدراسة والنظر. وهناك أسلوب في الحديث يُسمَّى «الأسلوب الدوغري» (تُكتب في المراجع بالحروف اللاتينية dughri) وهو أسلوب مباشر في الحديث كان في الماضي ينم عن الإحساس بالتضامن وشيء من الوقاحة، ولكن يُقال إن التضامن قد بدأ يتراجع وأصبحت الطريقة الدوغري تعبيراً عن وقاحة الأجيال الجديدة وحسب. ويشكو كثير من الزوار اليهود لإسرائيل من فظاظة الإسرائيليين في الحديث. وقد أسَّس الكنيست عام 1953 أكاديمية اللغة العبرية لتطوير اللغة العبرية وهي تابعة للجامعة العبرية وتنشر قواميس متخصصة وقوائم مصطلحات ولكن قراراتها غير ملزمة. والإسرائيليون، شأنهم شأن كثير من البشر، يتسمون بالكسل اللغوي. فعلى سبيل المثال صاغت الأكاديمية كلمة تسيمريا tzimriya (من كلمة «صوت» العبرية) للإشارة إلى السويتر، ولكن الجميع يفضلون كلمة «سفيتر» . كما دخلت كلمات إنجليزية كثيرة مثل «لداسكيس» بمعنى «يُناقش» (من مصدر تو دسكس to discuss) ، و «لتربيد» (من مصدر تو توربيدو to torpedo) كما دخلت كلمات «هامبورجر» و «فوت بول» و «الفريزر» (كما هو الحال في العربية الحديثة) . ومع وصول المهاجرين الروس بدأت اللغة الروسية تنافس اللغة الإنجليزية. فكلمة «بروتكشن protection» أي «حماية» ) وهي كلمة شائعة في عالم الجريمة المنظمة) تتنافس مع كلمة «بروتكسيا proteksia» ذات الأصل الروسي والتي تعني «الواسطة» (أو كما يُقال في العامية المصرية «الكوسة» ) . ويشهد الكيان الصهيوني الآن بعثاً لليديشية، وهو تعبير عن محاولة الارتباط بماض ثقافي حي وثري (الأمر الذي لا يتوافر في العبرية) وعن أزمة الهوية في إسرائيل. ومما يزيد الوضع تعقيداً أن موجات المهاجرين تزيد من خلخلة هذه الوحدة المرجوة لأن كل مهاجر يُحضر معه انتماءه الحضاري واللغوي وهو ما يضمن للرطانات واللهجات اليهودية قدراً من الاستمرار والحياة. ومعنى ذلك أن الصورة العامة للعبرية الآن، على مستوى الجماعات اليهودية في العالم، هي كما يلي: لا تزال العبرية لغة القلة من اليهود إذ يتحدث أعضاء الجماعات اليهودية لغة أوطانهم بما في ذلك ما يكتبونه عن أنفسهم وعن اليهودية، فيتحدث أكثر من عشرة ملايين يهودي الإنجليزية، ويتحدث مليونان الروسية وعدة آلاف تتحدث اليديشية (لكن عددهم آخذ في التناقص بسرعة) ، وأكثر من مليون ونصف المليون يتحدثون لغات أخرى مثل الفرنسية في فرنسا وغيرها أو الإسبانية أو البرتغالية لغة يهود أمريكا اللاتينية. ولا يتحدث العبرية سوى 38% من الإسرائيليين، وهم لا يتحدثونها طوال الوقت. ويبدو أن لغة الغالبية العددية من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم هي الإنجليزية، فيهود الولايات المتحدة وإنجلترا وجنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا، أي معظم يهود العالم، يتحدثونها ويكتبون بها، كما أن معظم الإسرائيليين يعرفونها. ويفضل كثير من العلماء الإسرائيليين نشر أبحاثهم بالإنجليزية حتى يكون لهم جمهور واسع من القراء. وقد أطلق أحد الصهاينة مصطلح «الهيلينية الجديدة الإنجليزية» على هذا الاتجاه، أي أنه قَرَن هذا الاندماج اللغوي والحضاري اللغوي بالاندماج الذي مارسه اليهود من قبل في العصر الهيليني. وتوجد جماعات صغيرة من المتحدثين بالعبرية في أنحاء العالم (الولايات المتحدة وألمانيا) من النازحين من إسرائيل. وقد ورد في أحد التحقيقات الصحفية أن العبرية لغة القوادين في هولندا لأن كثيراً من البغايا وقواديهم من بين هؤلاء النازحين. وبحسب قانون الدولة الصهيونية، هناك لغتان رسميتان: العبرية والعربية. وتُكتَب معظم اللافتات باللغتين، ومن الاستثناءات المهمة لافتات المكاتب التابعة لوزارة الزراعة التي تُكتَب بالعبرية فقط. ويختلف الأمر في الأحياء التي يقطن فيها اليهود إذ تختفي اللافتات العربية. كما أن الشركات الخاصة لا تستعمل العربية. هذا إلى جانب أن برامج تدريس العربية للأطفال الإسرائيليين اليهود آخذة في التراجع. الأبجدية والنحو العبري Hebrew Alphabet and Grammar يميل علماء اللغة إلى تأكيد أنه لا توجد علاقة كبيرة بين اللغة كنسق والكتابة. وأن طريقة الكتابة لا تؤثر في اللغة من قريب أو بعيد. وإن كان هناك الآن من يميل إلى رؤية أن ثمة علاقة ما بين نسق اللغة وطريقة كتابتها. ويُقسَّم تاريخ الكتابة إلى خمس مراحل مختلفة: 1 ـ في المرحلة الأولى: كانت كل كلمة أو دال عبارة عن صورة مجردة للمدلول، وهو ما يُسمَّى «الكتابة التصويرية» (بالإنجليزية: «بكتوجرافيك pictographic» ) ، فللتعبير عن «سمكة» مثلاً نرسم صورة لها، وللتعبير عن «ثور» نرسم صورة لرأسه وقرنيه، وللتعبير عن «القمح» نرسم سنبلة. وكان يُرمَز للأفعال بضروب من الأساليب البارعة، فصورة القدم تعني الذهاب وصورة فم الرجل مع إضافة العلامة الدالة على الخبز أو الماء تعني الأكل أو الشرب، وهكذا. وكانت هناك دوال مختلفة بعدد المدلولات، كما هو الحال في لغة سكان أمريكا الأصليين. 2 ـ وفي المرحلة الثانية: تجمدت الرموز الدالة وأصبحت أشكالاً أو صوراً ثابتة مجردة علاقتها ليست مباشرة مع المدلول، فكتابة الصور الدقيقة والخطوط المقوسة على الصلصال الأملس لم يكن أمراً يسيراً، كما أن النزوع الإنساني نحو التجريد قد ساهم في هذه العملية. ومن ثم، تحولت الرسوم المختلفة إلى مجموعات من الخطوط على نمط خاص تمثل فقط الفكرة التي تدل على أصولها، ومن ثم سميت الرموز التصويرية (بالإنجليزية: «إيديوجرام ideograms» ) ، كما هو الحال في الكتابة الصينية ويبلغ عدد الكلمات في هذه المرحلة الآلاف. 3 ـ وفي المرحلة الثالثة: اقترن صوت معيَّن ونُطْق معيَّن بصورة معيَّنة دون ارتباط بين هذا النطق وبين ما كانت الصورة تعبِّر عنه. فالكلمة الدالة هنا تشير إلى مقطع من الكلمة وحسب وليس إلى كلمة بأسرها. فكلمة «لبن» في السومرية هي «جا» . ولذا، أصبحت كلمة «جا» تستعمل لكتابة المقطع «جا» بغض النظر عن معناه. وعلى هذا المنوال، أمكن كتابة مقاطع أخرى، وأمكن بضم بعضها إلى بعض كتابة كلمات أو أجزاء من كلمات كما في صيغ الأفعال دون الرجوع إلى الرموز التصويرية، فلكتابة كلمة «جاز» (ومعناها «كسر» ) كانت تُكتَب العلامة «جا» (الدالة على «اللبن» ) ثم العلامة «آز» الدالة على «الدب» ، وهذه هي الكتابة الصوتية، وكان اختراعها خطوة واسعة إلى الأمام نحو تبسيط نظام الكتابة، ولكنها كانت أيضاً شديدة الصعوبة فالقيم الرمزية للعلامات لم تختف تماماً، فكان كثير من العلامات يُفسَّر إما على أساس رمزي أو على أساس صوتي، حسب السياق. هذا إلى جانب أن معظم الرموز، وهي وافرة الكثرة، تتألف من علامات لكل منها أكثر من قيمة صوتية، فالعلامة المشتقة من قدم الإنسان كانت تُقرأ جين gin (بمعنى سار) أو جاب gub (بمعنى وقف) أو تام tum (بمعنى حمل) . وكانت الكتابة الآشورية والمصرية تأخذ هذه الصبغة التصويرية والمقطعية. 4 ـ وفي المرحلة الرابعة: تخصَّصت بعض العلامات لتدل على الحروف الجامدة، وقد جعلوا هذه الحروف تمثل صوت الكلمة الأولى التي اقتُبست منها على أن تُفهَم الحروف المتحركة من السياق. ويبدو أن المصريين القدامى كانوا أول من طوَّر هذه الأبجدية، ويُقال إنه تم تطويرها في مناجم سيناء حيث كان من الصعب كتابة الهيروغليفية، وهي لغة تصويرية رمزية، فتم تبسيطها وظهرت الحروف عام 1800 ق. م. 5 ـ أما المرحلة الخامسة: فكانت تتعلق بالساكن والمتحرك من الحروف. وعادةً ما يكون عدد رموز هذا النظام الهجائي حوالي ثلاثين. ومن المقطوع به أن الأبجدية وُلدت في منطقة سوريا وفلسطين، ولكن يبدو أن الكنعانيين والفينيقيين استقوها من أصول مصرية، وربما أيضاً من بلاد الرافدين من النمط المسماري للأبجدية. وقد عُثر في لاشيش على حجر عليه كتابة بالحروف السامية الكنعانية يعود إلى 1600 ق. م. ومن المحتمل أن يكون القرن السابع ق. م هو الذي انتهى فيه استخدام الكتابة المسمارية وتم استبدالها بالحروف السامية الكنعانية. ويبدو أن العبرانيين استقوا هذه الحروف فيما بين 1150 و1050 ق. م. هذا، وتُستخدَم اليوم في كتابة حروف الأبجدية العبرية طريقتان: الأولى، ويُطلَق عليها الحرف المربع، وهي المستخدمة في المطبوعات. والثانية، الخط اليدوي، بالضبط كما هو الحال في اللغة العربية. وفيما يلي جدول للأبجدية العبرية بحروفها المربعة واليدوية ومنطوقها العبري والعربي واللاتيني، بالإضافة إلى القيمة الرقمية لكل من هذه الحروف: الأبجدية العبرية يُلاحَظ من الجدول السابق أن الأبجدية العبرية تحتوي على اثنين وعشرين شكلاً. ولكنها تحتوي من الناحية الفعلية على ثمانية وعشرين منطوقاً صوتياً، حيث إن هناك ستة أحرف تتغيَّر طريقة نطقها حسب وضعها داخل الكلمة وهذه الأحرف هي ب، ك، ف، ت، ج، د. فإذا جاء أيٌّ من هذه الأحرف في أول الكلمة أو بعد سكون تام، وُضع في داخله نقطة كما هو، فيما عدا حرف الفاء، فإنه يُطق أ. أما إذا جاءت في غير الحالتين السابقتين، فإنها تأتي خالية من النقطة وتنطق هكذا: ت = ث / ب = v ج = غ / ك = خ د = ذ / أما الفاء فتنطق فاءً كما هي. وقد أهملت اللغة العبرية الحديثة تطبيق هذه القاعدة على حروف (ت، ج، د) ، فأصبحت تُنطَق (ت، ج، د) سواء جاءت بداخلها نقطة أو كانت خالية منها. ولا تنطبق هذه القاعدة إلا على الحروف الثلاثة الأولى فقط وهي حروف (ب، ك، ف (. وتُقرأ العبرية وتُكتَب، كالعربية، من اليمين إلى اليسار. كما أنها تُكتَب منفصلة بعضها عن بعض. ولكن بعض اليهود، في إسرائيل، أصبحوا الآن يستخدمون الخط اليدوي بحروف متشابكة نتيجة السرعة في الكتابة. كما يُلاحَظ أيضاً أنه لا يوجد إعراب في اللغة العبرية، اللهم إلا في بعض الصياغات القديمة. وبالتالي، فإن آخر الكلمات في اللغة العبرية ساكن دائماً ولا تظهر علامة السكون إلا في حالات معيَّنة، وهي: 1 ـ الكاف إذا جاءت في آخر الكلمة. 2 ـ التاء المُصرَّفة مع ضمير المفردة المُخاطَبة. كما توجد في الأبجدية العبرية خمسة أحرف تتغير طريقة كتابتها إذا جاءت في آخر الكلمة، وهذه الأحرف هي: ك، م، ص، ن، ف. وتجمعها عبارة (كم صنف) . وقد وضعناها في الجدول بين أقواس. هذا، وتقسَّم حروف الهجاء العبري تقسيماً يلائم طبيعة النطق بها، حسب اصطدامها بأجزاء الفم المختلفة، وهي كما يلي: 1 ـ حلقية أ، هـ، ح، ع (وتُعامَل الراء معاملة الحلقية في بعض القواعد (. 2 ـ شفوية ب، و، م، ف. 3 ـ حنكية ج، ي، ك، ق. 4 ـ لسانية د، ط، ل، ن، ت. 5 ـ صفيرية ز، س، ش، ص، ر. ونتيجة تباين التكوين الاجتماعي داخل إسرائيل بين يهود قادمين من دول الشرق وآخرين قادمين من دول الغرب، فإنه يصعب على يهود الغرب نطق بعض الحروف غير المألوفة في اللغات الأوربية، وبخاصة الحروف الحلقية وحروف الإطباق. ولهذا، فإنهم يتهاونون في إخراجها من مخارجها السليمة، فينطقون العين همزة والحاء خاء والراء غيناً والطاء تاء والقاف كافاً. وكذلك، فإن حرف الصاد ينطق (تسادي) تمشياً مع نُطْق الحرف الألماني. وفي كثير من الأحيان، يهمل يهود الشرق نُطْق بعض هذه الأحرف مثل يهود الغرب، وبخاصة الطاء والقاف والصاد. ولكل حرف في الأبجدية العبرية قيمته الرقمية، كما هو مُبيَّن في الجدول. وترجع أهمية هذه الأرقام إلى أن اللغة العبرية لا تستعمل أرقاماً خاصة، كما في العربية أو الإنجليزية، وبالتالي، فإنها لجأت إلى استخدام حروف الهجاء للتعبير عن الأرقام بعد وضع شرطة فوق الحرف للدلالة على أنه يأتي، في هذا الموضع، رقماً وليس حرفاً. وكانت اللغة العبرية في بادئ الأمر تُكتَب بدون حركات. وفي حوالي القرن السادس الميلادي، طرأ إصلاح على الخط العبري، إذ استُعملت أحرف العلة أهـ وي كعلامات للحركات تساعدهم على ضبط النطق وحفظ الكلمات كلها من التحريف. وبعد انتشار الجماعات اليهودية في أنحاء العالم، أضحت أحرف العلة غير كافية لصيانة الكلمات كلها من التحريف. وخشية تغيير لهجة اللغة وضياعها بعد ذلك، وضع عدد من علماء اللغة العبرية في أواخر القرن السابع، أو أوائل القرن الثامن، الترتيب النهائي للنصوص العبرية المشكلة بنظام الحركات للإشارة إلى أصوات المد القصيرة مستنيرين في ذلك بنظام الحركات عند العرب والسريان، وأحدثوا نظاماً جديداً قوامه النقط والخطوط. وقد اتُخذت طريقتان لرسم هذه الحركات، إحداهما الطريقة الطبرية نسبة إلى مدرسة طبرية في فلسطين (وهي الطريقة المُستعمَلة في الوقت الحاضر) ، حيث ترمز هذه الطريقة إلى أصوات المد القصيرة بنقط وخطوط تُوضَع تحت الحرف أو فوقه، وقد تتلوها حروف العلة للدلالة على أن الحركة مشبعة. أما الطريقة الثانية، فهي الطريقة البابلية. وهذه الطريقة ترمز لأصوات المد القصيرة بعلامات توضع فوق الحرف. وتنقسم الحركات في اللغة العبرية، كما في العربية، إلى حركات فتح وكسر وضم، بل وهناك أيضاً حركات مخطوفة وحركات ممالة. وقد أخضعت القبَّالاه الأبجدية العبرية للتفسيرات الصوفية والباطنية فيما يعرف بالجماتريا. وأداة التعريف في العبرية هي حرف الهاء المُشكَّل بـ (-) مع تشديد الحرف الذي يليه (إذا كان غير حلقي) . ولا تدخل أداة التعريف على العَلَم لأنه معرَّف في ذاته. وكذلك يمكن استخدام أداة التعريف كاسم إشارة للقريب وذلك مع ظروف الزمان. وأحياناً تحل أداة التعريف محل الاسم الموصول إذا دخلت على اسم فاعل. وفي الكلمات المُركَّبة، تأتي أداة التعريف في المجلد الثاني من الكلمة المُركَّبة. وواو العطف في العبرية تقابل واو العطف في العربية، وتأتي لعطف أو لربط اسم باسم أو فعل بفعل أو جملة بجملة، والأصل في تشكيلها في العبرية هو السكون، ولكن هذا التشكيل يتغير في حالات خاصة. والفعل في العبرية يكون ثلاثياً أو رباعياً، والثلاثي أكثر استخداماً من الرباعي، وتُقسَّم الأفعال في العبرية إلى سبعة أوزان هي: فعل، نفعل، فعيل، فعل، هفعيل، هفعل، هتفعيل. ويقابلها في العربية فَعَل، فُعلَ، فَعَّل، فُعِّل، أَفْعَل، أُفْعلَ، تَفَعَّل. وينقسم الاسم من حيث نوعه إلى قسمين: 1 ـ الاسم المذكر: يكون الاسم مذكراً إذا دل على جبل أو شعب أو نهر. وأغلب أسماء المعادن وأغلب الأسماء التي لا ترد فيها علامة من علامات التأنيث. 2 ـ الاسم المؤنث: يكون الاسم مؤنثاً في الحالات التالية: أ) إذا دل على مؤنث حقيقي. ب) إذا دل على اسم دولة أو مدينة. جـ) إذا كان من أعضاء الجسم المزدوجة أو المتعددة. د) إذا انتهى بعلامة من علامات التأنيث. وتوجد أسماء لا تظهر فيها علامة التأنيث ولكنها في الأصل مؤنثة، وكذلك هناك أسماء تأتي مذكرة ومؤنثة. وهناك أسماء تختلف صورتها تماماً عند تأنيثها. ويوجد في العبرية المفرد والمثنَّى والجمع: 1 ـ المفرد: هو ما دل على واحد. 2 ـ المثنى: ما دل على اثنين. ولا تُستعمَل صيغة المثنى في العبرية إلا في أحوال خاصة، وهي: أ) أسماء أعضاء الجسم المزدوجة. ب) الأعداد المثناة. جـ) أدوات الصناعة المثناة. د) أسماء الملابس المزدوجة بطبيعتها. هـ) أسماء الزمان المزدوجة. 3 ـ الجمع: وينقسم إلى: أ) جمع مذكر: وعلامته في العبري ياء متبوعة بميم تلحق بآخر الاسم المفرد بعد حذف علامة التذكير المفردة إن وُجدت. ب) جمع المؤنث: وعلامته واو + تاء تضاف إلى الاسم المفرد وذلك بعد حذف علامة التأنيث المفردة إن وجدت. وتوجد أسماء مُذكَّرة تُجمَع جمع مؤنث، وأسماء مؤنثة تُجمَع جَمْع مذكر، وأسماء تُجمَع مُذكَّراً ومؤنثاً، وأسماء لا تُجمَع مطلقاً مثل أسماء الأعلام وأغلب أسماء المعاني وأسماء الجنس. وهناك أسماء لا تأتي إلا في صورة الجمع ولا مفرد لها. والأعداد في العبرية شديدة الشبه بالأعداد في العربية. فالعددان 1 و2 تأتيان وفق المعدود. أما الأعداد من 3 إلى 9 فتأتي عكس المعدود. فإن كان المعدود مذكراً ذكرت الأعداد مؤنثة والعكس صحيح. وألفاظ العقود تأتي في العبرية على صورة واحدة سواء كانت مذكرة أو مؤنثة. وفي حالة عطف الأعداد على ألفاظ العقود يُراعَى أن يكون العدد على عكس المعدود. وتمييز العدد يأتي جمعاً مع الأعداد من 2 إلى 10 ويكون مفرداً في الأعداد المركبة ومع ألفاظ العقود والمائة والألف. والعدد الترتيبي يأتي في العبرية بعد المعدود ويتبعه في التعريف والتنكير والإفراد والجمع والتذكير والتأنيث. وفي العبرية، إذا جاءت كاف التشبيه قبل العدد أفادت التقريب. المختصرات العبرية Abbreviations in Hebrew «المُختصَر» كلمة مُركَّبة من الحروف الأولى لكلمات عبارة ما ويدل على معنى العبارة بكاملها. ويعود تاريخ المختصرات في اللغة العبرية إلى القرن الثاني قبل الميلاد، واستمر استخدامها في العصور الوسطى حتى العصر الحديث. وشاع استخدام بعض المختصرات حتى نُسي الأصل نفسه. ومن أشهر المختصرات في العبرية «راشي» (اسم عَلَم) وهو مُختصَر «رابي شلومو يتسحاق» ، و «تناخ» (عنوان كتاب) وهو ما مُختصَر لكلمات ثلاث: «توراة» أي أسفار موسى الخمسة - «نفيئيم» أي «أنبياء» - «كتوبيم» أي «المزامير وسفر الأمثال» . و «الماباي» (وهو اسم حزب) مُختصَر «مفليجيت بوعلي إيرتس يسرائيل» ، أي «حزب عمال أرض إسرائيل» . و «تسهال» هو مُختصَر اسم الجيش الإسرائيلي الذي يُسمَّى «تسافا هاجاناه ليسرائيلي» أي «جيش الدفاع الإسرائيلي» . وأحياناً تحل أول كلمة في العبارة محل العبارة كلها مثل «هستدروت» حيث تُعتبَر اختصاراً لعبارة «هستدروت هاكلاليت شل هاعوفديم هاعفريم بإيرتس يسرائيل» ، أي «الاتحاد العام للعمال اليهود في أرض إسرائيل» . الأسماء العبرية واليهودية Hebrew and Jewish Names كانت للأسماء والأعلام في الحضارات القديمة دلالة وفحوى ليس لها ما يوازيها في عصرنا الحديث، فالاسم كان يُعَدُّ ممثلاً لجوهر صاحبه، ولذلك كان الإنسان يُعطى اسماً جديداً حينما يدخل مرحلة جديدة من حياته. وفي العهد القديم، نجد أن بعض الشخصيات كانت تغيِّر أسماءها عقب مرورها بتجربة مهمة. فبعد مصارعة الرب، يتحول اسم «يعقوب» إلى «يسرائيل» . وفي الواقع فإن تغيير الاسم يُضفي دلالة خاصة على صاحبه. وكثير من الأسماء العبرية يعود إلى جذر عبري، وبعضها يعبِّر عن عاطفة أو فكرة. فآدم يُسمِّي زوجته «حواء» أي «الحياة» لأنها أم المخلوقات، وحينما أنجبت راحيل ابناً أسمته «يوسف» أي «سوف يزيد» ، و «يتسحاق» تعني «يضحك» ، أما «بنيامين» فهو «ابن يدي اليمين» . وتتكون الأسماء في بعض الأحيان من كلمتين مثل «أب» ، أي «أب» بالعربية، و «بر» ، أي «ابن» ، على أن تضاف إلى أي من الكلمتين كلمة أخرى تحمل دلالة خاصة. فإبراهيم سُمِّي كذلك لأنه «أبو الأمم» ، وبرليف (أو بارليف) هو «ابن القلب» ، أو «صاحب القلب» . وبعض الأسماء العبرية تحتوي على اسم الخالق «إيل» ، كما هو الحال في كلمة «يسرائيل» ، أي المتصارع مع «إيل» (الرب) . وإطلاق اسم الحيوانات والنباتات والجماد على الإنسان عادة يهودية قديمة، فالاسم «ديبورا» تعني «نحلة» ، و «تامار» هي «النخلة» ، و «بن تسفي» هو «ابن الظبي» ، و «بركوخبا» هو «ابن الكوكب» . وليست كل أسماء أعضاء الجماعات اليهودية من أصل عبري، فالاسم «إستير» مثلاً مأخوذ من «عشتروت» زوجة بعل، واسم «موسى» نفسه ليس عبرياً ويُقال إنه اختصار لكلمة مصرية قديمة تعني «ابن» . وقد اتخذ اليهود أسماء بابلية بعد التهجير من بابل، مثل «مردخاي» ، من اسم الإله البابلي «مردوك» . وكثير من قادة اليهود يحملون أسماء آرامية مثل «بركوخبا» ، ويونانية مثل «أنتيجون» ، ولاتينية مثل «يوسيفوس فلافيوس» ، وعربية مثل «موسى بن ميمون» و «سعيد بن يوسف الفيومي» (الذي يُشار إليه في الكتابات العبرية باسم «سعديا جاؤون» أي «الفقيه سعيد» ) . ويؤكد التلمود أن اسم الشخص يؤثر في مستقبله، كما يرى الحاخامات أن اليهودي الفاضل يجب ألا يُغيِّر اسمه العبري خارج فلسطين. وأيُّ يهودي يحمل اسم «كوهين» ، أو أياً من أسماء الكهانة الأخرى، يُعتبَر من نسل كهنة المعبد وتسري عليه محظورات معيَّنة متصلة بالزواج والطلاق. ولم يكن من عادة أعضاء الجماعات اليهودية، قبل الإعتاق، أن يحملوا اسم أسرة، فكان الشخص يُسمَّى فلان بن فلان، «يعقوب بن إسحق» مثلاً، وأحياناً كان يضاف اسم المهنة حتى يتم التمييز بين فرد وآخر في نفس الجماعة، مثل «صندلر» أي «صانع الأحذية» في العبرية، و «جولدشميت» في الألمانية هو الصائغ. ولكن، بظهور حركة الإعتاق، أسقط كثير من اليهود أسماءهم العبرية، كما طلبت إليهم الحكومات أن يحملوا اسم أسرة بشكل ثابت، مثل بقية المواطنين، حتى يمكن الاحتفاظ بسجلات رسمية عنهم، ويمكن فرض الضرائب عليهم وتجنيدهم. وقد قاوم أعضاء الجماعات اليهودية من التقليديين هذا الاتجاه، ولكنهم رضخوا في نهاية الأمر. وكان اليهود يُسمَّون أحياناً باسم المدن، مثل: «أوبنهايمر» أي «من مدينة أوبنهايم» على نهر الراين، أو «شابيرو» ، أي «من مدينة شبير» . أو كانوا يُسمَّون بأسماء ذات دلالات جميلة مثل «بلومنفيلد» أي «حقل الزهور» ، أو «روزنبرج» ، أي «جبل الورد» ، أو بترجمة أسمائهم من العبرية إلى لغة بلدهم، فالاسم «موسى بن مندل» يصير «موسى مندلسون» (فكلمة «سون» تعني «ابن» ) . كما أنهم كانوا يُسمَّون باسم الكاهن، مثل: «كوهين» و «كاتس» و «ليفي» و «هارون» . وقد تمت ألمنة هذه الأسماء فأصبحت على التوالي: «كوهينشتاين» و «كاتسمان» و «ليفينتال» و «أرونشتين» . وفي الحالات النادرة، كان أعضاء الجماعات اليهودية يحملون اسم عائلة، كما هو الحال مع العائلات اليهودية العريقة مثل «روتشيلد» . ويحمل بعض أعضاء الجماعات اليهودية أسماء غير لائقة لأن الموظف الحكومي المسئول عن تسميتهم منحهم إياها بسبب عدم رضاه عنهم مثل: «جروس» أي «ضخم» ، أو «كلاين» ، أي «صغير» ، أو «كالف» ، أي «العجل» ، أو «برونفن» أي «براندي» ، أو «شفارتز» أي «الأسود» أو «العبد» . ويستخدم الإشكناز هذه الكلمة الأخير للإشارة إلى يهود الشرق في العالمين العربي والإسلامي. ومع تزايُد معدلات الاندماج في العالم الغربي، بدأ يهود العالم الغربي يبتعدون عن الأسماء اليهودية أو ذات النبرة اليهودية. وقد بدأت هذه العملية بإدغام الاسم فالاسم «أبراهام» يصبح «برام» ، و «سولومونسون» (أي ابن سليمان) أصبح «سولمس» ، و «صموئيل» أصبح «زيميل» . وأحياناً أخرى، كان الاسم يُعلمَن بتبسيط طريقة كتابته لتبسيط نُطْقه، وذلك حينما يهاجر عضو الجماعة اليهودي من بلد لآخر. وأحياناً كان ثمة صعوبات تواجه أعضاء الجماعات اليهودية في تغيير اسم الأسرة، لأن هذا كان يستلزم إجراءات قانونية معقدة، ولكن الإجراءات كانت في واقع الأمر بسيطة في معظم الأحيان، ومن ثم قامت الأغلبية العظمى من يهود الغرب بتسمية أبنائهم بأسماء غير يهودية. وقد توقف يهود ألمانيا، قبل الحرب العالمية الثانية، عن اختيار أسماء توراتية. ومع هذا، فقد كانوا يختارون أسماء تبدأ بحروف تُذكِّر المرء بشخصية توراتية، فبدلاً من «موسى» كانوا يُسمَّون «موريتز» ، وبدلاً من «سيمون» كانوا يقولون «سيجفريد» ، وبدلاً من «موردخاي» «مارتن» ، وبدلاً من «إسحق» «إيزيدور» . وكان من المفهوم أن هذه أسماء يهودية، ولذا كان المسيحيون يتحاشونها. وتكررت الظاهرة في الولايات المتحدة في الفترة نفسها، فبدلاً من «إسرائيل» قالوا «إرفنج» ، وبدلاً من «موسى» قالوا «مورتيمر» أو «موريتز» أو «موريس» أو «ماكس» أو حتى «مارفن» أو «مري» ، وكان من النادر أن يتسمَّى غير اليهود بهذه الأسماء. ولكن كل هذه الظواهر قد اختفت مع الحرب العالمية الثانية، ومع تزايُد مستويات العلمنة. وفي الوقت الحاضر، لا يختار أعضاء الجماعات اليهودية أية أسماء خاصة، ولم تَعُد أسماؤهم تختلف عن بقية أسماء أعضاء المجتمع، بل أحياناً نجد يهوداً يُسمَّون «كريستين» ، و «كريستوفر» ، وهي أسماء لها دلالة مسيحية واضحة. وقد تسمَّى يهود الدونمه المتخفون بأسماء عربية إسلامية يتعاملون بها مع أعضاء المجتمع التركي، ولكنهم تسمَّوا أيضاً بأسماء عبرية يتعاملون بها فيما بينهم. والأسماء التي يتسمَّى بها أعضاء الجماعات اليهودية متنوعة وعديدة، ولذا يَصعُب تحديد هوية الشخص بناء على اسمه. وحسب بعض التقاليد الدينية، كان يتحتم على اليهودي (خارج فلسطين) أن يتخذ لنفسه اسماً عبرياً إلى جانب اسمه الأصلي إن لم يكن عبرياً، وذلك لاستخدامه في الشعائر الدينية وليوضع على شاهد قبره بعد موته. وكان على اليهود، أثناء حكم النازي، أن يستخدموا أسماء عبرية، وهي عادة بُعثت أيضاً في إسرائىل حيث ينص القانون على أن من واجب الشخصيات المهمة في الدولة أن تغيِّر أسماءها، ومن ثم فقد غيَّر ديفيد جرين اسمه إلى «دافيد بن جوريون» ، أي «ابن الشبل» . ومع هذا، يُلاحَظ أن ثمة اتجاهاً ظهر مؤخراً، خصوصاً بين الإشكناز، للاحتفاظ بالأسماء الأصلية (اليديشية) . وقد سقط الحظر حينما رفض يوسف سياشاتوفر (مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية) أن يُعبرن اسمه في السبعينيات، وأيَّده في ذلك الكاتب الإسرائيلي عاموس آلون (الذي كان قد عبرن اسمه من قبل) . وتمتد عبرنة الأسماء إلى المدن والقرى العربية التي تغزوها القوات الإسرائيلية، فأم الرشراش أصبحت «إيلات» ، وشرم الشيخ أصبحت «أوفير» ، والضفة الغربية يُشار إليها باسم «يهودا والسامرة» ، وفلسطين تذوب وتختفي لتصبح «إسرائيل» ، أو «إرتس يسرائيل» . ولا يختلف هذا كثيراً عن محاولات الدول الاستعمارية فرض أسماء جديدة على الأراضي التي تفتحها فيُعاد تسمىة «زمبابوي» باسم «روديسيا» نسبة إلى سيسل روديس، ويُفرَض على «إندونسيا» اسم «جزر الهند الهولندية» . إليعازر بن يهودا (1857-1922) Eliezer Ben Yehuda رائد حركة إحياء اللغة العبرية الحديثة، واسمه الأصلي إليعازر بيرلمان. وُلد في إحدى قرى ليتوانيا وتلقى تعليماً دينياً تقليدياً، وقضى بعض سني شبابه في مدرسة تلمودية، ولكنه وقع تحت تأثير حركة التنوير اليهودية فالتحق بمدرسة علمانية وانقطع بشكل جذري عن موروثه اليديشي، واستهوته الأفكار الاشتراكية والعدمية والأفكار القومية العضوية (ذات الطابع الفاشي) التي انتشرت في أوربا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي نشأت في تربتها أفكار مثل «روح العصر» ، و «روح الشعب» ، و «الشعب العضوي» الذي لا يمكن أن يحقق ذاته إلا في أرضه ومن خلال خصوصيته الثقافية والذي يحوِّل الآخر إلى شعب عضوي منبوذ. وقد تأثر بن يهودا في بادئ الأمر بالحركة الشعبوية الروسية وبندائها بالعودة إلى الشعب، وهي حركة حملت ملامح النزعة السلافية القومية الروسية، ومن هنا جاء تبنِّيه الكامل للفكرة السلافية ومناداته بترويس اليهود. ومع تزايد النزعات القومية والإمبريالية والعنصرية في أنحاء أوربا (وكلها حركات حلولية كمونية مادية تجعل الشعب العضوي هو الركيزة النهائية المكتفية بذاتها) ، اتجه بن يهودا إلى تبنِّي الحل الإمبريالي للمسألة اليهودية أي الحل الصهيوني (تصدير مشاكل الغرب، ومنها المسألة اليهودية، إلى الشرق) . ومما ساعد على ذلك أن بن يهودا تعرَّف إلى المفكر الصهيوني بيريتس سمولنسكين (وقد أسهم بن يهودا لمجلته بعدة مقالات ذات طابع صهيوني ابتداءً من عام 1879) . وفي عام 1878، ذهب بن يهودا إلى باريس لدراسة الطب ولكنه اضطر إلى قطع دراسته لإصابته بالسل وانتقل إلى الجزائر للاستشفاء (1880 ـ 1881) ثم استقر عام 1881 في فلسطين مع زوجته حيث قام بالتدريس في مدارس الأليانس بعد أن أُعطي تصريحاً بتدريس الموضوعات اليهودية بالعبرية. وفي العام نفسه، اشترك في تأسيس جمعية صهيونية دعت إلى العمل في الأرض، أي فلسطين، وإلى إحياء اللغة العبرية وبناء أدب عبري حديث وغرس الروح القومية في الشباب. وفي عام 1884، نشر بن يهودا مجلة هاتسفي الأسبوعية والتي أصبحت فيما بعد جريدة يومية وحملت اسم هاأور منذ عام 1910. وقد نشر أفكاره الصهيونية فيها فهاجم نظام الصدقة (حالوقه) ودعا إلى العمل الزراعي. أدرك بن يهودا ارتباط إحياء اللغة العبرية بالتجربة الاستيطانية الصهيونية، وأنه لا يمكن إنجاز الواحد دون الآخر، فبقاء أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي كان يعني في واقع الأمر اندماجهم الثقافي ومن ثم اللغوي، أما استيطانهم في فلسطين فيعني عزلتهم ومن ثم وجود إمكانية حقيقية لظهور لغة مستقلة واستمرارها. وقد أكدت التطورات اللاحقة صدق حدس بن يهودا، فاللغة اليديشية قد اختفت ولم يعد أحد يكتب أو يتحدث بها. ولا يختلف الأمر كثيراً عن العبرية، فمعظم المفكرين الدينيين اليهود في العالم لا يكتبون بها، فالجميع يكتب بلغة الوطن الأم. هذا بالنسبة ليهود العالم، أما بالنسبة للاستيطان في فلسطين، فالأمر جد مختلف، فالدعوة للاستيطان كان لابد أن تستخدم ديباجات يهودية وأن تتم من داخل منظومة يهودية يمكنها اجتذاب الجماهير التي ستتحول إلى مادة استيطانية. وهذا ما أنجزه بن يهودا للحركة الصهيونية فقد فرَّغ اليهودية من محتواها الديني بأن أعاد تعريف الخلاص بحيث أصبح الخلاص الصحيح هو العودة الحرفية إلى فلسطين للاستيطان فيها لا " الانتظار السلبي " لمجئ الماشيَّح (وقد ذهب بن يهودا من هذا المنظور إلى أن النبي إرميا كان خائناً لوطنه حين قام بتسليم هذا الوطن للأجنبي) . واليهود الذين سيعودون إلى فلسطين لن يؤسسوا جماعة دينية تلتزم بقيم أخلاقية، ذلك أن المُثُل الدينية (حسب رؤيته) لم تنجح إلا في إنتاج أمة يهودية ميتة، لا أرض لها ولا لغة، أمة روحية ناقصة تثير ضحك الأمم الأخرى. إن اليهود الذين سيعودون هم نخبة من يهود المنفى الذين يرفضون وجودهم الهامشي، ولذا فإنهم سيتحولون إلى مستوطنين يزرعون الأرض ويشكلون أغلبية فيها، ثم يصبحون شعباً مثل كل الشعوب ويتخلون عن هامشيتهم وطفيليتهم ويصبحون أمة عضوية (على نمط الأمتين السلافية والجرمانية) وستعبِّر المؤسسات الثقافية لهؤلاء المستوطنين عن روح الشعب العضوي اليهودي. وبذا يمكن بعث اللغة العبرية، أهم أوعية الهوية العضوية اليهودية، كما يمكن ضمان استمرار هذه اللغة ومن ثم استمرار الهوية اليهودية. ويمكن القول بأن إسهام بن يهودا الأساسي في الحركة الصهيونية هو تأكيد عنصر اللغة في التشكيل القومي الاستيطاني العضوي المُقتَرح، فالأرض والأغلبية اليهودية هي الإطار اللازم لولادة اللغة العبرية بعد تحديثها. وقد انصبت معظم جهوده على إحياء اللغة العبرية، فبَحَث في أدب العبرية الكلاسيكي عن الألفاظ التي تصلح للاستعمال في الحياة اليومية في العصر الحديث، وقام باشتقاق كلمات عبرية جديدة واستعار بعض الألفاظ والعبارات من اللغة العربية وقام بتطوير أسلوب عبري جديد وبسيط. وحارب بن يهودا اللغة اليديشية، وعارض محاولات بعض الجماعات اليهودية الألمانية التي كانت تهدف إلى جعل الألمانية اللغة الرسمية للمستوطنين الصهاينة (فيما يُسمَّى «معركة اللغة» ) وأصر على اعتبار العبرية لغة اليهود الوحيدة. ولكن أهم أعمال بن يهودا إخراجه المعجم العبري القديم والمعجم الحديث بعد أن ظل يعمل فيه زهاء أربعين عاماً وإن لم يستطع أن يصدر أكثر من تسعة مجلدات. وهذا المعجم لا يتضمن أياً من الكلمات الآرامية التي ورد ذكرها في العهد القديم أو التلمود أو المدراش، كما لا يتضمن أية كلمة عبرية من أصل أجنبي. وقد أسس بن يهودا جمعية اللغة العبرية عام 1889 وعمل رئيساً لها حتى وفاته. وتحولت هذه الجمعية عام 1953 إلى أكاديمية اللغة العبرية التي قامت بإكمال مشروع بن يهودا وأصدرت المعجم كاملاً (سبعة عشر جزءاً) عام 1959. وبعد سقوط فلسطين تحت الاحتلال البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حث بن يهودا المندوب السامي البريطاني على إعلان اللغة العبرية كواحدة من اللغات الثلاث الرسمية في البلاد. كما قام بتأسيس جمعية سيفاتينو لنشر اللغة العبرية واحتل منصب أمين لجنة التخطيط في الجامعة العبرية. ورغم إصرار بن يهودا على فكرة القومية العضوية المرتبطة بالأرض، إلا أنه لم يكن متصلباً في ممارسته. وعلى سبيل المثال، فإنه لم يتردد في مناقضة نفسه إذ أيَّد مشروع شرق أفريقيا، أي إنشاء المُستوطَن الصهيوني في شرق أفريقيا بدلاً من فلسطين، وهو في هذا لم يختلف كثيراً عن معظم المستوطنين الصهاينة الذين أرهقتهم السكنى في أرض الميعاد والحرب ضد أهلها (وقد لقي أحد أحفاد بن يهودا حتفه في إحدى العمليات الفدائية، إذ سقط ضمن الحافلة التي دفع بها أحد المنتفضين الفلسطينيين عام 1990 من على قمة أحد التلال العالية) . بل إن بن يهودا رغم إصراره العقائدي على القومية العضوية كان من أوائل الداعين إلى تقبل وجود اليهود خارج فلسطين (الشتات) على أن تربطهم رابطة ثقافية مع «وطنهم» بحيث يتحول هذا الوطن إلى مركز روحي. وجدير بالذكر أن اهتمامه بالعبرية قد جلب عليه لعنة اليهود الأرثوذكس الذين كانوا يعتبرون العبرية لغة مقدَّسة لا تُستخدَم إلا في الصلاة. معركة اللغة Language War «معركة اللغة» نشبت في المستوطنات الصهيونية في فلسطين تعبيراً عن تعدُّد الانتماءات والهويات اليهودية اللغوية والحضارية، وعن الصراع بين الدول الاستعمارية الكبرى (فرنسا وإنجلترا وألمانيا) من أجل فرض هوية ثقافية على المستوطَن الصهيوني وضمان بقائه في حيز نفوذها. فاحتفظت مدارس الأليانس باللغة الفرنسية، وأبقت المدارس الإنجليزية (اليهودية) على لغة الوطن الأصلي، وظلت العبرية فيها جميعاً لغة ثانية. وحينما تصاعدت الحملة بين المستوطنين من أجل تبنِّي العبرية، أوصت الحكومة الألمانية المستوطنين اليهود من الألمان (عام 1913) بأن يحتفظوا بلغتهم، وأن يحاولوا اتخاذ قرار من اتحاد المدرسين مفاده عدم وجود لغة رسمية للمستوطنين. وحاول هؤلاء جعل اللغة الألمانية لغة الدراسة في التخنيون وفي بقية مدارس جمعية عزرا الألمانية، ولكن النصر كُتب لدعاة العبرية في نهاية الأمر. اللغة الآرامية Aramaic «الآرامية» فرع من مجموعة اللغات السامية الشمالية وأقربها إلى العبرية وتُسمَّى أحياناً بالكلدانية. ولكن العلماء يتجهون الآن إلى الرأي القائل بأن لغة الكلدانيين لم تكن الآرامية بل كانت لغة مستقلة تُسمَّى «الكلدانية» . بدأت الآرامية في الانتشار في الشرق الأدنى القديم مع ظهور الأقوام الآرامية في الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد. وفي سوريا، بدأ ظهور الوثائق المكتوبة بالآرامية في القرن السابع قبل الميلاد، ثم انتشرت الآرامية في منطقة وادي الرافدين إلى أن رسخت بعد ذلك في بابل حيث حلت محل اللغة البابلية الآشورية، وأصبحت في عهد دارا الأكبر (521 - 486 ق. م) اللغة الرسمية (الإدارية) بين مقاطعات الإمبراطورية الفارسية، كما أصبحت لغة التجارة الدولية ولغة النشاطات اليومية والدبلوماسية في الشرق الأدنى، وكان يتحدث بها كثير من الجماعات غير المتجانسة عنصرياً أو حضارياً في المنطقة. وقد دُوِّنت الآرامية بخط هجائي بسيط كان من أسباب الإقبال على استخدامها. وبلغت الآرامية أوج سلطانها في الفترة من 300 ق. م حتى 650م حين حلت العربية محلها. بدأ اليهود يتحدثون الآرامية أثناء وجودهم في بابل حتى حلت محل العبرية تماماً مع عودتهم منها (وإن كان هناك رأي يذهب إلى أن المسئولين في البلاط الملكي في مملكة يهودا الجنوبية كانوا يتحدثون الآرامية) . وثمة إشارة في سفر نحميا (8/8) إلى هذا، إذ كان لابد أن يُفسَّر الكتاب المقدَّس بالآرامية. وقد كُتب بها معظم التلمود (البابلي والفلسطيني) ، وبعض الصلوات مثل صلوات عيد الفصح والقاديش ودعاء كل النذور، وكذلك بعض أجزاء العهد القديم. واللغة الآرامية لغة قريبة من العبرية في المفردات كما أنها أثرت فيها تأثيراً عميقاً، وإن كانت القواعد النحوية في اللغة الآرامية أقرب إلى قواعد اللغة العربية. وقد أخذ العبرانيون حروفهم الهجائية، المعروفة بالخط المربع أو الخط الآشوري، عن الآرامية بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد. وكان الآراميون أنفسهم قد اقتبسوا الهجائية الفينيقية ونشروها في العالم. وفقدت الآرامية كثيراً من هيمنتها في العصر الهيليني، حتى يُقال إن أغلبية اليهود كانت تتحدث اليونانية. وكان الحاخام يهودا الناسي يشير إلى الآرامية بأنها «سورسي» (أي سوري) وهي لفظة تحقير، وقال إن «سورسي» (أي الآرامي) لا علاقة له بأرض إسرائيل، وأن المرء اليهودي يجب أن يتحدث إما العبرية أو اليونانية. ويشبه موقفه هذا موقف دعاة التنوير بين اليهود، في أواخر القرن الثامن عشر تجاه اليديشية. وباختفاء الآرامية، حلت العربية محلها وأصبحت لغة يهود الشرق العربي جميعاً. وتُقسَّم الآرامية إلى: 1 ـ الآرامية القديمة (حتى عام 7000 ق. م) . وقد وُجدت على النقوش القديمة في سوريا. 2 ـ الآرامية الرسمية (حتى عام 300 ق. م) . وقد وُجدت على النقوش القديمة في منطقة سوريا والعراق وكتب بها على برديات جزيرة إلفنتاين. ولم تكن هذه الآرامية هي اللغة الإدارية للإمبراطورية الفارسية وحسب، ولكن اللغة التي كانت تتفاهم بها الأقوام المختلفة في الشرق الأدنى القديم. 3 ـ الآرامية الوسطى (منذ حوالي عام 300 ق. م) . وتشمل الآرامية الوسطى الآرامية الغربية والآرامية الشرقية. أما الآرامية الغربية، فتشمل الآرامية الكتابية وهي لغة الأجزاء الآرامية في العهد القديم، وهي لغة التلمود الأورشليمي أو الفلسطيني وآرامية الترجوم (ترجمة يوناثان) ، واللغة التي تُرجمت بها أسفار موسى الخمسة السامرية (الآرامية السامرية) ، والآرامية النبطية، وآرامية تَدمُر (بالميرا) . وأما الآرامية الشرقية، فتشمل اللغة السريانية وآرامية التلمود البابلي ومخطوطات البحر الميت. 4 ـ الآرامية الحديثة أو المتأخرة. ويعتقد بعض الحاخامات أن الآرامية لغة مقدَّسة مثل العبرية، لكن بعضهم كان يرى أن الملائكة لا تفهم إلا العبرية وحدها. والآرامية لغة الصوفية اليهودية لأن كتاب الزوهار مكتوب بها. ولا يزال بعض المسيحيين النسطوريين، في القرى والمقاطعات الكردية في سوريا والعراق وتركيا، يتحدثون الآرامية التي أصبحت خليطاً من الآرامية والعبرية واليونانية، كما يتحدث بها أيضاً بعض يهود تلك البلاد. اللغة اليديشية Yiddish اليديشية ليست لغة أساساً، وتُسمَّى كذلك تجاوزاً، فهي لهجة ألمانية تُكتَب بحروف عبرية، وهي لغة اليهود الإشكناز في شرق أوربا منذ العصور الوسطى حتى العصر الحديث (ومن ثم أطلقنا عليهم اسم «يهود اليديشية» ) . وثمة نمط لغوي يتكرر بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، فهم عادةً يتحدثون لغة البلد الذي يعيشون فيه بعد أن تصطبغ بصبغة عبرية خفيفة إذ تدخل مفرداتها هذه اللغة. ثم ينتقل أعضاء الجماعة من وطنهم هذا حاملين معهم لهجتهم، ويحتفظون بها حتى بعد أن تكون قد اختفت في البلد الأصلي. واليديشية تنتمي إلى هذا النمط. ظهرت اللغة اليديشية في الفترة بين عامي 1000 و1350، حين تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية ألمانية العصور الوسطى، أي لغة الشعب الذي كانوا يعيشون بين ظهرانيه، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا في حاجة إلى مصطلح خاص بهم للتعبير عن نمط حياتهم الخاصة كجماعة وظيفية وسيطة تعمل في حرف خاصة مثل التجارة والربا. ولذلك، فقد استخدموا بعض مفردات العبرية والآرامية (وهما لغتا التراث الديني اليهودي، إذ أن التلمود مكتوب بالآرامية) ، خصوصاً أن نواة الجماعة اليهودية في ألمانيا جاءت من شمال فرنسا وشمال إيطاليا حيث كانوا يتحدثون رطانة فرنسية خاصة بهم أُطلق عليها اسم «لعز» . ومن هنا، نشأ ذلك الخليط اللغوي الذي أُطلق عليه في بادئ الأمر «يوديش دويتش» ، أي «ألماني يهودي» ، ولكن الكلمة حُرِّفت وأصبحت «يديش تايتش» ، ثم أصبح يطلق عليها «يديش» ، ونترجمها نحن فنقول «اليديشية» . ولم تكن هناك في بادى الأمر أية فروق بين ألمانية العصور الوسطى واليديش تايتش، إلا في بضع كلمات وعبارات عبرية والمزيد من التحريف الصوتي في نطق الكلمات الألمانية أو العبرية. وحينما هاجرت أعداد من يهود ألمانيا إلى أوربا الشرقية، حملوا لهجتهم الألمانية معهم. وحينما استقر أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا، تم توطينهم ضمن العناصر الألمانية التجارية، أي أنهم وُطِّنوا كألمان. ولم يتبنوا اللغة البولندية في وطنهم السلافي الجديد نظراً لتفوق ألمانيا حضارياً وبسبب التنظيم الإقطاعي الصارم الذي عزلهم عن بقية المجتمع. وكان يهود بولندا، في القرن السادس عشر، يشيرون إلى اللغة التي يتحدثون بها على أنها «الألمانية» . وفي البيئة الجديدة، دخلت كلمات وتراكيب لغوية سلافية على اليديشية، ساهمت في إبعادها عن الأصل الألماني وفي استقلالها نسبياً عن الألمانية. ومع هذا، ظلت «اللغة اليديشية» لهجة ألمانية ساهمت في الحفاظ على التوجه «الألماني» ليهود شرق أوربا. وقد تحدى آرثر كوستلر هذا التفسير لبدايات اللغة اليديشية، فبيَّن استناداً إلى آراء اللغويين أنه لا توجد في اليديشية آثار لغوية مشتقة من الألمانية المنقولة إلى فرنسا، بل ويقرر أن المناطق الأكثر توسطاً في ألمانيا الغربية (فيما حول فرانكفورت) لم تشارك في تطور اللغة اليديشية، فالتأثير الغالب على اليديشية هو لهجات ألمانيا الوسطى الشرقية التي كانت مُستعمَلة، حتى القرن الخامس عشر، كلغة حديث في مناطق الألب النمساوية والبافارية، أي المناطق الشرقية من ألمانيا والمجاورة للحزام السلافي لأوربا الشرقية. وهو يَخلُص من ذلك إلى رفض الأصول الفرنسية الراينية ليهود شرق أوربا، ويعود بتلك الأصول إلى هجرة يهود الخزر من الإستبس إلى أن استقروا في بولندا. ولكن كيف أصبحت اليديشية لغتهم؟ يرى كوستلر أن الثقافة الألمانية كانت ثقافة النخبة في بولندا وثقافة البورجوازية المتعلمة، كما كانت لغتهم هي الألمانية (أو على وجه الدقة لهجات ألمانيا الوسطى الشرقية) ، فكان التاجر اليهودي يتحدث ألمانية ركيكة مع عملائه الألمان، وبولندية ركيكة مع الأقنان، ويستخدم العبرية في المعبد اليهودي، ثم يخلطها كلها في بيته. وبالتالي، فقد هؤلاء اليهود لغتهم الأصلية (الخزرية) وتحدثوا هذه اليديشية. وهو ليس بالأمر الاستثنائي، فالمهاجرون عادةً ما يفقدون لغتهم في الجيل الثالث، كما حدث ليهود شرق أوربا الذين استقروا في الولايات المتحدة. ويبدو أن اليهود القرّائين (من الخزر) هم وحدهم الذين لم يتم دمجهم لغوياً. فوفق أول تعداد رسمي شامل أُجري سنة 1897 في روسيا القيصرية، كان هناك 12,894 يهودياً قرّائياً كان 2632 منهم يتكلمون الروسية. كما أفاد 9666 منهم أن التركية هي لغتهم الأصلية. وهذا يعني احتمال أن تكون هذه هي لغتهم الخزرية الأصل. ولكن أياً كان الأمر الخاص بأصول اليديشية، فإن تركيبها اللفظي هو على النحو التالي: 70% كلمات ألمانية، و20% عبرية وآرامية، و10% بولندية وسلافية. وقد دخلتها في السنين الأخيرة كلمات إنجليزية (بعد الهجرة إلى الولايات المتحدة) ، وكلمات عبرية (بعد قيام إسرائيل) للتعبير عن المجالات الدينية والفكرية. والبنية النحوية في اليديشية هي بنية ألمانية برغم احتوائها على مفردات غير ألمانية، ومن هنا تصنيفنا لها بأنها» لهجة. « ويُقسِّم علماء اللغة تطوُّر اليديشية إلى أربع مراحل: نهاية المرحلة المبكرة: حتى عام 1250 اليديشية القديمة: من 1250 إلى 1500 اليديشية الوسطى: من 1500 إلى 1700 اليديشية الحديثة: من 1750 حتى الآن وتنقسم اليديشية إلى يديشية غربية (اختفت تماماً تقريباً) ، ويديشية شرقية تقسم بدورها إلى لهجات شمالية (في ليتوانيا) وأخرى جنوبية (في بولندا وأوكرانيا ورومانيا) . وتظهر مختلف اللهجات اليديشية في الولايات المتحدة، لكن النطق القياسي هو نطق لهجة اليديشية الشمالية، وقد تم توحيد طريقة التهجي. وظهر أدب يديشي شفاهي ومكتوب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر. كما ظهر أدب يديشي مطبوع في القرن السادس عشر. واللغة اليديشية لغة الجيتو، فكان الأطفال اليهود لا يتعلمون سواها ـ إلا ما تيسر من العبرية ـ وذلك بسبب الاعتقاد السائد بين يهود الجيتو والخاص بأن من ينظر إلى الهجائية غير العبرية تُحرَق عيناه. وقد أحاطت باليديشية في نهاية الأمر هالة من القداسة، بما يعبِّر عن التيار الحلولي القومي في اليهودية حيث كان يُعتَقد أن أفكار التلمود المركبة لا يمكن تفسيرها إلا بهذه اللغة. ومع هذا، كانت اليديشية في بداية الأمر لغة العوام والسوقة والنساء ـ أي لغة الشارع ـ وكان الأدب المكتوب بها موجَّهاً إلى العوام. وظلت العبرية، ومعها الآرامية، لغة النخبة المثقفة، ولغة الأدبيات التي يكتبها ويقرؤها أعضاء هذه النخبة. أصبحت اليديشية لغة التجارة والأعمال الربوية، وبذلك أصبحت من دعائم عزلة يهود شرق أوربا. ومن المعروف أن أعضاء الجماعات الوظيفية الوسيطة التجارية في المجتمعات التقليدية عادةً ما يتحدثون بلغة أو بلهجة مغايرة عن لغة البلد المضيف، حتى يتسنى لها الاستمرار في عملهم، ويُقال إن التجار اليهود استفادوا من معرفتهم باليديشية وجهل الآخرين بها في غشهم وخداعهم. كما أنها أصبحت لغة المجرمين والمهربين. ولذا، كانت الحكومات الأوربية (في القرن التاسع عشر) تُحرِّم على اليهود استخدامها في المعاملات التجارية. ولقد صدر قرار يُحرِّم على يهود ألمانيا استخدامها ويفرض عليهم أن يكتبوا الوثائق التجارية بالألمانية. كما أن لويس بونابرت طالب اليهود الفرنسيين بأن يفعلوا نفس الشيء. وطالب دعاة حركة التنوير، مع بدايتها في ألمانيا، بأن يتخلى أعضاء الجماعة اليهودية عن انفصالهم اللغوي وأن يتحدثوا بلغة الوطن الألماني الأصلية. وكان فرايدلندر (الزعيم الألماني اليهودي الإصلاحي) يؤكد أن اللغة اليديشية هي المسئولة عن فساد الدين والأخلاق بين اليهود. ولما كان كثير من القوادين العاملين في تجارة الرقيق الأبيض في أوربا (بل وفي العالم) في الفترة من 1880 حتى عام 1930 من اليهود الذين أتوا من منطقة الاستيطان في روسيا (التي كانت تُعَدُّ أكبر مصدر للبغايا في العالم) فإن اليديشية كانت من أهم اللغات التي تُدار بها هذه التجارة في تلك الفترة، إلى أن قضى البوليس الدولي بمساعدة أعضاء الجماعات اليهودية عليها. ورغم الهجوم على اليديشية، كُتب لها الاستمرار حتى أصبحت «لغة قومية» ليهود اليديشية، أي يهود شرق أوربا، ونسلهم ممن انتشروا في معظم أوربا والولايات المتحدة. وإذا كانت العبرية هي «لايشون هاقدوش» أي «اللسان المقدَّس» ، فاليديشية هي «ماما لاشون» ، أي «لغة الأم» . وقد تبناها بعض دعاة التنوير في روسيا بوصفها لغة قومية بدلاً من الروسية، ووضعوا بها مؤلفاتهم، وكانوا لا يختلفون في هذا عن أعضاء الأقليات والقوميات الأخرى. ولكن هذا وحده لا يكفي لتفسير ظاهرة استمرار اليديشية وازدهارها فيما بين العقدين الأخيرين من القرن الماضي والعقدين الأولين من القرن الحالي. ولتفسير هذه الظاهرة، علينا العودة إلى الظروف التاريخية والاجتماعية المحيطة بأعضاء الجماعة اليهودية في شرق أوربا حيث كانوا يشكلون كتلة بشرية ضخمة (بلغت نحو 80% من جملة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) تتحدث اليديشية. وفي إحصاء عام 1897 الذي أجرته الإمبراطورية الروسية، بلغ عدد أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا من الناطقين باليديشية نحو 97% من جملة يهود روسيا، أي 5,054,300 (4,2% من مجموع سكان الإمبراطورية) . وبلغ عددهم في منطقة الاستيطان 4,889,427 مُشكِّلين نسبة 11,6% من مجموع سكان المنطقة البالغ عددهم 42,338,567 أما عدد أعضاء الجماعات اليهودية الذين كانوا لا يتحدثون اليديشية، فكان لا يتجاوز 161,500. ولم يكن الوضع مختلفاً كثيراً بالنسبة إلى يهود بولندا. وقد كانت هذه الكتلة الضخمة، في روسيا وبولندا، هي التي تُصدِّر اليهود المتحدثين باليديشية، إذ كان يحملونها المهاجرون معهم من شرق أوربا ويكوِّنون جيوباً تتحدث بها. وكانت ألمانيا، المجاورة لجاليشيا وبولندا، الممر بين الجيب الروسي البولندي اليديشي من جهة وبقية العالم من جهة أخرى، ولذا كانت تستوطن فيها أعداد كبيرة منهم. ولكن أكبر كتلة يهودية يديشية مهاجرة كانت قد انتقلت إلى الولايات المتحدة التي أصبحت في أواخر القرن التاسع عشر المركز الثاني لليديشية في العالم. وقد كُتب لليديشية الاستمرار بعض الوقت في كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في الفترة الزمنية نفسها. وكان ذلك لأسباب مختلفة؛ منها تعثر التحديث في شرق أوربا (روسيا وبولندا) ، وتوقف عمليات الدمج الثقافي واللغوي، وتوقف الحراك الاجتماعي، الأمر الذي زاد عزلة أعضاء الجماعة اليهودية والتفافهم حول أنفسهم، خصوصاً أنهم كان بوسعهم (ككتلة بشرية ضخمة) أن يتعاملوا مع بعضهم البعض في كثير من مناحي الحياة دون الحاجة إلى الاحتكاك بأعضاء الأغلبية (ولم يكن هناك في الواقع ما يُغري بمحاولة الاحتكاك أو الاندماج) . أما في الولايات المتحدة، فإن يهود اليديشية أصبحوا أيضاً كتلة ضخمة (ما يزيد على المليونين) في فترة زمنية وجيزة. وقد قوبلوا بعداوة من اليهود الألمان والسفارد الذين كانوا لا يفهمون هذه الرطانة، ومن المجتمع ككل كما هو الحال في معظم هذه الأحوال. وكانوا كجماعة مهاجرة، يستمدون شيئاً من الإحساس بالأمان والطمأنينة بالالتفاف حول أنفسهم وعن طريق تكوين جمعيات وجماعات لمساعدة بعضهم البعض في الشئون المالية والاجتماعية وفي عملية التكيف مع المجتمع الجديد. ولذا، كانت اليديشية، منذ عام 1881 حتى العشرينيات، لغة الشارع اليهودي والفلكلور اليهودي عند معظم يهود العالم (روسيا وبولندا ورومانيا وألمانيا وأمريكا وجنوب أفريقيا والأرجنتين وغيرها من بلاد أمريكا اللاتينية) الذين تعود أصولهم إلى الجيب الروسي البولندي ويهود اليديشية. ويُقال إن عدد المتحدثين باليديشية كان نحو عشرة ملايين يهودي، أي معظم يهود العالم. وقد ازدهر، في هذه الفترة، الأدب اليديشي والسينما اليديشية والصحافة اليديشية. وبلغت الثقافة اليديشية ذروتها في كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكان يوجد في الولايات المتحدة أحد عشر مسرحاً يديشياً في نيويورك وسبعة عشر مسرحاً خارجها. وكانت الجرائد اليديشية توزع ما بين 500 و600 ألف نسخة يومياً. والشيء نفسه في الاتحاد السوفيتي، إذ بدأ يظهر أيضاً إحساس بالهوية اليديشية. ومن هنا، ظهر مفهوم دبنوف بشأن قومية الدياسبورا، والذي كان يعني في واقع الأمر «القومية اليديشية» ، ولذا كان دبنوف يطالب بالحفاظ على اليديشية باعتبارها الوعاء اللغوي لهذه القومية. وفي هذه الفترة، ظهر حزب البوند الذي كان يضم في صفوفه كثيراً من العمال اليهود (في روسيا وبولندا) المتحدثين بهذه اللغة. وكانت اليديشية اللغة الرسمية للحزب حيث أصدر منشوراته بها، وطالب الحزب البلاشفة بالاعتراف بها كلغة قومية. وقد اعترف الاتحاد السوفيتي باليديشية كلغة رسمية، وأصبحت إحدى اللغات المُعتَرف بها في المحاكم وتدار بها الجلسات، ولا تزال اللغة الرسمية في بيروبيجان. وقد وصل النظام التعليمي باليديشية إلى قمته في هذه الفترة، في كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، فكان عدد الطلبة المسجلين في المدارس اليديشية اثنى عشر ألفاً في الولايات المتحدة. أما في الاتحاد السوفيتي، فتم تأسيس شبكة من المدارس الابتدائية والثانوية يتم التدريس فيها باللغة اليديشية، كما أُسِّست كليات تربوية لإعداد مدرسين لليديشية. وقد وصلت نسبة عدد اليهود الذين التحقوا بهذه المدارس 51% من مجموع الطلاب اليهود عام 1926، وأُسِّست كلية لدراسة الثقافة اليديشية. وبعد نهاية العشرينيات مباشرة، بدأ الاضمحلال والذبول يدبان في جسد اليديشية في كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكن لأسباب مختلفة. ففي الولايات المتحدة، كانت اليديشية تُعتبَر لغة منقولة من بيئة قديمة، ولم يكن لها أساس اقتصادي أو حضاري في البيئة الجديدة، وبالتالي لم يكن لها مستقبل. وفي منتصف العشرينيات مع توقُّف الهجرة، أخذت اليديشية في الاضمحلال السريع. وأخذ أبناء المهاجرين (كما هو مُتوقَّع) يتعلمون الإنجليزية، وبدأت المدارس اليديشية تفرغ من طلبتها. وتدار جلسات معهد ييفو (معهد البحوث اليديشية) في الوقت الحالي باللغة الإنجليزية، كما أنه في حاجة دائمة إلى الدعم المالي الذي تحجبه عنه المؤسسات الصهيونية وهو غير قادر على الاستمرار بدون المعونات التي يحصل عليها من الحكومة الأمريكية. وتوجد الآن جريدة يديشية واحدة في الولايات المتحدة تعيش على المعونات وتَصدُر ثلاث مرات أسبوعياً، وثلاث مجلات توزع اثنين وعشرين ألف نسخة، (قُرَّاء هذه الجرائد والمجلات من المسنين) . أما في الاتحاد السوفيتي، فمع تزايُد معدلات التحديث في المجتمع وإتاحة فرص الحراك الاجتماعي، بدأ اليهود ينصرفون عن اليديشية، وأخذت أعداد الطلبة اليهود في المدارس اليديشية في التناقص فوصلت عام 1931 إلى 33% من مجموع الطلبة اليهود في المدارس الروسية، ثم إلى 20% عام 1939. وتكاد النسبة تنعدم الآن، ولذا أُغلقت الغالبية الساحقة من المدارس اليديشية. وقد انصرف الكُتَّاب اليهود الروس والأمريكيون عن الكتابة باليديشية، وآثرت أعداد متزايدة منهم الكتابة بالروسية أو الإنجليزية، كما قام بعضهم بترجمة الأعمال التي كتبها باليديشية إلى الإنجليزية. وهذا لا يعود فقط إلى معدلات التحديث العالية، ولكنه يرجع أيضاً إلى أن اليديشية ليس لها تاريخ حقيقي. كما أنها لا تملك تراثاً أدبياً ثرياً، الأمر الذي يجعل الإبداع الأدبي من خلالها أمراً صعباً. وهذا يُفسِّر تلك الظاهرة التي تبعث على الدهشة، ظاهرة قلة الكلمات اليديشية (معظمها ألماني) التي دخلت اللغة الإنجليزية مع أن ملايين اليهود كانوا يتحدثون هذه اللغة. وربما كان السبب الحاسم هو أن من يكتب أدبه باليديشية لن يجد قراء يُعتدُّ بهم ويصبح مؤلفاً بلا جمهور، وهو أمر يصعب على أي مؤلف قبوله. ومن العناصر الأساسية المشتركة التي أدَّت إلى اختفاء اليديشية، في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تغيُّر وضع اليهود الوظيفي ودخولهم مجالات المهن الحرة بأعداد متزايدة، الأمر الذي كان يتطلب ابتعادهم عن مراكز الثقافة ذات الطابع اليهودي التقليدي، وهو ما أدَّى إلى انزواء ما تبقى من ثقافة يديشية منعزلة. وفي الوقت الحالي، لا يوجد سوى بضعة آلاف في الولايات المتحدة يتحدثون اليديشية، أغلبيتهم من كبار السن. أما في الاتحاد السوفيتي، فعدد اليهود الذين صرحوا (في السبعينيات) بأن الروسية هي لغتهم نحو 86,7%، في حين توزَّع 17,7% بين مختلف اللغات، وهو ما يعني أن عدد المتحدثين باليديشية قد لا يزيد على 10%، معظمهم من المتقدمين في السن ويسكنون المناطق الغربية (ليتوانيا ولاتفيا ومولدافيا) التي كانت تضم كثافة سكانية يهودية في الماضي، مع العلم بأن عدداً لا بأس به ممن يصرحون بأن لغتهم هي اليديشية يفعلون ذلك تمسكاً بهويتهم ولكنهم في واقع الأمر لا يتحدثونها. وقد اختفت اليديشية تقريباً في جنوب أفريقيا، وقام النازيون بإبادة بقية يهود بولندا ممن كانوا لا يزالون يتحدثون بها. ولكن من الملاحظ أنه، على الرغم من عدم تصاعُد معدلات التحديث في المجتمع البولندي قبل الحرب العالمية الثانية، كانت اليديشية قد بدأت تذبل وتضمر، وبدأ يهود بولندا يتعلمون البولندية. فلم يكن يهود بولندا، مثلهم مثل يهود الولايات المتحدة أو يهود الاتحاد السوفيتي، يريدون أن يتعلم أولادهم لغة تعوقهم عن الحراك الاجتماعي وتحبسهم داخل حدود ضيقة، وبالتالي أرسلوا أولادهم إلى المدارس القومية (الهولندية أو الروسية أو الأمريكية) حيث يتعلمون اللغة القومية لينالوا حظهم من الحياة. وعلى هذا، فإن الحديث الصهيوني عن اضطهاد الاتحاد السوفيتي (سابقاً) للثقافة اليديشية لا أساس له من الصحة. وقد اختفت اليديشية في الولايات المتحدة دون اضطهاد، بل لم يعرها المجتمع أي التفات، لا تشجيعاً ولا اضطهاداً، وماتت من تلقاء نفسها. ويمكن القول بأن الحركة الصهيونية أسهمت بشكل فعال في الإسراع بعملية موت اليديشية، فمنذ البداية ناصب الصهاينة اللغة اليديشية العداء على اعتبار أنها لغة المنفى، وطرحوا بدلاً منها اللغة العبرية: لغة التراث واللغة القومية «الحقة» ! وللغة اليديشية قيمة عالية في وجدان يهود شرق أوربا، فهي الوعاء الذي يحوي تراثهم الحيوي (لا موروثهم الديني الجامد) والذي عبَّروا عن تجربتهم التاريخية في شرق أوربا من خلاله، ولذلك فثمة حنين عاطفي لها في الدولة الصهيونية بين شباب الصابرا (الإشكناز) الذي يجدون أن العبرية لغة جامدة لا جذور لها، تفتقر إلى امتداد تاريخي يتصورون وجوده في اليديشية بدرجة أكبر. وقد أسقط بعض الإسرائيليين الأسماء العبرية التي اختاروها واستعادوا أسماءهم اليديشية التي كانوا قد أسقطوها. وكثير من المفكرين الصهاينة وأعضاء النخبة الحاكمة في إسرائيل (من الجيل القديم) يتحدثون اليديشية. ولا تزال اليديشية لغة الدراسة بالمدارس الدينية العليا (يشيفا) في إسرائيل، كما أن نواطير المدينة (ناطوري كارتا) ، وهم جماعة يهودية أرثوذكسية معادية للصهيونية، يتحدثون اليديشية على اعتبار أن العبرية لغة الصلاة وحسب. وهي أيضاً اللغة التي يتحدث بها المهاجرون الإشكناز من شرق أوربا، ولذلك أصبحت اليديشية إحدى علامات التميز الاجتماعي في إسرائيل. ويُلاحَظ أن اليديشية مازالت مستخدَمة داخل بعض المنازل هناك، ويتعلمها الشباب سماعياً، ولكنهم لا يقرءونها ولا يكتبون بها. ويتكلف بعض الشباب في إسرائيل التحدث باليديشية، حتى السفارد ويهود العالم الإسلامي، إذ أن ذلك يجعلهم بحسب تصوُّرهم من الطبقة الحاكمة، ويعطيهم من ناحية أخرى قدراً من الرضاء الذاتي بالحصول على قيمة ثقافية يهودية، كما يُسهِّل في الوقت نفسه عملية الاتصال بالعناصر المهاجرة الجديدة. وتصدُر في إسرائيل عدة صحف ومجلات باليديشية، ولا يزال هناك أدباء يكتبون بها في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، بعضهم صهيوني والبعض الآخر إما معاد لها أو غير مكترث بها. مؤتمر تشيرنوفتس Czernowitz Conference «مؤتمر تشيرنوفيتس» مؤتمر عُقد عام 1908 ليُحدِّد دور اليديشية في حياة أعضاء الجماعات اليهودية، وقد دعا إلى عقد المؤتمر كل من نيثان برنباوم وحاييم جيتلوسكي. ونادى المؤتمر بالاعتراف باليديشية باعتبارها اللغة القومية «الوحيدة» ليهود شرق أوربا. وبطبيعة الحال، حدث صراع حاد بين دعاة اليديشية والعبرية. وقد وصل المؤتمر إلى صيغة وسط حيث اعتُبرت اليديشية «لغة قومية» (ضمن لغات أخرى) . معهد البحوث اليهودية (ييفو ( Yivo » ييفو» مختصر لعبارة «يديشر فيسينشافتليكر إنستيتوت «Yidisher Visenshaftlekher Institut» ، وهي عبارة يديشية تعني «معهد البحوث اليهودية» الذي أسسته مجموعة من العلماء اليهود عام 1925 في فلنا (ليتوانيا) لدراسة حياة الجماعات اليهودية في جميع أنحاء العالم، خصوصاً يهود اليديشية، وقد كان لهذا المعهد فروع في ثلاثين بلداً. وانتقل المعهد إلى نيويورك مع الحرب العالمية الثانية ونُقلت معه مكتبة فلنا، وتغيَّر اسمه من «معهد البحوث اليهودية» إلى «ييفو: معهد البحوث اليهودية» . وينشر المعهد عدة مطبوعات وكتباً، ولكنه يعاني أزمة مالية دائمة نظراً لاختفاء اللغة اليديشية وبالتالي عدم وجود قطاعات يهودية مهتمة بتمويله. كما أن المؤسسة الصهيونية تفضل تخصيص الاعتمادات للدراسات العبرية ولدعم المستوطَن الصهيوني. ولذا، فإن المعهد يعيش على معونات الحكومة الأمريكية. وتُدار جلسات مجلس إدارة المعهد بالإنجليزية. ويصدر المعهد حولية، كما يصدر بعض الكتيبات العلمية. اللادينو Ladino كلمة «لادينو» تحريف لكلمة «لاتينو» ، واللادينو لهجة إسبانية، ولذا فهي تسمَّى أحياناً «إسبانيولي» ، كما يُطلَق عليها أحياناً «رومانسي» ، و «جوديزمو» . ويتحدث بهذه اللهجة اليهود السفارد، وبخاصة يهود المارانو. وتتكون مفردات اللادينو من إسبانية العصور الوسطى (القشطالية) بعد أن دخلتها بضع كلمات من العبرية والتركية واليونانية، وبعض المفردات من اللهجات الإسبانية الأخرى والبرتغالية، غير أن نسبة العناصر الدخيلة على إسبانية اللادينو غير كبيرة كما هو الحال في اليديشية. وتُستخدَم في اللادينو أيضاً النهايات العبرية التي تدخل على الكلمات العبرية. وقد ظهرت هذه اللغة في القرون التي سبقت طرد اليهود من إسبانيا عام 1492. وهي أساساً لغة حديث، ولذا فإن معظم ما كُتب بها كان مجرد شروح على الكتاب المقدَّس. وكانت اللادينو تُكتَب بالحروف العبرية، ولكن المتحدثين بها الآن يكتبونها بالحروف اللاتينية. وهناك نصوص كُتبت باللادينو في العصور الوسطى. لكن أول كتاب مطبوع بهذه اللغة ظهر في القسطنطينية عام 1510، كما طُبعت بها بعض الروايات والجرائد في القرن التاسع عشر. وقد سادت اللادينو بين الجماعات اليهودية في الدولة العثمانية. وكان أهم مراكزها، حتى الحرب العالمية الثانية، مدينة سالونيكا اليونانية، عاصمة اليهود السفارد. واللادينو على وشك الاختفاء، شأنها في ذلك شأن كل الرطانات التي تتحدث بها الجماعات اليهودية المختلفة في العالم، وذلك بسبب الاندماج أو الهجرة إلى إسرائىل. ويتراوح عدد اليهود الذين كانوا يتحدثون اللادينو، أو على الأقل يفهمونها، بين 200 ألف و300 ألف، حيث كانوا ينتشرون في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي الولايات المتحدة. وتتأثر لهجة المتحدثين باللادينو بلغة البلد الذي يعيشون فيه، فالمتحدث باللادينو في يوغوسلافيا يستخدم مفردات سلافية، أما المتحدث بها في تركيا فيميل إلى استخدام اللغة التركية. وفي إسرائيل، تصدر في الوقت الحالي بعض المطبوعات باللادينو، لكن عدد المتحدثين بهذه اللغة يكاد ينعدم تماماً. الإسبرانتو Esperanto «إسبرانتو» كلمة مُخلَّقة تعني «الذي عنده أمل» . وقد نشر لودفيج زامنهوف (1859 ـ 1917) وهو لغوي من يهود اليديشية (ومن أعضاء جماعة أحباء صهيون) مخططاً للغة دولية جديدة (عام 1877) بتوقيع «الدكتور إسبرانتو» ، وقد أصبحت الكلمة اسماً للغة التي وضعها. ويستند نحو الإسبرانتو إلى التركيب النحوي في اللغات الأوربية. ولكن نحو الإسبرانتو بسيط إذ يتكون من 16 قاعدة ويخلو من أي شواذ. وقواعد اشتقاق الكلمات بسيطة إذ يمكن توليد كل الكلمات المطلوبة من عدد صغير من الكلمات الأساسية البالغ 900 كلمة وحسب (بالقياس إلى حوالي 20 ألف كلمة في كل لغة) . ومن ثم فمفرداتها لا نهاية لها، ولكن من السهل تذكرها. وقد فكر زامنهوف أن يجعل الإسبرانتو لغة المستوطَن الصهيوني، لكن إليعازر بن يهودا كان قد بدأ عملية بعث العبرية. وقد عُقد أول مؤتمر للإسبرانتو في فرنسا عام 1905، ثم عُقدت عدة مؤتمرات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ومع أنه هناك عدة محاولات أخرى لتطوير لغات عالمية، فإن الإسبرانتو لا تزال هي أشهر هذه اللغات. ويبدو أن زامنهوف كان يدور في إطار فكر عصر الاستنارة الذي يُعادي كل الخصوصيات حتى يظهر الإنسان الطبيعي، ومن ثم فقد طوَّر لغة طبيعية عالمية علمانية محايدة تقترب من حالة الجبر والهندسة، معقمة من التاريخ والزمان والإنسانية. ولذا فهي لغة طبيعية وُلدت ميتة، وقد لاحظ دارسو الإسبرانتو أنها تصلح للتعبير عن الحاجات المادية (الطبيعية) للإنسان (مثل طلب الطعام والشراب) إلا أنها لا تصلح للتعبير عن أية قضايا إنسانية مركبة (تلك القضايا التي يتعامل معها الدين والفلسفة) . ومن الطريف أن زامنهوف حاول تطوير ديانة عالمية طبيعية محايدة (مثل الإسبرانتو) سماها الهليلية (نسبة إلى الحاخام هليل الذي كان يدَّعي زامنهوف أنه من نسله) . ولا شك في أنه كان يهدف من مساعيه العالمية هذه أن يتوصل إلى بنىًّ فكرية وفلسفية لا تتمتع بأية خصوصية قومية أو دينية وتقضي على أي تطلُّع إنساني أو ديني. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الفكر اليهودي والمفكرون اليهود
Jewish Thought and Jewish Thinkers تُطلَق عبارة «فكر يهودي» أحياناً على الكتابات التي يكتبها مفكرون من أعضاء الجماعات اليهودية ( «المفكرون اليهود» في المصطلح الشائع) ، وكأن هناك عناصر يهودية متكررة تربط بين كتابات هؤلاء المفكرين وتضفي عليها درجة من الوحدة. ويمكننا أن نسأل: ما الوحدة التي تربط كتابات يوسيفوس فلافيوس ويهودا اللاوي وإسحق لابيرير ويعقوب صنوع ومراد فرج وألبير ميمه، حتى يمكن تصنيف فكرهم على أنه يهودي؟ فإسحق لابيرير وألبير ميمه فَقَدَا الإيمان الديني، ومراد فرج يهودي قرّائي ويوسيفوس يهودي متأغرق، أما يهودا اللاوي فهو من اليهود المستعربة، وتأثرت عقيدة كلٌّ منهم بمحيطه الحضاري. ومن ناحية الانتماء الحضاري ولغة الكتابة والتقاليد الفكرية، فإن يوسيفوس جزء من التراث الهيليني، ويهودا اللاوي جزء من التراث العربي الإسلامي القديم، على عكس يعقوب صنوع ومراد فرج فهما جزء من التراث العربي الإسلامي في مصر. وكل مؤلف من هؤلاء يكتب بلغة مختلفة تماماً عن لغة الآخر. وتتنوع القضايا التي يتعامل معها هؤلاء المفكرون والكُتَّاب بتنوع لغاتهم وحضارتهم، وإن بقيت عناصر مشتركة فلن تكون لها قيمة تفسيرية أو تصنيفية كبيرة. ولذا، قد يكون من الأفضل الحديث عن مفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية بسبب المقدرة التصنيفية والتفسيرية العالية لهذا التعبير، فهو يؤكد عدم التجانس والتنوع، ويمكن داخل هذا الإطار أن نشير إلى المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب باعتبار أن لهم بعض السمات المشتركة التي يكتسبونها من داخل التشكيل الحضاري الغربي لا رغماً عنه أو من خارجه. وقد تزايد بروز المفكرين اليهود في الحضارة الغربية مع تزايُد حلوليتها وتزايُد عدميتها في مرحلة الحلولية بدون إله. وحينما ظهر نيتشه الذي أعلن موت الإله، تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية اليهودية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه (على حد قول آحاد هعام) . ومما لا شك فيه أن غربة المثقف اليهودي في مجتمعه عمقت اغترابه وموقفه النقدي والعدمي. ونحن نرى أن هذه العناصر جعلت المثقفين اليهود أكثر حداثة وأكثر امتلاكاً لناصية الخطاب الحضاري الغربي الحديث، ومن ثم أكثر بروزاً. ومع هذا، حتى لا نسقط في التعميمات البسيطة والاختزالات السهلة، لنا أن نلاحظ أن من الأنماط التي تتواتر بين المثقفين من أعضاء الجماعات اليهودية، أن عدداً لا بأس به منهم ينتمون إلى زمرة المثقفين التي تحاول الاحتفاظ بالوظيفة النقدية للعقل، بحيث لا يُستوعب العقل في المادة ويظل متجاوزاً وبشكل دائم للأمر الواقع والوضع القائم، أي أنهم يحاولون تخطِّي الحلولية الكامنة في الفكر العلماني المادي عن طريق افتراض وجود نقطة ثبات خارج النسق (شيستوف ولا محدودية الاحتمالات ـ إرنست بلوخ والإمكانية الإنسانية التي لم ولن تتحقق، أي مقولة «ليس بعد» ـ العداء بين المعرفة والدولة عند ولتر بنجامين ـ القيم الأخلاقية الدائمة عند ليو ستراوس ـ المجال الخاص الذي يستطيع الفرد أن يفكر فيه وأن يحكم ضميره عند أرنت ـ التعددية التي لا يمكن اختزالها عند أيزياه برلين ـ المسيحية وسيمون فاي ... إلخ) . ويُلاحَظ وجود الظاهرة نفسها عند بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس من أعضاء الجماعات اليهودية. مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية Thinkers and Intellectuals from Members of Jewish Communities نفضل استخدام مصطلح «مفكرون ومثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية» بسبب مقدرته التصنيفية والتفسيرية العالية، فهو يؤكد عدم التجانس كما يؤكد التنوع والانفصال بين المفكرين اليهود. ونحن في هذه الموسوعة، نفرق بين «الفكر» و «الفلسفة» . وهو فصل متعسف بعض الشيء، بخاصة في العصر الحديث، حيث نجد أن جزءاً كبيراً من التفكير الفلسفي يتم من خلال دراسات في اللغة (تشومسكي وفتجنشتاين ودريدا) والأنثروبولوجيا (كلود ليفي شتراوس) وعلم النفس (فرويد) وعلم الاجتماع (أدورنو وهوركهايمر) . ومع هذا، فإن الفصل هنا ذو فائدة تصنيفية، من منظور هذه الموسوعة، بل وله فائدة تفسيرية أيضاً. يهودا اللاوي (1080-1141) Judah Halevy شاعر وطبيب ومفكر عربي يهودي يُكنَّى بأبي حسن اللاوي. وُلد في طليطلة التي احتفظت بطابعها الإسلامي لبعض الوقت حتى بعد أن استولى عليها المسيحيون. وتلقَّى تعليمه في إسبانيا الإسلامية حيث درس اللغة العبرية وعلوم الدين اليهودي والفلسفة وكذلك اللغة العربية وآدابها والطب. وعندما تقدم به العمر، خرج من الأندلس إلى الإسكندرية، ثم ذهب إلى دمياط حيث مكث عامين يعمل بالتجارة، ومنها سافر إلى القاهرة التي خلبه جمالها وكتب قصائد في وصفها. ثم توجه إلى الشام حيث مات هناك. وتقول الأساطير التي ترددها الكتب الصهيونية إن عربياً قتله برمحه وهو على مشارف القدس. ويبدو أنه وقع تحت تأثير الأفكار المشيحانية، فتصوَّر أن العصر المشيحاني وانهيار حكم المسلمين في الأندلس هو عام 1130. وبطبيعة الحال، لم يتحقق هذا الحلم أو غيره من أحلامه المشيحانية الأخرى. ويُعَدُّ اللاوي من أشهر شعراء العبرية في عصره، فقد امتلك ناصية الشعر العبري بعد تأثره بالشعر العربي وأوزانه وأدخل كثيراً من مضامينه وأشكاله على الشعر العبري. وكتب اللاوي كثيراً من القصائد ذات الأغراض الدنيوية (مثل الحب ووصف الطبيعة) . كما كتب قصائد في المدح والمناسبات كافة، فكتب قصائد ذات طابع ديني مثل «أغنية إلى صهيون» ، وتحدث عن الأرض المقدَّسة التي سكن فيها الرب، وعن اختياره الشعب اليهودي رغم معاناة أفراده، وعن رغبته في العودة. ونظم بعض القصائد للمناسبات الدينية مثل الاحتفال بالسبت والأعياد وأيام الصوم، ووجدت هذه القصائد طريقها إلى كل كتب صلوات العيد (ماحزور) . اتخذ اللاوي موقفاً معادياً للفلسفة، وقال إن الفلسفة من عبث العقل، وتبدَّى موقفه هذا في شعره الديني. ولكن أهم مؤلفاته هو كتاب الخزري (سيفر هاكوزاري) الذي يُعرَف أيضاً باسم الحجة والدليل في نصر الدين الذليل. وقد أُلف الكتاب بالعربية ودُوِّن بحروف عبرية حتى لا يُتداول إلا بين اليهود، وهو يُعَدُّ من كلاسيكيات الفكر العربي اليهودي. والكتاب يدور حول حادثة تهود بولان، ملك الخزر، ولا يعدو أن يكون صدى لبعض التيارات الفكرية في العالم الإسلامي. فقد انتشر علم الكلام بين كثير من المفكرين اليهود وسيطر تماماً على فكر القرّائين الذين تبنوا العقل وجعلوه الأساس الوحيد للتفسير والاجتهاد. وكتاب الخزري هو رد اللاوي على هذا الاتجاه متأثراً في شكله وفكره بمؤلفات الغزالي (1058 ـ 1111) . ويأخذ الكتاب شكل مناظرة بين حاخام يهودي وقس مسيحي وشيخ مسلم وفيلسوف أرسطي، ويعرض كل واحد منهم وجهة نظره، وبعد الحوار الطويل (وبعد أن يعرض كلٌّ موقفه) يختار ملك الخزر اليهودية ويعتنقها. ويُهاجم اللاوي الفلسفة اليونانية ويُبيِّن عجز العقل عن الوصول إلى الحقيقة. ولذا، فهو يعتقد أن الفلسفة لابد أن تظل في خدمة الدين. وكان اللاوي يتصور أن الإسلام والمسيحية يرتكزان على شخصيتي محمد عليه الصلاة والسلام والمسيح عليه السلام، وأن القرآن (لأنه مكتوب بالعربية) موجه إلى العرب وحسب، على حين أن اليهودية لا تدور حول شخص، وإنما تستند إلى الشعب اليهودي الذي اختصه الرب بالتوراة دون شعوب الأرض. ويعبِّر تاريخ هذا الشعب عن الإرادة الربانية، ومن ثم فهو تاريخ مقدَّس. ومن أهم القضايا التي طرحها اللاوي في كتابه قضية النبوة، فهو يرى أن ملَكة النبوَّة مقصورة على أقلية منذ آدم ولا تظهر إلا في فرد واحد في كل جيل. وهذه المَلَكة انتقلت من إبراهيم إلى إسحق ومنه إلى يعقوب ومن يعقوب إلى كل شعب يسرائيل وهو الشعب الوحيد الذي ظهر بينه العديد من الأنبياء. ولكن ملَكة النبوَّة ليست كافية في حد ذاتها لأن يصبح المرء نبياً. وهنا يورد اللاوي صورة الكرمة الرفيعة المجازية التي يجب أن تُزرع في تربة خاصة، ويُعتنى بها بمهارة غير عادية قبل أن تُعطي العنب الذي يمكن استخلاص الخمر الفاخر منه. وهكذا النبوَّة، لا يمكنها أن تزدهر إلا في أرض خاصة وهي أرض يسرائيل، وتحتاج إلى طريقة خاصة للعناية بها وهي اللغة العبرية، وقوانين الكتاب المقدَّس الشعائرية. وتحت هذه الظروف فقط، يستطيع الأنبياء أن يسمعوا الكلمة المقدَّسة ويُدركوا الرؤىا السماوية. وبهذا، يمكن تفسير عدم ظهور أنبياء في يسرائيل بعد النفي. ولن تتحقق موهبة يسرائيل ولن تعود مقدرتها على التنبؤ إلا بعد عودتها إلى الأرض. وهذا الرأي يربط من جهة بين النبوَّة وتميُّز يسرائيل وبين عناصر طبيعية وبيولوجية، ويربط بين الحلولية اليهودية التقليدية وصورة الطبيعة العضوية المجازية من جهة أخرى. وهو، بهذا، يُعَدُّ أحد رواد الفكر الصهيوني الذي يربط بين الشعب والأرض واللغة والرب ويراها جميعاً كلاًّ عضوياً ملتحماً بسبب حلول الرب في مادة يسرائيل المقدَّسة. وهذه الفكرة تشبه فكرة الشعب العضوي (فولك) الألمانية. ثم يتوجَّه اللاوي إلى مشكلة الشعب الذليل الذي قد يُؤخذ عذاب أفراده قرينة على رفض الرب لهم. وهنا يلجأ اللاوي إلى تفسير طريف بقدر ما هو ملتو، إذ يقول إن الأمم لا تُباهي بمحاربيها وملوكها وإنما بشهدائها (وهنا يظهر التأثير الواضح للفكر المسيحي عليه بتأكيد حادثة الصلب باعتبارها حادثة ذات دلالة عميقة على عكس الإسلام الذي يؤكد نصر الله والفتح) . وبالتالي، يكون العذاب ميزة، وهي ميزة يتمتع بها اليهود. ولعل القصور الوحيد عند اليهود يكمن في أنهم لا يتعذبون برضاهم. ولكنه يستدرك قائلاً: إن عذاب اليهود مسألة تتم باختيارهم، إذ أن بمقدور اليهودي أن يهرب من معاناته باعتناق دين آخر. ثم يضيف أن هناك هدفاً وراء معاناة اليهود، فيسرائيل هي بمثابة القلب بين أعضاء الجسد، وهذه فكرة صهيونية أخرى، حيث تمنح الشعب اليهودي مركزية في الكون والتاريخ الإنساني. ابن كمونة (1215-1285 ( Ibn Kamuna ابن كمونة اسم الشهرة لسعد بن منصور بن سعد بن الحسن الإسرائيلي. عاش في بغداد وعَمل بعض الوقت مع الغزاة المغول الوثنيين. ارتبطت شهرته بكتابه الجديد في الحكمة، وهو الكتاب الذي نال اهتماماً خاصاً من المسلمين وأعضاء الجماعات اليهودية. مع أن لابن كمونة مؤلفات أخرى، مثل التذكرة في الكيمياء، وشرح كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا، وشرح كتاب التلويحات العرشية للسهروردي، وتنقيح الأبحاث في البحث عن الملل الثلاث. وهذا الكتاب الأخير مطبوع مع ترجمة للإنجليزية (جامعة كاليفورنيا 1967، نشرة موسى برلمان) . أما الكتب الأخرى فهي في حكم المفقود. يتناول الكتاب النقاش الدائر بين أتباع الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) ، ويبدأ بفصل تمهيدي عن النبوة بشكل عام ثم يُتبعه بفصول عن النبوة في الديانات الثلاث تتسم بالموضوعية. كما يتبدَّى في الكتاب تعَاطُف ابن كمونة مع الاتجاهات العقلانية (مقابل الاتجاهات الصوفية والإشراقية) . ولكن مادة الكتاب في معظمها اقتباسات من كتابات ابن سينا والغزالي وموسى بن ميمون (دون أن يعيِّن المصدر) . وقد نسب البعض لابن كمونة كتاب إفحام اليهود مع ادعاء أنه أسلم في آخر حياته! وهو خلط بين ابن كمونة والسموأل، فالأخير هو الذي أسلم وألَّف الإفحام. ويُعدُّ الجديد في الحكمة أحد أهم المؤلفات الفلسفية (ذات الطابع الديني) في القرن السابع الهجري. ومع أن مؤلفه يهودي الديانة، إلا أن الكتاب يحمل طابع الثقافة الإسلامية الأصيل آنذاك؛ فهو مكتوب بلغة عربية فصيحة، ويعالج القضايا نفسها التي عالجها المسلمون آنذاك، مستخدماً مصطلحاتهم وتقسيمهم للقضايا. بل يعكس ابن كمونة، بقوة، طابع الثقافة الإسلامية التي كان المسلمون يبدأون بها مؤلفاتهم؛ يقول ابن كمونة بعد البسملة: أحمد الله تعالى حمداً يُقرِّب إلى جنابه الكريم، ويُوجب المزيد من فضله وإحسانه؛ وأستغفره استغفاراً يؤمِّن من عقابه الأليم، ويُخلِّد في الفردوس الأعلى من جنانه؛ وأسأله الهداية إلى صراطه المستقيم، بإلهام الحق وإنارة برهانه [لاحظ السجع التبادلي المُركَّب بين العبارات] . وبعد، فقد اتفق أرباب العقائد العقلية، والديانات النقلية، على أن الإيمان بالله، واليوم الآخر، وعمل الصالحات؛ هو غاية الكمالات الإنسانية ... إلخ. ولا يحمل الجديد في الحكمة أي جديد مخالف لما قرره العلماء المسلمون السابقون على ابن كمونة، وبخاصة متكلمو المعتزلة والأشاعرة، فهو يكاد يلخص أقوالهم، أو بالأحرى: ينتقي من أقوالهم أشهرها. ومهما فتَّشنا في هذا الكتاب، فلن نجد دليلاً واحداً ـ ظاهراً أو مستتراً ـ على يهودية مؤلّفه ابن كمونة؛ حتى أنه لم يفعل كسلفه موسى بن ميمون الذي كان ينثر في كتابه دلالة الحائرين بعض آيات التوراة بين آراء متكلمي المسلمين، ليُضفي طابعاً يهودياً مُصطَنعاً على ثقافته العربية الإسلامية. وقد كتب ابن كمونة كذلك كتيباً عن الفرق بين اليهود الحاخاميين والقرّائين. ولا تشير المصادر اليهودية إلى ابن كمونة. إسحق لابيرير (1594 أو1596-1676) Isaac La Peyrere عالم لاهوت فرنسي من أصل ماراني وأحد نقاد العهد القديم. وُلد في بوردو، وكانت مركز تجمُّع اليهود المارانو، ونُشِّئ على العقيدة الكالفنية إذ كان من الهيجونوت. كتب مؤلفاً بعنوان الإنسان قبل آدم، صُودر عند نشره وإن استمر تداوله مخطوطاً في فرنسا وهولندا والدنمارك. كما كتب عام 1643 كتاباً ذا طابع صهيوني مشيحاني يُسمَّى استدعاء اليهود. وفي عام 1644، ذهب لابيرير إلى كوبنهاجن مع السفير الفرنسي، وألَّف كتابين عام 1647 عن جرينلاند وأيسلندا يعدان من الدراسات الأنثروبولوجية الرائدة. وقد أطَّلعت الملكة كريستينا على مخطوطة كتاب الإنسان قبل آدم وحثته على نشره على نفقتها، فطُبع عام 1655 في كلٍّ من أمستردام وبازل، وظهرت خمس طبعات لاتينية عام 1655 وطبعة إنجليزية عام 1656 وطبعة هولندية عام 1666، وقد أُحرق الكتاب في كل مكان بسبب أطروحاته المهرطقة القائلة بأن آدم لم يكن الإنسان الأول، وأن العهد القديم ليس سجلاً لتاريخ الجنس البشري وإنما لتاريخ اليهود وحسب، وأن موسى لم يكتب أسفار موسى الخمسة وأنه لا توجد نسخة دقيقة واحدة من الإنجيل. وأُلقي القبض عليه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد أن تكثلك وعبَّر عن ندمه أمام البابا. وقد فعل هذا من أجل التقية على طريقة المارانو قائلاً إن هرطقاته هي نتيجة تنشئته الكالفنية، وأنه على الرغم من عدم اتفاق كل اليهود والمسيحيين معه، ورغم أنه لم يعثر على أية شواهد توراتية أو عقلية ضد نظرياته، إلا أنه سيتخلى عنها كلها لأن الكنيسة قررت أنها خاطئة. ومع هذا، استمر لابيرير في جمع الشواهد على نظرية الوجود الإنساني قبل آدم. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن لابيرير هو من آباء الصهيونية التي تضرب بجذورها في مشيحانيته المارانية، إذ ذهب في كتابه استدعاء اليهود إلى أن الماشيَّح على وشك الظهور، وأنه سيقود اليهود إلى صهيون بمساعدة ملك فرنسا، وأن عودتهم شرط انتصار المسيحية. والكتاب مليء بالصور القبَّالية والغنوصية. وتبيِّن كتابات لابيرير تداخل عدة موضوعات أساسية في الحضارة الغربية الحديثة (المشيحانية ونهاية التاريخ والاستعمار والعلمانية والصهيونية) . وتوجد نقط تشابه كثيرة بين لابيرير وإسبينوزا الذي تأثر به، ولعل هذا رافد قبَّالي آخر يصب في فكر إسبينوزا. ويُبيِّن لابيرير مدى تأثير الفكر الماراني على مسار الفكر الغربي الحديث. مراد فرج (1866-1956) Murad Faraj كاتب مصري يهودي قرّائي كان يكتب بالعربية والعبرية، صدر له حوالي ثلاثين مجلداً من الأشعار والكتابات الدينية والقانونية. وقد وُلد مراد فرج في القاهرة ودرس المحاماة وعمل بالحكومة المصرية خلال عهد الخديوي عباس حلمي، واهتم بشئون طائفة اليهود القرّائين ومشاكلها، وقام بتحرير جريدة الطائفة التهذيب حيث نشر كثيراً من مقالاته الأولى. واشتغل بالمحاماة بعد استقالته من وظيفته وحتى عام 1932، ثم تفرغ بعد ذلك تماماً للأنشطة الأدبية. ونشر مراد فرج كثيراً من مقالاته وأشعاره في الصحف والمجلات المصرية مثل جريدتي الجريدة والمؤيد. وتناولت مقالاته قضايا فلسفية وفكرية واجتماعية متعددة، وبخاصة في مجال العلاقة بين الطوائف الدينية. ولم تتناول مقالاته الأحداث السياسية برغم سخونة الأحداث في تلك الفترة باستثناء مقال واحد دعا فيه إلى ضرورة الوحدة الوطنية بين عناصر الأمة الثلاثة: المسلمين والمسيحيين واليهود، وناشد المسلمين بمعاملة غير المسلمين على قدم المساواة. كما صدر لفرج مجموعة من الأشعار (أثنى عليها الشاعر المصري الكبير أحمد شوقي من قبيل المجاملة، فليس فيها ما يميزها عن غيرها من المجموعات الشعرية التي يكتبها صغار الشعراء في كل العصور) من أهمها ديوان فرج الذي صدر في خمسة مجلدات في الفترة بين عامي 1912 و1935، ومجموعة الشعراء اليهود العرب التي صدرت بين 1929 ـ 1932. كما أصدر عام 1945 مجموعة أخرى من الأشعار بالعربية والعبرية. وقد كتب فرج جميع أعماله الدينية بالعربية ما عدا عملاً واحداً. ومن بين هذه الأعمال القرّاءون والربانيون (1918) ، واليهودية (1920) ، وتفسير التوراة (1928) ، والقدسيات والتي ترجمها إلى العبرية عام 1923. وتناول فرج في هذا العمل الأخير كثيراً من القضايا اليهودية؛ خصوصاً علاقة اليهود بغير اليهود، والمشروع الصهيوني في فلسطين، والذي أبدى فرج بعض التعاطف معه رغم انتمائه القرّائي. وقد تفرغ فرج خلال الأعوام العشرين الأخيرة من حياته لكتابة معجم مقارن للغتين العربية والعبرية، كما قام بترجمة أجزاء من العهد القديم إلى اللغة العربية. وانتُخب عام 1936 عضواً في مجمع اللغة العربية. وليس هناك بُعد يهودي في كتابات مراد فرج إلا مجموعة الكتب والدراسات التي كتبها عن اليهود واليهودية (وهي لا تتسم بكثير من العمق) . فرتز هابر (1868-1934) Frtiz Haber كيميائي فيزيائي ألماني يهودي حاصل على جائزة نوبل. وُلد في برسلاو ابناً لتاجر كيماويات وأصباغ ناجح. درس الكيمياء وحصل على الدكتوراه من جامعة برلين، وعُيِّن عام 1906 أستاذاً في الكيمياء الفيزيائية والكهربائية. ونجح من خلال أبحاثه العلمية في الوصول لقانون في الكيمياء أصبح يحمل اسمه، إلا أن أهم أعماله كانت في مجال تطوير عملية إنتاج مادة النشادر عن طريق دمج عنصري الهيدروجين والنيتروجين كيميائياً. ومُنح هابر جائزة نوبل عام 1918 عن هذا الإنجاز العلمي. وقامت بعض الشركات الألمانية الكبرى بتطوير هذه المادة صناعياً واستغلالها تجارياً، كما كانت هذه المادة ذات أهمية كبرى للمجهود الحربي الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، وبخاصة في إنتاج المتفجرات. وفي عام 1911، عُيِّن هابر أول رئيس لمعهد قيصر فيلهلم للبحوث في برلين. وفي عام 1914، تم توجيه نشاط المعهد للمجهود الحربي الألماني، خصوصاً باتجاه الحرب الكيماوية، حيث أشرف هابر على عمليات تطوير واستخدام غازات الكلور والخردل. وعقب انتهاء الحرب عمل هابر على تطوير المعهد حتى أصبحت ألمانيا في العشرينيات الدولة الأولى في العالم في مجال الكيمياء الفيزيائية. وانتُخب هابر رئيساً للجمعية الألمانية الكيميائية. وبعد أن أمضى عدة أشهر في اليابان، قام بتأسيس «معهد اليابان» في كلٍّ من طوكيو وبرلين بغرض تدعيم العلاقات الثنائية والتفاهم بين البلدين. كما أجرى هابر بعض الأبحاث لمحاولة استخراج الذهب من مياه البحر وذلك لمساعدة ألمانيا في دفع تعويضات الحرب. وكان هابر رافضاً لأصوله اليهودية، بل ترك العقيدة اليهودية وتنصَّر. ولذلك، لم يتعرض لأي تهديد أو اضطهاد عندما وصل النازي إلى الحكم في ألمانيا عام 1933. ولكنه استقال من رئاسة المعهد بعد أن رفض طلب الحكومة النازية بطرد جميع العاملين اليهود بالمعهد. وقد سافر عقب ذلك إلى سويسرا حيث تُوفي في إحدى المصحات. جوستاف لانداور (1870-1919) Gustav Landauer مفكر ألماني فوضوي اشتراكي وابن تاجر ثري. درس الفلسفة ولكنه طُرد من الجامعة بعد أن حُكم عليه بالسجن عام 1893 لأنه حرَّض مجموعة من العمال على الثورة. ثم قُبض عليه مرة أخرى عام 1896 وهو يدعو إلى التمرد. يتسم فكر لانداور بأنه فكر صوفي عضوي حلولي فوضوي، فقد تأثر بأفكار الفوضوي الروسي كروبتكين. وقام لانداور بترجمة أعمال المتصوف الألماني مايستر إيكهارت إلى الألمانية الحديثة. ووجد أن فلسفة صديقه فريتز ماوثنر في اللغة قد فتحت آفاقاً عظيمة لكل من التعددية الفلسفية والصوفية، فهي فلسفة إلحادية تماماً ترى أن كل فكر يُرد إما إلى المادة أو إلى أوهام الإنسان. وهي فلسفة أعلنت أن من المستحيل الوصول إلى أية حقيقة من خلال اللغة، وهو ما يعني أن الحقيقة فردية نسبية، وما يقوله شخص لا يفهمه شخص غيره، ومن هنا التعددية (الفوضوية) والنسبية والفردية الصوفية. وقد رفض لانداور أية سلطة أو إدارة مركزية واقترح بدلاً من ذلك ما سماه «الرابطة الاشتراكية» التي ستحل محل الدولة والاقتصاد الرأسمالي. فطالب بثورة يلعب فيها الأفراد (لا الطبقة العاملة) دوراً أساسياً، أفراد سيقومون بصياغة علاقات تعاونية جديدة لتؤسِّس أسلوباً جديداً للحياة من خلال القدوة الحسنة وليس من خلال السياسة أو الحزب. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى عارضها لانداور، وتحمَّس لانتفاضة بافاريا، ودعاه إيسنر (رئيس وزراء جمهورية بافاريا) إلى ميونيخ وعيَّنه وزيراً، وقد استمر في منصبه بعد اغتيال إيسنر وبعد إعلان بافاريا جمهورية سوفيتية. وكان لانداور، رغم فوضويته وفرديته، يؤمن بفكرة الديكتاتور العادل الذي يعرف مصلحة رعاياه خيراً منهم، كما كان يرى أن الفكرة المشيحانية في اليهودية فكرة ثورية إلى أقصى حد. فاليهود شعب ينتظر الماشيَّح والمنفى، ولذا فإنهم يقومون بتثوير كل الشعوب. وهم يُعتبرون، على أحد المستويات، بمثابة ماشيَّح الشعوب، وكان يرى أن خلاص اليهود والإنسانية شيء واحد لا يتجزأ. بل إنه كان يرى أن سنة اليوبيل في اليهودية تجعل من الثورة الدائمة أساس الدستور الاجتماعي. ورغم أن لانداور كان ملحداً، يهودياً غير يهودي، إلا أن استخدامه بعض الأفكار والمصطلحات اليهودية جعل الكثيرين يعتبرونه مسئولاً عن كثير من الجرائم التي ارتكبتها جمهورية بافاريا. كما ارتبط اسمه بالدعاية المعادية لليهود باعتبارهم من دعاة الفوضوية، والفوضىون مسئولون عن ضعف ألمانيا. وقد قُتل لانداور في الشارع حينما وصلت القوات الألمانية النظامية وقضت على الجمهورية. صدرت للانداور رواية عام 1893، كما صدرت له مجموعة قصص قصيرة عام 1903، وله دراسات في أعمال شكسبير المسرحية وفي النظرية الاشتراكية. وقد أثر فكر لانداور في كثير من المفكرين اليهود والصهاينة، خصوصاً مارتن بوبر، ويبدو أن معظم أفكار بوبر الاشتراكية الصوفية تعود إلى لانداور. ويبيِّن فكر لانداور الصوفي الحلولي مدى تداخل الفكر الديني اليهودي بالفكر المسيحي في عصر الحلولية والعلمانية. ويبدو أن إيكهارت (المسيحي) أثر في لانداور (اليهودي) الذي أثر بدوره في بوبر (اليهودي) الذي ترك أثراً عميقاً في الفكر الديني المسيحي واليهودي في العصر الحديث. إرنست بلوخ (1885-1977 ( Ernst Bloch فيلسوف ألماني ماركسي يهودي. نشر كتابه روح اليوتوبيا (المدينة المثالية) عام 1918، وهو خليط غريب من التصوف اليهودي والهرطقات المسيحية والرومانسية الألمانية والمشيحانية الماركسية. وكان بلوخ مُعجباً بجيوردانو برونو ونيكولاس كوزا والمتصوفين المسيحيين الذين رأوا مملكة الرب باعتبارها إمكانية كامنة في الإنسان. هاجر بلوخ إلى الولايات المتحدة عام 1938، وبعدها كتب أهم أعماله مبادئ الأمل وهو دراسة ضخمة في الفكر الطوباوي. وقد وُصف بلوخ بأنه رومانتيكي ماركسي أو حتى اشتراكي تلمودي. بينما يصف هو فلسفته بأنها الأمل في المستقبل، وهو يرى أن الفن والدين هما مستودع الحاجات الروحية والتطلعات المثالية (الطوباوية) التي تكافح لتعبِّر عن نفسها. فالفن والدين يحتويان على ما يُسميه بلوخ «فائض الحضارة» بما يتجاوز الواقع وما هو مُعطي وتاريخي ومادي، ومن ثم فالفائض الحضاري هو المثالي والطوباوي، هو الأمل الذي يتجاوز الواقع. ويرى بلوخ ضرورة أن تحتفظ النظرية الثورية بهذا اللب الطوباوي للدين والفن كأفق تاريخي للجدلية التاريخية. ولذا يجب على النظرية الثورية أن تفهم فكرة التجاوز الدينية والخلاص والتطلع للحياة الآخرة. ويمكن القول بأن بلوخ يحاول أن يولّد ثنائية داخل النظام المعرفي المادي (تجاوز من خلال المادة) حتى يحتفظ بروح الثورة والأمل؛ ثنائية تشبه الثنائية التقليدية. وبالفعل يتحدث عن أن الأمل الطوباوي يشغل الحيز نفسه الذي كان يشغله الإله من قبل. ولذا تظهر داخل فلسفته ثنائية هيومانية: الإنسان مقابل المعطيات الجامدة وكل ما يشيّئه. فهو يرى على سبيل المثال أن مصدر الثورة هو التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج (على حد قول النظرية الماركسية التقليدية) ، ولكن «اتجاه» الثورة هو أمر كلي ونهائي (تطلق عليه الديانات لفظ «إسكاتولوجي» أو «تيليولوجي» ، أي «علم نهاية الأشياء» ) . وهذا تعبير عن ثنائية عالم الأشياء مقابل اليوتوبيا. والإنسان نفسه تعبير عن هذه الثنائية، فهناك قوانين التاريخ الحتمية والأفق المادي الذي يعيش فيه، ولكن هناك أيضاً داخل الإنسان إمكانيات لم تتحقق بعد. فهو يعيش في أفق «ليس بعد» (بالألمانية: نوخ نيخت Noch-Nicht) . وهذه الإمكانية المثالية الطوباوية هي التي تحرك الإنسان وهي التي تجعل الطفرات النوعية نحو الجديد ممكنة وهو ما يعني وجود انقطاع في التاريخ، أي أن الحديث عن الحتمية التاريخية (كما يفعل الماركسيون الآليون) أمر لا معنى له. هذا لا يعني أن الممكن، غير المتحقق، (ما ليس بعد) منفصل عن الحقيقي، فهو إرهاص له، هو طريق الخلاص للإنسان ولكنه خلاص يتحقق داخل العالم المادي. ولذا، ينادي بلوخ بإنسانية ثورية، أي إنسانية تحقق للإنسان، إمكانياته من خلال نضال ثوري وتحوُّل اجتماعي (هذا في مقابل ما يُسميه «الإنسانية البورجوازية» التي تُمجِّد الإنسان كوضع قائم في المجتمع البورجوازي) .فالإنسان «ليس بعد» لأنه مقيد بالأحوال الاجتماعية والتاريخية المحيطة به والمؤسسات التي تمنعه من تحقيق إمكانياته. وغاية الفلسفة معرفة هذه الإمكانية التي لم تتحقق، ومن ثم فإن المعرفة الفلسفية معرفة ثورية لأنها تدفع صاحبها إلى ما ليس بعد. كما تدفع العالم من حوله نحو الأفضل وتقوده إلى الحرية. وبدون هذا العنصر المثالي الطوباوي فإن الماركسية ستتشيأ وتسقط في العقلانية التكنولوجية وتصبح مرتبطة بالوضع القائم الملحد الذي يُعطل الروح الإنسانية ويقضي عليها (أي يقضي على ثنائية الإنسان والأشياء) ولا يُبقي سوي فرد متشيئ ذي بُعد واحد وفردوس متشيئ. ومن الواضح أن بلوخ يبذل قصارى جهده للهروب من انغلاق النسق المادي ومن السقوط في نهاية التاريخ، حتى لا يضيع الحلم الإنساني الطوباوي تماماً. ومع هذا تُطل إشكالية نهاية التاريخ برأسها القبيح، إذ يُبشر بلوخ بفردوس أرضي يمكن أن يتحقق إذا ما تم تحرير كل من قوى الإنتاج (المادية البرانية) وقلب الإنسان وعقله وخياله (الروحي الجواني) في مجتمع ديموقرّاطي حقيقي دون اغتراب أو قمع للذات. حينئذ سيظهر في العالم شيء يظهر لنا جميعاً في طفولتنا - شيء لم يصله أحد منا بعد - المنزل/الدار. وهكذا تتحقق الإمكانية وتكتمل الدائرة وتعود البراءة الأولى في العصر المشيحاني (هل تختفي حينئذ «ليس بعد» ؟ أم أن هذا الفردوس ليس نهاية المطاف؟ (. ومن الواضح أن بلوخ، في فلسفته العامة، لا يفرد دوراً خاصاً لليهودي، كما أنه لم يتناول الموضوع اليهودي بكثير من الإفاضة والتفصيل. ومع هذا، نجد أنه في كتابه روح اليوتوبيا يخصِّص فصلاً يُسمَّى «رمز اليهود» ، وهو من المقالات النادرة التي كتبها بلوخ عن اليهود. يرفض بلوخ كلاًّ من الموقف الاندماجي والموقف الأرثوذكسي. كما أنه يرفض الصهيونية، إذ أنها ستُحوِّل يهودا (أي فلسطين) إلى دولة آسيوية صغيرة. وتظهر الموضوعات القبَّالية اللوريانية ومفهوم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) في كتابه توماس موزنر: لاهوتي الثورة (1921) . ومن الواضح أن مصادره القبَّالية ليست بالضرورة يهودية، بل إن القبَّالاه المسيحية تلعب دوراً أكثر فعالية في فكره، ولذا نجد أن اهتمامه الأساسي ينصب على حركات الهرطقة المسيحية في القرن السادس عشر باعتبارها إرهاصات للمدن المثالية الثورية الحديثة. وتُشير بعض فصول كتاب مبادئ الأمل، كفصل «موسى: اليوتوبيا في الدين، الدين في اليوتوبيا» ، إلى التراث الديني اليهودي باعتباره أحد المصادر الروحية للفكر الطوباوي. كما أن هناك فصلاً عن الصهيونية يوجه فيه بلوخ النقد لصهيونية هرتزل ويُسمِّيها «صهيونية بورجوازية» لأنها دعوة قومية، تخاطب اليهود دون غيرهم، وتطالب بأرض ودولة، بينما يجد هو أن اليهودية أكثر رحابة من ذلك، فالعالم بأسره هو وطنها. ويجد بلوخ أن أصدق مثل على ذلك هو كتابات المفكر موسى هسّ الذي يُحوِّل النزعة الطوباوية المثالية في اليهودية إلى نزعة عالمية. وهذه، بطبيعة الحال، قرّاءة شديدة التحيُّز لهذا المفكر الصهيوني الذي يطالب بتأسيس دولة اشتراكية يهودية تقوم بطرد الفلسطينيين وتحقيق الأمن والعدالة لليهود! ويرى إرنست بلوخ أن معاداة اليهود هي شكل من أشكال الحقد على الإمكانيات الطوباوية التي يمتلكها اليهود داخل الحضارة الغربية (وهو موقف لا يختلف كثيراً عن موقف مدرسة فرانكفورت (. وقد عاد بلوخ إلى ألمانيا الشرقية بعد عام 1948، ولكنه تركها عام 1961 إلى ألمانيا الغربية بعد اختلافه مع النظام الشيوعي، ومع هذا ظل بلوخ ماركسياً حتى وفاته. وقد دافع عن حق الدولة الصهيونية في الوجود عام 1967، وهو في هذا لا يختلف عن كثير من المثقفين الغربيين. ليو ستراوس (1889-1973 ( Leo Strauss فيلسوف وعالم سياسي ألماني أمريكي يهودي. وُلد في ألمانيا، واشتغل عام 1925 في أكاديمية البحوث اليهودية في برلين. ومع صعود النازي إلى السلطة، هاجر ستراوس إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام بالتدريس في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك في الفترة بين عامي 1938 و1949 ثم في جامعة شيكاغو عام 1968. وفي أعماله يتناول ستراوس الفكر السياسي الغربي بالنقد والتحليل، ويهتم بشكل خاص بقضية الخلاف بين فكر القدماء وفكر المحدَثين، وقضية الخلاف بين الفلسفة والدين. وقد قاده ذلك إلى دراسة وتحليل نصوص القدماء والبحث عن كيفية استيعاب المفكرين والكتاب اليهود والمسلمين خلال العصور الوسطى للفلسفة اليونانية. وتبنَّى ستراوس نهجاً في دراسته يهدف إلى تفسير النَّص وفقاً لمفهوم المؤلف نفسه للنَّص، وهو في ذلك يؤكد أهمية وقيمة النَّص في ذاته، ولكنه يرفض المنهج التاريخي الذي يسعى إلى تفسير وتأويل النصوص على ضوء اعتبارات نفسية واجتماعية خارجية، كما يرفض استخدام المعايير والمفاهيم الحديثة في تفسير النصوص القديمة. ولذلك، عمل ستراوس على محاولة تفسير النصوص واستخلاص معانيها الكامنة من خلال تحليل بنيانها وفهم أسلوب المؤلف في الكتابة. وقام بالتمييز بين المعنى البسيط أو الخارجي للنص والمعنى الخفي المركب الكامن بداخله، وهو تمييز ظل متَّبعاً منذ القدم وحتى القرن التاسع عشر حيث كان كثير من الكتاب والفلاسفة يخفون آراءهم الحقيقية والمخالفة للمعتقدات الدينية والسياسية السائدة وراء ستار من اللغة والأساليب الأدبية التي لا تبدو مخالفة في ظاهرها. ولذلك، يجب أن يسعى تحليل وتفسير نصوص القدماء إلى استخلاص المفاهيم والمعاني الكامنة وراء السطور. وفي كتابه الاضطهاد وفن الكتابة (1952) يبيِّن ستراوس، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي وإسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية «القرّاءة بين السطور» . ويتناول الموضوع نفسه في كتابه كيفية دراسة كتاب دلالة الحائرين (لموسى بن ميمون) الذي يعطي الباحثين والدارسين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته حول فكر إسبينوزا نقد إسبينوزا للدين الصادرة عام 1930 بداية في هذا الاتجاه. ومن خلال تحليله ودراسته نصوص وفكر القدماء، عمل ستراوس على إبراز قيمة الفكر السياسي الكلاسيكي بالمقارنة بالفكر الحديث. وتبيِّن أعماله، مثل ما الفلسفة السياسية (1959) والحق الطبيعي والتاريخ (1965) والليبرالية: القديمة والحديثة (1968) ، مدى انتمائه للتيار المحافظ في الولايات المتحدة، وهي تتضمن نقداً للليبرالية الحديثة التي يرى ستراوس أنها حافلة بالمشاكل الجوهرية التي لا سبيل إلى معالجتها، فهو يرى أن الديموقرّاطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافة جماهيرية منحلة واتجاه نحو التكيف والامتثال ويفرز ذلك قيادات مفلسة أخلاقياً. ويدعو ستراوس إلى نظام نيابي تقوده صفوة متميِّزة ويستلزم ذلك وجود طبقة أرستقرّاطية تمتلك الثقافة الرفيعة. وقد انتقد ستراوس أيضاً الوضعية والتاريخية اللتين ترفضان مفهوم الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وتفتتان الحياة السياسية الملموسة إلى تجريدات خاوية وثنائيات زائفة. كما رأى أن الفكر السياسي الحديث تخلى عن هدف البحث عن القيم الأخلاقية الدائمة، وهو هدف الفلسفة الكلاسيكية في سبيل أهداف سياسية سهلة المنال، تسعى إلى التحكم في الإنسان والسيطرة عليه بعيداً عن أية معايير أخلاقية. وتعود أهمية ستراوس إلى تأكيده أهمية تحليل الخطاب وفك شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو بذلك يُعَدُّ أحد المفكرين الغربيين (من أصل يهودي) الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب ومحاولة الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثل جاكوبسون ودريدا، ولعل هذا يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتراث الماراني. ولكن لابد من الإشارة إلى أن الاهتمام بتحليل النصوص وبفلسفة اللغة بشكل عام هو اهتمام مركزي في الحضارة الغربية الحديثة، بخاصة في القرن العشرين، كما أصبح مبحث اللغة من المباحث الأساسية في الفلسفة، ولعل هذا يعود إلى تصاعد مشكلة المعنى وانتشار النسبية. ويُلاحَظ أن ستراوس مفكر سياسي محافظ، وهو أمر نادر بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ يُلاحَظ أن معظم المفكرين السياسيين الغربيين من أصل يهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية. ومع هذا، يُلاحَظ أن هناك تحولاً واضحاً منذ السبعينيات في هذا النمط، إذ بدأ مفكرون كثيرون من أصل يهودي في تبنِّي الفلسفة المحافظة واتخاذ مواقف رجعية. وولتر بنجامين (1892-1940 ( Walter Benjamin فيلسوف وناقد ألماني، وُلد في برلين وتعلم في مدارسها حيث انخرط في الحركة الطلابية ولعب دوراً مهماً فيها، فكان رئيساً لاتحاد الطلاب في برلين في الفترة 1910 - 1914. لكنه ترك صفوف الحركة الطلابية الراديكالية عام 1915 بسبب تأييدها المشاركة في الحرب، وتهرَّب من التجنيد في صفوف الجيش الألماني وادعى المرض. واستمر في دراسة الفلسفة في فرايبورج وبرلين وميونخ. وفي 1917، ارتحل إلى برن بسويسرا، ثم عاد عام 1920 إلى ألمانيا حيث استقر حتى عام 1933. تعرَّف في برلين عام 1928 إلى برتولت بريخت وأُعجب بأفكاره للغاية. ويدَّعى صديقه ومؤرخه جرشوم شولم أن بنجامين أحس بيهوديته في تلك الفترة وفكر أكثر من مرة في الذهاب إلى فلسطين. وتعرَّف بنجامين عام 1924 إلى الممثلة اللاتفية الشيوعية آسيا لاشيس وأُعجب بأفكارها الشيوعية اليسارية، إلا أنه لم ينضم أبداً للحزب الشيوعي. ومع وصول النازي إلى السلطة، هاجر بنجامين إلى جزر البليار ومنها إلى باريس. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، احتُجز باعتباره مواطناً ألمانياً ثم أُطلق سراحه في نوفمبر 1939. هرب بعدئذ إلى جنوب فرنسا مع مجموعة من اللاجئين وعبر معهم الحدود الإسبانية، وعند دخولهم قرية صغيرة في إسبانيا تعرضوا للابتزاز من قبَل رئيس البوليس في هذه القرية والذي هددهم بإعادتهم للنازي. ولم يتحمل بنجامين التهديد وانتحر باستخدام جرعة زائدة من المورفين. ويُعتبَر بنجامين من أهم النقاد الألمان في فترة ما بين الحربين العالميتين. كما تُعتبر أطروحته التي قدمها لجامعة فرانكفورت عام 1925 لنيل الأستاذية عن «أصل دراما الباروك في ألمانيا» ، والتي رفضتها الجامعة، من كلاسيكيات النقد الألماني الحديث ومن أهم التأويلات الفلسفية في هذا المجال. وتحتوي الأطروحة على إحدى أهم الأفكار والمفاتيح في فكر بنجامين وهي فكرة «الرمز» بوصفه رسالة عن الحقيقة المكتوبة وعن صوت الإنسان المخدوع، وبوصفه التعبير عن أمله الدائم في الخلاص. ويعبِّر بنجامين عن توجهاته الميتافيزيقية في مفهوم الثورة الروحية الدائمة، حيث يرى أن ثمة عداء مبدئياً بين المعرفة والدولة. ويمتلئ كتابه طريق ذو اتجاه واحد الصادر بالألمانية عام 1928 بما أسماه إرنست بلوخ «الأفكار السريالية» و «مفهوم التسمية» . والتسمية ـ حسب رؤيته ـ هي فاعلية تسبق اللغة والكلام وتعطي الأشياء ماهيتها وجوهرها. فالتسمية عنده نوع من المطلق الأعظم يستدعي للذهن فكرة الاسم الأعظم التي تمتلئ بها الديانات الحلولية. واهتم بنجامين في هذا الكتاب بعملية تأويل النص وإبعاده عن السياق التاريخي، حيث يرى أن المضمون الحقيقي للنص أو معناه المثالي النهائي غير قابل للتوصيل، فهو يستمد فعاليته من عملية التسمية التي تجاوز الكلام واللغة، ومن ثم لا يمكن أن ينكشف ذلك عند القرّاءة النقدية إلا بعد مسافة زمنية وبعد أن يخفت ارتباط النص بالملابسات التاريخية. وقد تأثر بنجامين بكل من بودلير وبروست في فكرة وحدة الزمن في الموجودات والتي هي تعبير عن وحدة الوجود. كما أبدى إعجابه الشديد بالسينما والصور الفوتوغرافية حيث يرى أن السينما حطمت قيم الفن المستقرة وحررته وأدخلت عملية الأيقنة (باعتبار أن الدال والمدلول ملتحمان عضوياً في الأيقونة) في صلب الحياة اليومية. وقد استخدم بنجامين تكنيك التقطيع السينمائي في عمليات تفكيك النص الأدبي للوصول إلى المعنى المثالي متخذاً نموذج الرائي المنطلق المراقب كنموذج أساسي. وتمتلئ أطروحات بنجامين، التي قام تيودورو أدرنو بالاشتراك مع شولم بنشرها عام 1966، بالأفكار المشيحانية، وتُعتبَر فكرة الخلاص فكرة محورية في كل أعماله. وفكر بنجامين ليس يهودياً، وإنما هو تعبير واضح عن استيلاء الفكر الحلولي على المجتمع الغربي. ولكن الحلولية هنا ليست رغبة في الذوبان في المادة أو الكون، وإنما هي تعبير عن التمرد على الأطر المادية لهذا المجتمع والتي نزعت القداسة عن كل شيء، فحاولت ـ كرد فعل ـ أن تملأ كل شيء بالقداسة. ولكن إن امتلأت كل الأشياء بالقداسة، وبدرجة واحدة، تصبح كل الأمور متساوية ونسبية، ومن ثم لا قداسة لها. حنه أرنت (1906-1975 ( Hannah Arendt كاتبة أمريكية وفيلسوفة سياسية، وُلدت وتعلمت في ألمانيا ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة بعد وصول هتلر إلى السلطة. كانت في مطلع حياتها متحمسة بعض الشيء للفكرة الصهيونية، وانضمت إلى بعض المنظمات الشبابية الصهيونية في ألمانيا، وكانت السكرتيرة العامة لفرع منظمة هجرة الشباب في فرنسا (1935 ـ 1939) ، كما كانت صديقة شخصية لكورت بلومنفلد وهو من أهم الزعماء الصهاينة الألمان. ولم تفقد أرنت قط اهتمامها بأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب حتى بعد رفضها للصهيونية. وفي الفترة 1936 ـ 1967، عملت أستاذة في جامعة شيكاغو، ثم عملت في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية في نيويورك بعد ذلك التاريخ. ويتسم فكر أرنت بالشمول والاتساع، كما يتضح من عناوين بعض كتبها التي نجد من بينها أصول الشمولية (1951) ، والعنف (1970) ، وأزمة الجمهورية (1973) ، وحياة العقل (1978) ، ومحاضرات عن فلسفة كانط السياسية (1982) ، كما كتبت عن الثورة وأزمة المجتمع الحديث. وتدور معظم اهتماماتها حول تآكل المجال العام في المجتمع الحديث، وهو تآكل يواكبه تآكل الحرية والفكر، فتذهب أرنت إلى أن الحرية (الفعل التلقائي) والفكر (الحوار الداخلي بين الضمير وإدراك المعنى) يتوقف على الفصل بين الحياة السياسية (المجال العام) والحياة الاجتماعية والاقتصادية (المجال الخاص) . فالمجال الخاص يعطي الفرد الحيز الذي يحتاج إليه للتفكير ويحميه من هيمنة المجال العام. وهي ترى أن المدينة اليونانية، بديموقرّاطية المشاركة التي سادت فيها، كانت وضعاً مثالياً، إذ كان بوسع الفرد أن ينسحب من الحياة العامة (السياسية) إلى مجاله الخاص ليفكر ويتأمل ويختار (ويُحكِّم ضميره ويفهم معنى الأمور) . وترى أرنت أن المجتمع الحديث يتسم بأن المجالين العام والخاص قد اندمجا تماماً، وبذا حُرم الإنسان من المجال الخاص وتم رد الفكر والعقل إلى مستوى النفعية التي لا تهتم إلا بالبقاء البيولوجي (الإنتاج والاستهلاك) ، أي أن المجتمع الحديث يلغي ثنائية المادة والروح، ويسقط في حلولية دون إله (إذا أردنا استخدام مصطلحنا) . وساهم كل هذا في ظهور المجتمع الجماهيري، كما ظهرت النزعة الذرية والاغتراب واللا معيارية التي تؤدي بدورها إلى الشمولية. وهي ظاهرة جديدة تماماً في تاريخ الإنسانية ومختلفة عن الدكتاتورية التقليدية، إذ أن كل مجالات الحياة الخاصة والعامة في العصر الحديث تخضع لهيمنة الدولة، على عكس الماضي حين كانت الحياة العامة وحدها هي التي تخضع لسلطان الحاكم. والشمولية الحديثة ليست ظاهرة واضحة، وإنما هي ظاهرة هلامية تتغلغل في كل أشكال الحياة، إذ لا يوجد مركز واضح للسلطة، وإنما توجد أجهزة منتشرة مثل أجهزة المخابرات والإعلام التي تقوم بنشر الشمولية من خلال إعلام متقدم مصقول يبدو كما لو كان حراً. ويؤدي هذا إلى أن حياة الإنسان تصبح لا أهمية لها على الإطلاق ولا قيمة. وشبَّهت أرنت أزمة المجتمع الحديث بأزمة الإمبراطورية الرومانية في تدهور الدين والتقاليد والسلطة. وهي ترى أن عملية علمنة المجتمع، التي تؤدي إلى تحويل المجال العام إلى ملحق للمجال الاقتصادي، تؤدي في الوقت نفسه إلى ظهور مجتمع استهلاكي لا يكترث بالسياسة، حيث تصبح الثقافة شيئاً منحطاً يخدم حاجات صناعة السلعة، ويتخلى الإنسان عن البحث عن المعنى مقابل الأمن الزائف البرجماتي الذي تقدمه له الحقيقة العلمية. وترى أرنت أن العلم هو واجهة من الحياد تخبئ إرادة القوة، وإمكانية شمولية تبدأ بالسيطرة على الطبيعة وتنتهي بالسيطرة على الإنسان باسم الهندسة الاجتماعية. لكل هذا، نادت أرنت بالحرية التي تستند إلى المشاركة العامة في السياسة مقابل الحرية التي تستند إلى المصالح الشخصية. ومن أهم دراساتها الأخرى، كتاب أيخمان في القدس ـ تقرير عن تفاهة الشر (1963) الذي أثار ضجة كبيرة، فقد بيَّنت أن القيادات اليهودية الأوربية أثناء المواجهة مع النازيين لم تكن قط على مستوى المسئولية، وأن الضحايا كانوا مسئولين إلى حدٍّ ما عن المذبحة التي وقعت لهم لأن عددهم يصل إلى الملايين. فقد كان بوسعهم، عن طريق المقاومة السلمية وحدها، أن يعطلوا آلة الحرب النازية. كما أن أيخمان لم يكن سوى بيروقرّاطي تافه عادي يؤدي ما يوكل إليه من مهام مثل أي موظف في بيروقرّاطية حديثة، ومعنى ذلك أنه نتيجة طبيعية لعملية الترشيد التي تؤدي إلى الشمولية. واتسم نقلها لما حدث في قاعة المحكمة بالأمانة الشديدة، فأشارت على سبيل المثال إلى خطبة المدعي العام الإسرائيلي الذي بيَّن كيف لاقى الشعب اليهودي صنوف العذاب في كل زمان ومكان على يد الأمم، فقام محامي أيخمان وتساءل عن سرّ ذلك، وعما إذا كان هناك خلل ما في هذا الشعب؟ وأصيبت المحكمة بالذهول بسبب هذا السؤال. كما يبين كتاب أرنت أن القيادة الصهيونية في المجر وغيرها من الدول تعاونت مع النازيين وعقدت معهم اتفاقية تقوم بمقتضاها القيادة الصهيونية (رودلف كاستنر) بضمان سكوت أعضاء الجماعة اليهودية وامتناعهم عن مقاومة عمليات الترحيل (عن طريق خداعهم وإقناعهم بأنهم متوجهون إلى معسكرات عمل وليس إلى معسكرات الإبادة) مقابل أن يسمح النازيون لعدد من اليهود، وصفهم أيخمان بأنهم من أفضل المواد البيولوجية بالهجرة إلى فلسطين. وقد وصف جرشوم شوليم هذا الموقف بأنه قاس وخبيث ولا ينم عن أي حب للشعب اليهودي. وردت أرنت على هذا الاتهام بالإيجاب، فهي حسب قولها لا تحب شعباً بشكل جماعي «فأنا لا أحب سوى أصدقائي، والحب الوحيد الذي أعرفه هو حب الأفراد» . ومن الواضح أن موقف أرنت من الصهيونية، ابتداءً من الأربعينيات، كان قد تغير وأخذ شكلاً معادياً للصهيونية. وتُعَدُّ مقالاتها عن الصهيونية، التي كتبت قبل عام 1948، من أكثر الدراسات تفسيرية، إذ حدَّدت فيها المعالم الرئيسية لفكرة الصهيونية ولفكرة الدولة الصهيونية فيما بعد. ففي مقالها «إعادة النظر في الصهيونية» بيَّنت أن انعزالية الصهيونية المهووسة تعود إلى تقبُّل أعمى للقومية بالمعنى الألماني، والتي تستند إلى الإيمان بأن الأمة جسم عضوي أزلي، ونتاج عملية نمو حتمية لسمات كامنة. وهكذا، فإن هذا المفهوم للقومية يحدد الشعب لا باعتباره مسألة تنظيم سياسي، وإنما باعتباره مسألة شخصيات بيولوجية ذات طابع فوق إنساني، أي يتجاوز الإنسان. وبيَّنت أن الحركة الصهيونية، كحركة قومية، باعت نفسها من البداية لإحدى القوى العظمى لأن شعار الدولة اليهودية كان يعني في واقع الأمر أن اليهود سيؤسسون أنفسهم من البداية باعتبارهم منطقة نفوذ تحت وهم القومية. وحذرت أرنت من الأوهام الصهيونية، مثل وهم (شعار) : أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وأشارت إلى شيء واضح تمام الوضوح لكل الناس ما عدا الصهانية، وهو أن إرتس يسرائيل (أي فلسطين) ليست مكاناً في القمر، وإنما هي مكان مأهول بالسكان، وأن تأسيس الدولة يعني تهجير سكانها الأصليين. وقد بيَّنت أن فكرة نقل العرب الفلسطينيين (الترانسفير) ظلت منذ عام 1945 تُناقَش بشكل جدي في صفوف الصهاينة. وقد استمر موقف أرنت معادياً للصهيونية حتى وفاتها. إسحق دويتشر (1907-1967 (Isaac Deutscher مفكر بولندي يهودي من أهم شارحي الماركسية، والتروتسكية على وجه الخصوص. وُلد بالقرب من كراكوف ونُشِّئ تنشئة دينية أرثوذكسية، ولكنه تلقى فيما بعد تعليماً علمانياً في جامعات بولندا. ويبدو أنه غازل الصهيونية في شبابه، فتعلم العبرية وترجم بعض الأشعار العبرية إلى البولندية. انضم دويتشر عام 1926 للحزب الشيوعي السري، ولكنه طُرد منه عام 1932 حينما نادى بتكوين جبهة متحدة بين الاشتراكيين والشيوعيين لمجابهة التهديد النازي. وانتقل عام 1939 إلى لندن ليعمل مراسلاً لجريدة بولندية يهودية، ولكنه استقر فيها وأصبحت مكان إقامته الدائم. من أهم دراساته ستالين: سيرة حياة سياسية حيث يشبه فيها ستالين بروبسبيير، ويذهب إلى أن تطهير الثورة الشيوعية من ستالين كان ممكناً مثلما تم تطهير الثورة الفرنسية من روبسبيير. وقد بيَّن دويتشر في هذه الدراسة ما تصور أنه انحراف ستالين عن الخط الماركسي اللينيني. ولكن أهم أعماله هو الدراسة التي كتبها في 1954 ـ 1963 من ثلاثة أجزاء عن حياة ليون تروتسكي وفكره. ويبدي الكتاب تعاطفاً مع تروتسكي ووضعه المأساوي كما يبدي رفضاً عميقاً لستالين. وكتب دويتشر كذلك دراسة عن الثورة البلشفية بعنوان الثورة الدائمة (1967 (. وفي كتابه اليهودي غير اليهودي، يذهب دويتشر إلى أن اليهودية تتضمن رؤيتين: إحداهما ضيقة متعصبة وهي الرؤية الحاخامية والصهيونية، والأخرى عالمية تبناها مفكرون يهود، مثل إسبينوزا وهايني وماركس وروزا لوكسمبرج وتروتسكي، ومن خلالها توصلوا إلى نظرة إلى العالم تتجاوز اليهودية ذاتها وتستند إلى التضامن والإخاء العالميين، أي أن تحقُّق النزعة العالمية الكامنة في اليهودية يؤدي إلى نفي اليهودية. ومن ثم، عارض دويتشر الصهيونية، كما رفض الدولة التي أسستها في فلسطين واعتبرها تمثل خطوة للوراء بالنسبة إلى اليهود. وكان آخر حديث له يتضمن إدانة شديدة لإسرائيل والتوسعية الصهيونية في عام 1967، وقد نُشر بعد وفاته. أيزياه برلين (1909-) Isaiah Berlin فيلسوف بريطاني يهودي، وُلد في لاتفيا وتعلم في لندن ثم في أكسفورد حيث قام بالعمل معظم حياته، وحصل على عدة شهادات دكتوراه فخرية من الجامعات الإسرائيلية. من أهم مؤلفاته، السيرة التي كتبها عن ماركس، كارل ماركس: حياته وبيئته (1939) حيث درس فكره ووضعه في سياقه الفكري، وفي الحتمية التاريخية (1953) ، وأربع مقالات في الحرية (1969) . وتدور كتاباته أساساً حول فكرة الحقيقة الثابتة العالمية وفكرة الحتمية، لا سيما في كتابيه فيكو وهردر (1976) ، وضد التيار (1979) . ويميِّز برلين بين الرؤية التعددية للحرية والرؤية الأحادية، فالرؤية التعددية هي رؤية تقبل تعدد الطرق والوسائل التي تؤدي إلى الحرية، أما أصحاب الرؤية الأحادية فهم يرون أن ثمة طريقاً واحداً للحرية على الجميع أن يسلكوه. وكان برلين عضواً في جماعة من المفكرين والفلاسفة في أكسفورد اهتموا بالفلسفة اللغوية والتحليلية، ولكنه مع هذا لم يقبل قط رؤيتهم الضيقة للفلسفة. فالفلسفة بالنسبة له تهتم بالأسئلة الأساسية التي لا يمكن التوصل لإجابتها من خلال الملاحظة والأساليب الإمبريقية (التجريبية) في التحقق ولا من خلال مناهج المنطق الصوري. فهذه الأسئلة النهائية تخص المعرفة والعقيدة وطبيعة التاريخ والسياسة وسمات الإنسان في علاقته بالعالم. وهو يدرس هذه القضايا الأساسية من خلال بعض المقولات التفسيرية لا من خلال المناهج العلمية (أي أنه يحاول أن يسترجع بعض الثنائية المعرفية) . وثمة تفرقة هنا بين ما أسماه برلين الرؤية الأحادية والرؤية التعددية. فالمفكر الأحادي يحاول أن يفرض على الظواهر الاجتماعية تفسيراً علمياً واحدياً بحيث يمكن التوفيق بين كل الاختلافات وحسم كل الصراعات وإخضاع كل الأهداف والغايات الفردية لهدف اجتماعي واحد نهائي (يشبه القانون الطبيعي) . ولذا، فإن التناقض بين الحرية والمساواة، والمنفعة والعدالة، وصالح الجماعة وحقوق الفرد (وهي تناقضات توجد في أي موقف أخلاقي) ، تتم إزالتها تماماً باسم قيمة واحدة يفرضها المجتمع. أما الرؤية التعددية فهي تنظر إلى العالم باعتباره مجموعة من المصالح والأهداف المختلفة، وعلى أساس أن عالم الأخلاق والسياسة توجد فيه مجموعة من القيم المتصارعة في حالة عدم اتساق دائم ولا يمكن بأية حال التوفيق بينها تحت مبدأ واحد «فكل شيء هو هذا الشيء ولا شيء سواه» ، فالحرية هي الحرية وليست المساواة والعدالة أو الحضارة أو السعادة الإنسانية، فهذه جميعاً أهداف مختلفة وليست متسقة، بل لا يمكن الحوار العقلاني بشأنها، فالحوار السياسي يفترض وجودها وأسبقيتها وتتم إدارة الحوار السياسي من منظورها. وكما هو واضح، فإن برلين يطرح تعددية للقيم ونقط الثبات والمطلقات حتى لا تتمتع قيمة واحدة بالمطلقية الكاملة، كما يرى أن الاعتراف بهذه التعددية أمر أساسي لاستمرار الحضارة والمدنية وللحفاظ على هذه القيم والمؤسسات التي ساهمت في إسعاد الإنسان. فجوهر الإنسان هو عقلانيته واستقلاليته وحريته، وإن أنكرنا عليه فرصة الاختيار بين القيم والأهداف، كما تفعل الفلسفات الأحادية، فنحن نحطم هذا الجوهر. ويميِّز برلين بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فمنظرو الحرية السلبية يعرّفون الحرية باعتبارها غياب القهر وحسب، فالحرية هي وجود مجال حول الفرد يمكنه فيه أن يختار بين القيم والأهداف، سواء أكان هذا الاختيار خيِّراً أم شريراً، عقلانياً أم غير عقلاني. أما دعاة الحرية الإيجابية فهم يُعرِّفون الحرية باعتبارها المقدرة على كبح جماح الذات والتحكم فيها، فالفرد يحقق حريته لا عن طريق غياب القهر، وإنما حين يحقق أهدافاً رشيدة، أي أن الحرية الأولى لا أهداف محددة لها بينما يوجد هدف محدد في المفهوم الثاني. ولذا، يمكن، بل يجب من منظور الحرية الإيجابية، أن يتم قهر الدوافع اللاعقلانية للإنسان (ذاته السفلي) لأنها تعوقه عن تحقيق أهدافه العقلانية. ومن ثم، فإذا مورس القهر على إنسان ما لإزالة دوافعه اللا عقلانية، فإن هذا ليس بقهر على الإطلاق، حيث إن الهدف منه هو تعظيم الحرية الإيجابية العلىا. كما أن القانون الذي يستند إلى أساس عقلاني لا يمكن من وجهة نظر دعاة الحرية الإيجابية أن يعوق الحرية. ويرى برلين أن هذا المفهوم للحرية الإيجابية مفهوم شمولي لأنه يعيد تعريف كل القيم المتصارعة ويوفق بينها باسم قيمة واحدة هي الحرية العقلانية، فهي إذن رؤية شمولية لأن الحرية الوحيدة الحقيقية قد قُرنت بأهداف أو أغراض جماعية معيَّنة ومن ثم لا يوجد مجال للاختيار الفردي. أما الحرية السلبية، فهي التعددية الحقة لأنها تعترف بالصراع والاختيار، ولذا فهي نظرية المجتمعات الحرة. ومن الواضح أن برلين يحاول أن يفتح بعض الثغرات في عالم العلم المصمت حيث يخضع كل شيء للقوانين الصارمة. وقد تصوَّر أنه حقق هذا بالفعل بأن جعل كل قيمة أمراً قائماً بذاته مستقلاًّ لا يمكن أن يُدمج مع قيمة أخرى. فالعدالة هي العدالة والحرية هي الحرية وكلاهما مطلق رغم تناقضهما الواحد مع الآخر، ولا يمكن إخضاع مطلق لمطلق آخر. وينتج عن ذلك تعددية المطلقات. ولكن برلين لا يؤمن في واقع الأمر بأية قيم نهائية، ويرى أنه لا توجد أية مطلقات، ومن ثم فإن عالمه ليس عالماً مفتوحاً تعددياً، وإنما هو عالم ذراتي لا مركز له (عالم ما بعد الحداثة) . وكذلك لا توجد وسيلة للتوفيق بين القيم (المطلقة) المختلفة، ومن ثم لا يوجد أساس للاختيار أو الحرية. وقد لاحظ هو نفسه أنه، منذ القرن الثامن عشر، بدأ تحوُّل الفكر الغربي من الموضوعية إلى الذاتية، ومن الإيمان بالمطلقية إلى النسبية، وأن هذا التحول هو سبب انتشار الرؤية العلمية ونتيجة له في آن واحد. ورغم موقفه التعددي هذا، يؤيد برلين الصهيونية كل التأييد. وهو يُعرِّف بالكثيرين من مفكريها وزعمائها. وقد ألَّف عن بعضهم دراسات، فله على سبيل المثال كتاب عن موسى هسّ (1959) . بل إنه يرى أن ظهور الدولة الصهيونية، كدولة علمانية ديموقرّاطية، هو انتصار لا نظير له للجهد الأخلاقي الحر. والدولة الصهيونية قد وُجدت ـ في رأيه ـ لتفي بحاجة شعب يريد أن تكون له علاقة بأرضه وتاريخه، ذلك أن الدولة الصهيونية ضرورية للشعب اليهودي العضوي. والدولة الصهيونية ستقوم بتطبيع اليهود، فتجعل منهم شعباً مثل كل الشعوب. وهو في رؤيته هذه، يهمل بطبيعة الحال التاريخ وحقوق الفلسطينيين وحريتهم (السلبية والإيجابية!) ، ويُسقط المقولات الأساسية لمنظومته المعرفية والأخلاقية. ولا يمكن تفسير هذا التناقض الذي وقع فيه برلين (بين الرؤية التعددية المنفتحة التي يتسم بها نسقه الفلسفي والرؤية العنصرية المنغلقة التي تتسم بها رؤيته للمشروع الصهيوني) على أساس أنه من أصل يهودي. فكثير من المفكرين غير اليهود في الغرب وقعوا في هذا التناقض، كما أن كثيراً من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية لم يقعوا فيه، وليس هناك نمط عام، ولذا ينبغي تفسير كل حالة على حدة. سيمون فاي (1909-1943 ( Simone Weil فيلسوفة فرنسية، وُلدت لأسرة يهودية أرستقرّاطية فرنسية. حصلت على الدكتوراه في الفلسفة، وكانت رسالتها عن ديكارت. ودخلت معترك السياسة وشاركت في كثير من القضايا اليسارية حتى سُمِّيت «العذراء الحمراء» . قررت عام 1934 أن تشارك العمال حياتهم فتركت وظيفتها كأستاذ فلسفة وعملت في أحد المصانع، وكانت ثمرة هذه التجربة كتابها الحالة العمالية (نُشر عام 1951) . لم تقدِّم فاي في كتابها الحلول اليسارية المألوفة لمشاكل العمال، مثل تأميم وسائل الإنتاج والاستيلاء على السلطة، وإنما طالبت بتغيير أكثر عمقاً في طبيعة العمل الحديث نفسه، إذ طالبت بتغيير التنظيم الهرمي في المصنع، بل وتصميم الآلات نفسها حتى تستجيب لحاجات الإنسان. وانضمت عام 1936 للقوات الجمهورية في إسبانيا إبّان الحرب الأهلية. وبعد غزو النازيين لفرنسا، اشتغلت عاملة زراعية في جنوب فرنسا، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة وماتت أثناء الحرب العالمية الثانية في إنجلترا. وقد نُشرت أعمالها بعد وفاتها، وتتكون أساساً من خطابات ومذكرات ومقالات وذكريات وشذرات. وتدل كتاباتها على مدى تكريسها ذاتها لعملية البحث الدائب عن الحق المطلق والعدالة. تأثرت سيمون فاي بأفكار بعض المتصوفة المسيحيين مثل مايستر إيكهارت، ويُقال إنها خاضت تجربة صوفية عميقة إذ جاءها المسيح في الرؤيا عام 1938، وكانت تُكنُّ إعجاباً عميقاً للمسيحية باعتبارها ديانة العبيد، وترى أنها لم تتنصر لأن الدور الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية في التاريخ يتنافى تماماً مع تعاليم المسيحية. أما موقفها من اليهودية فكان يتسم بالرفض العميق، فهي ترى أن اليهودية عقيدة قومية ضيقة الأفق قاسية، وأن كل ما تحتويه المسيحية من شرور جاءها من اليهودية. ويشبه موقفها هذا موقف الغنوصيين (الذين كانت فاي تُكنُّ لهم إعجاباً خاصًّا) وقد أشاد الشاعر ت. س. إليوت بكتاباتها. ويمكن أن نثير قضية يهودية فاي، فقد ورد اسمها في كلٍّ من الموسوعة اليهودية (جودايكا) ودليل بلاكويل للثقافة اليهودية باعتبارها كاتبة يهودية. وهذه الكاتبة قد وُلدت بالفعل لأسرة يهودية، ولكنها رفضت العقيدة اليهودية. وحينما مرت بتجربة صوفية، كانت تجربة مسيحية وتأثرت بمتصوفين مسيحيين. كما أن فاي هاجمت اليهودية بشراسة ونسبت لها كل نقائص المسيحية، فهل يُعتبَر تصنيفها على أنها يهودية ذا قيمة تفسيرية؟ لعله كان من الأجدى الحديث عنها باعتبارها من أصل يهودي وحسب. ولكن هذا لا يساعد كثيراً في فهم فكرها الذي يتجاوز أصولها اليهودية. ومن الطريف أن دليل بلاكويل للثقافة اليهودية استبعد المؤلفين اليهود السفارد وأبقى على فاي لأنها أشكنازية أو غربية، وهو ما يبيِّن أن أساس التصنيف مختل للغاية، وهو اختلال مصدره فشل محرري الموسوعة في تعريف ما يُقال له «الهوية اليهودية» ومصادرها الثقافية. ملتون فريدمان (1912-) Milton Friedman اقتصادي أمريكي بارز، وُلد في بروكلين (نيويورك) . بدأ في العمل في الحكومة الأمريكية عام 1935، كما عمل بالتدريس في عدة جامعات أمريكية قبل أن يصبح أستاذاً للاقتصاد في جامعة شيكاغو. واكتسب فريدمان في هذه الجامعة سمعة عالمية، حيث أصبح من كبار مفكري ما عُرف بمدرسة شيكاغو، وهي مجموعة من الاقتصاديين وجهت النقد إلى النظريات الاقتصادية التي صاغها جون كينز والسياسات الاقتصادية المترتبة عليها والتي كانت تلقى قبولاً عاماً في الدوائر الاقتصادية والحكومية الأمريكية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين. من أهم مؤلفات فريدمان الرأسمالية والحرية (1962) ، والتاريخ المالي للولايات المتحدة 1867 ـ 1960 (1963) ، وأسواق حرة لرجال أحرار (1974) ، وحر أن أختار (1980) ، ويمكن القول بأن رؤيته الاقتصادية تستند إلى رؤية واضحة ومحدَّدة للإنسان، فالإنسان عنده هو الإنسان الاقتصادي الذي خلَّقه فلاسفة الرأسمالية الكلاسيكيون. فالاقتصاد هنا هو المطلق المكتفي بذاته، واجب الوجود، وما دون ذلك (كالأخلاق والعواطف) فلا وجود له. والآلية التي يعبِّر بها هذا المطلق عن نفسه هو السوق، فمن خلال آليات السوق الحر يتمكن الأفراد، الذين لكلٍّ منهم ذوقه الخاص وقيمه الخاصة وتطلعاته وأهدافه المستقلة، من أن يصلوا إلى تفاهم وإجماع، وهو ما يمنع وقوع صراعات حادة في المجتمع. ويرى فريدمان أن تدخُّل الدولة لا يفيد كثيراً في منع الصراع، بل إن الدولة هي المصدر الأساسي للقهر، فالحرية الاقتصادية هي أساس الحرية السياسية. وحين يستطيع الناس أن يتعاونوا، الواحد مع الآخر، دون قهر أو توجيه مركزي، فإن رقعة الحرية الاقتصادية تتزايد ومن ثم تتناقص رقعة الهيمنة السياسية. كما أن الحرية الاقتصادية تؤدي إلى توزُّع مراكز السلطة، بدلاً من تجميع السلطة السياسية والاقتصادية في يد واحدة. وانطلاقاً من هذه الرؤية، عارض فريدمان تدخُّل الدولة في الحياة الاقتصادية، فدور الدولة يجب أن يقتصر على منع الأفراد من أن يقهر الواحد منهم الآخر. ولذا، طالب فريدمان بالحد من قوة الدولة على فرض الضرائب وانفاق عائدها، كما طالب بإلغاء الحماية الجمركية وآليات التحكم في الأسعار والأجور وكل معوقات الاختيار الحر، وعارض استخدام السياسات الضريبية والإنفاق الحكومي كوسيلة لتنظيم الاقتصاد. ويذهب فريدمان إلى أن التغيرات في حجم المعروض من النقد هي المحدِّد الرئيسي للتغيرات قصيرة الأجل في مستوى النشاط الاقتصادي، وأن التحكم في المعروض من النقد هو الأداة الأكثر أهمية لدى الحكومة الفيدرالية لإحداث تغيرات قصيرة الأجل في النشاط الاقتصادي، كما ذهب إلى أن تحديد معدل نمو ثابت للمعروض من النقد لفترات طويلة يوفر قدراً أكبر من الاستقرّار الاقتصادي ويحول دون حدوث تقلبات واسعة في النشاط الاقتصادي كذلك النوع الذي تعرضت له الولايات المتحدة في الماضي. واعتبر أن المبالغة في استخدام السياسات المالية والنقدية للتحكم في الأوضاع الاقتصادية الجارية قد يُعمِّق حدة هذه التقلبات على المدى البعيد. كما كان فريدمان يفضل نظاماً ضريبياً مبسَّطاً وتعويماً لأسعار العملة، وكان يفضل أيضاً إبطال استعمال الذهب كمقياس نقدي، وطالب بإلغاء نظام التكافل الاجتماعي والإعانة باعتباره نظاماً غير فعال ويعني دوراً نشيطاً وضخماً للحكومة، واقترح بدلاً من ذلك فرض ضريبة «سلبية» على الدخل، أي أن تقدم الحكومة معونة مالية للأسرة التي تقع تحت خط الفقر من خلال صيغة تسمح لهم بتوفير احتياجاتهم الأساسية مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحافز على العمل وزيادة الدخل لدى هذه الأسر. ويُعَدُّ فريدمان من أبرز الاقتصاديين المحافظين في الولايات المتحدة. عمل مستشاراً للرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون، كما عمل مستشاراً لعدة مؤسسات أمريكية ودولية. ولا يختلف فريدمان عن غيره من الاقتصاديين الأمريكيين، من اليهود أو غير اليهود، في أن أفكاره وآراءه الاقتصادية تعكس التيارات والاتجاهات المختلفة داخل النظام الاقتصادي الرأسمالي الأمريكي، والتي تنبع من حركيات هذا النظام بشكل خاص ومن حركيات المجتمع الأمريكي بشكل عام. ويقوم ملتون فريدمان بتقديم الاستشارات الاقتصادية للحكومة الإسرائيلية، وهو من دعاة فك القطاع العام في إسرائيل وتشجيع الاقتصاد الحر وتقليص الهستدروت والمؤسسات الصهيونية الاستيطانية الجماعية التي يُقال لها «اشتراكية» ، وهو لا يختلف في هذا عن كثير من رجال الاقتصاد والسياسة الأمريكيين الذين لا يدركون تماماً الطبيعة الاستيطانية للدولة الصهيونية والتي تجعل وجود المؤسسات الجماعية وتدخل الحكومة في الاقتصاد مسألة حتمية. فعملية مثل تمويل المهاجرين واستيعابهم، على سبيل المثال، تتطلب ملايين الدولارات ولا يمكن أن يقوم القطاع الخاص بها. كما أن الأعباء الأمنية لإسرائيل، باعتبارها قاعدة للإمبريالية الغربية واستثماراً إستراتيجياً لها، يجعل من الضروري أن يتضخم جهاز الدولة، وألا تخضع الدولة الصهيونية الوظيفية ككل لحسابات المكسب والخسارة المادية وآليات السوق التي يخضع لها الاقتصاد الحر. والدعم الغربي الذي تقدمه الحكومات والشعوب الغربية، وبخاصة في الولايات المتحدة، يتنافى تماماً مع آليات الاقتصاد الحر. فالدعم له عادةً طابع أيديولوجي، أما الاقتصاد الحر فله حركياته الخاصة التي تتناقض ولا شك مع الأولويات الصهيونية. وقد ظهر هذا في مشروع طائرة اللافي، فالدولة الصهيونية كانت حريصة على إنتاجها لسببين لا علاقة لهما بالربح الاقتصادي: 1 ـ تحقيق قدر من الاستقلال عن المؤسسة العسكرية الأمريكية. 2 ـ تأسيس صناعات إلكترونية متقدمة تضمن خلق الوظائف للفنيين الإسرائيليين الذين يتزايد عددهم، حتى لا يضطروا إلى النزوح. وقد رفضت الولايات المتحدة السماح لإسرائيل بالاستمرار في إنتاج هذه الطائرة. وكان من بين الأسباب التي سيقت لإنهاء المشروع أنه غير مربح، وكان هذا رأي ملتون فريدمان أيضاً. وبالفعل، توقَّف المشروع ونزح مئات الإسرائيليين. وحينما وصل المهاجرون السوفييت، وهم يضمون في صفوفهم أعداداً كبيرة من الفنيين، وجدوا حالة بطالة. وبدأت أعداد منهم تعيد حساباتها. وهذا يبيِّن مدى عدم إدراك صانعي القرّار في الولايات المتحدة الطابع الاستيطاني للدولة الصهيونية، أو إدراكهم إياه واستخدامه للضغط على إسرائيل ووضعها تحت رحمة الولايات المتحدة وحمايتها. ألبير ميميه (1920-) Albert Memmi مؤلف وكاتب مقال وعالم اجتماع فرنسي يهودي تونسي الأصل. وُلد في تونس لعائلة يهودية من قبائل البربر. قاتل خلال الحرب العالمية الثانية في صفوف القوات الفرنسية الحرة، ثم عاد ليكمل دراسته الجامعية حيث حصل على شهادة في الفلسفة من جامعة الجزائر، ثم حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس عام 1950، عاد بعدها إلى تونس ليترأس معهداً في علم النفس. وفي عام 1959، انضم إلى المركز الوطني للبحث العلمي في باريس حيث استقر بشكل دائم. وفي عام 1966، عُيِّن أستاذاً في المدرسة العليا للدراسات التطبيقية في باريس أيضاً. وتخصَّص ميميه في دراسة الآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة على الاستعمار، ووجد من خلال أبحاثه تشابهاً بين أوضاع اليهود والشعوب المُستعمرة وخصوصاً بالنسبة لمواقفهم وأفكارهم تجاه مسألة الهوية. وظلت قضية الهوية قضية محورية في أغلب أعمال ميميه سواء الروائية أو الفكرية، وعكست أزمته وحيرته الشخصية بين انتمائه إلى جماعة يهودية نشأت وتشكلت في ظل التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، وبين اكتسابه الثقافة الفرنسية الغربية للمستعمر الفرنسي الذي سعى بوجه عام إلى ربط أعضاء الجماعات اليهودية في المغرب العربي بالثقافة الفرنسية بغرض عزلهم عن محيطهم العربي وتحويلهم إلى جماعات وظيفية وسيطة تخدم مصالحه في المنطقة. ويبدو أن ميميه كان مدركاً هذه الحقيقة، فرغم أنه أيَّد بحماس استقلال دول المغرب العربي، إلا أنه أدرك في الوقت نفسه أن النتيجة التي ستترتب على ذلك هي رحيل أغلب أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المنطقة مع المستعمر الفرنسي. وفي روايته أعمدة الملح (1953) ، التي تُعتبَر أقرب إلى السيرة الذاتية، يتناول ميميه قصة شاب يهودي من المغرب العربي يخرج من بيئته المحلية المحدودة ليكتشف ثقافة المستعمر الفرنسي، ولكنه يفقد قناعاته الإنسانية والدينية نتيجة التناقض بين الثقافتين، كما يشعر بخيبة أمل تجاه المفهوم الإنساني الغربي الذي طالما نُسبت إليه صفات مثالية. أما رواية الغرباء (1955) فتتناول قصة يهودي تونسي يجد نفسه ملفوظاً ومرفوضاً من الفرنسيين والعرب على حدٍّ سواء. أما في مقالاته ودراسته، مثل صورة يهودي (1962) ، وتحرير اليهود (1966) ، فيقدم صورة اليهودي باعتباره «شخصية كامنة في الظل» ، فلا هي مندمجة تماماً ولا هي راغبة في التخلي عن خصوصيتها، تعيش دائماً على هامش الأحداث التاريخية العالمية. ولذلك، فإن الدولة اليهودية أو إسرائيل تصبح، على حدّ قوله، «الحل الوحيد لنا وورقتنا الرابحة الوحيدة وفرصتنا التاريخية الأخيرة» (ولكن هذا على اعتبار أن الدولة الصهيونية لا تقف هي الأخرى على هامش التاريخ العربي والتاريخ الغربي، فهي في حالة عداء ضد الأول رغم وجودها في المشرق العربي، وفي حالة تبعية للثاني رغم وجودها خارجه) . إرفنج كريستول (1920-) Irving Kristol مفكر سياسي أمريكي، وأحد مؤسسي مجلة كومنتاري، وأحد محرري مجلة أنكاونتر، ومؤلف عدة كتب من أهمها عن الفكرة الديموقرّاطية في أمريكا (1972) ، وتحيتان للرأسمالية (1978) ، وتأملات محافظ جديد (1983) ، وتدور كتبه حول موضوعات متفرقة، مثل الحركة الثورية للطلبة في الجامعة، وعدم الاستقرّار في العالم الثالث. وهو يعمل خبيراً أو مستشاراً في عديد من المؤسسات البحثية ومؤسسات الخبرة القريبة من مؤسسات صنع القرّار في الولايات المتحدة. ويُعَدُّ كريستول من أهم مفكري تيار المحافظين الجدد الذي ظهر أثناء رئاسة كارتر، والذي يضم بين صفوفه عدداً كبيراً من المفكرين الأمريكيين اليهود. لكن أهمية هذا التيار ليست مقصورة على الجماعة اليهودية، وإنما امتدت لتشمل المجتمع الأمريكي بأسره. وقد رفض المحافظون الجدد الوفاق وخفض التسليح، كما رفضوا كثيراً من السياسات الخارجية التي تبناها كارتر، فكانوا يطالبون مثلاً بضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشيطاً في سياستها الخارجية، وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة، أي أن تقوم بالتدخل العسكري لحماية ما تتصور أنه مصالحها. وفي الداخل، يطالب تيار المحافظين الجدد بالتخلي عن السياسات الاجتماعية التي تبناها الديموقرّاطيون والتي تهدف إلى تهدئة الصراعات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي وتخفيف الأثر السلبي لسياسات الاقتصاد الحر. ومن المعروف أن الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، وقياداتها، كانت تقف دائماً وراء الحزب الديموقرّاطي وتتبنَّى سياساته، شأنها في هذا شأن معظم أعضاء الأقليات في الولايات المتحدة. ولكن، ابتداءً من منتصف السبعينيات، بدأ يتبلور تيار محافظ داخل الجماعة اليهودية يلقي بثقله وراء الجمهوريين إلى أن وصل إلى الذروة في الثمانينيات مع تولي ريجان للرئاسة، حيث أيَّدته القيادات الصهيونية واليهودية المحافظة. ومما له دلالته العميقة أن غالبية الجماهير اليهودية لم تمتثل للتوجيهات الصهيونية وأدلت بصوتها لمرشح الحزب الديموقرّاطي. ولذا، لم يكن ريجان مديناً للصوت اليهودي بانتخابه، ومع هذا فهو من أشد الرؤساء الأمريكيين تحيزاً لإسرائيل، الأمر الذي يلقي كثيراً من الضوء على خرافة «الصوت اليهودي» . وقد قام المفكرون (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم) من المحافظين الجدد بصياغة كثير من الأفكار الإستراتيجية لإدارة ريجان، والمتصلة بزيادة التسلح والتخلي عن الوفاق، واتخاذ سياسة نشيطة معادية للاتحاد السوفيتي، ودعم حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً إسرائيل، في سياسة المواجهة مع الاتحاد السوفيتي. ولذا، عارض المحافظون الجدد من أعضاء الجماعات اليهودية محاولة الضغط على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. وسياسة ريجان بشأن الشرق العربي، كانت، في التحليل الأخير، من صياغة هذه المجموعة. وقد أُطلق عليهم اسم «صقور ريجان اليهودية» وهي عبارة دقيقة إلى حدٍّ كبير. ولكن الوضع تغيَّر كثيراً بعد الانتفاضة، إذ نصح إرفنج كريستول الإسرائيليين بأن يقرروا مساحة الأراضي التي يودون الاحتفاظ بها، وأن يرسموا الحدود ثم ينسحبوا. « ... ولا أدري لم تصاب إسرائيل بالرعب من دولة في الضفة الغربية تحكمها منظمة التحرير الفلسطينية» . ويشكل تصريحه هذا تراجعاً عن مواقفه الأمريكية السابقة. وقد كتب كريستول مؤخراً دراسة بعنوان مستقبل يهود أمريكا تتناول وضع يهود الولايات المتحدة في ظل تزايد معدلات العلمنة. وتُعَدُّ هذه المقالة حدثاً فكرياً فريداً، إذ أنه قلب الأمور رأساً على عقب، فهو يؤكد في دراسته أن العلمنة جزء عضوي من عملية التحديث، وهو يصف العلمنة بأنها «رؤية دينية حققت انتصاراً على كل من اليهودية والمسيحية» ، وهو يصر على تسميتها «رؤية دينية» (رغم رفض العلمانيين لذلك) لأنها تحتوي على مقولات عن وضع الإنسان في الكون وعن مستقبله لا يمكن تسميتها علمية، ذلك لأنها مقولات ميتافيزيقية لاهوتية. وفي هذا الدين (العلماني) ، يصنع الإنسان نفسه أو يخلقها (تأليه الإنسان) ، كما أن العالم ليس له معنى يتجاوز حدوده، وبوسع الإنسان أن يفهم الظواهر الطبيعية وأن يتحكم فيها وأن يوظفها بشكل رشيد لتحسين الوضع الإنساني. ذلك أن المقدرة على الخلق، التي كانت من صفات الإله، أصبحت في المنظومة الدينية العلمانية من صفات الإنسان، ومن هنا ظهرت فكرة التقدم. وهذه العقيدة العلمانية هي الإطار المرجعي لكل من الليبرالية والاشتراكية، بل إنها تغلغلت في الأوساط الدينية اليهودية والمسيحية (باستثناء الأصوليين والأرثوذكس) . ويُلاحظ كريستول أن معدلات العلمنة بين يهود الولايات المتحدة مرتفعة إلى أقصى حد، بل إن اليهودية ذاتها تمت علمنتها ولم تَعُد عقيدة دينية وأصبحت مجرد نوع من المهدئات النفسية التي تساعد اليهود على تحمُّل التوترات الناجمة عن العصر العلماني الحديث. ويرى كريستول أن هذا أمر مفهوم، إذ أن المجتمع العلماني هو الذي أتى لليهود بحقوقهم وهو الذي أتاح لهم فرصة الاندماج، على عكس المجتمعات المسيحية التي كانت دائماً مجتمعات معادية لليهود. لكن الخطر الذي يواجه اليهود في الوقت الحاضر لم يَعُد معاداة اليهود وإنما الزواج المُختلَط، وهو خطر لم تجد له القيادات اليهودية حلاًّ بعد. يقدم كريستول حلاًًّ جديداً للمشكلة يستند إلى مقدمات فلسفية وتاريخية مفادها أن العقيدة العقلانية للإنسانية العلمانية بدأت تفقد مصداقيتها بالتدريج رغم هيمنتها الكاملة على مؤسسات مجتمعنا (المدارس والمحاكم والكنائس ووسائل الإعلام) . ويعود هذا إلى سببين: 1 ـ بإمكان الفلسفة العقلانية العلمانية أن تزودنا بوصف دقيق للمسلمات الضرورية لتأسيس نسق أخلاقي. ولكنها لا يمكن أن تزودنا بهذا النسق ذاته، فالعقل قادر على تفكيك الأنساق الأخلاقية ولكنه ليس قادراً على توليدها، إذ أن الإنسان يقبل الأنساق الأخلاقية من منطلق إيماني غير عقلي، والعقل المحض لا يمكن أن يتوصل إلى أن الجماع بالمحارم خطأ (طالما أن مثل هذه العلاقة لا تثمر أطفالاً) ، أو أن مضاجعة الحيوانات شر (إلا من منظور أنها انتهاك لحقوق الحيوانات) ، ذلك أنه ليس معروفاً لدينا إن كانت الحيوانات تتمتع بمثل هذه العلاقة الجنسية أم لا. وبسبب هذه الفوضى الأخلاقية، أصبح من المستحيل علينا تنشئة الأطفال، وتظهر أجيال قلقة لا تجد لنفسها مخرجاً من هذا الوضع. 2 ـ لا يمكن أن يُكتب البقاء لمجتمع إنساني إن كان أعضاؤه يعتقدون أنهم يعيشون في عالم لا معنى له. والواقع أننا، منذ القرن التاسع عشر (الحركة الرومانسية) ، نجد أن تاريخ الفكر الغربي هو رد فعل للإحساس بأن العلمانية أدَّت إلى ظهور عالم لا معنى له، وهي تحاول أن تحل هذه المشكلة بأن تؤكد للإنسان أنه يسيطر على نفسه وعلى الطبيعة من خلال الاستقلال والإبداع، وهو أمر يراه كريستول مجرد خداع للنفس، ولذا فإن أهم ثلاثة فلاسفة غربيين في العصر الحديث لا يؤمنون بالعقيدة الإنسانية (الهيومانية) : فنيتشه عدمي، وهايدجر وثني جديد، وسارتر وجودي يشعر بالغثيان، كما أن التيارات الفكرية السائدة الآن (التفكيكية وما بعد الحداثة) كلها تشعر بالازدراء تجاه الفكر الإنساني الهيوماني. كل هذا يشير إلى أن من المتوقع تراجع العلمانية وتزايد الانتماء الديني. ويتبدَّى هذا في العبادات الوثنية الجديدة التي ظهرت، أي أن من المتوقع أن يحدث بعث جديد للمسيحية في المجتمع الأمريكي. ويتوقع كريستول أن يقاوم اليهود هذا الاتجاه، ولكنه يرى أن من الأفضل لهم أن يغيروا موقفهم وأن يتكيفوا مع الوضع الجديد، فليس من المتوقع أن يؤدي البعث الديني إلى تزايد معاداة اليهود. كما يرى أن البديل لتقبل عودة الرموز المسيحية والعقيدة المسيحية ما أسماه «البربرية المعادية للكتاب المقدَّس» والتي تتحدى كلاًّ من المسيحية واليهودية، بل والحضارة الغربية ككل. وأخيراً، يُنهي كريستول مقاله بعبارة مهمة: «إن يهود أمريكا عندهم حساسية مبالغ فيها من العداء المسيحي لليهود، وهم لذلك معرَّضون لخطر أن ينسوا أن من حطم الهيكل مرتين ونفى الشعب اليهودي لم يكن العداء المسيحي لليهود، وإنما الوثنيون والبابليون والرومان» . جورج ستاينر (1929-) George Steiner مؤلف وعالم لغوي يعمل حالياً أستاذاً في جامعتي كامبردج وجنيف، من أهم مؤلفاته تولستوي أو دوستوديفسكي (1959) ، وموت المأساة (1960) حيث يذهب إلى أن سبب موت المأساة هو المنظومة المعرفية المسيحية ثم الماركسية. أو في اللغة والصمت (1967) ، يتناول مسألة التآكل التدريجي للرؤية الإنسانية (الهيومانية) بسبب إفساد اللغة عن طريق الدعاية السياسية والإباحية والماركسية، ومن ثم يصبح الصمت الاستجابة الوحيدة اللائقة لفظائع عصرنا. وفي قلعة بلو بيرد (1971) يبين أن ثمة علاقة بين التجريد الموضوعي الذي يتسم به البحث العلمي وبين عدم اكتراث البشر بالحقائق السياسية الاجتماعية المتعينة. طوَّر ستاينر موضوع اللغة في كتابيه خارج حدود الدولة (1971) ، وبعد بابل (1975) ، حيث يحاول أن يقدم نموذجاً لعملية الفهم والإدراك. وقد كتب ستاينر رواية مثيرة بعنوان حَمْل أ. هـ إلى سان كريستوبال (1981) ، وهي رواية يتخيل مؤلفها أن جماعة من الإسرائيليين تكتشف أن أدولف هتلر (أ. هـ) مختبئ في غابات الأمازون في أمريكا اللاتينية، فتقوم باختطافه لتحاكمه على جرائمه ضد البشرية. ولكن عند حدود الغابة، في الرقعة التي تفصل بين الغابة والعالم الذي يُقال له متحضر، يقوم هتلر بالدفاع عن نفسه فيبيِّن أن أفكاراً مثل فكرة «الشعب المختار صاحب الرسالة» هي أفكار وجدها في تراث اليهود الديني، ومادام الرايخ قد ولد إسرائيل، أفليس من الممكن أن يكون هتلر نفسه هو الماشيَّح الحق؟ نورمان بودورتز (1930-) Norman Podhoretz كاتب أمريكي يهودي، ومحلل سياسي وثقافي. وُلد لأبوين مهاجرين من يهود اليديشية ونشأ في بروكلين (حي اليهود الشهير في نيويورك) ، والتحق بكلٍّ من جامعة كولومبيا والكلية اللاهوتية اليهودية. درس على يد ليونيل ترلنج في كولومبيا وعلى يد ف. ر. لفيس في كمبردج. وبعد عودته منها، ترأس تحرير مجلة كومنتاري التي تصدرها اللجنة اليهودية الأمريكية، وكانت هذه المجلة من أهم مجلات المؤسسة الثقافية الشرقية ذات التوجه الليبرالي في الستينيات. ولكن المجلة، شأنها شأن كثير من المثقفين الأمريكيين اليهود والجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، بدأ يسيطر عليها تيار صهيوني، وأخذت تتحرك نحو اليمين إلى أن تخلت تماماً عن ليبراليتها، وأصبحت هي وكُتَّابها من أكبر المدافعين عما يُسمَّى «تيار المحافظين الجدد» الذي يدافع عن الحرب الباردة وعن ضرورة أن تتخذ أمريكا موقفاً نشطاً في سياستها الخارجية وأن تنبذ الاتجاه نحو العزلة. وهذه عبارات تعني في الخطاب السياسي الأمريكي ضرورة أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل العسكري في أي جزء من العالم حينما ترى أن ذلك في مصلحتها ومصلحة الديموقرّاطيات الغربية، وهو موقف يخدم المصالح الصهيونية. وقد طالب تيار المحافظين الجدد بألا تضغط أمريكا على إسرائيل للانسحاب من الضفة والقطاع لتهدئة الرأي العام العالمي. ولكن يجب التنبه إلى أن بودورتز يعبِّر عن اتجاه قوي بين أعضاء المؤسسة الثقافية الأمريكية (من أعضاء الجماعات اليهودية ومن غيرهم) ، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر فرعي في موقفه قد يفسر حدة موقفه لا أكثر ولا أقل. أما موقفه في ذاته، فهو موقف أمريكي أصوله أمريكية وتوجهه أمريكي، فهو في دفاعه عن إسرائيل لا يتهم أعداءها بالعداء لليهود، وإنما يتهمهم بأنهم معادون للمصالح الأمريكية والحضارة الغربية، أي أنه يضع إسرائيل في سياقها الصحيح. ويُلاحَظ أن بودورتز عدَّل موقفه كثيراً بعد الانتفاضة، إذ قال: "الأمر الواقع لا يمكن له الآن أن يستمر، كما أن بدائل الاحتلال المستمر غير سارة وخطيرة; وألَّف بودورتز كتاباً بعنوان النجاح Making It في عام (1968) ، وهو سيرة ذاتية لإنسان لا يؤمن بأية قيم مطلقة، وإنما يؤمن بالنجاح بأي ثمن. وهو يُطلق على الإصرار على النجاح عبارة «السرّ القذر الذي يخفيه مثقفو نيويورك» ؛ فشهوة النجاح لديهم تحل محل الشهوة الجنسية، وهي الدافع الأساسي في حياتهم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
علم الاجتماع والجماعات اليهودية
Sociology and the Jewish Communities من الصعب تعيين نقطة محدَّدة ظهر عندها الفكر الاجتماعي (السوسيولوجي) ، ذلك أن أي مؤرخ أو فيلسوف يتعرض لموضوعه الأساسي، وهو حياة البشر في جماعات، يجد نفسه ـ شاء أم أبى ـ يتطرق إلى موضوعات أصبحت في صميم علم الاجتماع. وهذا القول ينطبق على هيرودوت والبيروني وأرسطو. ولكن التطرق لحياة الجماعات البشرية يختلف إلى حدٍّ ما عن المحاولة الواعية أو شبه الواعية لدراسة حركة المجتمعات وقوانين تطورها. ولعل من أول المفكرين الذين حاولوا ذلك المفكر العربي ابن خلدون. ثم تصاعدت وتيرة هذه المحاولة في عصر النهضة في الغرب في كتابات فيكو وتوماس هوبز ثم في كتابات الفلاسفة الأخلاقيين الإسكتلنديين (آدم فرجسون وديفيد هيوم وآدم سميث) . ولكن كلمة «علم الاجتماع» (سوسيولوجي) ذاتها لم يتم نحتها إلا على يد أوجست كونت، ولم يظهر العلم إلا بعد الثورتين الفرنسية والصناعية ومع التحولات الطبقية التي خاضها المجتمع الغربي إبّان عمليات تحديثه وعلمنته والتي تصاعدت وتيرتها بشكل ملحوظ مع منتصف القرن التاسع عشر. ويُلاحَظ أنه، حتى ذلك التاريخ، لم تكن هناك أية إسهامات تُذكَر لأي مفكرين يهود، وبعد ذلك يُلاحَظ تزايد مساهمة المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية في هذا الحقل. وفي محاولة تفسير هذا الوضع، يمكن أن نسوق الأسباب التالية: 1 ـ ينتمي أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية تنظر إلى المجتمع نظرة محايدة موضوعية. 2 ـ يميل أعضاء الجماعات اليهودية (بسبب وضعهم الوظيفي) إلى التفكير في الواقع من خلال جوهر ثابت (الذات الوظيفية المقدَّسة) ومن خلال علاقات دينامية، أي من خلال حركيتها ورؤيتها للآخر المباح. 3 ـ يميل أعضاء الجماعات الوظيفية والهامشية إلى النظر بطريقة نقدية إلى المجتمع. 4 ـ تم إعتاق اليهود في أوربا في منتصف القرن التاسع عشر وكان من مصلحتهم معرفة القوانين التي تحكم المجتمع حتى يمكنهم التكيف معه والاستفادة من هذه القوانين. 5 ـ يُقال إن النزعة المشيحانية عند اليهود لها أثر في إقبال بعض المفكرين اليهود على علم الاجتماع حتى يمكنهم اكتشاف نقائص المجتمع ومن ثم تثويره وتغييره. 6 ـ تصوَّر كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية أن علم الاجتماع سيساهم في عملية علمنة المجتمع عن طريق كشف قوانينه. ولكننا سنلاحظ أن هؤلاء المفكرين اليهود الذين أقبلوا على دراسة علم الاجتماع هم يهود غير يهود، أي يهود فقدوا الأواصر الدينية أو الإثنية التي تربطهم بالجماعة اليهودية، فهم غرباء بالمعنى الحرفي للكلمة لا ينتمون إلى عالم اليهود ولا إلى عالم الأغيار، وهم نموذج جيد لإنسان العصر الحديث اللا منتمي الذي سقط في العدمية ونُزعت عنه القداسة فلا يملك إلا أن ينزع القداسة عن كل شيء. ويمكن أن نذكر بعض الأسماء الأساسية حتى تتضح هذه الفكرة: كارل ماركس وإميل دوركهايم وجورج زيميل ولودفيج جومبلوفيتش وكارل مانهايم وجورج لوكاش وماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو وهربرت ماركوز وريمون آرون وجورج فريدمان ودانيال بل. ولا يمكن فهم هؤلاء إلا بوضعهم في سياقهم الحضاري والاجتماعي والفكري الغربي. ولا يمكن بأية حال أن نعيّن خاصية محددة مشتركة بينهم نسميها «خاصية يهودية» فمنهم اليميني ومنهم اليساري، ومنهم المتفائل ومنهم المتشائم (وإن كانت أغلبيتهم تميل إلى التشاؤم) . ومع هذا، يمكن أن نلاحظ أنهم جميعاً غير مستقرين تماماً في أي تيار فكري ينتمون إليه. ولكن هذه هي سمة كل المفكرين العظماء، الذين لا يمكنهم الاستقرار الكامل في أي نسق فكري مهما بلغ من أصالة وتركيب ولا تتسم أنساقهم الفكرية بالتناسق الهندسي البسيط. ويُلاحَظ كذلك أن معظم هؤلاء العلماء لا يهتمون بالموضوع اليهودي اهتماماً خاصاً ولا يتعرضون له إلا في إطار اهتمامهم بالحضارة الغربية. فهم يتعرضون للموضوع اليهودي باعتباره موضوعاً غربياً حديثاً كما فعل ماركس في المسألة اليهودية حيث وضعها في إطار إشكالية ظهور الرأسمالية، وكما فعل دوركهايم في موضوع ظاهرة الانتحار بين اليهود (والكاثوليك والبروتستانت) ، وكما فعل زيميل مع الغريب، وكما فعل لودفيج جومبلوفيتش مع الأمة اليهودية حيث توقَّع اختفاءها. وهم في هذا لا يختلفون البته عن ماكس فيبر أو ورنر سومبارت اللذين تناولا الموضوع اليهودي بشيء من الإسهاب في سياق الحديث عن أصول الرأسمالية الرشيدة. أما الصهيونية، فمعظم علماء الاجتماع من اليهود غير مكترث بها ولم يكتب عنها لا معها ولا ضدها. إميل دوركهايم (1858-1917 ( Emile Durkheim أول عالم اجتماع فرنسي أكاديمي. وُلد في أبينال في مقاطعة اللورين التي لم تضمها فرنسا إلا في القرن السادس عشر، ولذا ظلت محتفظة إلى حد ما بطابعها الألماني. وكان أعضاء الجماعة اليهودية فيها من يهود اليديشية؛ يتحدثون رطانة ألمانية، ويعملون بالتجارة والربا، وغير مندمجين في المجتمع الفرنسي أو الثقافة اللاتينية (على عكس اليهود السفارد في الجنوب) . ويمكن القول بأن التنظيم الاجتماعي للجماعة اليهودية في اللورين كان بسيطاً يتسم بما سماه دوركهايم فيما بعد «التضامن الآلي» ، فقد كانت جماعة صغيرة يديرها الحاخام أو أحد الرؤساء (بارناسيم) . وكانت عائلة دوركهايم تنتمي إلى هذه القيادة، فقد كان أبوه حاخاماً، كما أن أجداده كانوا من الحاخامات. وكان من المفترض أن يتبع دوركهايم نفسه هذا التقليد العائلي الراسخ ويصبح حاخاماً، فدرس العبرية والعهد القديم والتلمود وتلقى في الوقت نفسه تعليماً علمانياً. وبعد أن وصل إلى سن التكليف الديني (برمتسفاه) ، خاض تجربة صوفية قصيرة ذات مضمون كاثوليكي. ولكنه، بعد ذلك، ترك الإيمان الديني تماماً وإن لم يفقد اهتمامه بالدين كظاهرة. ولا شك في أن عملية الانفصال عن الجماعة اليهودية الصغيرة كانت تجربة قاسية لأقصى حد. غير أن المجتمع الفرنسي كان مجتمعاً مركباً يستند إلى التضامن العلماني (العضوي) ، فكان يفتح ذراعيه لمن ينضم إليه ويتيح أمامه فرص الاندماج (ولذا وُصفت فرنسا بأنها البلد الذي يأكل اليهود) . وكان دوركهايم من أكثر الفرنسيين فرنسية ومن أكثر العلمانيين علمانية، ولا شك في أن انتقاله من اللورين إلى باريس، من مجتمع صغير متزمت ضيق إلى مجتمع رحب، جعله يشعر بالحرية والانعتاق. ولذا، فإننا لا نجد في دراساته أي حنين للجماعة الصغيرة «المترابطة» (كما هو الحال في علم الاجتماع الألماني) وإنما الانتماء الكامل للمجتمع التعاقدي. ومن هنا حماسه الشديد، بل والمفرط، للبحث عن أساس أخلاقي للمجتمع الجديد الذي انتمى إليه ليحل محل القيم الدينية التي تركها، ومن هنا أيضاً إيمانه الديني بالمجتمع (المدني) وتأليهه المجتمع (ثم تأليهه الذات القومية بعد ذلك) . ويُلاحَظ أن الفرنسيين عادةً ما ينتمون إلى بقعة أو منطقة محلية معينة على عكس دوركهايم الذي كانت تُعبِّر كتاباته عن الانتماء إلى كل فرنسا دون تفرقة، وإلى المجتمع الفرنسي في أعلى درجات تجريده. وقد كان انتماؤه إلى هذا البلد انتماءً مباشراً دون وساطة أية تقاليد أو تاريخ خاص، ولذا كان دوركهايم إنساناً علمانياً تماماً، يقترب إلى حدٍّ كبير من الإنسان العام الذي كان فلاسفة الاستنارة يحلمون به. التحق دوركهايم بمدرسة المعلمين العليا. وكانت المدرسة مركزاً فكرياً مهماً في ذلك الوقت، إلا أن علم الاجتماع لم يكن قد احتل مكانته اللائقة بعد. وقد التقى هناك بزملاء كانوا فيما بعد رواد الفلسفة والعلم مثل الفيلسوف برجسون. ولم يكن دوركهايم طالباً متفوقاً وإن كان قد حظي ببعض كبار الأساتذة هناك من بينهم فوستيل دي كولانج وإميل بترو، كما تأثر بأعمال أوجست كونت وسان سيمون. وبعد تخرجه قرر أن يكرس نفسه للدراسة العلمية لعلم الاجتماع واشتغل بالتدريس في الجامعات الفرنسية كما اشتغل بتحرير حولية علم الاجتماع التي ظهر العدد الأول منها عام 1898. إن الجذور الفكرية لدوركهايم هي جذور أي مفكر غربي حديث، فقد استوعب فكر ديكارت (وثنائيته الصلبة) وفكر حركة الاستنارة والعقلانية المادية (البحث الدائب عن أساس عقلي) وأعمال روسو (مفهوم الإرادة العامة والتفرقة بين الظاهرة الاجتماعية والظاهرة النفسية) ومونتسكيو (ترابط المجال الثقافي والاجتماعي) ، وأعمال كونت (تقسيم العمل كمصدر للتضامن وفكرة الإجماع) ، وفكر سان سيمون (علم الاجتماع كعلم مستقل) والفكر المعادي للاستنارة (أسبقية المجتمع على الفرد، والحاجة إلى السلطة والالتزام الخارجي) وآراء فوستيل دي كولانج (المنهج التاريخي ودور الدين) وأفكار إميل بترو (مستويات الواقع المختلفة) وتشارل رينوفييه (رفض الحتمية التاريخية ومركزية الاعتبارات الأخلاقية في البحث الفلسفي، والحاجة إلى علم أخلاق لإعادة بناء الجمهورية، ورؤية العنف باعتباره شراً) . كما تأثر دوركهايم بهربرت سبنسر (الرؤية التطورية) ووليام سميث (أهمية الطقوس في الدين) . أما في ألمانيا، فتأثر بكانط (فلسفة الأخلاق) وبزيميل وجومبلوفيتش وتونيز وبالفكر العضوي الألماني، وأخيراً بفيلهلم فوندت (فكرة روح الجماعة) وبمعمل علم النفس والأبحاث العلمية التي أجراها فوندت وشاهدها دوركهايم. أما خلفية دوركهايم الاجتماعية، فهي تحوُّل فرنسا إلى مجتمع صناعي وتصاعد وتيرة هذا التحول. وقد واكبت ذلك أحداث سياسية واجتماعية أخرى مثل هزيمة فرنسا أمام ألمانيا، الأمر الذي ولَّد الحاجة إلى إعادة بناء الجمهورية. وقد نشب صراع شرس بين الكنيسة والقطاعات العلمانية في فرنسا حول حادثة دريفوس، فتصاعدت المطالبة بفصل الدين عن الدولة. وشهدت هذه المرحلة تصاعد أهمية الفكر القومي العضوي حتى أصبح الإطار المرجعي لرؤية الإنسان الأوربي للكون. وثمة موضوعان أساسيان في علم الاجتماع عند دوركهايم، أولهما مشكلة النظام الاجتماعي في مجتمعات وصل فيها تقسيم العمل إلى درجات عالية من الشمول والتنوع، ويوجد فيها صراع بين الطبقات؛ مجتمع تصاعدت فيه معدلات التصنيع والتحديث والعلمنة، وغاب فيه اليقين الأخلاقي والتوقعات الاجتماعية المعتادة، وتُرك فيه الأفراد دون توجيه أخلاقي جماعي في محاولتهم الوصول إلى أهدافهم، وهذا هو ما أدَّى إلى تفكُّك المرجعية وغيابها وتزايد الأنانية والنفعية. وتمخض كل هذا عن حالة الأنومي أو اللا معيارية، فاللا معيارية ليست حالة عقلية فردية وإنما هي ظاهرة اجتماعية. والإنسان حسب تصور دوركهايم حيوان لا يشبع (على عكس الحيوانات الأخرى) ، وكلما ازداد ما يحصل عليه يزداد نهمه. ولذا، فلابد أن توضع رغباته الفردية داخل حدود خارجية جماعية. ولنا أن نلاحظ أن هذه الأفكار هي إعادة إنتاج للأفكار المسيحية، والكاثوليكية على وجه التحديد، الخاصة بالخطيئة الأولى للإنسان وبأنه لا خلاص للفرد خارج الكنيسة، فالخلاص لا يتم إلا بشكل مؤسسي. أما الموضوع الثاني، فهو طريقة حل هذه المشاكل. وكان دوركهايم يرى أن علم الاجتماع يمكنه أن يلعب دوراً حاسماً في البحث عن أساس جديد للتماسك الاجتماعي في المجتمع الحديث العلماني، ولذا فقد انصب اهتمامه على محاولة أن يجعل علم الاجتماع تخصصاً أكاديمياً مستقلاًّ وعلماً ذا أسس منهجية ومعرفية مستقلة. درس دوركهايم ظاهرة الانتحار في إطار علم الاجتماع، فبيَّن أن الانتحار ليس انحرافاً نفسياً فردياً كما كان متصوَّراً وإنما حقيقة اجتماعية، فحاول الربط بين معدلات الانتحار كما حدده والفروق في التضامن الاجتماعي بين الجماعات المختلفة، فوجد أنه كلما تآكلت الضوابط المجتمعية والروابط الأسرية ضعف التضامن وزادت عزلة الفرد الاجتماعية وتعرَّض النظام السياسي والاجتماعي للانهيار، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور حالة اللا معيارية، وتزايد معدلات الانتحار. فالانتحار يرتبط ارتباطاً عكسياً بدرجة التكافل في المجتمع. وبيَّن دوركهايم أن معدل الانتحار في أوربا يزداد في الدول البروتستانتية عنه في الدول الكاثوليكية، وتقل نسبة الانتحار بين اليهود عنها بين الكاثوليك والبروتستانت، ويرجع هذا إلى ما يتمتع به البروتستانت من حرية البحث فضلاً عما يشيع بينهم من فردية نتيجة ضعف التضامن بين جماعاتهم. أما انخفاض معدلات الانتحار بين اليهود، فيرجع إلى شعورهم غير العادي بالتضامن الذي ولَّده بينهم ما تعرضوا له من مذلة وما تتميز به حياتهم من انعزالية. وما أنجزه دوركهايم في دراسته عن الانتحار هو توضيح الأبعاد الاجتماعية لظاهرة قد تبدو نفسية، وتأكيد إسهام علم الاجتماع في كشف أسباب اللا معيارية التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، ومن ثم يصبح علم الاجتماع قادراً على اقتراح حلول لمشاكل المجتمع الحديث، وهذا هو جوهر مشروع دوركهايم المعرفي. وفي كتابه الأخير والمهم الأشكال الأساسية للحياة الدينية يطرح دوركهايم رؤيته للدين وللعلاقة بين الدين والمجتمع. وينتمي دوركهايم لخط طويل من المثقفين الفرنسيين المؤمنين بحتمية الدين كظاهرة. فالدين ليس سمة من سمات السلوك الفردي، ولا هو اختيار شخصي، وإنما بُعد أساسي في الحياة الجماعية لا يستقيم المجتمع بدونه. وقد واجه هؤلاء المثقفون الإشكالية التي يمكن أن نُطلق عليها «إشكالية موت الإله في المجتمعات العلمانية» ، وهي الإشكالية التي اكتشفها دوستويفسكي حين قال: إذا لم يكن الإله موجوداً، فكل شيء يصبح مباحاً. ويمكن أن نعيد صياغة هذه الفكرة على النحو التالي: إذا مات الإله اختفى المطلق المتجاوز للواقع المادي الذي تؤمن به الجماعة، أي اختفت المرجعية ومن ثم لم تَعُد هناك حدود للفرد، وأصبح كل فرد مرجعية ذاته وحاول تحقيق ذاته وصالحه كفرد. ومن ثم تظهر الإشكالية التالية: كيف يمكن التوفيق بين الصالح العام والاتجاهات الفردية في المجتمع؟ كيف نحمي المجتمع من السقوط في الإشكالية الهوبزية: حرب الجميع ضد الجميع؟ هذه هي الإشكالية الأساسية الكامنة في فلسفة المنفعة العلمانية التي تذهب إلى أن مصدر التماسك في المجتمع ومصدر حركته هو سعي كل فرد نحو مصلحته الشخصية لتحقيقها، وأن الفرد حين يحقق مصلحته الشخصية فهو يحقق الصالح العام بشكل تلقائي، وأن التناسق يتم من خلال الصراع بشكل آلي. إذ أن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يحدث هذا؟ لماذا لا يستمر الإنسان الفرد في تحقيق مصالحه حتى يدمر نسيج المجتمع ذاته؟ أفليست المصلحة الذاتية هي الحقيقة المطلقة (لوجوس) وتحقيقها هو الهدف (تيلوس) ، خصوصاً أن دوركهايم أكد أن الإنسان حيوان شره لا تتوقف رغباته عند أية حدود؟ الدين حتمي إذن، ولكن الميتافيزيقا غير مقبولة في عصر العقل المادي والعلم والاستنارة والتفسيرات المادية، فما المخرج إذن؟ لقد حاول هؤلاء المثقفون الفرنسيون أن يحلوا المشكلة بالتوصل إلى دين جديد إنساني مُخلَّق يتوصل إلىه العقل البشري ليحل محل الدين التقليدي الذي يفترض المؤمنون به أنه مُرسَل من السماء. وبدأت هذه المحاولة بعبادة العقل إبّان الثورة الفرنسية، وحاول سان سيمون طرح رؤيته للمسيحية الجديدة، وطرح أوجست كونت رؤيته لديانة الإنسانية، وهو تقليد ليس مقصوراً بأية حال على المثقفين الفرنسيين وإنما يمتد ليشمل كل المحاولات الرامية إلى تأسيس مجتمع علماني صرف يُغيِّب الإله أو يهمشه، فالفلسفة الماركسية تطرح ديانة الطبقة العاملة الجديدة، وتطرح الليبرالية ذاتها ديانة التقدم الدائم والانتصار المستمر للعقل (حتى أعلن فوكوياما نهاية التاريخ) . أما دوركهايم، فيحاول حل الإشكالية عن طريق تعريف الدين ليصل إلى ما يمكن تسميته «دين بدون إله» أو «لاهوت بدون إله» (وهو لاهوت موت الإله قبل أن تُطبَّق على الإنسان الغربي رؤيته التشاؤمية بشأن العدمية الكامنة في مثل هذه الرؤية) . وهو دين ينطلق من مجموعة من الافتراضات: 1 ـ الدين نسق موحَّد من المعتقدات والممارسات التي تتصل بشيء مقدَّس. والمقدَّس شيء ليس له وظيفة عملية، فهو يتسم بسمات تجعله مهماً في حد ذاته، مكتفياً بذاته، فالدين نسق يدور حول مطلق ما، بغض النظر عن طبيعة هذا المطلق. 2 ـ الإيمان بالإله ليس سمة عامة في الأنساق الدينية جميعاً، فما يميز الأنساق الدينية هو فصلها بين المقدَّس والمدنَّس، أي أن المطلق قد لا يكون الإله، ومن ثم لا حاجة للميتافيزيقا بالضرورة (أو على الأقل لا حاجة للميتافيزيقا التي تستند إلى الغيب وعالم ما وراء الطبيعة (. 3 ـ فكرة الإله مجرد إعلاء لفكرة المجتمع، والدين هو المجتمع بعد أن أصبح موضع القداسة والتبجيل والتقديس. والأفكار والممارسات الدينية التقليدية إنما تشير أو ترمز إلى المجتمع، أي أن الدين إن هو إلا شيء اجتماعي غير نابع من طبيعة الفرد وإنما من طبيعة المجتمع، فالمجتمع هو المصدر أو المنبع الأصلي أو السبب النهائي للخبرة الدينية. 4 ـ المجتمع، في واقع الأمر، هو المحرك الأول والأخير لكل الظواهر الإنسانية، فقد صرنا إلى ما نحن عليه بسبب المجتمع. 5 ـ تتمثل وظيفة الدين الرئيسية في تحقيق التضامن الاجتماعي وتدعيمه والمحافظة عليه. 6 ـ المجتمع يتحرك داخلياً ليسمو بنا، لا كما تفعل الشرارة الإلهية بطريقة غامضة (كما كان الظن في الماضي) وإنما بطريقة مادية يمكن رصدها ومعرفة قوانينها. ومن خلال هذا الرصد نكتشف أمرين: أ) المعتقدات والممارسات تتحد في مجتمع أخلاقي واحد يُسمَّى «الكنيسة» ويضم كل الذين يرتبطون به. ب) الشعائر (البرانية) أكثر أهمية من العقائد (الجوانية) في عملية تنظيم الأنساق الدينية واستمرارها. هذا هو موقف دوركهايم من الدين وتعريفه له. ومن الواضح أنه حرَّر المطلق من فكرة الإله، وربطها بشيء آخر مادي تاريخي متعيِّن قابل للرصد هو المجتمع. وبعد تحديد قوانين البنية كما يتخيلها، يرسم لنا دوركهايم ملامح تاريخ عام للبشرية يبين لنا فيه كيف حدث التفتت الاجتماعي وكيف ضاع التماسك (السقوط والخطيئة الأولى في إطار مادي اجتماعي) وكيف يمكن التغلب على التفتت (الخلاص من خلال الكنيسة الجديدة التي تحتكر شعائر الخلاص تماماً مثل الكنيسة الكاثوليكية (. وبيَّن دوركهايم أن تقسيم العمل هو الآلية الكبرى لكل من السقوط والخلاص، فهو الذي يسبب التحولات العميقة في المجتمع وهو المظهر الأساسي لهذه التحولات. وقد جرد دوركهايم العمل من كل علاقات القوة والهيمنة والسيطرة، ولذا فقد جعله المصدر الحقيقي للتضامن في المجتمع. ويذهب دوركهايم إلى أن الفرد، باعتباره كياناً مستقلاًّ حراً له ضميره الخاص، لم يكن له وجود في المجتمعات البدائية البسيطة. فالانحراف عن العقل (أو الضمير) الجمعي كان يُعاقَب عليه بشدة من خلال النفي والاستبعاد وأشكال العقاب المختلفة، ولذا يكون التضامن في هذه المجتمعات تضامناً آلياً (برانياً) يستمد قوته من الضمير الجمعي والقانون القهري (لا من قوة الضمير الشخصي) . ويَنتُج عن هذا الوضع التماثل أو التشابه بين الناس بصورة ملحوظة، وهو تماثل يُعبِّر عن وجود عواطف ومشاعر مشتركة، وعن مشاركة عامة في القيم والمعايير السائدة في المجتمع. وقد حدث تغيُّر في المجتمع البسيط الذي يستند إلى التضامن نتيجة تزايد عدد السكان والتموين والتصنيع، إذ أدَّى هذا إلى تراجع التضامن الآلي وتقويض الضمير الجمعي خلال تدهور العقيدة المشتركة وظهور الفردية. كما أدَّى اتساع نطاق تقسيم العمل (الذي يمتد ليشمل كل أشكال الحياة) إلى تزايد التباين بين الأفراد، وإلى اختفاء التشابه العقلي والنفسي والأخلاقي بينهم وذلك نتيجة زيادة الفردية، ويبدو ذلك واضحاً في تباين أذواق الأفراد ومعتقداتهم وآرائهم وأخلاقياتهم. ومن ثم يقل الدور الذي كانت تلعبه الوراثة في الحصول على المكانة الاجتماعية، وهكذا ينعدم التجانس في هذا المجتمع وتختفي القيم الدينية والأخلاقية المشتركة والممارسات القمعية التي تستند إلى الضمير الجمعي وهو ما يؤدي إلى ظهور حالة الأنومي (اللا معيارية) وانعدام التماسك (لحظة السقوط وغياب المطلق (. والآن كيف يمكن استعادة التماسك والمركز والمطلق؟ يذهب دوركهايم إلى أن الكنيسة الجديدة (التي سيُزوِّد المجتمع بإطاره العقائدي والتي ستكون الآلية التي يحقق الإنسان من خلالها الخلاص) هي علم الاجتماع، فهو العلم الذي يُبيِّن كيف يتمكن الجزء (الفردي) من أن يتواصل مع الكل (الاجتماعي) ، وكيف يمكن أن يحقق النسق تماسكه، وهو العلم الذي سيزوِّد الإنسان بالمعرفة العلمية اللازمة التي يمكن أن يستند إليها التشريع الاجتماعي. فكأن دوركهايم لم يفصل الأخلاق عن العلم وإنما كان يحاول إقامة علم أخلاق مختلف تماماً عن الفلسفة الأخلاقية. وعلم الاجتماع قادر على رصد المطلق وتعريفه وهو مطلق لا يتجاوز الزمان والمكان ولكنه مرتبط بهما، ولذا فإن القواعد الأخلاقية التي يطرحها هذا العلم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف الحياة الاجتماعية والتي تعتبر نسبية من حيث الزمان والمكان. وعلم الاجتماع سيكتشف القيم النسبية المناسبة للزمان والمكان، ولذا فهي قيم مطلقة مؤقتة تنبع مطلقيتها من موافقتها لملابسات اللحظة التاريخية والظروف المكانية (ومن ثم، فإن دوركهايم هو من أوائل المبشرين بلاهوت ما بعد الحداثة) . إنها الأخلاقيات اللازمة لاستمرار المجتمع. وعلى الفرد أن يتبع هذه القوانين وأن يستبطنها تماماً باعتبارها القيمة المطلقة وعليه أن ينفذ الشعائر. وبذا، تحوَّل علم الاجتماع من علم يرصد الآليات بحياد علمي رهيب إلى علم معياري يقنن ويطرح الرؤى الأخلاقية التي تستند إلى قوانين علمية. وهو علم يرصد دائماً النظام والتماسك في المجتمع. وكل هذه الأبعاد تؤدي إلى شمولية كاملة حيث يجتمع التكنوقراط ليقرروا للبشر ما هو المطلق، ثم يطلبون منهم اتباعه باعتبار أن ما قرروه تم تقريره على أساس علمي. وبهذا المعنى، فإن علم الاجتماع لم يَعُد مجرد علم وإنما أصبح نوعاً من أنواع الوعي (العلمي العلماني) المناسب للمجتمع الحديث (العلماني) وللحضارة الحديثة التي تعيش في ظلال العقلانية (المادية) الديكارتية. ومن ثم، فإن دوركهايم استمرار للتقاليد الفلسفية الوضعية التي تضرب بجذورها في فلسفة سان سيمون وأوجست كونت، وهي فلسفة تصدر عن الواحدية (المادية) الكونية التي لا تفصل بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان وترى أن ثمة وحدة بينهما، فالثاني جزء لا يتجزأ من الأول. وهي رؤية عضوية للمجتمع، فهي تُشبِّه المجتمع بجسد الإنسان، وتدركه داخل إطار تطوُّري. فإذا مرض جسم الإنسان، فلابد أن يُزوَّد بالعلاج اللازم. وكذلك المجتمع، فإن أصيب بالمرض فلابد أن يُزوَّد بالدواء. وقد عرَّف دوركهايم علم الاجتماع بأنه علم طبيعي وموضوعي وشامل للظواهر الاجتماعية التي ترتبط فيما بينها بعلاقات عامة وضرورية مشتقة من طبيعتها الخاصة، أي أنها بعبارة أخرى خاضعة لنفس مبدأ الحتمية الذي تنهض عليه العلوم كافة (طبيعية كانت أم إنسانية) ، ومن ثم فإن بوسعنا أن نكشف عن القوانين المعبِّرة عن هذه الروابط الضرورية بين الظواهر مستخدمين في ذلك مناهج الملاحظة الدقيقة والبرهان المنطقي والتعميم النظري، وهي نفسها المناهج التي تستخدمها العلوم الطبيعية. وهذا العلم سيساعد على اكتشاف أن المجتمع مكوَّن من أفراد، إلا أن الحقائق الاجتماعية تشكل واقعاً قائماً بذاته، ولذا فإن للمجتمع وجوداً موضوعياً خارجياً يعلو على الأفراد له قوانين مستقلة عنهم وعن وعيهم، وهو وجود يشكل سلوكهم وإدراكهم ويحدد الإطار الاجتماعي. والفرد هو الجزء والإطار الاجتماعي هو الكل، والفرد السوي هو الذي ينجح في تحقيق الاندماج في الكل الاجتماعي. فالمجتمع، إذن، واقع لم تخلقه إرادات فردية. ولكنه، مع هذا، ليس منفصلاً تماماً عن الإنسان، فهو «التمثيل الجماعي للمجتمع» ، ولذا فهو موجود داخلياً وخارجياً (ويمكن تشبيهه بالوثبة الحيوية عند برجسون التي لها وجود موضوعي وذاتي في آن واحد) . وانطلاقاً من هذا، يكتشف دوركهايم فكرة الضمير الجمعي، فالمجتمع ـ كما أسلفنا ـ يوجد داخل الأفراد وخارجهم، ولذا فهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبعث الرهبة والورع في نفوسهم، ويرغمهم على الخضوع لقواعد السلوك ولتقديم التضحية التي لا يمكن أن يستمر المجتمع بدونها. ولكن المجتمع ليس متعيناً بما فيه الكفاية ليصبح موضع التقديس والتبجيل، ولذا فإن شعور الفرد تجاه المجتمع يتم من خلال وساطة الضمير الجمعي الذي يتألف من التصورات والمعتقدات والرموز المقدَّسة والعواطف الشائعة والعامة بين الأفراد (الذين يشكلون غالبية أعضاء المجتمع) التي تكوِّن نسقاً خاصاً يوجد داخل الأفراد ولكنه مستقل عنهم وله قوة ذاتية مستقلة، ولهذا فإنه يمارس ضغطاً على الأفراد بحيث يُوجد بينهم تماثلاً عقلياً وعاطفياً ويخلق لديهم وعياً بواقعهم، فيدعم الكيان الجمعي لنفوس أولئك الأفراد. والضمير العام له وجوده الخاص المتميِّز، وهو كيان لاتاريخي إلى حدٍّ ما يدوم عبر الزمن ويعمل على توحيد الأجيال. والضمير الجمعي، في واقع الأمر، هو المجتمع وقد تحوَّل إلى صورة مجازية أساسية وقيمة حاكمة بإمكان الأفراد استبطانها. وإذا كان المجتمع هو ما يقابل الأب في الثالوث المسيحي، فإن الضمير الجمعي هو الابن المتجسد في التاريخ والذي يستطيع البشر التواصل معه لأنه الإنسان الإله. أما روح القُدُس التي تسري في كل شيء، فهي القوانين الاجتماعية التي يكتشفها كهنة الكنيسة الجديدة الذين قد لا يتحلون بالعصمة النهائية (كبابا روما) ولكنهم يتحلون بقدر من العصمة المؤقتة (التي تجعل منهم باباوات عصرهم) . وهم الذين يقيمون شعائر الدين العلمي الجديد الذي سيحقق الخلاص للإنسان الحديث. كيف يُعبِّر الضمير الجمعي عن نفسه في المجتمع الحديث؟ وجد دوركهايم أن تقسيم العمل الذي أدَّى إلى اللا معيارية هو نفسه الآلية التي تؤدي إلى ظهور الضمير الجمعي في شكله الحديث. ففي المجتمع الحديث، أصبح الفرد غير قادر على الاكتفاء الذاتي، وتم تنظيم المجتمع على أسس جديدة إذ أصبح يتَّسم بالتضامن العضوي، والمجتمع هنا مثل الكائن العضوي لا يشبه أعضاؤه بعضهم بعضاً مادام لكل عضو من هذه الأعضاء المكونة وظيفة محددة يؤديها تختلف عن الوظيفة التي تؤديها بقية الأعضاء، والوظائف المتكاملة هي السبب الرئيسي في استمرار وجود الكائن العضوي وحياته. ومن هنا، فإن تماسك المجتمع الحديث يمكن تفسيره بالإشارة إلى عدة عناصر من بينها: 1 ـ تبادل المصلحة داخل نطاق تقسيم العمل. 2 ـ ظهور ما يُسمَّى الآن «المجتمع المدني» الذي يستند إلى التنظيمات المدنية الطوعية والروابط المهنية مثل النقابات (التي تربط الفرد بالدولة (. 3ـ ظهور أخلاقيات المهنة والوظيفة التي تُوجِّه سلوك الفرد داخل هذه الروابط. 4 ـ ظهور التعاقد كأساس للعلاقات الاجتماعية. بهذه الطريقة، يكون دوركهايم قد حل مشكلة تماسك المجتمع من خلال الأخلاق المدنية التي يفرضها المجتمع من الخارج ومن خلال آليات التضامن العضوي نفسها، ولكنها تنبع أيضاً من الداخل لأنها راسخة في ذوات الأفراد ونابعة من حاجاتهم. ومن خلال هذا، تظهر مجموعة القيم المتجاوزة للأفراد. وأنجز دوركهايم كل هذا دون اللجوء إلى ميتافيزيقا خارجية ودون حاجة إلى الاهتمام بمطلقات (مثل الإله) أو حتى شبه مطلقات (مثل الضمير الجمعي) ، ودون السقوط في الذرية التي يؤدي إليها مذهب المنفعة (ولعل هذا هو الفرق بين الأصول البروتستانتية لعلم الاجتماع الإنجليزي مقابل الأصول الكاثوليكية لعلم الاجتماع الفرنسي) . اكتشف دوركهايم أن الآلية البرانية لا تكفي قط، وأن البراني لابد أن يصبح جوانياً والخارجي داخلياً، أي لابد من استبطان القواعد، ومن هنا ظهرت الحاجة مرة أخرى إلى الضمير الجمعي. ويُعدِّل دوركهايم موقفه، فبدلاً من علاقات العمل التي تؤدي إلى التماسك العضوي مباشرةً، يعود الضمير الجمعي إلى الظهور شكل القومية العضوية التي ترى أن القومية تسبق الفرد، وأن الفرد جزء من كل عضوي لا يمكنه أن يُوجَد خارجه، وأن ثقافة الإنسان ورؤيته للكون واختياراته الفردية كلها تنبع من كونه جزءاً من هذا الكل العضوي. لكل هذا، تم استبعاد الوعي الفردي والذاتية، واستُبعد الإنسان الفرد، واعتُبرت العقائد والقيم أشياء اجتماعية توجد خارج الوعي الذاتي. والقومية العضوية نتاج ذوبان ذات الفرد في ذوات الآخرين بحيث تتحول إلى ذات جمعية عضوية وكيان عضوي منزَّه عن الأفراد، وهو في واقع الأمر جماع ذواتهم، كيان في داخلهم وخارجهم في آن واحد (وهذا وصف دقيق أيضاً للعبادة اليسرائيلية القربانية وللحلولية الوثنية اليهودية القديمة حيث كان اليسرائيليون يعبدون إلهاً مقصوراً عليهم هو تجسد للشعب ورغباته وإرادته؛ إله لا يتجاوز الشعب ولا يتنزه عن الطبيعة والتاريخ وإنما يتوحد بالشعب والأرض) . وبذلك يكون دوركهايم قد حوَّل القومية العضوية أو الذات القومية إلى المطلق (بدلاً من المجتمع أو الضمير الجمعي) . ولا شك في أن القوانين والشعائر التي تُعمِّق التماسك العضوي لهذه الجماعة القومية هي شعائر هذا الدين الحلولي العضوي الجديد. ويمكن القول بأن دوركهايم هو إسبينوزا علم الاجتماع الذي استبعد كل المطلقات من منظومته واستبعد الغائية والهدف. وأدَّى كل هذا إلى استبعاد الإنسان ككائن حر قادر على الاختيار والفرح والحزن، وكلاهما كان يشعر بالغبطة الشديدة لإنجازه الفلسفي، ذلك أنهما لم يدركا ما في موقفهما من شمولية وإطلاق وعداء جذري للإنسان. ولعل الفارق الوحيد بين إسبينوزا ودوركهايم ينبع من واقع أن الأول كان يدور في نطاق الصورة المجازية الآلية على حين أن الثاني كان يدور في إطار صورة مجازية عضوية حيوية (ولكنها، شأنها شأن صورة المجازية الآلية، تبتلع الإنسان وتفترض أسبقية المجتمع على الفرد كما تفترض أن أفعال الإنسان إن هي إلا جزء لا يتجزأ من حركة اجتماعية تطورية كبرى) . وكلاهما يدور في إطار حلولية بدون إله أو وحدة الوجود المادية. وإذا كان إسبينوزا قد احتفظ بالإله وساوى بينه وبين الطبيعة، فإن دوركهايم ألغاه وخلع صفاته وقدراته على المجتمع. ورغم هذا الاختلاف، فإن كليهما وضع المطلق في نهاية الأمر داخل المادة، وجعل المادة (الطبيعة أو المجتمع) شيئاً مكتفياً بذاته ومصدراً للتماسك والحركة، فكلاهما يؤمن بأن ثمة نظاماً ضرورياً وكلياً للأشياء، نظاماً ليس فوق الطبيعة وحسب ولكنه فوق الإنسان أيضاً. وهو نظام كامن في الطبيعة عند إسبينوزا وكامن في المجتمع عند دوركهايم. فأين تكمن خصوصية دوركهايم اليهودية؟ إن السياق الكلي والأساسي الذي يتحرك داخله دوركهايم هو الفكر الغربي العلماني الحديث الذي لا تختلف بنيته عما بيَّنا من قبل، ولا يمكن فهم فكره إلا في إطار هذا الفكر، بل لا يمكن فهم خصوصيته إلا في إطار خصوصية الفكر الفرنسي العقلاني المادي (الكاثوليكي في بعض أشكاله) . ولا شك في أن جذور دوركهايم اليهودية لعبت دوراً في تأكيد بعض العناصر (الحلولية المتطرفة) وفي بلورة بعض العناصر الأخرى (أهمية التضامن في المجتمع والفكر العضوي) ، ولكن المنظومة بقضها وقضيضها تظل منظومة علمانية عقلانية مادية بكل ما تتسم به هذه المنظومة من وضوح ومادية وتبسيط. جورج زيميل (1858-1918 ( Georg Simmel يُعتبَر جورج زيميل مؤسِّس ما يُسمَّى «علم الاجتماع الشكلي» ، وأحد رواد علم النفس الاجتماعي واتجاه التفاعلية الرمزية. كما يرتبط اسمه بعلم اجتماع الجماعات الصغيرة. وقد ظهرت معظم أعماله في شكل مقالات انطباعية، ولم تشمل أية معالجة منهجية شاملة للعلاقات الاجتماعية، ولعل هذا يعود للعناصر الثلاثة التالية: 1 ـ وُلد زيميل في وسط برلين في منتصف القرن التاسع عشر، أي أنه وُلد في مدينة كبيرة تخوض ثورة تجارية وصناعية واجتماعية، وفي بيئة حضرية لا تسمح للإنسان بالانتماء الكامل. 2 ـ وُلد زيميل لأب كان يهودياً ثم تنصَّر وأصبح كاثوليكياً مثله مثل كثير من يهود برلين في ذلك الوقت، ومات والد زيميل وهو بعد طفل، ويبدو أنه لم يكن على علاقة طيبة بأمه التي كانت يهودية وأصبحت بروتستانتية لوثرية، أي أن انتماءه الديني لم يكن واضحاً، وحياته العائلية لم تُزوِّده بالطمأنينة اللازمة، ورغم أنه تم تعميده إلا أنه فقد الإيمان الديني. 3 ـ درس زيميل الفلسفة والتاريخ في جامعة برلين على يد بعض أشهر الأساتذة في عصره. وبعد حصوله على الدكتوراه، استقر في برلين، ولكنه لم يعيَّن في جامعتها وإنما حصل على وظيفة أستاذ جامعي لا يتقاضى مرتباً ويعتمد على المصروفات التي يدفعها الطلبة للتسجيل في المادة المقررة. ولا شك في أن العناصر الثلاثة السابقة جعلت منه شخصية هامشية تقف على حدود الأشياء دون أن تصبح جزءاً منها (كما هو الحال مع الغريب) . وتأثر زيميل بمعظم التيارات الفكرية في عصره، فاستوعب نتائج الرؤية التطورية في فلسفة برجسون ونيتشه، كما تأثر بفلسفة كانط. ولعل نظريته في الأشكال الثابتة نسبياً وفي المضامين المتغيرة، هي نتاج التزاوج بين فلسفة كانط والرؤية التطورية الحيوية. وانصب اهتمام زيميل في المرحلة الأولى من حياته الفكرية على الدراسات الفلسفية، فكتب دراسة عن كلٍّ من شوبنهاور ونيتشه، واهتم في آخر حياته بفلسفة الحضارة باعتبارها المجال الذي تمكَّن من خلاله من أن يناقش تحوُّل التجربة الإنسانية إلى ذرات متناثرة في مجتمع أدَّى تقسيم العمل فيه إلى ظهور أفراد متخصصين لا يمتلكون رؤية كلية للواقع. ويذهب زيميل إلى أن من العسير فهم المجتمع باعتباره وحدة سوسيولوجية مستقلة عن عقول الأفراد. وأن من الخطأ كذلك أن نعتقد أن للأفراد وحدهم وجوداً واقعياً. فالمجتمع ـ في رأيه ـ يُوجَد من خلال الأفراد، والأفراد إن هم إلا ذرات اجتماعية (أي المادة التي يتكون منها المجتمع) . المجتمع عند زيميل هو، إذن، وحدة موضوعية تتبدَّى من خلال العلاقات المتبادلة (التعاونية والصراعية) بين العناصر الإنسانية المختلفة في المجتمع (ويتضح هنا أثر كانط حين ذهب إلى أن الإنسان لا يُدرك الطبيعة بشكل مباشر، أي باعتبارها مادة محضة، وإنما يُدركها من خلال مقولات عقلية قَبْلية. وكذا المجتمع، فهو لا يتبدى بشكل مباشر وإنما من خلال الأشكال الثابتة التي تأخذ شكل علاقات (. ومهمة علم الاجتماع تحديد أشكال العلاقات الاجتماعية وتجريدها، وهي الأشكال التي تتسم بدرجة من الاستقرار النسبي وتتخذ شكلاً نمطياً يتميَّز عن المضمون أو المحتوى الذي يخضع للتغير المستمر. وتحليل هذه الأشكال أو الصور تحليلاً مجرداً وتحويلها إلى إطار تفسيري هو ـ حسب رؤية زيميل ـ جوهر الدراسة الاجتماعية إذ يقتضي دراسة البناء الواقعي للمجتمع. وتتضمن صور التنظيم المتشابهة (الأشكال الثابتة) محتويات مختلفة توجهها مصالح متضاربة، بينما المصالح الاجتماعية المتشابهة (المحتويات) تتحقق في أشكال مختلفة تماماً عن التنظيمات الاجتماعية. وعلى سبيل المثال، نجد أن التفاعل داخل الأشكال الثنائية يختلف تماماً عن التفاعل داخل الأشكال الثلاثية، فالأشكال الثلاثية تسمح بتكوين إستراتيجيات مركبة للتحالف بغض النظر عن طبيعة المتحالفين الذين يشكلون المحتوى، أي أن من الممكن دراسة شكل التفاعل بدون الإشارة لمحتواه المتعيِّن، وهذا ما تعنيه عبارة «علم الاجتماع الشكلي» ؛ إنه علم متجاوز للتعاقب التاريخي، ويركز على الأشكال الثابتة التي تتسم بقدر من التجاوز للزمان ولتنوع المحتوى، بمعنى أن شكلاً اجتماعياً ما يمكن دراسته من خلال محتويات (ظواهر) مختلفة منتقاة من مراحل تاريخية مختلفة. وقد كان زيميل مهتماً في المحل الأول بتحديد مهمة علم الاجتماع باعتبارها دراسة الصور الخاصة للمجتمع والأشكال أو الأنماط المتواترة له، مجردةً من محتوياتها المادية ومضامينها الخاصة. لكن هذا لا يعني أن الأشكال أصبحت من الأفكار الأفلاطونية الثابتة أو المطلقة، فالشكل (أو النمط أو البنية المجردة) لا وجود له خارج المحتوى الاجتماعي. وهو لا يُوجَد قط في حالة صافية، فالأشكال هي مفاهيم أو بنى تركيبية تحليلية تُضخِّم بعض جوانب الواقع لتُظهر شكل بعض العلاقات الخاصة في الواقع ولا تتحقق تحققاً كاملاً قط. ومع هذا، فلابد من استخدامها لفهم هذه العلاقات (وهي في هذا تشبه الأنماط أو النماذج المثالية عند فيبر (. وبالفعل، رصد زيميل مجموعة من الصور أو الأشكال أو الأنماط الاجتماعية، ومن أهم هذه الأشكال أو الأنماط الاجتماعية نمط «الغريب» . فالغريب ليس مجرد متجول يأتي اليوم ويذهب غداً، لا دور ولا مكان له في البنية، وإنما الغريب هو على العكس شخص يأتي اليوم ويبقى غداً ويتم تثبيته داخل جماعة مكانية محددة وتتحدد صفته باعتباره شخصاً غير منتم. فالغريب هو عنصر في الجماعة ولكنه ليس جزءاً منها، ولذا فله دور محدَّد ليس بإمكان أعضاء الجماعة أنفسهم أن يلعبوه. وبسبب وضعه هذا، وبسبب علاقته الخاصة مع الجماعة، فإنه قادر على الوصول إلى درجة من الموضوعية لا يستطيع أعضاء الجماعة أن يصلوا إليها. والغريب باعتبار أنه غير منتم، لا يشعر بأي التزام جذري تجاه المكونات الفريدة للجماعة ولا يشعر بأي احترام خاص تجاه توجهاتها الخاصة. ولذا، فإنه ينظر لها بموضوعية. وعلاوة على هذا، ونظراً لقربه وبُعده في آن واحد، فإن أعضاء الجماعة يمكنهم أن يجعلوه موضع ثقتهم وأن يسروا له بأسرارهم، وهي أسرار لا يمكن أن يدلوا بها لأحد أعضاء الجماعة، ذلك لأن الغريب لا يشكل أي تهديد لهم إن هو اطلع على خباياهم. ولهذا كله، بإمكان الغريب أن يكون قاضياً موضوعياً ووسيطاً محايداً في عملية تبادل السلع والعواطف. إن الغريب ليس غريباً لأنه خارجي، وإنما هو غريب بسبب علاقات التفاعل التي تربطه بالمجتمع، فهو مخلوق اجتماعي ويجب عليه أن يلعب دوره. ومن الأشكال والأنماط الأخرى التي رصدها زيميل، نمط الأشكال الثنائية مقابل الأشكال الثلاثية، فالأشكال الثنائية لا تسمح للمشتركين في العلاقة بتجاوزها والوصول إلى مستوى موضوعي غير شخصي، ومن ثم لا تسمح بدرجة من القهر الخارجي البراني. ولكن غياب بنية موضوعية برانية في العلاقات الثنائية يؤدي إلى استيعاب المشتركين في علاقاتهم الثنائية هذه إذ أن العلاقة في كليتها تعتمد بشكل واضح وصريح على المشتركين فيها، ففي جميع أشكال العلاقات الأخرى يستطيع المشتركون فيها أن يفوضوا سلطاتهم وواجباتهم إلى طرف آخر. أما في العلاقة الثنائية، فإن كل شريك في العلاقة مسئول بشكل مباشر وشخصي وكامل عن كل شيء، كما لا يستطيع أي شريك أن يتملص من المسئولية ولا يمكنه إلقاء تبعة فشل ما على «المجموع» أو على «الكل» لأنه لا يتعامل إلا مع شخص واحد في إطار العلاقة الثنائية. وحينما تتحول العلاقة الثنائية إلى علاقة ثلاثية، فإن ظهور العضو الثالث يُغيِّر العلاقة لا بشكل كمي وإنما بشكل كيفي. ففي العلاقة الثنائية يتم اتخاذ القرار من خلال الشخصية مباشرة، أما في العلاقة الثلاثية فبإمكان شخصين أن يتحالفا ضد الثالث ويسلبانه إرادته، والعلاقة الثلاثية أبسط العلاقات التي يصبح بإمكان الجماعة فيها أن تهيمن على أحد أعضائها، وهي تُجسِّد بشكل واضح جدلية العلاقة الاجتماعية: جدلية الحرية والقهر، والاستقلال وفقدانه. والعلاقة الثلاثية يمكن أن تُولِّد ثلاثة أدوار لا يمكن أن تولدها العلاقة الثنائية: دور الوسيط الذي يتوسط بين الاثنين، أو دور المستغل الذي يمكن أن يوظِّف الخلافات بين الآخرين لصالحه، وأخيراً دور المفرِّق الذي يُفرق بين الآخرين ليصبح سيد الموقف. ويُطبِّق زيميل هذه الأشكال الاجتماعية على ظواهر (محتويات) أو مواقف اجتماعية مختلفة. فيقارن بين التنافس الذي يتم بين رجلين على امرأة بأحداث كبرى مثل توازن القوى في أوربا، ويقارن إستراتيجيات أُم الزوج في تعاملها مع ابنها وزوجته بإستراتيجية روما في علاقتها بكلٍّ من أسبرطة وأثينا بعد أن هيمنت عليهما. ودراسة زيميل هذه، تبيِّن أن محاولة تفسير الظواهر الاجتماعية على أُسُس نفسية محاولة ساذجة، إذ أن بنية الموقف نفسه وشكله (ثنائي أو ثلاثي) يُولِّد أنماطاً من السلوك وحالات عقلية جديدة تماماً، رغم أن الأشخاص أنفسهم لم يتغيَّروا، فما تغيَّر هو الشكل أو البنية. وقد طبق زيميل المنهج نفسه على الجماعات الصغيرة والكبيرة، ففي الجماعات الصغيرة يستطيع الأفراد أن يتعاملوا الواحد مع الآخر مباشرة بينما في حالة الجماعات الكبيرة لابد من وجود ترتيبات شكلية موضوعية مؤسسية لا شخصية سابقة يتم من خلالها تنظيم العلاقات المركبة. ولذا، فإن الجماعات الكبيرة لابد أن يظهر فيها التفاوت. ويُلاحَظ أن درجة التزام الأعضاء وحماسهم في الجماعات الصغيرة يفوق كثيراً درجة التزام وحماس أعضاء الجماعات الكبيرة، كما أن عضو الجماعة الصغيرة ينخرط في نشاطه بكل شخصيته وكيانه، أما في الجماعات الكبيرة فهو ينخرط في نشاط ما بجانب واحد من شخصيته. ولكن، رغم موضوعية العلاقات في الجماعات الكبيرة وبرودها (بسبب انقسام شخصية المرء) ، إلا أن وجود الفرد في الجماعة الكبيرة يحميه من الهيمنة المباشرة والتقييم المستمر والفحص الدائم، كما تتيح له الفرص تنمية جوانب من شخصيته قد لا يوافق عليها أعضاء الجماعة الكبيرة. وطبق زيميل كثيراً من مفاهيمه هذه على المجتمع الحديث، فالحضارة الحديثة تتجه نحو أن يتحقق للمرء مزيد من التحرر من العلاقات الاجتماعية ومن الاعتماد على الآخرين. ولكن هذه العملية ينتج عنها تزايد هيمنة المنتجات الحضارية التي صنعها الإنسان عليه. ففي المجتمعات البدائية يعيش الإنسان في دوائر اجتماعية ضيقة تحيط به وتستغرقه تماماً وتستوعب جماع شخصيته ويدين لها بالولاء. وكانت الهيمنة كاملة والتبعية كاملة، فالنبيل الإقطاعي لم يكن يهيمن سياسياً وحسب على الفلاح وإنما كان يهيمن عليه في كل المجالات الاقتصادية والقضائية والاجتماعية، وكان التنظيم الاجتماعي العام يأخذ شكل دوائر متداخلة بحيث تكون الدائرة الصغيرة جزءاً من دائرة أكبر. وهكذا، فإن القبيلة لا تتكون من أفراد وإنما من عائلات وأفخاذ وعشائر. أما طريقة التنظيم الاجتماعي الحديثة فمختلفة تماماً، فلا توجد دائرة واحدة تستوعب شخصية الإنسان في كليتها، إذ يجد الإنسان نفسه عضواً في عدة دوائر غير متداخلة، فيشعر بولاءات مختلفة، فيكون ولاؤه الديني منفصلاً عن ولائه الوطني، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الوعي بالذات. ولا توجد سلطة واحدة تهيمن على الشخصية إذ تهيمن عدة مراكز على بعض جوانب من الشخصية وكيانه الاجتماعي، وهو ما يترك له حيزاً ضخماً من الحرية. ويؤدي هذا إلى ظهور ما يُسميه زيميل «مأساة الحضارة» ، فالإنسان يصل إلى الحضارة من خلال استيعاب القيم الحضارية التي تحيط به، ومن خلال استخدام تراث الحضارة الذي صنعته يداه. ولكن الإنسان يجد نفسه يواجه، وبشكل مستمر، عالماً من الأشياء الحضارية المتنوعة والمتعددة والمتجددة التي يجب عليه أن يستوعبها ويستبطنها، ولكنه يفشل في ذلك نظراً لتنوعها وتعددها وتجددها، ولذا فإنها تصبح بعد قليل غريبة عنه ومصدر خطر على هويته، بل على كينونته الإنسانية. ولذا، تكتسب هذه الأشياء بعد قليل سمة برانية وتواجه الإنسان (الذي صنعها) باعتبارها الآخر، إذ تصبح لها بالفعل حركتها المستقلة عنه. وهكذا يجد الإنسان الحديث أنه يزداد تقدماً وهيمنة على العالم وإنتاجاً لمزيد من السلع، ولكنه يجد نفسه نتيجة ذلك محاطاً بعالم من الأشياء التي تقهره وتهيمن عليه على حاجاته ورغباته لأنه لا يمكنه استيعابها ولا السيطرة على تراكمها أو تطوُّرها. فالتكنولوجيا تخلق منتجات لا ضرورة لها لتلبي احتياجات غير طبيعية، فهي نتيجة تطوُّر النشاط التكنولوجي في مسار مستقل، ويُولِّد العلم معرفةً لا ضرورة لها، معرفة لا قيمة متعينة لها، فهي نتيجة التطور المستقل للنشاط العلمي. وبالتدريج، تتشابك الأشياء الحضارية والمفاهيم التكنولوجية والعلمية وتصبح عالماً مستقلاًّ قائماً بذاته يفقد صلته بالتدريج بذات الإنسان ورغباته الأساسية. وهكذا، فرغم أن هذه الأشكال الحضارية ظهرت لتكون بمنزلة مكان الاستقرار الإنساني، فإنها تصبح سجناً له ( «سجن المستقبل» على حد قول زيميل) . ولذا، يقول بعض مؤرخي علم الاجتماع الغربي إن زيميل هو مؤسس سوسيولوجيا ما بعد الحداثة، إذ أدرك أنها حضارة الوفرة وفائض السلع التي تفوق مقدرة الإنسان على هضمها واستيعابها، وأنها حضارة تطمح إلى التحكم في الواقع وتنتهي إلى العكس. وهذا هو الإطار الذي تدور فيه دراسة زيميل للنقود، فهو يرى أن ماركس أخطأ تماماً حينما تصوَّر أن النقود مقولة اقتصادية وحسب، ومن ثم أهمل سماتها الأخرى ووظائفها الرمزية. فالنقود مجردة وغير شخصية، ولذا فإن عملية التبادل التي تتم من خلال النقود مختلفة تماماً عن عملية التبادل المباشرة التي تتم من خلال المقايضة. فالنقود مجردة، ومن ثم فإنها تنمي الاتجاه نحو الحسابات الرشيدة الدقيقة، سواء في التبادل الاقتصادي أو في العلاقات الإنسانية. وهي طريقة تحويل الذاتي إلى موضوعي، والمباشر إلى غير مباشر، والمتعيِّن إلى مجرد، والخاص إلى عام. ولذا، حينما يسود الاقتصاد النقدي، نجد أن العلاقات الشخصية المغروسة في العواطف العامة تَضمُر وتذوي لتحل محلها علاقات غير شخصية محدَّدة بهدف محدَّد. ومن ثم تبدأ الحسابات المجردة تغزو كل مجالات الحياة الاجتماعية ويبدأ الإنسان في تحويل كل شيء إلى كم بما في ذلك رؤيته سمات الآخرين الكيفية وعلاقاته معهم. ومن ثم، فإن النقود هي الآلية الكبرى في تحويل الجماعة المترابطة (التراحمية أو التكافلية) إلى مجتمع تعاقدي، فهي تُقسِّم التجربة الإنسانية إلى ذرات مبعثرة فيتحوَّل الفرد إلى ذرة مستقلة ويتم تنميط كل أشكال الاختلاف ويتشيِّأ الوعي، وهي في النهاية تؤدي إلى ترشيد المجتمع والعلاقات الإنسانية. وقد بيَّن زيميل أيضاً أن ثمة ترابطاً بين تزايد استخدام النقود في المجتمع وتصاعد معدلات الترشيد وزيادة هيمنة المناهج العلمية والطبيعية في دراسة ظاهرة الإنسان. ويبدو أن زيميل، في نهاية حياته، قد أصابه الإعياء من عدم الانتماء ومن الوقوف على هامش الأشياء وحدودها، ولذا فإنه، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، ألقى بنفسه تماماً في أحضان القومية العضوية الألمانية وكتب يقول: «إني أحب ألمانيا، ولذا أريدها أن تبقى، والجحيم لكل التبريرات الموضوعية لإرادة الحياة هذه باسم الحضارة والأخلاق والتاريخ وخلافه» . وقد أخبر صديقه إرنست بلوخ أنه وجد المطلق في خنادق الحرب. وهكذا، فإن المفكر الذي طالما احتفظ بمسافة بينه وبين الظواهر والأشياء قرر فجأة أن يتجاوز كل المسافات ويسد كل الثغرات ويهتف مع الجماهير بحياة الفولك، وهي ذات الجماهير التي ستهتف بحياة الفوهرر بعد بضع سنوات. وقد ترك زيميل أثراً عميقاً في كثير من المفكرين وعلماء الاجتماع، من بينهم: جورج لوكاتش وإرنست بلوخ وماكس شيلر وكارل مانهايم وتيودور أدورنو وكل أعضاء مدرسة فرانكفورت ومارتن بوبر ومارتن هايدجر. وموضوعات زيميل هي نفسها موضوعات علم الاجتماع الألماني، ولعل أصوله اليهودية لا تظهر إلا في تركيزه على أنماط بعينها مثل نمط «الغريب» . ومع هذا، يمكن القول بأن هذا النمط نمط أساسي ومركزي في الحضارة العلمانية الحديثة. لودفيج جومبلوفيتش (1838-1909) Ludwig Gumplowicz عالم اجتماع يهودي من ممثلي الداروينية الاجتماعية. وُلد في جاليشيا حينما كانت تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية في وقت كان فيه الصراع العرْقي مسيطراً على المسرح السياسي، فكان يهود جاليشيا أنفسهم مقسمين إلى عدة أقسام أهمها: أنصار الثقافة الألمانية، وأنصار الثقافة البولندية. وقد اشترك جومبلوفيتش في التمرد البولندي ضد النمسا. درس جومبلوفيتش القانون في جامعة فيينا ثم عمل في جامعة جراتس الإقليمية في النمسا حتى وفاته، وتأثر بأعمال كونت وسبنسر وجوبينو. أما أهم مؤلفاته، فهي: العنصر والدولة (1875) ، وصراع الأجناس (1883) ، وموجز في علم الاجتماع (1885) . كان جومبلوفيتش يرى ضرورة رَبْط علم الاجتماع بالميدان العام للعلم، إلا أنه كان يصر على أن الظواهر الاجتماعية تشكل طائفة متميزة بين جميع الظواهر الأخرى وأن علم الاجتماع هو العلم الذي يدرس هذه الظواهر، فهو علم المجتمع الإنساني والقوانين الاجتماعية وهو علم المجموعات البشرية وعلاقاتها المتبادلة. كما أن الفرد ليس له وجود بمعزل عن الجماعة، فالفرد إن هو إلا نتاج المجتمع، فالمجتمع أو الجماعة هي التي تفكر من خلال الفرد، والقول الذي يذهب إلى أن الإنسان يفكر كفرد إنما هو ضرب من الهذيان. ويذهب جومبلوفيتش بنزعته الداروينية إلى أن التطور (الثقافي والاجتماعي) هو نتاج خالص للصراع بين الجماعات الاجتماعية. فالإنسان مجموعة من الحاجات المادية وكل دوافعه مادية وأنانية، كما أن الظواهر الاجتماعية تحكمها قوانين عامة تعمل بطريقة مادية صرفة لا علاقة لها بالاعتبارات الدينية أو الأخلاقية ولابد من دراستها بالطرق العلمية. وعلم الاجتماع يرفض أية أحكام قيمية إذ أنها لا جدوى منها، والتطور الثقافي والاجتماعي نتاج خالص للصراع المادي بين الجماعات، والمجتمع إن هو إلا جماعات متصارعة يرتبط أعضاء كل منها بمصلحة مشتركة أو أكثر، ويتجه الناس الذين يشعرون بتقاربهم ويرتبطون بمصلحة أو مصالح مشتركة إلى أن يعملوا معاً بوصفهم وحدات تصارع من أجل السيطرة، ومن هنا تتشكل الجماعات ويظل الصراع حاداً لا يهدأ. وأهم أسباب الصراع رغبة البشر في تحسين أحوالهم الاقتصادية، ويذهب جومبلوفيتش إلى أن الجنس البشري لم يتطور من نوع إنساني واحد وإنما من عدة أنواع قديمة مختلفة ومتعددة في أماكن مختلفة وعصور مختلفة، ولذلك فليست هناك رابطة بين الأجناس (ومعنى هذا أنه لا يوجد جنس بشري واحد وإنما عدة أجناس مختلفة ذات أصول مختلفة) . ويرى جومبلوفيتش أن الحروب في العصور القديمة كانت تنتهي بإبادة الجماعة المهزومة، ولكن الناس رأوا في عصور لاحقة أن من الأفضل لهم أن يستعبدوا المهزومين ويستغلوهم اقتصادياً، ولذلك ظهرت الدولة من خلال تسلط جماعة على أخرى بهذه الطريقة. ثم ازدادت حدة الصراع بسبب الرغبة المتأججة في الغزو بين الدول، كما ظهر بالإضافة إلى ذلك الصراع الطبقي داخل هذه الدول. ومع أن الطبقات المتصارعة تغيرت عبر التاريخ، وتغيرت أهدافها أيضاً، إلا أن الطبقة التي تحتل مركز القوة تدرك دائماً أنها تستطيع أن تحافظ بسهولة على سيطرتها وأن تُوسِّع نطاقها من خلال تأسيس نظم قانونية وسياسية تخدم مصلحتها. وكان جومبلوفيتش، شأنه شأن كثير من المفكرين الألمان في عصره (بما في ذلك الصهاينة) ، يذهب إلى المطابقة بين الدولة والمجتمع، فالدولة أرقى أنواع الاجتماع الإنساني وتنمو من خلال صراع الجماعات بعضها مع البعض الآخر، وهي الإطار الأساسي للجماعة الإنسانية، وهي تُعبِّر عن إرادة الجماعة (كمجموعة من الأفراد لهم مصلحة مشتركة) في صراعها مع الجماعات الأخرى، والتاريخ الإنساني هو تاريخ ظهور الدول واختفائها. وكانت رؤية جومبلوفيتش للتاريخ دائرية، فرغم إيمانه بالتطور لم ير أن هذا التطور سينتهي بالضرورة إلى تقدم الجنس البشري (فمثل هذا الجنس غير موجود بسبب الأصول المتعددة للأنواع البشرية) . بل وكان يرى أن من المستحيل التخطيط للمستقبل أو تحسين حال البشر من خلال التخطيط الاجتماعي ودولة الرفاه، كما كان يرى أن فائدة علم الاجتماع تكمن في أنه سينقذ الجنس البشري من أن يُضيِّع وقته بلا جدوى في مشروعات طوباوية للإصلاح. وقضى جومبلوفيتش معظم حياته يُدرِّس القانون، ونظرياته في القانون ترتبط تماماً برؤيته الاجتماعية، فالقوانين تنمو من خلال صراع الطبقات والمصالح داخل الدولة الواحدة، وهي تتولد نتيجة الصراع وليست ثمرة تفكير رشيد، ولا يوجد قانون طبيعي كما كان يرى مفكرو الاستنارة إلا بمقدار ما يكون القانون نتاج طبيعة الإنسان والعمليات الاجتماعية. ولذا، لا يمكن تصنيف القوانين باعتبارها خيرة أو شريرة، عادلة أو ظالمة، فالقانون يهدف إلى مساعدة الطبقة المهيمنة على أن تستمر في استغلال الطبقات الأخرى. والعدالة لا تقرر الحقوق السياسية أو القانونية وإنما هي قيمة تَنتُج عن الصراع بين الطبقات الاجتماعية، والمنتصر هو الذي يحدد ما هي العدالة. ومن هنا، فإن مفهوم حقوق الإنسان التي لا تُمس يستند إلى تأليه غير منطقي للإنسان وتقدير زائد لقيمة حياة الإنسان وعدم فهم للأساس الوحيد للدولة. والحقوق لا تستند إلى العدالة، وإنما على العكس تظهر العدالة تعبيراً عن الحقوق السائدة في الدولة، فهي تجريد بسيط لما هو قائم. ويتَّسم فكر جومبلوفيتش بالعلمانية الصارمة التي طهرت النسق الفكري من أية غائية إنسانية أو أخلاقية والتي تنظر للكيان الاجتماعي باعتباره كياناً مادياً صرفاً يتحرك بالآليات المادية للصراع، ولا يمكن الحكم عليه بأي معيار خارج عنه، فهو لا يشير إلا إلى ذاته (ومعنى ذلك أن جومبلوفيتش يكتشف أن منطق مكيافيللي وهوبز وداروين هو الحقيقة الأساسية للمجتمع، ولعل هذا هو الذي دفعه إلى أن يكتب لصديقه هرتزل ليذكره بأنه لا يمكن تأسيس الدولة الصهيونية دون اللجوء للعنف والخديعة) . وكان جومبلوفيتش مهتماً باليهود واليهودية، وله دراسة طويلة عن تاريخ الجماعة اليهودية في بولندا. وكان يؤمن بأن اليهود كيان غير تاريخي وليست لهم أرض مشتركة أو لغة مشتركة، وبالتالي لا تتوافر فيهم مواصفات القومية، وتنبأ باختفائهم ككيان قومي مستقل. ومع هذا، لا يمكن تفسير فكر جومبلوفيتش بالعودة إلى يهوديته، وإنما يمكن تفسيره بالعودة إلى تزايد معدلات العلمنة في المجتمع الغربي، خصوصاً في منتصف القرن التاسع عشر حين وصل الفكر الدارويني الإمبريالي إلى قمته. وفي آخر حياته، تنصَّر جومبلوفيتش. ولكن إيمانه الجديد لم يُجْده فتيلاً، ففي عام 1894 انتحر أحد أبنائه، وفي عام 1909 انتحر هو وزوجته. وكان جومبلوفيتش مهتماً بشكل خاص بالمؤرخ العربي ابن خلدون. وقد كتب ابنه ماكسيمليان جومبلوفيتش دراسة عام 1903 دافع فيها عن نظرية الأصول الخزرية ليهود اليديشية. ماكس هوركهايمر (1895-1973) Max Horkheimer عالم اجتماع وفيلسوف ألماني يهودي، وأحد أهم أعضاء مدرسة فرانكفورت. وُلد في شتوتجارب ودرس الفلسفة وعلم الاجتماع في الجامعات الألمانية، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1922 من جامعة فرانكفورت عن فلسفة كانط الذي ترك أثراً عميقاً في فكره. وتأثر هوركهايمر بفكر كلٍّ من ماركس ونيتشه وبرجسون وديلثي وفرويد. اشتغل بالتدريس في جامعة فرانكفورت عام 1930، وترأس معهد فرانكفورت للبحوث الاجتماعية عام 1931 الذي كان يهتم في بداية تأسيسه بالدراسات العمالية، خصوصاً تاريخ الطبقة العاملة في ألمانيا. ولكن هوركهايمر ساهم هو وأدورنو وليو لوينثال في إعادة توجيه سياسة المعهد واهتماماته البحثية بحيث بدأ يركز على الفلسفة الاجتماعية ونظرية النقد الاجتماعي. لكن المعهد لم يضع ضمن أولوياته الالتزام السياسي المباشر. وقد أصبح هوركهايمر مديراً للمعهد ومحرراً لمجلته التي بدأت في الصدور عام 1932 والتي نشرت مقالات لريمون آرون وإريك فروم وولتر بنجامين. وبعد مجيء النازي إلى الحكم، انتقل مقر المعهد إلى جنيف ثم إلى باريس، ثم انتقل إلى نيويورك حيث استقر هوركهايمر عام 1934. وفي عام 1939، كتب مقالاً تحت عنوان «اليهود وأوربا» اعتُبر محاولة جادة ومهمة لتفهُّم الفاشية ونزعة معاداة اليهود. وترأس هوركهايمر قسم البحوث للجنة الأمريكية اليهودية في الفترة بين عامي 1945 و1947، وأشرف على إصدار سلسلة من الدراسات الاجتماعية والنفسية تحت عنوان «دراسات في التحيز» كانت من أهم ثمراتها ذلك العمل المهم الشخصية المتسلطة الذي كتبه تيودر أدورنو عام 1950. ويدور فكر هوركهايمر حول ما يُسميه الدور النقدي للنظرية، فالنظرية في تصوره تقوم دائماً بتوجيه النقد للأيديولوجيا لصالح المجتمع الحر العقلاني إذ أنها تأخذ موقف النفي من الواقع الاجتماعي القائم وتحاول أن تبلور الاحتياجات الكامنة لدى الجماهير والتي لا يتأتى لها الإفصاح عنها. فالفكر الأيديولوجي ليس منفصلاً عن الواقع الاجتماعي المادي، بل هو متواطئ دائماً مع المؤسسات الاجتماعية القمعية. وفي منظومة هوركهايمر، لم تَعُد البروليتاريا حاملة الفكر التقدمي بحكم موقفها من علاقات الإنتاج فهي الأخرى مُستوعَبة في النظام القائم ومُهيمَن عليها. وعلى هذا، فإن النظرية التعددية أصبحت الآلية الوحيدة تقريباً التي يمكن أن تكشف إمكانية الحرية والعقل في المجتمع الإنساني والتي يمكن عن طريقها الكشف عن أشكال الوعي الزائف. وبيَّن هوركهايمر في كتابه خسوف العقل (1947) أن الفلسفات الإجرائية (الوضعية ـ البرجماتية ـ العلمية) إن هي إلا تعبير عن العقل الأداتي ولا يمكنها أن تُوصِّل إلى الحقيقة أو القيمة أو العقل الحقيقي (العقل النقدي) . وصدر لهوركهايمر، بالاشتراك مع أدورنو، كتاب جدل الاستنارة وهو نقد شامل لفلسفة الترشيد المتزايد ورفض لفكرة التقدم. ويذهب المؤلفان إلى أن الترشيد المتزايد للعلاقات الاجتماعية في العصر الحديث أدَّى إلى تناقص استقلال الفرد وأدَّى في نهاية الأمر إلى الشمولية والعنصرية (خصوصاً معاداة اليهود) . فالرأسمالية ترجمت مُثُل الاستنارة إلى واقع معسكرات الاعتقال. وأكد هوركهايمر أولوية الأخلاقيات على القضايا المعرفية أو الوجودية، وانتقد المنهج الوضعي للعلوم الاجتماعية ووجد أن النظرية أو العقل تُشكِّل مطلقاً يرفض أن يُرَّد إلى الإجراءات أو المادة ويحقق تجاوزاً للعملية التاريخية ذاتها، ولا شك في أن هذا تعبير عن نزعة التمركز حول الإنسان (الذات) التي تتصارع داخل الحضارة الغربية جنباً إلى جنب مع نزعة التمركز حول المادة (الموضوع) . ولذا، فإننا نجد أنه مع حماسه للفكر الماركسي ينتقد التطبيق الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي ويهاجم وحشية ستالين. وقد عاد هوركهايمر إلى ألمانيا عام 1949 وأصبح أستاذاً في جامعة فرانكفورت، وأعاد تأسيس معهد البحوث الاجتماعية وترأسه حتى عام 1959، كما قام بالتدريس في جامعة شيكاغو. وقد ترك فكره أثراً عميقاً في جماعات اليسار الجديد في أوربا في الستينيات. ولا يمكن وضع فكر هوركهايمر في سياق ديني أو فكري يهودي، كما لا يمكن فهم توجهاته وحديثه عن الدور النقدي للنظرية إلا في إطار الفكر الألماني أو تطور الحضارة الغربية الحديثة. تيودور أدورنو (1903-1969 (Theodor Adorno عالم اجتماع ألماني وأهم مفكري مدرسة فرانكفورت. وُلد في فرانكفورت لأب يهودي وأم إيطالية كاثوليكية. واتخذ اسم والدته «أدورنو» بدلاً من اسم والده «فيزنجروند Wiesengrund» (وأصبح اسمه تيودور ف. أدورونو) . درس الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الموسيقى. وفي عام 1931، اشتغل بالتدريس في جامعة فرانكفورت، كما ارتبط بشكل وثيق بمعهد البحوث الاجتماعية. وبعد صعود النازيين في ألمانيا إلى الحكم، هاجر إلى إنجلترا عام 1934 ثم إلى الولايات المتحدة عام 1938. وفي الفترة ما بين عامي 1941 و1948، شارك في رئاسة مشروع بحث في جامعة كاليفورنيا حول التمييز الاجتماعي. وأصدر خلال هذه الفترة عدة أعمال من أهمها جدل الاستنارة الذي أصدره بالاشتراك مع ماكس هوركهايمر عام 1947 ويُعَدُّ أهم أعمال مدرسة فرانكفورت، وفلسفة الموسيقى الجديدة (1949) ، والشخصية المتسلطة الذي كتبه أيضاً بالاشتراك مع عالم النفس الاجتماعي الأمريكي نفيث سانفورد عام 1950. وصدر هذا البحث الأخير تحت رعاية اللجنة الأمريكية اليهودية، فهو يتناول ظاهرة معاداة اليهود بالدرجة الأولى ويُعتبَر واحداً من أهم الدراسات التجريبية (الإمبريقية) في علم الاجتماع الحديث. ومن مؤلفاته الأخرى دراسات أخلاقية صغيرة (1951) ، ورطانة الأصالة (1964) ، وملاحظات عن الأدب (في جزأين 1958 و1969) . وتتمحور هذه الأعمال وأغلب كتاباته الغزيرة الأخرى حول المشاكل الثقافية والاجتماعية ودور الفرد في المجتمع. وتأثر أدورنو بفكر هيجل وماركس وفرويد وزيميل، وتُعتبر نظريته حول المجتمع مزيجاً من أفكارهم ونظرياتهم. ويرى أدورنو أن ظهور العقل في عصر الاستنارة وتحرره من الأساطير لم يؤد بالضرورة إلى نتائج إيجابية، فقد تحول العقل نفسه إلى قوة غير عقلانية تسيطر على الطبيعة وعلى الإنسان، كما رأى أن المجتمعات الحديثة تطمس الفرد تماماً وأن البشرية في طريقها إلى شكل جديد من أشكال البربرية، وأن ما جرى في معسكرات الإبادة النازية لا يُعَدُّ انحرافاً عن مسيرة التاريخ والمجتمع، وإنما هو جزء عضوي من «تقدمها نحو الجحيم» . وعلى عكس علم الاجتماع الأكاديمي التقليدي، أكد أدورنو أن الفاشية هي النتاج الطبيعي للرأسمالية، ولكنه في الوقت نفسه رفض جميع أشكال التسلط والديكتاتورية وانتقد بشدة نظام ستالين في الاتحاد السوفيتي وآمن بإمكانية إقامة مجتمع يستند إلى العدل والمساواة. ويُعَدُّ كتابه الجدل السلبي (1966) من أهم كتبه إذ يضم بعض أفكاره الكلية عن العصر الحديث والإنسان والكون، ويُعَدُّ كتابه النظرية الجمالية نظريته في الفن حيث يطرح تصوره بشأن استقلال العمل الفني وفكرته القائلة بأن الأعمال الفنية الأصيلة تميل إلى «الكلية» . ولذا، فالفن هو الذي يحيي الحق ويمثل دور المعارضة الحقيقية والدعوة إلى الانعتاق في «حضارة الصناعة» . وقد عاد أدورنو إلى ألمانيا عام 1953، وأصبح أستاذاً في علم الاجتماع في جامعة فرانكفورت ثم رئيساً لمعهد البحوث الاجتماعية، ولاقت فلسفته قبولاً كبيراً لدى التيار اليساري الراديكالي بين الشباب الألماني، ولكنه هوجم فيما بعد بسبب انتقاده لاستخدام العنف. وتُوفي أدورنو في سويسرا عام 1969. ويرد اسم أدورنو في كثير من المعاجم والموسوعات اليهودية باعتباره يهودياً مع أنه وُلد لأم كاثوليكية، ومن ثم فهو ليس يهودياً من منظور الشرع اليهودي، كما أنه أسقط اسم والده بسبب نبرته اليهودية الفاقعة. أما من منظور الرؤية فرؤيته تعود إلى التقاليد النقدية الفلسفية الألمانية وإلى نقد حركة الاستنارة والترشيد الذي يُعَدُّ موضوعاً أساسياً فيها. وهو عضو في مدرسة فرانكفورت التي تضم عدداً من المفكرين ذوي الأصول اليهودية والمسيحية، ولا تظهر الموضوعات اليهودية في كتابات هؤلاء المفكرين مثل موضوع الإبادة النازية ليهود غرب أوربا إلا باعتبارها تعبيراً عن شيء مهم وجوهري ووحشي في الحضارة الغربية الحديثة. أدورنو وهوركهايمر والمسألة اليهودية Adorno and Horkheimer on the Jewish Question كان اهتمام هوركهايمر وأدورنو باليهود واليهودية كبيراً، ولكنه لم يكن مركزياً، إذ ينبع من اهتمامهم العميق بقضية أشمل هي قضية القمع والتسلط (التي تشكل الانشغال الأساسي بالنسبة لهما) . فالعداء لليهود ليس ظاهرة مستقلة من وجهة نظرهما، وإنما هو جزء من التعصب ضد الأقليات والعداء للديموقراطية على وجه العموم، والعداء للرأسمالية في بعض الأحيان، فاليهودي لا يسقط ضحية عداء خاص موجَّه نحوه هو بالذات (ومع هذا يوجد في كتاب الشخصية التسلطية مقياسان واحد لقياس التسلطية، وآخر لقياس درجة العداء لليهود) . وظاهرة القمع ذاتها مرتبطة في فكر هوكهايمر وأدورونو بالعقل الأداتي وبرغبة الإنسان الغربي في السيطرة على الطبيعة، بل إن الحضارة بالنسبة للإنسان الغربي إن هي إلا طقوس الهيمنة الكاملة على الطبيعة، ولذا فهي في واقع الأمر ليست حضارة وإنما مدنية وحسب. ويربط أدورنو وهوركهايمر بين العداء لليهود من جهة والعقل الأداتي من جهة أخرى، أي أن ظاهرة العداء لليهود تخرج من نطاق الاقتصادي والسياسي، لتدخل نطاق المعرفي والحضاري. والعقل الأداتي عقل يود السيطرة الكاملة على الطبيعة، وهو اتجاه يتصاعد مع الفاشية. ولكن هذه الرغبة في السيطرة غير المحدودة تُولِّد عند صاحبها إحساساً بالذنب، ولذا فالفاشي يُسقط طموحه وطمعه على اليهودي فيحوّله إلى الباحث عن السيطرة الكاملة. ولكن هوركهايمر وأدورنو لا يكتفيان بهذا التفسير بل يتعمقان في تحليل الظاهرة. فهما يذهبان إلى أن من يحاول السيطرة على الطبيعة لا يرى سوى القوة، ولذا فصورة السعادة بلا قوة أو سلطة أو هيمنة تستفزه إلى درجة لا يمكنه تحملها، لأن مثل هذه السعادة ستكون سعادة حقيقية (على عكس السعادة الزائفة التي تستند إلى القوة) . واليهود ـ حسب رأي هوركهايمر وأدورنو ـ يتمتعون بسعادة لا تستند إلى أية قوة أو سلطة. بل يتم خلط اليهود بالطبيعة ذاتها في الوجدان الغربي فهم يتقاضون أجوراً بلا عمل (الربا) ، ولهم منزل ووطن بلا حدود (التلمود) ، ولهم دين بلا أساطير. ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أن اليهودي رمز الطبيعة هو أيضاً رمز المدنية في الوجدان الغربي، والمدنية معادية للطبيعة. فاليهودي مرتبط دائماً بعمليات الريادة والتقدم والهيمنة على الطبيعة. ولذا حينما تمردت الطبيعة على الحضارة (أي المدنية) كما حدث مع ظهور اللاعقلانية في الغرب، أصبح اليهود موضع الكره. فالفاشية تجعل الثورة ضد قمع الطبيعة آلية لقمع الطبيعة. وهكذا تمت التضحية باليهود الذين كانوا آلية الهيمنة على الطبيعة، من أجل آلية أكثر شمولاً للهيمنة علىها. إن هوركهايمر وأدورنو يذهبان إلى أن ظاهرة العداء لليهود ليست انحرافاً عن مسار الحضارة الغربية فهي مرتبطة بظهور العقل الأداتي الذي لا يضطهد اليهود وحسب بل كل البشر والطبيعة بأسرها، ولذا فإن إنهاء ظاهرة العداء لليهود لن يتحقق إلا مع محاولة قمع الطبيعة ذاتها. ولكن بعد عام 1947 وبعد سقوط هتلر أضاف هوركهايمر وأدورنو بُعداً جديداً لإدراكهما لظاهرة العداء لليهود. فقد أصبحا يريان أن العداء لليهود ليس مرتبطاً بالعقل الأداتي وحسب، وإنما مرتبط بالعقلية الاختزالية " عقلية التذاكر" ككل. والفكر الفاشي (في تصورهما) ليس مهماً في ذاته، وإنما تعود أهميته إلى أنه تعبير عن هذه العقلية التي تتَّسم بالإسقاط الزائف ومحاولة إلغاء الموضوع تماماً وتصفية الآخر. فمعاداة اليهود متجذرة في اتجاه العقل الغربي نحو إنكار ما ليس شبيهاً لي (الآخر) والذي يُشجِّع نزوع الحضارة الغربية الشمولي إلى الهيمنة. واليهود بهذا المعنى برفضهم أن يندمجوا في هذه الحضارة يشكلون عقبة أمام عملية دمج البشر وإدخالهم شبكة السببية والهيمنة والإدارة الرشيدة حتى يصبح المجتمع الإنساني مجتمعاً ذا بُعد واحد. ثم بدأ هوركهايمر يحاول تفسير بعض جوانب فكره ورؤيته للكون بالعودة لبعض العناصر الأساسية في العقيدة اليهودية. فصرح بأن رفض مدرسة فرانكفورت أن تصف المجتمع المثالي هو المعادل الحديث للحظر اليهودي القديم على النطق باسم الإله. وفي محاولة للتفرقة بين فكره وفكر ماركس، يرى هوركهايمر أن ماركس تأثر بالمشيحانية اليهودية (التي تركز كثيراً على فكرة المجتمع الطوباوي) . أما هو فيرى أنه تأثر بتحريم تصوير الإله، ولكن رغم هذا التحريم يظل الإله محل التطلع والتشوق. إن ما يحاول هوركهايمر قوله هنا أن فكر مدرسة فرانكفورت لم تسقط في عقلية نهاية التاريخ المشيحانية على طريقة ماركس، بل احتفظ بالنسق مفتوحاً وبالتجاوز حقيقة لا نهائية. وهو يرى أن ذلك هو الترجمة العلمانية لبعض المفاهيم اليهودية (مثل تحريم نطق اسم الإله وتحريم تصويره) . وإذا أردنا ترجمة هذا المصطلح شبه الديني إلى مصطلحنا الفلسفي لقلنا إنه بينما ورث ماركس الحلولية اليهودية والنزعة نحو التجسد فيها، فقد ورث هوركهايمر النزعة التوحيدية اليهودية التي ترى الإله منزَّهاً عن المادة (الطبيعة والتاريخ) لذا لا يمكن أن يتجسد الإله وينتهي التاريخ، وينغلق الجدل وينتهي التجاوز. ويرى هوركهايمر أن اليهود في علاقتهم بالبشر يمثلون عنصر النفي (بالمعنى الفلسفي) وهو ظاهرة صحية إيجابية، فبدون هذا النفي يصل التاريخ إلى نهايته وتسود الشمولية. وتطوُّر موقف هوركهايمر من اليهود هو تعبير عن تطور موقفه من الماركسية. فقد انتقل من الإيمان بالبروليتاريا كآلية استرجاع الكل، إلى الإيمان بأن أكثر ما يمكن أن يؤمل فيه الإنسان هو الاحتفاظ بجيوب من النفي، ومن ثم تزايَد اهتمامه باليهود وبالمسألة اليهودية وبالعقيدة اليهودية. ومن هذا المنظور أصبح المفكر صاحب العقل النقدي (مقابل العقل الأداتي) هو اليهودي الذي يرفض أن يُستوعَب في آليات المجتمع وأصبحت معاداة اليهود تعبيراً عن تلك الاتجاهات في المجتمعات التي تنحو نحو الشمولية والسيطرة على الطبيعة والإنسان. لكل هذا كانت استجابة هوركهايمر لتأسيس الدولة الصهيونية مبهمة للغاية، فاليهود بعد أن كانوا جيباً من جيوب النفي الأساسية ورمزاً للأمل في تحقيق العدل في نهاية الزمان تحولوا إلى مجرد أمة مثل كل الأمم لها دولة قوية يتبعها جيشٌ له قياداته العسكرية وأصبحت تتبعها صناديق الجباية الخاصة بها (أي أن هوركهايمر كان يرى، شأنه في هذا شأن روزنزفايج أن اليهود " شعب غير تاريخي" وأن دخوله التاريخ ومعترك السياسة هو تصفية لهويته اللاتاريخية هذه!) . إن الصهيونية في تصور هوركهايمر تعبير عن عدم الإيمان بالتعددية السياسية والثقافية، فإسرائيل مجرد دولة، قد تكون دولة مُضطهَدة تأوي المضطهدين ولكنها مع هذا ليست صهيون التي وردت في العهد القديم حيث يعيش كل الأتقياء من كل الشعوب في سلام. ريمون آرون (1905-1982) Raymond Aron عالم اجتماع وفيلسوف وكاتب فرنسي بارز. وُلد في باريس لعائلة فرنسية بورجوازية من المثقفين. ويُعتبر آرون ممثلاً لجيل المفكرين والسياسيين الفرنسيين اليهود، من أمثال ليون بلوم وبيير منديس فرانس، الذين عبَّرت أفكارهم وسياستهم عن التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية المختلفة داخل المجتمع الفرنسي بصفة خاصة والمجتمع الأوربي الأوسع بصفة عامة، والذين تحددت علاقتهم باليهودية ومواقفهم تجاه إسرائيل من خلال انتمائهم الفرنسي والأوربي بالدرجة الأولى. تخرَّج آرون في مدرسة المعلمين العليا عام 1928، ثم قام بالتدريس في جامعات ألمانية وفرنسية. وعُيِّن عام 1955، أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة السوربون، وفي عام 1960 عُيِّن مديراً للدراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل آرون مديراً لتحرير جريدة فرانس ليبر التي كانت تصدر في إنجلترا، واستمر في نشاطه الصحفي بعد الحرب حيث ساهم، سواء بكتاباته أو بوصفه مديراً للتحرير، في الفيجارو، والإكسبرس، والمجلة الأوربية لعلم الاجتماع وغير ذلك من الدوريات. وتأثر آرون بالمفكرين الفينومولوجيين وبعلم الاجتماع الألماني (خصوصاً نظريات ماكس فيبر) . ويدور فكر آرون حول فكرة رئيسية: نفى ما هو خارج الوجود المادي أو ما يقع وراء نطاق الخبرة أو المعرفة، أي رفض أي تسام أو تجاوز، بما في ذلك ما يُسمَّى «الديانات العلمانية» ، وهي الأيديولوجيات التي تطرح إمكانية أن يتجاوز الانسان الواقع المادي من خلال الإيمان بمطلق ما يوجد داخل الطبيعة مثل التقدم وحتميته. ومن ثم نجده يرفض أي نوع من الحتمية ويتبنى بدلاً من ذلك مفهوماً للتاريخ لا يخضع للقوانين ولكنه نتاج مزيج من الصدفة والضرورة. وقد اهتم آرون بصفة خاصة بالمجتمع الصناعي الحديث، واعتبر أن العامل الرئيسي في تحديد وتفسير حركيات هذه المجتمعات ليس الصراع الطبقي بقدر ما هو الصراع والتنافس بين النظم السياسية. كما بيَّن وجود سمات مشتركة بين كل المجتمعات الصناعية تعود كلها إلى التكنولوجيا لا الأيديولوجيا وتنبع من روح الإبداع والتقدم التي تسود المجتمع الصناعي والتنظيم البيروقراطي الرشيد. ولذا، فهو من دعاة نظرية التلاقي، أي أن المجتمعات الصناعية (رأسمالية كانت أم اشتراكية) ستلتقي في نهاية الأمر. وكان آرون من كبار دعاة الحرب الباردة. ففي الخمسينيات، تناول موضوع الحرب في العصر الحديث وأشار إلى أن عملية توازن الرعب قد قوَّضت رغبة الكثيرين في أن يفكروا في الحرب. فالحرب جزء من الحياة اليومية، وهي تصوغ المجتمع تماماً مثل الصناعة، ويجب أخذها جدياً في الاعتبار عند صياغة السياسة حتى ولو أدَّت هذه السياسة إلى هولوكوست نووية تنتج عنها إبادة الجنس البشري. وإن أحجم الإنسان عن مثل هذا التفكير وعن تقبُّل نتائجه فقد تخلى عن العقل الإنساني وعن مقدرته على التحكم في مصائرنا. وتناول آرون في كتاباته العديدة أيضاً العلاقات الدولية، وتناقضات الديموقراطية، والعلاقة الجدلية بين الديموقراطية والشمولية. وأكد آرون انتماءه للثقافة والفكر والمجتمع الفرنسي كبُعد أساسي من أبعاد شخصيته وهويته. أما اليهودية، فلم تكن سوى رمز احتفظ به تعبيراً عن أصوله وجذوره العائلية دون نفيها. ورفض آرون مفهوم الشعب اليهودي واعتبر أن اليهود شكلوا على مر التاريخ جماعات متفرقة لا تجمعهم أرض أو لغة أو نظام سياسي واحد وأن ما يربطهم هو العقيدة والشعائر والممارسات الدينية. واعتبر أن ميلاد الصهيونية، ومن ثم إسرائيل، ارتبط بظهور القومية في المجتمع الأوربي الحديث في القرن التاسع عشر، وما صاحب ذلك من اتجاهات للاندماج ومعاداة اليهود. كما اعتبر أن ميلاد الصهيونية انعكاس لمدى قوة الأسطورة في التاريخ. ونبعت مواقفه من قضايا الشرق الأوسط من رؤيته الغربية للأمور، ومن منطلق المصالح الفرنسية والغربية، أي أنها تخلو من أية أبعاد يهودية خاصة. وقد بدأ اهتمامه بالصراع العربي الإسرائيلي عام 1956 بعد أن ارتبط بالصراع بين الشرق والغرب، فأدان العدوان الثلاثي على مصر، كما أيَّد استقلال الجزائر إلا أنه أيَّد التحالف الإسرائيلي الفرنسي، وتضامن مع إسرائيل خلال حرب 1967 وكتب سلسلة من المقالات بعنوان ديجول وإسرائيل واليهود انتقد فيها إدانة ديجول لإسرائيل عقب حرب 1967 واعتبرها مثيرة ومشجعة للعناصر المعادية لليهود في المجتمع الفرنسي. إلا أنه حذر من استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية باعتبار أن ذلك سيؤدي حتماً إلى حرب جديدة، مثلما حدث بالفعل عام 1973. دانيال بل (1919-) Daniel Bell عالم اجتماع أمريكي يهودي، وُلد في نيويورك، وتلقَّى فيها تعليمه. درَّس في العديد من الجامعات والمعاهد الأمريكية، وترأس تحرير عدد من المجلات العلمية الليبرالية مثل دايدالوس، وناشيونال إنترست أي الصالح العام. ويُعَدُّ بل من أهم علماء الاجتماع الأمريكيين. وقد كتب العديد من الدراسات، وأظهر في كتاباته الأولى اهتماماً خاصاً بمسائل العمال والرأسمالية الأمريكية إذ حذر من احتمال أن تقوم الاحتكارات بالهيمنة على المجتمع الأمريكي بل وحذر من الحكومة نفسها، خصوصاً إذا ما أصبح قطاع اقتصاد الحرب قطاعاً ثابتاً. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصدر بل عدة كتب تتَّسم بأنها مشبعة بروح التفاؤل بشأن المستقبل الديموقراطي للمجتمع إذ كان يرى أن المجتمع الأمريكي مجتمع مركب للغاية، ويختلف عن المجتمعات الغربية في العالم القديم، وتسود فيه روح شعبوية (شعبية) وعداء متأصل للتجريد الفكري. وذهب بل إلى أن هذه كلها ضمانات أكيدة ضد الشمولية، وأن منطق المجتمع الحديث الشمولي ومؤسساته الاقتصادية البيروقراطية لن تسود في الولايات المتحدة. وفي عام 1960، ظهرت أهم أعمال بل وهو نهاية الأيديولوجيا وهو عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها عبر عدة سنوات، دعا فيها إلى ظهور علم اجتماع جديد ونظرية اجتماعية جديدة أكثر برجماتية إذ ينبغي على المثقفين ألا يقبلوا أيديولوجيات الستينيات بل عليهم أن يدركوا أهمية دور جماعات المصالح وطبيعة المساومة والإجماع في المجتمع الليبرالي. وبل من دعاة نظرية التلاقي، أي أن المجتمعين الرأسمالي والاشتراكي هما في نهاية الأمر مجتمع صناعي واحد، ولذا فإن هناك سمات حضارية مشتركة بين المجتمعات، ومن ثم فإن طبيعة تطورهما ستؤدي بهما إلى التلاقي أو التماثل. وهو بالتالي من دعاة دولة الرفاه الرأسمالية التي ستقوم بالاستعانة بخبرة المتخصصين (التكنوقراط) لاكتشاف أحسن السبل لإدارة المجتمع ولحسم الصراعات بين جماعات المصالح المختلفة دون أية أعباء أيديولوجية تثقل كاهلها أو وعيها. وهذه مسألة ـ في تصوره ـ ليست عسيرة إذ أن الصراعات الطبقية والعرْقية ليست بالعمق الذي تُصوِّره نظريات الصراع المختلفة. وكان بل مؤمناً تماماً بأن المجتمع ما بعد الصناعي سينجح في التغلب على التوترات الاجتماعية وفي الإبقاء على المجتمعات الشمولية. ويُعتبَر كتابه ما بعد الأيديولوجيا من أول الكتب التي بشرت بظهور عصر البعديات في الحضارة الغربية (ما بعد التاريخ ـ مابعد الإنسانية ـ مابعد الحداثة) . ولكن، مع نهاية الستينيات، عزف بل نغمة أخرى تماماً في كتابه ظهور المجتمع ما بعد الصناعي (1973) ، وفي كتابه تناقضات الرأسمالية الحضارية، إذ بيَّن أن ثمة تآكلاً في المنظومة القيمية في المجتمع الرأسمالي (أخلاقيات العمل ـ إرجاء الإشباع ـ الإحساس بالرسالة وبالمسئولية الاجتماعية) التي كانت مصدر تماسكه في الماضي. فالنظام السياسي في المجتمع الرأسمالي في الوقت الحاضر يدور حول مجموعة من المصالح المتضاربة، ويشعر الأفراد بنهم لا يمكن إشباعه، ومع هذا فإنهم يصرون على حقهم في الإشباع (وهذا ما نسميه تصاعد معدلات الترشيد والعلمنة) . والمجتمع التكنولوجي هو مجتمع الإنتاج الرشيد الذي يكافئ من يساهمون في العملية الإنتاجية الرشيدة، ومثل هذا المجتمع الذي تم ترشيده يبتعد بالأفراد تدريجياً عن عالَم السياسة (العام) الذي يوازن عالَم المصالح (الخاص) . كما أن عزلة الفنون تساهم بشكل أعمق في هذا الاتجاه، ولذا كان بل يذهب إلى أن الثقافة الحداثية ثقافة معادية للإنسان ومضمونها السياسي تافه. وعلى هذا النحو، فقد انضم بل إلى زمرة المثقفين الذين يدركون أزمة المجتمع الحديث وأنه لا مخرج منها، ومن ثم فقد تفاؤله القديم. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
تربية يهودية وتربويون يهود
Jewish Education and Educators «تربية يهودية» مُصطلَح يفترض وجود شعب يهودي ذي تاريخ مشترك ومصير مشترك، ومن ثم يصبح له نوع خاص ومتميِّز من التربية. إلا أن هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق التاريخية، ومن ثم فمقدرته التفسيرية والتصنيفية منخفضة للغاية. فمن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا شعباً واحداً باستثاء فترة قصيرة من تاريخهم، أي منذ استقرارهم في كنعان (فلسطين) في حوالي القرن الثاني عشر قبل الميلاد وحتى تهجيرهم إلى بابل في حوالي القرن السادس قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة، كوَّن العبرانيون شعباً أو قوماً له سمات إثنية محدَّدة وديانة مرتبطة بالمكان (فلسطين) ويجمعه إطار ثقافي واحد ويتحدث لغة مشتركة. ورغم أن العبرانيين احتفظوا ببعض السمات الإثنية بعد العودة إلى فلسطين، إلا أننا نجد أن انتشارهم في البلدان المختلفة بدأ أيضاً خلال هذه الفترة، وظهرت تجمعات يهودية كبيرة في كل من بابل والإسكندرية لها ظروفها الثقافية المحددة وحركياتها المختلفة عن حركيات العبرانيين في فلسطين، ومن ثم لها مؤسساتها التربوية التي تلبي احتياجاتها باعتبارها أقلية لها أوضاعها الثقافية والحضارية المتعينة. ولهذا، فيمكننا أن نتحدث عن «التربية العبرانية» أو عن «التربية عند العبرانيين» . وقد قسمنا هذه المرحلة إلى فترتين: قبل التهجير إلى بابل، وبعد العودة من بابل، ذلك أنه رغم وجود وحدة ثقافية تسم التشكيل الحضاري العبراني إلا أن ثمة تحولاً جوهرياً حدث للعبرانيين عند تهجيرهم إلى بابل، وهو تحول انعكس على مؤسساتهم التربوية المدرسية وغير المدرسية. فقد أوجد العبرانيون اليهود منذ عودتهم من بابل، وتحت تأثير تجربة التهجير والمعيشة في إطار الحضارة البابلية، وحتى سقوط الهيكل عام 70م، المؤسسات التربوية الثلاث اللازمة لتطوير ونقل ونشر الديانة اليهودية، وهي: تنظيم الكتبة والحلقات التلمودية، والمعبد اليهودي، ثم أخيراً المدرسة الأولية التي ظهرت تحت التأثير الهيليني وكرد فعل له. وخلال هذه الفترة، حاول سيمون بن شيتا (75 ق. م) نشر التعليم بين الشباب، ثم جاء يوشع بن جمالا (65 ق. م) بقرار جعل التعليم إجبارياً وعممه مجاناً. ومع سقوط الهيكل عام 70م على يد تيتوس، أصبح من المستحيل التحدث عن «الشعب العبراني» أو عن «الثقافة العبرانية» ، ومن ثم أصبح من المستحيل الحديث عن «التربية العبرانية» . ونظراً لتنوع أحوال وتجارب واحتياجات الجماعات اليهودية، لا يمكن الحديث عن «تربية يهودية» باعتبارها كياناً فكرياً واحداً أو عن «مدرسة يهودية» باعتبارها نمطاً مؤسسياً متكرراً، وإنما يمكن الحديث عن «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصر الهيليني» أو «تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب» ... وهكذا، أي بنسبة الجماعة اليهودية إلى مكان وزمان محدَّدين. وبذلك نكون قد نحتنا مُصطلَحات وصُغنا مقولات تحليلية لها مقدرة تفسيرية وتصنيفية عالية. ولتوضيح هذه النقطة يمكن أن نشير على سبيل المثال إلى يهود الإسكندرية في العصر الهيليني الذين تأغرقوا بشكل سريع وانضم أطفالهم وشبابهم إلى المدارس الهيلينية، بل وأقاموا صلواتهم وتعلموا مبادئ دينهم باللغة اليونانية من خلال الترجمة السبعينية. أما أعضاء الجماعات اليهودية في بابل، فتبعت تربيتهم نمطاً مختلفاً نتيجة تكوُّن التشكيلات الإمبراطورية المختلفة في هذه المنطقة، فأرسل أعضاء الجماعات اليهودية أطفالهم إلى مؤسسات تعليمية خاصة بهم، كما قدمت الحلقات التلمودية في بابل فيما بعد إسهامات في تطوير التراث الديني اليهودي المتمثل في التلمود البابلي. وبمجيء العصور الوسطى في الغرب والتشكيل الإسلامي في الشرق، أصبحت الحضارات التي يعيش اليهود بين ظهرانيها أساساً حضارات دينية توحيدية حيث ساد الإسلام الشرق العربي والمناطق المجاورة والأندلس وسادت المسيحية أوربا. وقد مثل الدين وعلومه المختلفة محوراً أساسياً للدراسة في المؤسسات التعليمية لشعوب هذه البلدان. ولم يختلف الوضع بالنسبة إلى الجماعات اليهودية التي عاشت في هذه المناطق، فكوَّنت العقيدة اليهودية وكتبها المقدَّسة المادة الأساسية التعليمية للجماعات اليهودية. ومع هذا، نجد أن مناهج التعليم وأساليب التدريس اختلفت من جماعة يهودية إلى جماعة يهودية أخرى طبقاً للأوضاع الثقافية والحضارية للشعوب التي عاشت بينها وطبقاً لوضع الجماعة نفسها. ففي أوربا حيث تدنت الأوضاع الثقافية للبلدان الأوربية، ودعمت نظم الإدارة الذاتية عزلة الجماعات اليهودية الثقافية، تدنى مستواهم الثقافي وتخلف مستواهم التعليمي، واقتصرت مؤسساتهم التعليمية على تدريس الكتب الدينية، بل على تأكيد التوافه من أمور دينهم واستخدام أسلوب من الجدل العقيم في التدريس، كما تخلفوا عن تحصيل العلوم والمعارف التي بدأت تأخذ طريقها إلى الحضارة الأوربية منذ عصر النهضة. أما في بلدان العالم الإسلامي، فقد ازدهرت ثقافة الجماعات اليهودية تحت تأثير الحضارة الإسلامية وشارك أعضاؤها في النهضة الثقافية والعلمية. ولكونهم أهل ذمة، سُمح لهم بكثير من الحريات وأُحْسنَت معاملتهم اجتماعياً وثقافياً، ومن ثم فإن عزلتهم لم تكن على نحو ما كانت عليه عزلة الجماعات اليهودية في بلدان أوربا. وبطبيعة الحال، أثرت هذه الأوضاع في ثقافة الجماعات اليهودية ومؤسساتهم التعليمية. ورغم أن الدراسات الدينية احتلت مركزاً مرموقاً فيها، إلا أن المنهج التعليمي لم يقتصر عليها بل اتسع ليشمل كثيراً من المعارف والعلوم، فاحتوى على اللغة العربية والقواعد والشعر والمنطق والبلاغة والرياضيات والفلك والعلوم الطبيعية والميتافيزيقا. كما ظهر بين الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي أدب مكتوب عن التربية والتعليم أخذ شكل فصول من كتب أو وصايا أو تعليقات. وكان من أهم المفكرين الذين كتبوا عن التربية يوسف بن عكنين (شمال أفريقيا) ، ويهودا بن عباس في الأندلس. ولم تختلف مناهج الدراسة كثيراً بين الجماعات اليهودية في كل من إيطاليا وجنوب فرنسا. وإذا كان التعليم الديني قد شكَّل محوراً رئيسياً وعنصراً مشتركاً بين مؤسسات التعليم للجماعات اليهودية خلال العصور الوسطى في الغرب وفي العصر الإسلامي الأول والثاني في العالم الإسلامي، فإن هذا العنصر يختفي تدريجياً ويزداد التنوع وعدم التجانس في تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية منذ أواخر القرن الثامن عشر حيث بدأت المجتمعات الأوربية تدخل مرحلة تصاعدت فيها تدريجياً وتيرة التصنيع والتحديث، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية التي طالبت أعضاء الجماعات اليهودية بأن يندمجوا في المجتمعات التي يعيشون فيها وأن يدينوا لها وحدها بالولاء. وأدرك حكام أوربا المستنيرون أن تحديث وعلمنة تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية هو أنجح الوسائل لتحقيق هذا الهدف. ففتحت أمام أعضاء الجماعات اليهودية أبواب التعليم الحكومي العلماني، كما سُمح لهم بتأسيس مدارس علمانية خاصة بهم، الأمر الذي دفع المثقفين اليهود من دعاة حركة التنوير (هسكلاه) إلى تحديث التعليم اليهودي التقليدي، فقاموا بتأسيس عدد من المدارس اليهودية التي جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، كما شجعوا أعضاء الجماعات اليهودية على إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية، وكان أهم دعاة هذا الاتجاه موسى مندلسون ونفتالي هرتز فيسلي وغيرهما. ومنذ ذلك الوقت، تزايد إقبال أعضاء الجماعات اليهودية على التعليم الحكومي العلماني، وكذلك إقبالهم على المدارس الخاصة بهم، كما تم تهميش التعليم الديني والاقتصار على المدارس التكميلية التي كان يحضرها التلاميذ بعد حضورهم المدارس الحكومية. وحتى المدارس التلمودية العليا (يشيفا) نفسها (التي تُخرِّج الحاخامات والمتخصصين في مجال الدين) ، هبت عليها هي الأخرى رياح التطوير والتحديث. ومع هذا، يُلاحَظ أنه، داخل التشكيل الحضاري الأوربي، اتخذت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية أشكالاً مختلفة. ففي أوربا الغربية، تمت عملية التحديث دون مقاومة. أما في شرق أوربا وفي روسيا القيصرية، فإن عملية تحديث التعليم حققت نجاحاً في بدايتها، إلا أن تعثُّر عملية التحديث (في المجتمع ككل) في نهايات القرن التاسع عشر أدَّى إلى تزايد اغتراب أعضاء الجماعات اليهودية وتزايد انخراطهم في الحركات الثورية والعمالية اليهودية والصهيونية التي أشرفت على إقامة سلسلة من المؤسسات التعليمية الخاصة بها والتي اتسمت بتوجهها العلماني الإثني ـ اليديشي أو الصهيوني. غير أن قيام الثورة البلشفية وبناء الدولة السوفيتية أنهى هذا الوضع في روسيا. أما في بولندا وسائر بلدان أوربا الشرقية، فقد تزايدت هجرة أعضاء الجماعات اليهودية إلى الأمريكتين. وإذا نظرنا إلى الجماعات اليهودية في العالم الإسلامي، وجدنا أن تطوُّر مؤسساتهم التعليمية اتبع نمطاً مغايراً عن مثيلاتها في مجتمعات أوربا حيث تمت عملية تحديثها في مرحلة متأخرة (وبعد وصول القوات الغربية الإمبريالية) ، ونجم عن ذلك تحويل أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية وإلى مادة استيطانية تابعة للغرب. وقد اتبع تحديث المؤسسات التعليمية اليهودية في الهند النمط نفسه الذي اتبعه في العالم الإسلامي. أما الجماعات اليهودية في إثيوبيا فقد اتبعت نمطاً مخالفاً للأنماط السالفة الذكر. وفي المجتمعات الاستيطانية، تأثرت تربية وتعليم الجماعات اليهودية بطبيعة المجتمع الاستيطاني نفسه. ففي الولايات المتحدة، التي اتسمت باقتصادها الحر المفتوح وتربيتها العلمانية ونظامها التعليمي الحكومي المجاني، تمت عملية تحديث تربية وتعليم أعضاء الجماعات اليهودية بسهولة كما تم إكسابهم الهوية الأمريكية. أما في بلاد أمريكا اللاتينية فقد اتبع تطوير تربية وتعليم الجماعات اليهودية شكلاً مخالفاً. إذ اتجهت كل جماعة يهودية إلى إقامة مؤسساتها التعليمية الخاصة بها، فكثُر عدد مدارس اليوم الكامل اليهودية التي يتلقى فيها الأطفال تعليماً يهودياً بعيداً عن تأثير المدارس العامة ذات التعليم الكاثوليكي. واتسمت هذه المدارس بتوجهها الإثني الصهيوني. ولم يختلف نمط تربية وتعليم الجماعات اليهودية في كندا وجنوب أفريقيا كثيراً عن نمط أمريكا اللاتينية. ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية المختلفة لم تُقدِّم فلاسفة أو مفكرين تربويين لهم ثقلهم الفكري العالمي في مجال التربية، وذلك رغم إنجازات بعض أعضاء الجماعات اليهودية في المجالات الأخرى. فمعظم المفكرين اليهود الذين كتبوا عن التربية اتبعوا النظريات والاتجاهات الفكرية التربوية أو عالجوا المشكلات التربوية التي تمس الأوضاع التربوية القائمة في المجتمعات التي ينتمون إليها، ومن الصعب وصف إنجازاتهم الفكرية بأنها ذات مضمون يهودي. فجيكوب بريير تربوي فرنسي، وهو أول من اهتم بتعليم الصم البكم، وجوزيف فيرتيمر تربوي نمساوي اتبع الاهتمام الفكري السائد في أوربا آنذاك بطفل ما قبل المدرسة وأسس دور حضانة في النمسا، بينما نجد يانوس كورساك البولندي أبدى اهتماماً بالأطفال الأيتام وأنشأ لهم ملجأً وكتب عن كيفية فهم الطفل ومعاملته. وفي الولايات المتحدة، أبدى أبراهام فلكسنر اهتماماً بتعليم الطب وقدَّم تقييماً لكليات الطب في الأمريكتين وكندا ثم في أوربا. ويُعَدُّ كل من لورانس كرين وإسحق بركسون من أتباع التربية التقدمية. أما إسرائيل شيفلر، فهو رائد من رواد مدرسة التحليل الفلسفي في التربية. التربية والتعليم عند العبرانيين قبل التهجير إلى بابل Education of the Hebrews Before the Transfer to Babylonia كانت التربية الدينية والتربية القومية عند العبرانيين تشبهان تمام الشبه مثيلتيهما في المجتمعات القديمة التي كانت تسودها عقائد ذات طابع حلولي وثني واضح حيث يتحد فيه الإله القومي بأرضه وشعبه. وتَصدُر العقيدة اليهودية عن عدد من المفاهيم المحورية ربطت بين الإله والشعب، مثل: مفهوم الإله القومي، ومفهوم الشعب المختار، ومفهوم العهد بين الإله والشعب. ويمكن تقسيم هذه المرحلة من تاريخ التربية عند العبرانيين إلى فترتين أساسيتين: أ) فترة ما قبل التهجير إلى بابل، وهي أيضاً الفترة التي استقر فيها العبرانيون في كنعان وأسسوا مملكتهم العبرانية (1150 ـ 586 ق. م) . ب) فترة ما بعد التهجير (من 586 ـ حتى القرن الثاني قبل الميلاد) . وسنتناول في هذا المدخل الفترة الأولى وحسب، على أن نتناول الفترة الثانية (بعد التهجير) في مدخل خاص. اتَّسمت فترة ما قبل التهجير بتغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية صاحبت انتقال العبرانيين من حياة البداوة والترحال إلى حياة الاستقرار. فعلى الصعيد الاقتصادي، تحول العبرانيون من قبائل تعيش على الرعي أساساً إلى شعب مستقر يعمل بالزراعة وبعض الحرف، ويعيش داخل مدن محصَّنة، ونمت التجارة وزاد ثراء بعض أعضاء المجتمع، الأمر الذي أدَّى إلى ظهور طبقة جديدة من الأغنياء وظهور هوة سحيقة بينهم وبين الفقراء. أما على الصعيد السياسي، فقد تحول العبرانيون من النظام القبلي إلى النظام الملكي إذ أسَّسوا الدولة العبرانية المتحدة التي يحكمها ملك يساعده عدد من الموظفين مثل: كاتب الملك والحاجب وعامل الخراج وقائد الجيش، كما كان الكهنة يُعتبَرون موظفين تابعين لبلاط الملك. أما على الصعيد الديني، فقد قام الكهنة واللاويون بالحفاظ على شريعة يهوه خلال الفترة المذكورة، كما ظهر الأنبياء في عصر الملوك. وجاءت حركة الأنبياء لتكبح وتوقف عملية الاندماج التدريجي في العبادات الكنعانية، ولتهيب بالمؤمنين أن يعودوا إلى التقاليد الدينية القديمة لتكفل بذلك استمرار دين يهوه وتثبت دعائمه. وخلال هذه الفترة، كانت التربية عند العبرانيين شبيهة بالتربية السائدة في المجتمعات البسيطة. وليست هناك أدلة على أن العبرانيين عرفوا المدارس كمؤسسات تربوية مستقلة، إذ كانت التربية عند معظم الناس مرادفة للحياة نفسها. ومع هذا، وُجد نوع من التعليم النظامي لدى بعض فئات المجتمع التي احتاجت إعداداً خاصاً. وشهدت هذه الفترة ظهور مؤسستين مهمتين لعبتا دوراً مهماً في نقل التراث الثقافي وتشكيل العبرانيين دينياً وقومياً، وكان لهما دور تربوي محدَّد، وهما: الأسرة والمؤسسة الدينية. 1 ـ الأسرة: كانت الأسرة، ضمن القبيلة، المؤسسة الاجتماعية الأساسية المسئولة عن نقل تراث الجماعة وخبراتها إلى النشء. ويبدو أن الروابط الأسرية بين القبائل العبرانية كانت من القوة بحيث احتوت يهوه نفسه، الذي كان العبرانيون ينظرون إليه باعتباره أبو الشعب، حيث كانوا يعتبرون أنفسهم أولاده فيدينون له بالولاء والطاعة. وكان يُنظَر إلى الأب العبراني باعتباره الملك المطلق في رئاسة العائلة. فالتوراة كانت تعطيه حق بيع زوجته وأولاده بيع العبيد، كما أن سفر التثنية يعطي الوالدين حق معاقبة الابن بالرجم أمام مجلس من الكبار إذا فشل العقاب في إصلاحه. وتمت عملية نقل التراث الثقافي عن طريق مشاركة الصغار في مناشط الحياة اليومية والطقوس الدينية. ومن الصعب، خلال هذه الفترة، التفرقة بين التربية الدينية وبين التدريب على مناشط الحياة الأخرى. فلم يوجد وجه واحد من أوجه الحياة ولا نشاط من أنشطتها إلا وكانت الشعائر الدينية جزءاً منه. فالرقص والغناء مثلاً كانا جزءاً من الشعائر الدينية وطريقة للاحتفال. كذلك كانت مناشط الحياة المختلفة مثل اجتماع الأسرة أو القبيلة، وجز صوف الخرفان، وجمع المحاصيل، ومولد الطفل، والذهاب إلى الحرب، وتغيُّر الفصول، مناسبات دينية. ومن خلال ملاحظة الطفل لهذه المناسبات، والمساعدة والمشاركة فيها، والاستماع إلى الشرح الذي يصاحبها، تلقَّى الطفل تدريبه على كثير من شعائر الدين. وحدَّدت ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية نوعية التربية التي يتلقاها الصغار. ففي بيئة رعوية، تعلم الصغار كيف يصبحون رعاة. وبعد أن استقر العبرانيون في كنعان وتحولوا إلى حياة الاستقرار والزراعة، أصبح من الضروري تعليم الصغار كيف يصبحون مزارعين، ومن ثم تم تدريبهم على الزراعة وتربية المواشي والصيد والتعدين والبناء والنجارة وصنع الأدوات الخشبية والمعدنية والغزل والنسيج وعمل الخيام وصناعة الفخار. كما تم تدريب البنات في شئون المنزل على أيدي أمهاتهن. وحتى قيام المملكة العبرانية المتحدة وتأسيس جيش منظم في عهد الملك داود، كان على الأسرة أن تُعلِّم الصغار كيفية استخدام الأدوات الحربية المعروفة آنذاك. فالحرب بين العبرانين والجماعات الأخرى، أثناء تجوالهم واستقرارهم في فلسطين، جعلت تدريب النشء على القتال ضرورة حيوية. وقد تخصَّصت بعض القبائل في استخدام أدوات حربية معيَّنة، فقبيلة بنيامين مثلاً عُرفت بمهارتها في استخدام السيف والمقلاع، بينما عُرفت قبيلة يهودا باستخدام الرمح. ومن المحتمل أن الملك داود استعان بقدرات هذه القبائل في تكوين جيشه النظامي. كما يبدو أن الألعاب الرياضية والجري والرماية كوَّنت جزءاً مهماً من تربية الصغار. كذلك قامت بعض الأسر بتدريب صغارها على الرقص والغناء واللعب على الناي بوصفها جزءاً من الاحتفالات الدينية. وقُدِّر للأسرة العبرانية أن تلعب دوراً رئيسياً في نقل مبادئ الدين والتقاليد القومية. فالتوراة تجعل تعليم الشريعة أمراً واجباً دينياً على الأب، وفي المقابل يُؤمَر الأطفال بإجلال واحترام آبائهم. كما لعبت الاحتفالات الدينية داخل الأسرة دوراً مهماً في تلقين النشء التراث الديني. كذلك استُخدم سرد التاريخ كوسيلة لتلقين الجيل الجديد تاريخ العبرانيين والاستقرار في كنعان. فالتقاليد والأساطير والأغاني والأقاصيص نُقلت شفهياً من جيل إلى جيل قبل أن تُدوَّن. وقام كبار القبيلة (أو الأب) بهذه المهمة، ومن المحتمل أيضاً أن من قام بهذه المهمة منشدون متجولون. وربما قام الطفل أيضاً بزيارة مقامات يهوه التي كانت منتشرة في كنعان خلال هذه الفترة، والتي كان يقوم على خدمتها الكهنة، ومارس هناك الكثير من الطقوس والشعائر الدينية. وبعد بناء الهيكل، قام الطفل العبراني بزيارة الهيكل. أما القيم والفضائل التي حاول العبرانيون إكسابها لأطفالهم، فقد حددتها ظروفهم في الحياة وكذلك إطارهم العقائدي. ومن أهم هذه الفضائل الشجاعة والإخلاص لكلٍّ من يهوه والعشيرة والشعب، والطاعة الكاملة لمن هم في السلطة ولقوانين القبيلة والأسرة والشعب، والتعامل بالحسنى مع الأقرباء وبلا شفقة أو رحمة مع الأعداء. 2 ـ المؤسسة الدينية: قامت المؤسسة الدينية، بكهنتها وأنبيائها، بنشر عبادة يهوه وتوراته، حيث قاموا بتلقين العبرانيين مبادئ دينهم وإكسابهم الهوية القومية. ويُعتبَر الكهنة واللاويون المربين الأوائل للشعب العبراني. ومن خلال إنجاز المهام الموكلة إليهم بصفتهم وكلاء وممثلين ليهوه ومحافظين على مقاماته التي انتشرت في فلسطين، قام هؤلاء بنشر ديانة يهوه وبتوجيه حياة العبرانيين الدينية والأخلاقية. ومن هنا، أوجدوا محتوى لهذه الديانة، كما أوجدوا الأشكال التي تم من خلالها التعبير عن عقائد ومبادئ الدين. وقام الكهنة بتنظيم وتوجيه الاحتفالات العامة التي لم تكن أكثر من دروس في تاريخ العبرانيين. كذلك علموا الأفراد والجماعات مبادئ وعقائد هذا الدين، ونقلوا الشريعة والطقوس والشعائر والأساطير المرتبطة بالدين شفاهة في بادئ الأمر، ثم قاموا بتدوينها وحفظ أجزاء كبيرة منها بشكل يَسهُل فهمه وتذكُّره بالنسبة لعامة الناس. كما قام الكهنة بقراءة التوراة أو الوصايا العشر على القبائل العبرانية (ويبدو أن هذه كانت عادة متبعة في المعاهدات التي كانت تُعقَد بين الدول المنتصرة والدول التابعة، حيث كان أحد بنود المعاهدة ينص على عرضها في مكان عام أو وضعها في معبد وقراءتها مرة كل سبع سنوات على الملك التابع وشعبه حتى يعوا نصوصها تماماً) . كما ساهم توزيع اللاويين على القبائل العبرانية في نشر التوراة بين العبرانيين. ولعل أهم دور لعبه الكهنة، في تربية الشعب العبراني ونشر التوراة، كان من خلال علاقتهم بالقانون. فالقانون المدني والممارسات الاجتماعية كانت مجرد استنتاجات من القانون الإلهي، ولذا قام الكهنة بتقديم النصيحة للناس بشأن الممارسات الاجتماعية، وإصدار الأحكام الشرعية في الحالات التي تُعرَض عليهم. وبازدياد القوانين الشرعية، زادت تطبيقات التوراة وزاد تأثيرها على حياة الناس. وبمرور الوقت، ارتبطت فاعلية الكهنة بالهيكل وطقوسه، وظهر الأنبياء كمربين للشعب العبراني وكناشرين لعبادة يهوه وشريعته في وقت كادت تُستوعَب فيه ديانة العبرانيين، ضمن الديانة الكنعانية. فكان الأنبياء واعظين متجولين، وأينما سنحت لهم الفرصة لنشر دعوتهم اغتنموها، سواء في السوق أم في بلاط الملوك والأمراء. ولكن، في أغلب الأحيان، كان فناء الهيكل المكان الأثير لديهم، فكانوا يؤكدون في إصرار على الوحدانية الخالصة والإخلاص للعهد المعقود مع يهوه، ويرفضون كل نوع من التساهل مع العبادات الأجنبية، كما كانوا يدعون إلى صلاح الأخلاق ونقاء القلب واستقامة السلوك. وهم في دعوتهم هذه، لم يكونوا يغفلون عن التنبؤ بالعقاب الذي سيحيق بالعبرانيين إن لم يقتدوا بما يقولونه لهم. 3 ـ التعليم النظامي: ورغم أن كلمة «مدرسة» لم يرد لها ذكر في العهد القديم، إلا أن الدلائل تشير إلى أن الكتابة كانت معروفة عند العبرانيين منذ عصر القضاة، وأن العبرانيين استخدموا الحروف الفينيقية التي كانت مُستخدَمة في كنعان في ذلك الوقت. وخلال عصر الملوك، كان ثمة مسجلون رسميون وكتبة للجيش وللملوك والأفراد. كما توجد إشارات إلى ما يُسمَّى «عائلات الكتبة» ، وهو ما يدل على أن مهنة الكتابة كانت وراثية. كذلك، استخدم الأنبياء الأوائل الكتابة، فقد قام عاموس وميخا بتدوين نبوءاتهما، كما أن بعض فئات وأعضاء المجتمع احتاجت إعداداً وتدريباً خاصين. ومن ثم، يمكن القول بأن نوعاً من التعليم النظامي وُجد خلال هذه الفترة وإن ظل مقصوراً على بعض الفئات التي تحتاجها للقيام بمهامها. ومن أهم هذه الفئات: أ) الكهنة: كانت جماعة الكهنة أولى الجماعات التي أعطت تعليماً وتدريباً منظماً لأعضائها. ورغم عدم وجود أية سجلات تفيد ذلك، إلا أنه يمكننا أن نقول، دون أن نحيد كثيراً عن جادة الصواب، أنه لابد أن الكهنة حصلوا على تعليم وتدريب خاصين، وأن عملية التدريب هذه تمت في نطاق الهيكل كما كان الحال في بلاد الشرق الأوسط. وعلى أية حال، فقد ظل هذا النوع من التعليم مقصوراً على أسر معينة، حيث كانت وظيفة الكاهن وراثية ومقصورة على عائلات معينة. ب) الأنبياء: عاش بعض الأنبياء مع أتباعهم داخل جماعات، حيث قاموا بإلقاء دروسهم على أتباعهم واستخدموا إنتاجهم المدون والشفوي لتعليم أتباعهم. ومن ثم، يمكن القول بأن جماعات الأنبياء تلقوا نوعاً من التعليم النظامي شَمل القراءة والكتابة والخطابة والشعر. جـ) الكتبة: كوَّن الكتبة جماعة خاصة، وكانت ممارسة مهنتهم مقصورة على بعض العائلات كما كان الحال في الشرق الأدنى القديم. ويبدو أن عائلة شافان كانت على قمة هرم البيروقراطية المرتبطة بالقصر. كما وُجد كتبة آخرون عملوا كإداريين للحكومة المركزية ولمجالس المدن، وكموظفين في الهيكل. وقامت هذه المؤسسات بتعليمهم وتدريبهم على مهام وظائفهم، حيث دُرِّب الكهنة على كتابة الرسائل والصيغ الإدارية وعلى كتابة العقود (مثل عقود الزواج والطلاق) . ويبدو أن كتبة القصر كان عليهم أن يُلموا بالسياسة وببعض العلوم واللغة الآرامية (لغة المعاملات الدولية آنذاك) ، كما يبدو أن هذه الفترة شهدت نمو أدب مرتبط بأخلاقيات الكتبة. دراسة التوراة (تلمود تورا ( Talmud Tora «دراسة التوراة» عبارة تقابلها في العبرية عبارة «تلمود تورا» ، وتُستخدَم للإشارة إلى مفهوم تربوي أساسي يستند إليه الفكر التربوي بين أعضاء الجماعات اليهودية حتى القرن الثامن عشر الميلادي. ويستمد موضوع دراسة التوراة أهميته من عدة أشياء أساسية في العقيدة اليهودية منها أهمية التوراة ذاتها باعتبارها الكتاب المقدَّس الذي يحوي كلام الإله، ومنها أن إرسالها لليهود هو علامة على اختيارهم. ولكن، لعل أهم الأسباب هو مفهوم الشريعة الشفوية الذي يجعل تفسير الحاخامات للتوراة (كلمة الإله) ، ودراستهم لها، أكثر أهمية من النص المقدَّس ذاته. ولكل هذا، كان الفعل الأسمى لدى أعضاء الجماعات اليهودية هو التفرغ لدراسة التوراة. ويمكن القول بأن المؤسسات التربوية بين أعضاء الجماعات اليهودية هي بالدرجة الأولى أشكال من التعبير عن هذا المفهوم وتحوراته، وأنها مع هذا خضعت لتغيرات الزمان والمكان. فالحلقات التلمودية، والمدارس التلمودية العليا، والمدارس الأولية الخاصة والخيرية، كانت كلها تدور حول دراسة التوراة. ولعل ما عمَّق هذا الاتجاه، هو تحوُّل اليهود إلى جماعة وظيفية تود الحفاظ على هويتها وانعزاليتها، والتمركز حول التوراة (كتاب اليهود المقدَّس) هو أسرع السبل لإنجاز هذا. ولكن، مع تبنِّي المسيحية التوراة كتاباً مقدَّساً، أكدت اليهودية الحاخامية (التلمودية) أهمية التلمود على حساب التوراة، ومن ثم أصبحت عبارة «دراسة التوراة» تعني في واقع الأمر «دراسة التلمود» . ويجب التنبيه إلى أن دراسة التوراة لم تكن دائماً نشاطاً مدرسياً أو حتى شبه مدرسي، وإنما كانت في كثير من الأحيان واجباً دينياً يأخذ شكلاً تربوياً ـ تماماً مثل حلقات الدرس في المساجد حيث يجلس المسلمون بعد الصلاة يتفقهون في أمور دينهم ويسألون شيخهم فيما يواجهونه من مشاكل. ودراسة التوراة وتفسيرها كانت دائماً وظيفة تضطلع بها النخبة الدينية القائدة، كما أن الصراع بين الصدوقيين والفريسيين كان صراعاً على تفسير التوراة. ثم ظهرت بعد ذلك أجيال الفقهاء، وتم جمع التلمود، ثم هيمن التلمود باعتباره التفسير الحاخامي للتوراة. وظل هذا الوضع إلى أن قامت الحركة الحسيدية في شرق أوربا في القرن الثامن عشر وتحدته ووضعت الصلاة في مرتبة أعلى من دراسة التلمود. ثم جاءت حركة التنوير في الغرب وقلَّلت من شأن هذه الدراسات الدينية، ثم جاء القرن التاسع عشر، باهتماماته العلمانية والمادية، ووضع نهاية لهذه الدراسات بالنسبة إلى معظم الجماعات اليهودية في بلدان العالم الغربي. بيت الدراسة (بيت هامدراش (Beit Hamedrash «بيت الدراسة» مُصطلَح تقابله في العبرية عبارة «بيت هامدراش» ، و «بيت الدراسة» أحد الأشكال الأولى للحلقات التلمودية، وهو مركز للدراسات الدينية غالباً ما كان يُلحَق بالمعبد اليهودي وأحياناً كان يوجد داخله. كما تُستخدَم العبارة أحياناً للإشارة إلى المعبد اليهودي من حيث هو مكان للدراسة. وقد استُخدم «بيت الدراسة» أساساً لدراسة الشريعة، كما استخدمه الدارسون للصلاة. إلا أن نشاط هذه البيوت الأساسي كان دراسة التلمود، أما الصلاة، فكانت نشاطاً ثانوياً. وقد استُخدمت عبارة «بيت الدراسة» في العصور القديمة للإشارة إلى مجالس علماء التلمود حيث كان الدارسون يجتمعون داخله لسماع محاضرات علماء التلمود. انتشرت بيوت الدراسة في العصور الوسطى في الغرب بين الجماعات اليهودية في البلدان المختلفة حتى أصبحت مظهراً ثابتاً في كل مدينة. وكانت هذه البيوت تُلحَق بالمعابد اليهودية لدى بعض الجماعات كما كانت تبقى مستقلة لدى البعض الآخر. وفي فرنسا وألمانيا، كانت بيوت الدراسة بمنزلة مراكز للمدارس التلمودية العليا. وقد أشرفت المؤسسات الإدارية للجماعة اليهودية على بيوت الدراسة وموَّلتها في معظم التجمعات إلى أن قام بعض أغنياء اليهود في ألمانيا بإقامة بيوت لدراسة التلمود وأنفقوا عليها الأموال. وقد عُرف «بيت الدراسة» في ألمانيا باسم «كلاووس» . والمقابل الحسيدي له هو «شتبيل» ، أي حجرة صغيرة، حيث كان الحسيديون يجتمعون للصلاة والعبادة. وفي البلاد العربية، أُطلق عليه اسم «هامدراش» (مدرسة) . وفي العصور الحديثة، ومع زيادة علمنة أعضاء الجماعات اليهودية وتهميش الحداثة للدراسات الدينية، اختفى «بيت الدراسة» التقليدي وحلّ محله معاهد الدراسات الدينية، كما أن بعض المعابد اليهودية يوجد بها أماكن للدراسات الدينية تفتحها لمدة ساعات محدَّدة كل يوم. المدرسة الأولية (بيت سيفر ( Beit Sefer «المدرسة الأولية» هي المقابل العربي للعبارة العبرية «بيت سيفر» ، وهي عبارة تعني حرفياً «بيت الكتاب» . ويُطلَق المُصطلَح على المدارس الأولية الإجبارية التي وُجدت في فلسطين منذ القرن الأول الميلادي، وفي بابل فيما بعد. وغالباً ما كانت توجد هذه المدرسة داخل المعبد أو في حجرة ملحقة به. وكان الهدف من هذه المدرسة إعداد الطفل اليهودي للمشاركة في شعائر المعبد. وكانت الدراسة فيها تقتصر على القراءة وبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة وكتب الأنبياء، وكذلك كتب الحكمة والأمثال. التربية والتعليم عند العبرانيين بعد العودة من بابل Education of the Hebrews after the Return from Babylonia تمتد هذه الفترة من تاريخ عودة العبرانيين من بابل (586 ق. م) حتى وصول القوات الهيلينية إلى فلسطين والشرق الأدنى القديم عام 333 ق. م. وتستمر حتى القرن الثاني الميلادي. وكانت الشريعة في هذه الفترة الأساس في تنظيم حياة العبرانيين. وقد وجه الكتبة والكهنة جهودهم واهتمامهم إلى جمع الشريعة وتدوينها ودراستها دراسة منظمة، فجُمعت المصادر التقليدية لتاريخ العبرانيين ودينهم وأقوال حكمائهم وأنبيائهم ورُتبت في ثلاثة أقسام: التوراة والأنبياء والكتابات. وبتدوين الشريعة، أصبح سكان يهودا (فلسطين) أهل كتاب. وكرَّس كثير من العبرانيين وقتهم لدراسة الكتاب المدوَّن، فظهرت فئة الكتبة التي نافست الكهنة على قيادة الحياة الدينية. وقُدِّر للكتبة الانتصار في النهاية بتحطيم الهيكل، مركز العبادة القربانية. وبانتصار الكتبة وهدم الهيكل، ظهرت اليهودية الحاخامية وأصبحت الشريعة مركز الحياة (وبالتالي التربية) العبرانية ثم اليهودية. وأصبح طموح كثير من الشباب اليهودي أن يصبح «ابن الشريعة» . وظل هذا النمط السائد حتى نهاية القرن الثامن عشر، حين ظهرت حركة التنوير اليهودية التي تحدَّت هذه المؤسسات الدينية. وخلال هذه الفترة، تميَّزت التربية والتعليم لدى العبرانيين بظهور ثلاث مؤسسات تربوية مهمة قُدِّر لها أن تلعب دوراً مهماً في تربية وتعليم اليهود إلى العصر الحديث: 1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة. 2 ـ المعبد اليهودي. 3 ـ المدرسة الأولية. 1 ـ تنظيم الكتبة، ومجالس الفقه والدراسة: أ) تنظيم الكتبة: بتبنِّي الشريعة دستوراً للحياة، ظهرت الحاجة إلى نشر التوراة بين العبرانيين، وتطلبت هذه العملية فئة من المعلمين قادرة على قراءة التوراة باللغة العبرية (لغة التوراة) وترجمتها وتفسيرها بالآرامية (لغة جماهير العبرانيين آنذاك) . وكنتيجة لهذه الأوضاع، اكتسب لفظ «كاتب» دلالة خاصة واستُخدم للإشارة إلى مجموعة المعلمين الذين قاموا بقراءة وترجمة وتفسير الشريعة خلال فترة الهيكل الثاني (539 ق. م ـ 70م) . وكوَّن هؤلاء الكتبة تنظيماً خاصاً بهم، إلا أن تنظيمهم كان مفتوحاً للعامة كتنظيم الأنبياء. ومن هنا، فإن مهنة الكتبة لم تكن مقصورة على أحد، ووُجد بين صفوف الكتبة كهنة وأفراد من عامة الشعب. وكان هؤلاء الكتبة أول فئة احترفت التعليم. ومنذ القرن الأول، أصبح اسم «حاخاميم» يُطلَق على معلمي الشريعة المشهورين وهي كلمة عبرية تعني «الفقهاء» أو «الحكماء» ، بينما بقى استخدام لفظ «كاتب» للإشارة إلى أي معلم للشريعة. نظر هؤلاء الكتبة إلى عملهم باعتباره مقدَّساً، وقد أُوكلت مهمة نقل شريعة يهوه إليهم فقاموا بترجمة وتفسير التوراة للجماهير، كما قاموا بعمل نسخ منها لتُستخدَم ككتب دراسية. وأسَّسوا مدارس عليا لتدريس التراث الديني لعدد منتقى من الطلاب، محاولين بذلك إيجاد أكبر عدد ممكن من دارسي ومفسري الشريعة، كما قاموا بتعليم الكبار والصغار. وفي داخل مدارسهم، ظهر التراث الشفوي الذي كوَّن فيما بعد التلمود. كان هؤلاء الكتبة، في بداية الأمر، منفتحين في تطبيقاتهم للشريعة فأدخلوا التفسيرات والتعليقات المختلفة الملائمة لظروف الحياة المتغيرة. واعتمد المفسرون في شروحهم هذه على مفهوم الشريعة الشفهية، التي يُفترَض أنها أُعطيَت لموسى مع الشريعة المكتوبة، كما يُفترَض أن حَمَلَة هذه الشريعة الشفهية هم الحاخامات (بمعنى الفقهاء) . ولكن داخل الإطار الحلولي، يُلاحَظ دائماً أن التفسيرات البشرية تكتسب أهمية تفوق أهمية النص المقدَّس، وهو ما حدث مع الكنيسة، فبمرور الوقت ازدادت تفسيراتهم وشروحهم جموداً وأصبحت أكثر تفصيلاً، وأكثروا من فرض الطقوس والشعائر والأوامر والنواهي التي تتحكم في السلوك الخارجي للإنسان وتُوجه كثيراً من أفعاله التي قد لا تكون ذات علاقة بالقيم الروحية ولا بالدين. وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح يُطلَق على كلٍّ من هؤلاء الكتبة لقب «حاخام» ، وأصبح هؤلاء الحاخامات هم المسئولين ليس فقط عن توجيه الحياة الدينية لليهود بل أصبحوا أيضاً ممثلين للسلطة الحاكمة وقاموا بحكم الجماعة اليهودية في فلسطين وفي غيرها من البلدان. ب) مجالس الفقه والدراسة: وقعت مهمتان أساسيتان على عاتق هؤلاء الكتبة، أولاهما: تفسير الشريعة المكتوبة واستخراج التفسيرات والتطبيقات الكامنة والظاهرة فيها، وثانيتهما: تعليم الشباب الذين سيتولون هذه المهمة من بعدهم. وقد جمع كل كاتب متميِّز حوله عدداً من التلاميذ الذين يودون دراسة الشريعة والتراث الشفهي في شكل حلقات دراسية، كما كوَّن كل حكيم مشهور مجموعة التلاميذ المريدين الخاصين به. وترك بعض هؤلاء الحكماء بصمتهم الواضحة على طلابهم وكذلك تفسيرهم الخاص للشريعة، وكان أشهرهم هليل وشماي. في البداية، استُخدمت أروقة الهيكل والمعابد للتدريس، وربما استخدم بعض الحكماء بيوتهم لتدريس الشريعة. ومنذ القرن الأول قبل الميلاد، أُسِّس أول مبنى خُصِّص للتدريس أُطلق عليه «بيت الدراسة (بيت هامدراش) » ، وتم بناؤه بجانب الهيكل. كان موضوع الدراسة أساساً هو الشريعة والتفسيرات المختلفة، وكانت الدراسة في معظمها شفهية. ومن أجل مساعدة الطالب على التذكر، كان المعلمون يلقون دروسهم في شكل أمثال وحكم ووصايا. وقد افترضت الدراسة على هذا المستوى نوعاً من التعليم الأولي، إلا أن هذا النوع من التعليم ظل خاصاً حتى القرن الأول قبل الميلاد. وكان المعلم يشرح الكتاب المقدَّس ويعرض التفسيرات والشروح المختلفة لكل جزء منه وتفسيره هو لها، وذلك من أجل إيضاح النقاط الصعبة أو الغامضة أو غير المتفق عليها بهدف الوصول إلى قرار فيها، فإذا اتفق الدارسون عليها تحولت إلى جزء من التراث الشفوي. وقد اتُبعت قواعد معيَّنة في استخراج التفسيرات والقوانين المختلفة من الشريعة المكتوبة، ذكر هليل منها سبع قواعد، ثم أُضيفت قواعد أخرى فيما بعد. ومع مرور الوقت، اكتسبت هذه الشريعة الشفهية المكوَّنة من قرارات وتفسيرات الكتبة الحكماء شكلاً ثابتاً وقداسة معينة. وفي أحيان أخرى، كان المُعلم أو الدارس يُثير سؤالاً ذا طبيعة عملية حول مشكلة معينة تتطلب إجابة محدَّدة. وللتوصل للإجابة، كانت هذه المشكلة تُحلَّل إلى عناصرها الأولية، ويعود الدارسون إلى التراث الشفوي، فإن وجدوا الإجابة المرجوة انتهت المشكلة. وإن لم يجدوا، رجع المعلم والدارسون إلى الكتاب المقدَّس متبعين القواعد الموضوعة في تفسيره، واستخرجوا الإجابة أو الحل أو التفسير، فإذا وافقت الأغلبية عليه تحول إلى جزء من التراث الشفوي واكتسب قدسية خاصة، شأنه في ذلك شأن كل أجزاء الشريعة الشفوية. واعُتبرَت دراسة الشريعة وتدريسها واجباً مقدَّساً لا يجب أن يحصل منه الفرد على أيِّ عائد مادي، ومن ثم كان دارسو الشريعة ومدرسوها إما من المتيسرين مالياً أو ممن احترفوا حرفة أخرى لكسب معاشهم. وبسقوط الهيكل، أُطلق على مجالس دراسة الشريعة اسم «الحلقات التلمودية» (بالعبرية: يشيفاه، وباليونانية: أكاديمية) . وكان مجلس يفنه أول الحلقات التلمودية، وقد أسَّسه يوحانان بن زاكاي في الجليل. ولم تختلف أهداف الدراسة وطرقها عما كان سائداً قبل سقوط الهيكل، إلا أن أهمية هذا المجلس ترجع إلى العدد الكبير من الحاخامات الذين تتلمذوا على يد يوحانان بن زاكاي ثم ساهموا في تراكم التراث الشفوي وفي نشر معرفة الشريعة. ولم يتم ترسيم كل العلماء الذين عاشوا وقاموا بالتعليم في يفنه كحاخامات، ولذا كانوا لا يحملون لقب «حاخام» ، ونُظر إليهم باعتبارهم دارسين وحسب، ولم يُعيَنوا في المناصب الإدارية والدينية. وتنقَّل هؤلاء العلماء من مدينة إلى أخرى وأقاموا بيوتاً للدراسة في بعض المدن الصغيرة وفي الأرياف، فظهرت بيوت للدراسة في اللد وفي قيصرية وفي غيرهما من المدن. 2 ـ المعبد اليهودي: ظهر المعبد، أثناء إقامة العبرانيين في بابل، كمكان للاجتماع والعبادة ودراسة التوراة. وازدادت أهمية المعبد بعد عودة العبرانيين من بابل رغم استعادة العبادة القربانية وإعادة بناء الهيكل وتحوُّله إلى مركز للعقيدة اليهودية. ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد، وجدت معابد في المدن كافة. وابتداءً من القرن الثاني قبل الميلاد، وُجدت أيضاً معابد في الريف. وبسقوط الهيكل عام 70 ميلادية، أصبح المعبد المكان الوحيد والأساسي للعبادة. كان المعبد المكان الذي تعلَّمت فيه عامة الشعب الشريعة اليهودية، فقد تكونت مراسم المعبد من جزءين: جزء شعائري، وجزء تعليمي خاص بقراءة جزء من التوراة، فكان الكاهن أو الكاتب يقوم بقراءة الجزء المُقرَّر بالعبرية (لغة الكتاب المقدَّس والتي لم يَعُد يفهمها أحد) ثم يشرح النص بعد ذلك باللغة الآرامية (اللغة المستخدمة بين العبرانيين) . وأحياناً كان يُسمَح للكبار القادرين بقراءة الكتاب المقدَّس. وقُسِّمت أسفار موسى الخمسة بشكل يسمح للمتعبدين قراءتها بأكملها مرة كل ثلاث سنوات، كما قُرئت بعض الأجزاء من كتب الأنبياء. وبذلك تم نشر معرفة الكتاب المقدَّس بين الكبار. 3 ـ المدرسة الأولية: وجَّه الكتبة جهودهم لتعليم الشريعة للكبار، فقرأوا الشريعة وفسروها في المعابد كما قاموا بتعليمها لعدد محدود من الطلبة النابهين، ولكن تعليم الشريعة للصغار ظل أمراً متروكاً للأسرة. ويحيط الغموض بنشأة المدرسة كمؤسسة تربوية مستقلة عن تربية الأسرة، إلا أنه يُرجَّح أنها ظهرت في القرن الأول قبل الميلاد تحت التأثير الهيليني واتخذت من المعبد أو من حجرة ملحقة به ساحة لها. ومرَّت المدرسة اليهودية في نموها بثلاث مراحل قبل أن تظهر كمؤسسة تربوية مستقلة. ففي البداية، كان الأطفال يندسُّون بين الكبار في المعبد لممارسة الشعائر الدينية وسماع قراءة الشريعة وتفسيرها. إلا أن هذا الإجراء لم يكن كافياً لتعليمهم الشريعة، ومن ثم أُنشئت مدارس في القدس لتعليم الصبية. لكن هذه المدارس لم تكن كافية لتعليم الشريعة لكل الأطفال، فاستُبعد الفقراء والأيتام من دراسة الشريعة إما بسبب عجزهم المادي أو بسبب إهمال المسئولين لهم. في عام 75 ق. م، أصدر سيمون بن شيتا قراراً بتعيين معلمين في كل الأحياء، إلا أن هذا القرار شمل الشباب بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال. ويبدو أن هذا القرار لم يحقق كثيراً من النجاح حيث إن النقلة من التربية الأسرية إلى التربية المدرسية كانت مفاجئة بالنسبة للشباب. ومن ثم، كان كثير من الشباب يتركون المدرسة إن غضب منهم معلمهم أو فرض عليهم العقاب. وظلت ظروف تعليم الشريعة بين الأطفال والشباب على هذا الوضع إلى أن أصدر يهوشا بن جمالا (الكاهن الأعظم) قراراً عام 64 ميلادية بأن تُقام مدارس للأطفال الذين في سنّ السادسة والسابعة في كل مقاطعة، وأن يُجبَر الأطفال على الذهاب إليها. وبذا، ظهرت المدارس الأولية الإجبارية. كما نص هذا القرار على تعيين معلم لكل 25 طفلاً. أما إذا زاد عدد الأطفال على 25 وكان أقل من الخمسين، فإنه يكون من الضروري تعيين مساعد للمعلم، وفي حالة زيادة عدد الأطفال على الخمسين كان يُعيَّن معلمان. ونظراً لأن هذه المدارس كانت إجبارية، فإنه يبدو أن الجماعة قامت بتمويلها عن طريق ضريبة فُرضت على المقتدرين. ورغم قرار تعميم التعليم، إلا أن هذه المدارس لم تنشأ حتى منتصف القرن الثالث الميلادي، وقد أُطلق على هذه المدارس اسم «بيت الكتاب» (بيت سفر) ، وكان الأطفال يلتحقون بها في سن السادسة أو السابعة، ويدرسون فيها حتى سن الثالثة عشرة. وقام معلمون (كتبة) بالتدريس في هذه المدارس، كما كان خادم المعبد (حزان) يقوم بمساعدة المعلم. وكان هؤلاء المعلمون الكتبة يقومون بالتدريس دون مقابل في بادئ الأمر، نظراً لأن التوراة تُحرِّم تدريس الشريعة مقابل أجر، إلا أنه تم التوصل إلى تخريجات قانونية شرعية فيما بعد تحت مُسمَّى واجبات إشرافية تؤدي إلى ضياع الوقت، وبالتالي فقدان القدرة على الكسب. ومن هنا، أصبح من الممكن وضع أجر للمعلم، مقابل الجهد الذي يبذله، دون الإخلال بالشريعة. واقتصر منهج المدارس الأولية على تعليم قراءة أسفار موسى الخمسة والترانيم الدينية وربما سفري الأمثال والجامعة أيضاً، إلا أن التركيز كان بالأساس على تعليم أسفار موسى الخمسة. كان الطفل يتعلم الحروف العبرية الهجائية ثم ينتقل إلى التعرف على كل منها على حدة، ثم ينتقل إلى تعلُّم الكلمات ثم ينتقل إلى أسفار موسى الخمسة. أما فيما يتصل بالكتابة، فثمة اختلاف بين المؤرخين، فبينما يؤكد البعض أن الطفل كان يتعلم الكتابة بل والحساب أيضاً، يذهب البعض الآخر إلى تأكيد أن الدراسة داخل هذه المدارس لم تتعد معرفة وحفظ أسفار موسى الخمسة وبعض الترانيم التي يحتاجها الطفل لإقامة الصلاة في المعبد (وأغلب الظن أن هذه المدارس كانت شبيهة بكتاتيب تعليم القرآن التي وُجدت في صدر الدولة الإسلامية) . وكان الحفظ والتكرار هما الوسيلتان اللتان استخدمتا داخل هذه المدارس. ونُظر إلى التربية باعتبارها عملية تهذيب وضبط لطبيعة الطفل الطائشة، ومن ثم كان العقاب البدني وسيلة تربوية أساسية لإصلاح أي اعوجاج في الطفل ولدفعه لحفظ دروسه. وكان منهج التعليم كالتالي: يدرس الطفل من السادسة إلى العاشرة القراءة وأسفار موسى الخمسة، وربما أيضاً الكتابة والحساب. ومن العاشرة إلى الخامسة عشرة، كان يدرس المشناه والجماراه. أما البنات، فلم يكن ينلن أيَّ تعليم في المدرسة الأولية الإجبارية، فالتوراة تُحرِّم أن تتعلم الفتاة الشريعة. ومن ثم، يمكن القول بأن تعليمهن انحصر في حدود مشاركتهن في الطقوس والشعائر الدينية اليومية والاحتفالات المرتبطة بالأعياد الدينية. سيمون بن شيتاه (القرن الأول قبل الميلاد ( Simon ben Shetah من أهم علماء الفريسيين الذين عاشوا وأصدروا فتاواهم في القرن الأول قبل الميلاد. وقاموا بنقل تراث الفريسيين وتقاليدهم، وهو أيضاً شقيق سالومي ألكسندرا زوجة الملك ألكسندر يانايوس. وقد مكنته قرابته هذه من أن يحتل مكاناً بارزاً في السنهدرين في وقت سيطر فيه الصدوقيون عليه. ومن الصعب تحديد إسهاماته في مجال التفسير والفتاوى الدينية وأعماله الأخرى نظراً لأن نشاطه في هذا المجال كثيراً ما تتداخل مع بعض الأساطير التي كانت تُروَى عن حياته. ويُقال إنه بعد التصادم الذي حدث بين الملك الحشموني ألكسندر يانايوس والفريسيين، نقل ولاءه إلى الصدوقيين وقام باضطهاد الفريسيين، فاضطر كثير من قياداتهم ومن بينهم سيمون بن شيتاه إلى الهرب إلى مصر. وبوفاة ألكسندر يانايوس وتعيين سالومي ألكسندرا وصياً على العرش، رجع سيمون إلى فلسطين وأعاد السلطة إلى الفريسيين بشكل لا رجعة فيه. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الفريسيون القادة الروحيين للعبرانيين والجماعات اليهودية المنتشرة في الشرق الأدنى القديم. وكان سيمون بن شيتاه مسئولاً عن كثير من الفتاوى والقرارات التي نظمت حياة اليهود. إلا أن ثمة قرارين مهمين يرجعان إليه أحدهما بشأن عقد الزواج (كتوباه) وآخر يؤكد ضرورة حضور ومواظبة الشباب على المدارس (وقد كان تعليم الأبناء مسئولية تقع على عاتق الآباء حتى صدور هذا القرار) . ومن ثم يُعَدُّ قراره بداية تأسيس نظام تعليمي خاص بالعبرانيين، إلا أن القرار شمل الشباب بين السادسة عشرة والسابعة عشرة ولم يشمل الأطفال، كما اقتصر على القدس وضواحيها. كذلك يبدو أن الذين استفادوا منه كانوا من الشباب القادرين وحسب. يوشع بن جمالاه (القرن الأول بعد الميلاد ( Joshua ben Gamala عاش يوشع بن جمالاه في القرن الأول الميلادي، وحصل على ثروة لا بأس بها بعد زواجه من امرأة ثرية من القدس. وأدَّى هذا إلى تعيينه كاهناً أعظم، كما كان متبعاً في ذلك الوقت. ورغم أن التلمود يُقلِّل من شأن معظم الكهنة إلا أنه يثني على يوشع بن جمالا لتأسيسه نظاماً تعليمياً عاماً للصبية بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة. فقد أصدر قراراً بتعيين مدرسين في كل مقاطعة وفي كل مدينة صغيرة أو قرية، وأمر بأن يُرسَل الأطفال الذكور بين سن السادسة والسابعة إلى هذه المدارس. كما تضمَّن هذا القرار تعيين مدرس لكل 25 تلميذاً أو أقل، أما إذا زاد عدد التلاميذ عن 25 وقل عن خمسين، فكان يُعيِّن للمدرس مساعد ليساعده في التدريس، وفي حالة وصول عدد التلاميذ إلى خمسين، فإنهم كانوا يُقسَّمون إلى مجموعتين ويُعيَّن مدرس لكل مجموعة. التربية والتعليم عند يهود الإسكندرية في العصر الهيليني Education of the Jews of Alexandria in the Hellenistic Age في العصر الهيليني، انتشر التعليم اليوناني بين أعضاء الجماعات اليهودية. وكان ذلك من أهم الأسباب التي ساعدت على أغرقة أعضاء الجماعات، وإكسابهم اللغة والثقافة اليونانية، ودمجهم في محيطهم الهيليني. وانتشرت المؤسسات التعليمية اليونانية، ومن أهمها الجيمنازيوم، في المدن اليونانية العديدة. ورغم أن نمط التعليم في هذه المدن كان يُجسِّد الروح الهيلينية ويتم في إطار ديني وثني، فإن ذلك لم يمنع اليهود (بخاصة الأثرياء منهم) من إلحاق أبنائهم بها، خصوصاً أن التعليم اليوناني كان يُعزِّز مكانتهم الاجتماعية ويفتح أمامهم فرص الانضمام إلى النخبة والطبقات الحاكمة. وأشار فيلون في كتاباته إلى التحاق أبناء اليهود بالجيمنازيوم باعتباره أمراً مسلَّماً به، كما تحدث يوسيفوس عن تلقي اليهود في أنطاكية السلوقية تعليمهم في الجيمنازيوم. وفي مصر، سُمح لأثرياء اليهود (والفرس أيضاً) ، خصوصاً الذين جاءوا من بين صفوف المستوطنين العسكريين من المرتزقة، بالانضمام إلى المدارس اليونانية (بينما كان ذلك ممنوعاً تماماً على المصريين إلا في بعض الحالات النادرة) . وفي فلسطين، بدأ تغلغل التعليم اليوناني بين العبرانيين اليهود منذ النصف الثاني من القرن الثالث قبل الميلاد، حيث كان أبناء أثرياء اليهود يتلقون قدراً من التعليم اليوناني على أيدي معلمين يونان. وفي عام 175 ق. م، أسس الكاهن الأعظم ياسون، وهو من أهم دعاة الهيلينية بين اليهود، مؤسسات تعليمية يونانية وجيمنازيوم في القدس لتدريب العبرانيين اليهود على أن يصبحوا مواطنين يونانيين، فحل الجيمنازيوم محل الهيكل كمركز للحياة اليهودية الاجتماعية وانضم إليه كثير من الكهنة. وأصبح التعليم اليوناني بالنسبة إلى أثرياء اليهود في عهده إجبارياً، حيث كان أنطيوخوس الرابع وأثرياء اليهود يُخططون لتحويل القدس إلى مدينة (بوليس) يونانية تُسمَّى «أنطاكية» لتعزيز وضعها الاقتصادي والأمني. وكان التعليم اليوناني يشمل المرحلة الابتدائية حتى سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، تليها مرحلة الدراسة في الجيمنازيوم والتي كانت تشمل التدريب على الألعاب الرياضية والفنون العسكرية وتعليم اللغة اليونانية ودراسة الموسيقى والأعمال الأدبية اليونانية خصوصاً أعمال هومير. وكان الطلبة يقومون بالألعاب الرياضية والمصارعة وهم عرايا (وهو ما كان غير محبَّب في اليهودية) ، كما كان الجيمنازيوم يخضع لحماية الإلهين هرمز وهرقل. وكان الطلاب يقومون أيضاً بدور مهم في الاحتفالات الخاصة بتكريم آلهة المدن اليونانية. ورغم ذلك، حرصت الأرستقراطية اليهودية على إلحاق أبنائها بهذه المدارس، بل اشتد هذا الحرص بين يهود الإسكندرية في عهد الرومان حيث كانوا يسعون للحصول على المواطنة اليونانية حتى يتم إعفاؤهم من الضريبة الثقيلة التي فرضها أوغسطس عام 24/23 ق. م على سكان مصر (باستثناء أهل الإسكندرية من اليونان) علماً بأن الانتماء الكامل إلى المدينة اليونانية كان يعني الاشتراك في عبادة آلهتها. وكان للتعليم اليوناني أثره في تزايد معدلات التأغرق بين أعضاء الجماعة اليهودية حيث بدأوا يتحدثون اليونانية وبدأوا يؤغرقون أسماءهم ويتبنون أسماء يونانية كاملة. ثم نسوا الآرامية تماماً، وأصبحت اليونانية اللغة السائدة في المعابد اليهودية في مصر وتُرجم إليها العهد القديم. وتحوَّلت الإسكندرية في عهد البطالمة إلى أهم مركز ثقافي وعلمي في العالم الهيليني، وانعكس ذلك على النخبة الثقافية اليهودية المتأغرقة التي ظهر عمق أثر الحضارة اليونانية في كتاباتها. كما ظهر أدب هيليني يهودي اعتذاري، كان من أبرز كُتَّابه فيلون ويوسيفوس، يهدف إلى التقريب بين اليهودية والهيلينية والتأكيد على الجوانب المشتركة بينهما والدفاع عن اليهودية أمام هجمات الهيلينية. ورغم ذلك، لم تتغلغل الهيلينية في كل قطاعات الجماعات اليهودية، فقد ظل الريف في فلسطين سامياً آرامياً، كما ظلت ضواحي الإسكندرية مصرية حيث تأثر اليهود فيها بالطابع المصري. وظلت هذه القطاعات مرتبطة بالعقيدة اليهودية ورافضة للنزعة الهيلينية. وعبَّر عن ذلك حزب الأتقياء (الذي كان يُعرَف باسم «الحسيديين» ) وحزب الفريسيين اللذين ضما إلى صفوفهما كثيراً من الكتبة شراح الشريعة الذين دافعوا عن الشريعة الشفوية، وكان من بينهم فقراء الكهنة ومتوسطو الحال. وحرص الكتبة الحسيديون ثم الفريسيون على ضرورة نشر تعاليم التوراة والشريعة اليهودية بين الجماهير اليهودية بعد أن كان ذلك مقصوراً على طبقة الكهنة والكتبة، فبدأت تظهر المدارس الابتدائية اليهودية بشكل تدريجي كنتيجة مباشرة لذلك التوجه منذ نهاية القرن الثاني ق. م، وتشكَّلت على غرار المدارس اليونانية. ولكنها كانت تُسمَّى «بيت الكتاب (بيت سيفر) » حيث كان محور الدراسة بها قراءة ودراسة العهد القديم. وساعد انتشار هذه المدارس على اتساع الحركة الفريسية، كما ساعد على تطور المعبد اليهودي أو «السيناجوج» ، والذي كان انتشاره يتطلب وجود قاعدة واسعة من الناس على دراية بالتوراة والشريعة. ورغم أن هذا الاتجاه كان رافضاً للنزعة الهيلينية، إلا أنه تضمن بعض المفاهيم والتقاليد الهيلينية في التعليم. فبعض المعلمين اليهود البارزين، مثل شيمايا وأبتاليون، كانوا يتلقون أتعاباً من تلاميذهم، مثلهم مثل المعلمين اليونان. ولكن هذا التقليد لم يستمر طويلاً. ومن ناحية أخرى، فإن علاقة المعلم بالتلميذ في اليهودية الحاخامية نشأت على أساس من التقاليد الهيلينية، والدراسة الجدلية المعتمدة على سلسلة من الأسئلة والإجابات، التي سادت مدارس البلاغة اليونانية. التربية والتعليم عند يهود بابل قبل وبعد انتشار الإسلام Education of Babylonian Jewry before and after the Spread of Islam منذ منتصف القرن الثاني الميلادي، كانت الجماعة اليهودية في بابل أكثر الجماعات اليهودية أمناً وازدهاراً. وقد قُدِّر لهذه الجماعة أن تلعب دوراً مهماً في تطور العقيدة اليهودية، وفي توجيه الحياة الثقافية والتربوية لليهود. ومما ساهم في زيادة الأثر الثقافي والديني ليهود بابل على التجمعات اليهودية المنتشرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، دخول معظم هذه الأرجاء تحت الحكم الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي. وقد ساهم وجود اللغة والإطار السياسي والإداري المشترك في زيادة الاتصال بين الجماعات اليهودية وإيجاد أسلوب حياة بينهم متشابه إلى حد كبير (بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين) . وعاشت الجماعات اليهودية في بابل كأقلية تدير أمورها ذاتياً، شأنها في ذلك شأن الأقليات الأخرى كافة. وترأس الجماعة اليهودية رأس الجالوت (المنفى) . وانتشر اليهود على هيئة جماعات صغيرة يشرف على شئونها المدنية والدينية رئيس يُعيِّنه رأس الجالوت، ومجلس محلي مكوَّن من سبعة أعضاء. وكان من وظائف هذا المجلس الإشراف على المؤسسات الدينية والتربوية. وفي المدن التي وُجدت بها حلقات تلمودية، كان على المجلس أن يقيم بيتاً للدراسة. تقبَّل يهود بابل تقاليد الفريسيين التي رأت أن الشريعة اليهودية طريقة حياة كاملة تشكل وتؤثر على كل أوجه الحياة الدينية والمدنية للفرد. فكانت التوراة (كما فسَّرها الحاخامات) والمشناه العملين الأساسيين اللذين وجَّها الحياة الدينية لليهود وكذلك وجها تربيتهم. ومنذ القرن الثاني الميلادي، أصبح للجماعة اليهودية الحلقات التلمودية الخاصة بها والتي قامت بالتفسير والإفتاء وإصدار القوانين والتشريعات. وبدأ في هذه المرحلة تحوُّل بعض قطاعات من أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعات وظيفية وسيطة تضطلع بوظائف التجارة والربا وجمع الضرائب، وإن ظل العدد الأعظم من أعضاء الجماعة اليهودية يعملون بالزراعة. واستهدفت التربية بين يهود بابل تعريف أعضاء الجماعة بالشريعة وبتطبيقاتها على أوجه الحياة المختلفة. وكما هو الحال في المجتمعات التقليدية، كانت مكانة الفرد تتحدد بمدى معرفته بالشريعة نظراً لما تعطيه من سلطة دينية ومدنية. ولعبت الأسرة دوراً أساسياً في تربية وتعليم النشء، فبدأت تربية الطفل مبكراً في المنزل حيث لاحظ الطفل كثيراً من الشعائر والطقوس ومارسها وبدأ في تعلُّم الصلوات. كما ساهم المعبد، مع الأسرة، في عملية تعليم الطفل كثيراً من شعائر الدين وبالذات شعائر السبت والأعياد. وكان في استطاعة قلة من الآباء الاستمرار في تعليم أبنائهم الشريعة، ومن ثم نجد أن الأغلبية العظمى من الأطفال الذكور كان عليهم أن يذهبوا إلى مدرسة أولية لتعلُّم مبادئ الدين وشرائعه. وتكوَّن النظام التربوي من ثلاث مراحل: مرحلة أولى لتربية الأطفال والصبية، ومرحلة متوسطة، ثم مرحلة عليا في الحلقات التلمودية. تمت المرحلة الأولى من التعليم في مدرسة أولية أُطلق عليها «بيت الكتاب (بيت سيفر) » ، وكانت موجودة في المعبد نفسه، أو في مبنى مُلحَق به، وكان يُشار إلى الأطفال الذين يدرسون في بيت الكتاب باسم «أطفال المعبد» . وكانت الجماعة تُشرف على هذه المدرسة وتقوم بتمويلها، كما كان بعض الآباء يفضل إحضار معلم خاص إلى منزله ليتولى تعليم أبنائه. كان الهدف من التعليم في هذه المدرسة إعداد الطفل للمشاركة في شعائر المعبد. ولذا، تعلم الطفل القراءة عن طريق نقل الحروف على البرشمان (ورق نفيس شبيه بالرقوق) أو ألواح أردوازية، حيث كان المعلم يرسم محيط الحروف ثم يقوم الطفل بملئها، كذلك حفظ الأطفال الصلوات وأجزاء من أسفار موسى الخمسة مبتدئين بسفر اللاويين. وقد اتبع الأطفال في دراستهم نظام المقاطع أو «السيدرا» (وهي كلمة عبرية بمعنى «مقطع من التوراة» ) ، فكانوا يحفظون طوال الأسبوع الأجزاء التي ستُقرأ في المعبد يوم السبت، ثم يحفظون بعض أجزاء من كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال. ولكن، في مرحلة متأخرة، أُهملت دراسة العهد القديم، فلم يُدرَّس منه سوى أسفار موسى الخمسة، وتم التركيز على التلمود. كما وُجدت بعض المدارس التي تدرس لغة البلد وبعض مبادئ الحساب. أما الوضع الاقتصادي والاجتماعي لمعلمي المرحلة الأولى فكان متردياً، وكان الكثير منهم يضطر إلى أخذ الهدايا من أولياء أمور الأطفال. والشيء المهم هنا هو أن هذه المرحلة كانت تقود إلى مرحلة أكثر تعمقاً من الدراسات الدينية، فكان معظم الأطفال ينهون دراستهم عند هذه المرحلة، باستثناء قلة كانت تستمر في مرحلة متوسطة ذات مستويين: مستوى أول كانت تُدرَس فيه المشناه ثم الجماراه تحت إشراف معلم، ثم مرحلة عليا كان الطالب يدرس فيها التلمود بمفرده، وأخيراً ظهرت الحلقات التلمودية في أواخر القرن الثاني الميلادي. غير أن حلقات بابل لم تزدهر إلا في القرن الثالث الميلادي. وكان من أهم الحلقات التلمودية حلقة نهاردعه التي لا يُعرَف تاريخ تأسيسها على وجه الدقة، ثم انتقلت عام 259 ميلادية إلى بومبديثا، ومنها إلى بغداد في القرن التاسع الميلادي. كذلك وُجدت حلقة في سورا، وأخرى في ماهوزا، إلا أن حلقة بومبديثا وحلقة سورا كانتا أهم حلقتين. ولم تكن الحلقات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن للطلبة وإنما كانت حلقات دينية لتجمعات رجال الدين يتدارسون فيها النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، كما كانوا يجيبون عن الأسئلة الدينية والفقهية ويُصدرون الفتاوى ويقضون بين الناس. وكان لكل حلقة علماؤها ومريدوها. ومنذ وقت مبكر، كان بعض الطلاب يحضرون إلى هذه الحلقات للدراسة تحت إشراف رؤسائها، ومن ثم أصبح لهذه الحلقات وظيفة تعليمية. كان لكل حلقة رئيس أُطلق عليه بالعبرية «روش هايشيفاه» أي «رأس اليشيفاه» يختاره العلماء، إلا أن تعيينه لم يكن يتم إلا بعد موافقة رأس الجالوت. ومنذ القرن السابع الميلادي، أصبح يطلق على رئيس الحلقة «الفقيه» (بالعبرية: «جاؤون» ) . ورغم أن علماء الحلقة هم الذين كانوا ينتخبون رئيسها من الناحية النظرية، إلا أن وظيفة الفقيه كانت وراثية وظلت محصورة بين ست عائلات. وكان بإمكان أي طالب الالتحاق بالحلقة، فلم يكن هناك شرط للالتحاق ولم يُحدَّد له أيُّ سن. وكان بوسع الطالب أن يمضي عمره داخل الحلقة إذا كان في مقدوره أن يفعل ذلك، كما كان بوسعه أن يتركها في أي وقت يشاء. ولم تكن الامتحانات تُعقَد إلا حين يصل الطالب إلى مستوى معلم شريعة يعتدُّ به. ولكن، لمجرد متابعة النقاش الدائر، كان على الطالب أن يكون ملماً بكلٍّ من أسفار موسى الخمسة والمشناه وأقوال الحاخامات السابقين التي تتعلق بالشريعة. وكان هناك عدد كبير بين الطلاب من أولاد الحاخامات وعلماء الحلقة حيث كان الأب يترك مركزه لابنه أو لأحد أقاربه ممن يعتقد في كفاءتهم. وكانت المشناه النص الأساسي الذي يتم تدارسه في الحلقة، كما أن الدراسة كانت شفهية بالأساس. وعلى أية حال، لم تكن المشناه الموضوع الوحيد. وكان رئيس الحلقة يبدأ محاضرته باقتباس من المشناه، ثم يذكر آراء الشراح (أمورائيم) ، ويتبع ذلك محاولة تطبيق النص موضوع الدراسة على مجموعة المواقف التي قد تُقابل اليهودي في حياته اليومية. وفي بعض الأحيان، كان العلماء لا يتفقون مع التفسيرات المسجلة في المشناه أو مع طريقة تطبيقها. وكانت هذه الاختلافات في الآراء والتفسيرات تؤدي أحياناً إلى مناقشات حامية الوطيس. كذلك كان للدراسة جانب أكثر بساطة وأقل جدية، فمن حين لآخر كان أحد العلماء يقوم باقتباس قصص أو مُثُل أخلاقية ليوضح موضوعاً ما أو ليشرح نصاً توراتياً. وبتدوين الجماراه البابلية، أصبحت الجماراه موضوع الدراسة الرئيسي داخل الحلقات، وتصاعَد النشاط الديني التربوي الذي كان له أكبر الأثر في ذيوع صيت حلقات بابل. وتمثل هذا النشاط في اجتماعات الكالاه. و «كالاه» كلمة عبرية تعني «كلّ» وهو ما يعني أن هذه الاجتماعات كانت بالغة الأهمية يتم فيها حسم كل الأمور. وهذا التفسير لأصل الكلمة ليس بعيداً عن رأي آخر يذهب إلى أنها مُشتَقة من كلمة عبرية معناها «عروس» أو من كلمة «إكليل» الآرامية، فهذا يعني أن حلقات الكالاه تتويج للدراسات التي تتم في كل المؤسسات الدينية والتربوية الأخرى، وهو ما يعود بها إلى المعنى الأول. وكانت اجتماعات الكالاه تُعقَد في شهري أغسطس/سبتمبر، وفبراير/مارس حين تفتح الحلقات أبوابها للعامة والخاصة لدراسة الشريعة وتطبيقاتها المختلفة. ولم تكن هذه الاجتماعات مقصورة على سكان بابل وحدهم، بل كان يحضرها دارسون من شمال أفريقيا وإيطاليا أو غيرها من البلاد التي وُجدت فيها جماعات يهودية. وكانت دورة الكالاه تضم علماء الحلقة الذين كانوا يشكلون «بيت دين» ، أي محكمة دينية لها صلاحية الإفتاء (ويُقال إنها كانت تضم مثل السنهدرين 70 عضواً) ويتبعها سنهدرين أصغر لتلخيص أقوال الحاخامات وفتاواهم وإجاباتهم على الأسئلة التي يطرحها الحاضرون أو على تلك الأسئلة التي تصلهم من الجماعات اليهودية المنتشرة في البلدان المختلفة. وكانت حلقة الكالاه تستغرق ثلاثة أسابيع من الشهر، أما الأسبوع الرابع فكان يُخصَّص لاختبار الطلاب. كما كان الفقهاء يقومون بشرح الأجزاء الصعبة أو الغامضة من التلمود. كذلك كان من أهم أنشطة الكالاه تصحيح النسخ غير الواضحة من التلمود، أو تلك التي تكون قد حُرِّفت أثناء عملية النسخ. ومارس علماء بابل تأثيرهم على الجماعات اليهودية المختلفة من خلال علمائهم الذين كانوا يأتون لحضور الاجتماعات ويرجعون بإجابة الفقهاء على الأسئلة المرسلة منهم. التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية حتى نهاية القرن الثامن عشر: مقدمة Education of Jewish Communities to the End of the Eighteenth Century:Introduction من الصعب فهم الأوضاع التربوية والتعليمية للجماعات اليهودية في العصور الوسطى في الغرب إلا في إطار نظام الإدارة الذاتية الذي عاشت في ظله الجماعات اليهودية كجماعات وظيفية (مالية) تضطلع بوظيفة محدَّدة وتدخل في علاقة موضوعية تعاقدية مع المجتمع المضيف. وكان للجماعات اليهودية تنظيمها الإداري المستقل (كما كان مُتَّبعاً في المجتمع الغربي الوسيط) الذي قام بإدارة كل المؤسسات الاجتماعية للجماعة اليهودية، ومن بينها النظام التربوي بما في ذلك تعليم الأطفال والكبار والتعليم العالي للأفراد الراغبين فيه والذين تحتاج إليهم الجماعة لإدارة شئونها. وكانت اليهودية الحاخامية (التلمودية) المكوِّن الأساسي والموجِّه الرئيسي لحياة الفرد والجماعة. ومن ثم، فإنها كانت تشكل أساس النظام التربوي. ورغم أن كل جماعة يهودية في أوربا شكلت جماعة إثنية دينية مستقلة عن المجتمع الذي تعيش في كنفه، إلا أن ثقافة كل جماعة تأثرت وتشكلت بالأوضاع الثقافية في كل مجتمع على حدة. ففي شمال أوربا وشرقها، حيث كانت الأوضاع الحضارية متدنية، سيطر تحالف من رجال الدين ورجال المال على الجماعة اليهودية، فانغلقت على نفسها وتكلست. وساهم هذا الوضع بدوره في زيادة انعزالهم عما يجري حولهم في المجتمع المحيط. وأدَّى هذا الوضع إلى ضيق أفق مناهج الدراسة وعقم طرقها. أما إيطاليا (في جنوب أوربا) وإسبانيا (في غرب أوربا) ، فكانتا خاضعتين لتأثير الحضارة العربية الإسلامية المزدهرة آنذاك. لذا، فكانت أوضاعهما الحضارية والثقافية أكثر تقدماً وانفتاحاً، ومن ثم كانت الجماعات اليهودية في هذين البلدين أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع البيئة الثقافية المحيطة، كما كانت المؤسسات التربوية والتعليمية داخل هذه التجمعات أكثر اتصالاً بالتيارات الثقافية السائدة، فاتسعت مناهج الدارسة لتشمل مواد غير دينية مثل الفلسفة والمنطق والشعر والرياضيات والفلك. وفي إطار ما سبق، يمكننا الآن أن نعرض للأوضاع التربوية للجماعات اليهودية المختلفة في المجتمعات الأوربية حتى نهاية القرن الثامن عشر. التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا حتى نهاية القرن الثامن عشر Education of the Jewish Communities in France, Germany, and Italy to the End of the Eighteenth Century 1 ـ فرنسا: كان هناك مركزان ثقافيان أساسيان للجماعات اليهودية في فرنسا في العصور الوسطى: أحدهما في شمال فرنسا الشرقي) في شمبين) ، والآخر في الجنوب (في بروفانس ولانجودوك) . كما كان هناك مركز ثالث في الإمارات البابوية في أفنيون، ولكنه كان يتبع التشكيل الحضاري الإيطالي. وقد سيطر الحاخامات على المؤسسات الثقافية والتربوية في شمال فرنسا، فسادت دراسة التوراة والتلمود. ولم تمثل دراسة الفلسفة أو العلوم الطبيعية أي إغراء للدارسين مثلما فعلت مع يهود إسبانيا أو إيطاليا، فكانت مهمة المعلم النقل وليس التأمل، أما العالم فقد وجه جُلَّ جهده لتوضيح وتفسير الأجزاء الصعبة أو الغامضة من الشريعة. ويمثل تفسير راشي للتوراة والتلمود هذا التيار الفكري، كما يُعتبَر أهم الأعمال التي ظهرت خلال العصور الوسطى ونالت شهرة واسعة. وساعد تفسيره الصغار والكبار على فهم الشريعة، وتحت تأثيره نما الاهتمام بدراسة التلمود فأصبحت اليهودية الحاخامية عنصراً مؤثراً في حياة الجماعة اليهودية وتربيتهم. وكانت التربية الدينية للطفل تبدأ في الأسرة حيث كان يتم تدريب الطفل على طقوس الدين وشعائره من خلال مشاركته في صلوات المعبد والاحتفالات الدينية المختلفة المرتبطة بالأعياد اليهودية. وكانت سن الخامسة بداية مرحلة الدراسة بالنسبة إلى الطفل اليهودي، فكان يُرسَل إلى مدرسة أولية أُطلق عليها اسم المدرسة الصغيرة أو الأولية (بالعبرية: مدراش قطان) وهي كلمة مأخوذة من المُصطلَح الفرنسي «بتي إيكول petit ecole» الفرنسية، أي «المدرسة الصغيرة أو الأولية» . وكانت بداية ذهاب الطفل إلى المدرسة مناسبة يُحتَفل بها. كان الطفل يبدأ بتعلُّم الحروف الهجائية ثم يتعلم تكوين الكلمات، وبعد ذلك كان يدرس سفر اللاويين الذي كان يتبع نظام المقاطع في تدريسه. وكان الجزء الذي ستتم قراءته في المعبد يوم السبت يُقرأ في وقت سابق بالعبرية، ثم يقوم المعلم بترجمته إلى الفرنسية. وبعد ذلك، كان الطفل يدرس الترجوم، وهو الترجمة الآرامية لأسفار موسى الخمسة، بالطريقة نفسها. وفي سن العاشرة، كان الطفل ينتقل إلى دراسة بعض الموضوعات من التلمود (المشناه والجماراه) . وكانت المرحلة الأولى من التعليم تنتهي مع سن الثالثة عشرة، وكان قلة من التلاميذ يستمرون في دراستهم بعد هذه المرحلة في المدرسة الكبرى أو العليا (بالعبرية: مدراش جادول) وهي كلمة مأخوذة من المُصطلَح الفرنسي «جراند إيكول grande ecole» ، أي المدرسة الكبرى أو العليا. وكانت الدراسة في هذه المدارس تستمر لمدة سبع سنوات تُخصَّص لدراسة التلمود، كما كانت ساعات الدراسة طويلة، ولم يكن الطالب يُعطَى أية إجازات إلا في يوم السبت والأعياد. وكان كثير من الدارسين يرتحلون لطلب العلم بين الجماعات اليهودية في فرنسا أو غيرها من البلدان الأوربية، فكان الطلبة المتميزون الذين يودون التعمق في معرفة الشريعة يرحلون من بلد إلى آخر لنيل العلم على يد أحد العلماء المشهورين في التلمود، وترأس المدارس التلمودية في شمال فرنسا دارسون من سلالة راشي. في البداية، كانت المدارس التلمودية في فرنسا مؤسسات شخصية تتبع مؤسسيها، فكان في مقدور أي حاخام أن يؤسس مدرسة ويتولى تمويلها ورئاستها، وقد قام الطلاب الأغنياء بتمويل أنفسهم بينما تم تمويل الطلبة الفقراء من الأموال الخيرية للجماعة اليهودية. وخلال القرن الثالث عشر، بدأت الجماعة في تنظيم شئون التعليم والإشراف عليه وتمويله، بما في ذلك أجور المعلمين. هذا فيما يتصل بشمال فرنسا (شامبين) ، أما جنوب فرنسا (بروفانس) فخضع لتأثير التيارات الثقافية السائدة بين يهود إسبانيا. فلم يقتصر العلم والمعرفة على الدراسات الدينية، وبالذات التلمود، بل نالت دراسة الطب والفلك والفلسفة قدراً أكبر من الاهتمام. وضمت فرنسا الألزاس واللورين، وهما مقاطعتان كانتا تضمان معظم يهود فرنسا عند قيام الثورة الفرنسية. وكانت حياتهم مماثلة تماماً لحياة يهود ألمانيا وشرق أوربا، فقد كانوا من يهود اليديشية. وساد النظام التعليمي التقليدي بين يهود الألزاس واللورين. 2 ـ ألمانيا: لم تختلف الأوضاع الثقافية والتربوية التي سادت بين الجماعات اليهودية في ألمانيا في العصور الوسطى عن تلك الأوضاع التي سادت في شمال فرنسا. فكان التلمود وكذلك الدراسات المرتبطة به محور النشاط الثقافي والتربوي، وأُهملت دراسة العهد القديم. فكان الطفل يُرسَل إلى المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) ، ويظل بها إلى سن الثالثة عشرة. وفي هذه السن، كانت المرحلة التعليمية تنتهي بالنسبة إلى الغالبية العظمى من الأطفال. وبعد هذه المرحلة، كانت الدراسة تقتصر على قلة من التلاميذ الذين يودون التعمق في دراسة التلمود على يد أحد معلمي التلمود. أما منهج التعليم، فكان عبارة عن قراءة الصلوات والعهد القديم الذي تُرجم إلى اللغة اليديشية، وكذلك بعض أجزاء من التلمود (المشناه والجماراه) . أما في المرحلة العليا، فكان الطلاب يدرسون التلمود فقط. وخضع التعليم بين الجماعات اليهودية في ألمانيا لإشراف الجماعة التي حدَّدت عدد التلاميذ بالنسبة إلى المعلم ومكافأته والمنهج الذي يقوم بتدريسه. وظل هذا الوضع قائماً حتى نهاية القرن الثامن عشر، حيث شهدت الأراضي الألمانية تغيرات وتطورات أدَّت إلى ظهور طبقة من المموِّلين والتجار ويهود البلاط الذين تطلَّب عملهم المعرفة باللغات الأوربية والثقافة الحديثة. ومن ثم، فقد قل اهتمامهم بدراسة التلمود والمواد اليهودية التقليدية ولم تتعد معرفتهم قراءة آلية لبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة. 3 ـ إيطاليا: يُلاحَظ ـ كما أسلفنا ـ أن الجماعتين اليهوديتين في إيطاليا وإسبانيا المسيحية كانتا تتَّسمان بالانفتاح النسبي، فلم ينحصر اهتمام أعضائهما في العلوم الدينية والتلمودية وإنما أبدى كثير من المتعلمين اليهود اهتماماً بالدراسات العلمانية واللغوية. ولذا، لم تقتصر مناهج المدارس، منذ عصر النهضة في الغرب بل وقبله، على العلوم الدينية (كما كان الحال في شمال أوربا) ، بل تضمنت هذه المناهج مادة الحساب وقواعد العبرية واللغة الإيطالية وقواعدها والحروف واللغة اللاتينية والرقص، وذلك علاوة على الدراسات الدينية التقليدية مثل العهد القديم والتلمود. أما فيما يتصل بالتعليم العالي، فكانت تُوجَد مدارس تلمودية عليا كما هو الحال في معظم الجماعات اليهودية. ولكن، إلى جانب ذلك التحق كثير من الطلبة اليهود بالجامعات غير اليهودية. كذلك لوحظ، في إيطاليا، تزايد عدد الطلبة من أعضاء الجماعات اليهودية في كليات الطب. وقد طرح ديفيد بروفنسال عام 1564 فكرة إنشاء جامعة يهودية في إيطاليا يتضمن منهجها كلاًّ من المواد الدينية التقليدية والمواد الدنيوية. وفي القرن الثامن عشر، نجد أن دراسة التلمود أصبحت مجرد مادة واحدة تُدرَّس ضمن المواد الأخرى في المدارس اليهودية العليا. التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في بولندا حتى نهاية القرن الثامن عشر Education of the Jewish Communities in Poland to the End of the Eighteenth Century كانت الجماعة اليهودية في بولندا وليتوانيا جماعة وظيفية مالية يتسم أعضاؤها بقدر من التميُّز النسبي، الإثني والديني، رغم تأثرهم العميق بالمجتمع المضيف. وكما هو الحال مع الجماعات الوظيفية، كانت هناك مجموعة من مؤسسات الإدارة الذاتية المتكاملة التي أدارت شئون الجماعة: الدينية والاجتماعية والتربوية، والتي انتظمتها مؤسسة القهال التي سيطر عليها تحالف من الحاخامات وكبار المموِّلين. وخضع التعليم داخل الجماعات اليهودية لإشراف مجلس القهال الذي وضع منهج التعليم للمدرسة الأولية الخاصة (حيدر) بشكل مُفصَّل لدرجة أنه حدد التفاسير التي تُستخدَم في تدريس العهد القديم، ومؤهلات المعلمين، وعدد تلاميذ المعلم الواحد، ونوعية العلاقة التي تسود بين المعلمين مع بعضهم بعضاً، وبينهم وبين أولياء أمور التلاميذ. كما كان من وظيفة مجالس القهال إقامة مدارس أولية خيرية (تلمود تورا) لتعليم الأطفال الأيتام وإيجاد نوع من التدريب الحرفي للأطفال غير القادرين على مواصلة الدراسة. كذلك أشرف القهال على المدارس التلمودية العليا وحدَّد ساعات التدريس بها واختار رئيسها. وقبل أن نتعرض لقضية التعليم بين يهود اليديشية، لابد أن نشير إلى أن كثيراً من المراجع اليهودية تعطي الانطباع العام (والخاطئ في تصورنا) بأن اليهود (كل اليهود) كانوا يقضون سحابة يومهم إما في التعبد أو في دراسة التوراة والتلمود أو في صد هجمات الأغيار عليهم. ولكن مثل هذه الصورة تطمس معالم الواقع الحي والمركب لأعضاء الجماعات اليهودية. فمن المعروف أن ما لا يزيد على 8% من أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يعملون إما في وظائف دينية إدارية تابعة لبيروقراطية الإدارة الذاتية (القهال) أو في حرف تلبي حاجات اليهود الدينية مثل الذبح الشرعي. أما بقية اليهود، فكانوا يعملون في حرف ليس لها مضمون يهودي أو علاقة باليهودية، مثل الصياغة والصيرفة والتجارة وجمع الضرائب وتقطير الكحوليات. أي أن حوالي 90% من أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يكتسبون المهارات الحرفية الخاصة التي يتعيشون منها عن طريق نظام الصبينة، وهو نظام للتدريب واكتساب الخبرة مرتبط بحركيات ومقاييس مجتمع الأغلبية، هذا على الرغم من أن من يقوم بعملية التدريب كان من اليهود، ورغم أن الحرفة نفسها كانت مقصورة ـ في أغلب الأحيان ـ على أعضاء الجماعة اليهودية. ولذا، يجب أن نميِّز بين نوعين من التربية: تربية وتعليم الصبية في المدارس الأولية الخاصة (حيدر) أو الخيرية (تلمود تورا) ، وكانت في واقع الأمر شكلاً من أشكال التطبيع الاجتماعي أكثر من كونها تعليماً نظامياً. وكان اليهودي يتعلم من خلاله شعائر دينه ويكتسب هويته الدينية والإثنية. ولذا كان التعليم في هذه المرحلة شعبياً وعلى نطاق واسع. ولكن، بعد هذه المرحلة، لم يكن ينخرط في المدارس التلمودية العليا التي كانت تقوم بتعليم أعضاء النخبة الدينية وتزويدهم بالمعرفة الدينية المتخصصة اللازمة لإنجاز مهامهم سوى قلة صغيرة من اليهود. وبعد إبداء هذا التحفظ المبدئي، يمكننا الآن أن نتناول موضوع التعليم بين يهود اليديشية. كان التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية يهدف إلى إعداد الفرد للعيش داخل الجماعة، وإلى تدريب القيادات التي تتولى إدارة وتنظيم شئونها. ومن ثم، فقد كان مثل هذا التعليم تعليماً دينياً صرفاً، وكان منهجه يدور حول كتب اليهود المقدَّسة والتفاسير المرتبطة بها. وانقسم النظام التعليمي خلال هذه الفترة إلى مرحلتين: ـ المرحلة الأولية: وتضم المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) والمدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا) ، كما كان يوجد نوع من التعليم المنزلي الخاص. ـ المرحلة العالية: وتضم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . 1 ـ المرحلة الأولية: كان التعليم في هذه المرحلة إجبارياً، ويستمر من سن الإلزام المدرسي (بين الخامسة والسادسة) حتى سن الثالثة عشرة. واستهدف التعليم في هذه المرحلة ترسيخ مبادئ الدين وتعاليمه وشعائره في نفس الطفل اليهودي، أي أنه كان ضرباً من التطبيع الاجتماعي. وانتظم التعليم في هذه المرحلة في ثلاثة أنواع من المدارس. - المدرسة الأولية الخاصة (حيدر ( اُعتبر هذا النوع من المدارس أكثر أنواع المدارس انتشاراً بين الجماعات اليهودية في شرق أوربا، فقد كانت هناك مدارس خاصة يمكن أن يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة بعد أن يحصل على موافقة الحاخام. ورغم أنها كانت مدارس خاصة، كما بينا، إلا أنها خضعت لإشراف الجماعة اليهودية. وكانت الدراسة في هذه المدارس تتم في منزل المعلم (بالعبرية: ميلاميد) الذي كان يدفع الآباء له أجراً نظير تعليم أطفالهم. ولم تكن هذه المدارس تمنح أي شهادات، كما أن تقييم التلاميذ لم يكن يتم طبقاً لمعايير موضوعية. وكانت الدراسة تستمر في هذه المدارس من الصباح إلى المساء ودون أن يُمنَح التلاميذ عطلات إلا في أيام السبت وفي أيام الأعياد. وكان منهج الدراسة في هذا المستوى يشمل القراءة، وكتاب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة التي استخدموا في تدريسها الترجمة اليديشية، فكان المعلم يترجم النص العبري كلمة بكلمة إلى اليديشية. وبانتشار الطباعة، ظهرت كتب مدرسية مكتوبة باليديشية لأسفار موسى الخمسة ولتفسيراتها. واتُبعت طريقة في التدريس عُرفت بطريقة «السيدرا» ، وهي كلمة عبرية معناها الحرفي «ترتيب» ، وقد أصبحت تشير إلى جزء من أسفار موسى الخمسة يُقرَأ في المعبد يوم السبت. ويقوم هذا المنهج في الدراسة على أن يحفظ الطفل طوال الأسبوع ذلك الجزء من أسفار موسى الخمسة. وفي معظم الأحيان، لم يكن الجزء المقرر يُدرَّس كاملاً وإنما كان يُدرَّس ما يستطيع الطفل استيعابه وحسب، وفي الأسبوع التالي كان الطفل ينتقل إلى الجزء الجديد المحدد للدراسة دون أن يكمل الجزء الذي تركه في الأسبوع السابق، وهكذا. وفي سن العاشرة، كان الطفل ينتقل إلى دراسة التلمود حيث كان الاهتمام بتدريس الجماراه عظيماً بين يهود اليديشية لدرجة أن الطفل كان، في كثير من الأحيان، يبدأ في دراستها في سن السابعة أو الثامنة. وقد اُتبعت في دراستها الطريقة نفسها التي اتُبعت في دراسة أسفار موسى الخمسة. فكان المعلم يقوم بترجمة النص التلمودي من اللغة الآرامية، كلمة بكلمة، إلى اللغة اليديشية حتى يفهم التلاميذ النص، كما كان المعلم أحياناً يقرأ الجزء الذي ستتم دراسته خلال الأسبوع ويترك التلاميذ للدراسة بمفردهم. وعلى هذا، فقد تطلَّبت دراسة التلمود، في هذا المستوى، قدرة غير عادية على متابعتها، ولم يُتمها إلا الطلبة النابهون أو أبناء الأثرياء الذين استطاع آباؤهم دفع أجر أحسن للمعلمين. وعند سن الثالثة عشرة، تنتهي الدراسة في هذه المرحلة بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ، أما القلة منهم فهي التي كانت تنتقل إلى المدرسة الدينية العليا. ونظراً لأن المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) كان يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة وحاصل على تصريح من الحاخام، فإن مستواها ارتبط تماماً بمستوى معلمها وشخصيته. ولذا، فقد تفاوتت مستويات المعلمين بشكل واضح من مدرسة إلى أخرى، لكن المعلم، مع هذا، كان يخضع لإشراف القهال حينما يكون القهال قوياً، فكان يُحدِّد له المنهج وساعات التدريس، وحتى المكافأة التي يحصل عليها من أولياء أمور التلاميذ. وبتدهور القهال وكل أشكال الإدارة الذاتية في بولندا، أصبح المعلم (الذي كان مدرساً خاصاً يقوم بمشروع تجاري خاص) مسئولاً أمام أولياء الأمور مباشرة. ومن هنا، تدهور مستوى المعلم وساءت نوعيته وظهر كثير من المعلمين غير المؤهلين للتدريس. وكثيراً ما فشل معلم الصغار بسبب عجزه عن التعامل مع الأطفال أو بسبب جهله، كما كان الكثيرون من معلمي المدارس الأولية يتخذون من التدريس مهنة بسبب فشلهم في أن يصبحوا تجاراً أو حاخامات. وبما أن دخل معلم المدرسة الأولية كان منخفضاً، فقد وجد نفسه مضطراً إلى أن يعمل بمهنة إضافية يتكسب منها جزءاً من معاشه إلى جانب مهنة التعليم. وكان الآباء يميلون أحياناً إلى تغيير المعلم عند منتصف العام، وهو ما أدَّى إلى عدم ظهور مجموعة من المعلمين المدربين ذوي الخبرة. وكثيراً ما كان الطالب يُنقل من صف إلى آخر دون أن يصل إلى المستوى المطلوب، وذلك حتى لا يلتحق بمدرسة أخرى. وكان التعليم يتم أحياناً في منزل المعلم الذي لم يكن بالضرورة بيئة مناسبة للعملية التربوية. ورغم أن منهج المدرسة الأولية كان موجهاً أساساً لدراسة الدين، إلا أنه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف. فطريقة المقاطع الأسبوعية التي اتُبعت في تدريس أسفار موسى الخمسة، أدَّت إلى حصول الطفل على معرفة غير كاملة بهذه الأسفار. كما أن الاهتمام بدراسة التلمود جعل المدرسة الأولية تهمل تماماً دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والمشناه. ولابد أن نشير إلى أن المدرسة الأولية لم تدرِّس أياً من المواد غير الدينية، كما لم تدرِّس أيَّ لغات أجنبية حتى لغة البلد الذي كان أعضاء الجماعة اليهودية يعيشون في كنفه. - المدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا) وهي المدرسة المموَّلة من قبل الجماعة اليهودية والتي يشرف عليها القهال مباشرة ويدخلها أطفال الفقراء والأيتام وغيرهم ممن لا يستطيعون دفع أجر المعلم. وكان منهاج وأهداف هذه المدرسة يماثل تماماً منهاج وأهداف المدرسة الأولية الخاصة. ونال هذا النوع من التعليم الرعاية الكافية حينما كانت مؤسسة القهال قوية وفعالة، كما أنه تدهور تماماً بتدهورها. - التعليم المنزلي: وظهر، خلال تلك الفترة، ضرب من التعليم انتشر على نطاق واسع في مدن وقرى شرق أوربا ويمكن أن نسميه «التعليم المنزلي» . ففي المدن، كان بعض الأثرياء من اليهود يُحضرون معلمين خصوصيين لأطفالهم، وكان هذا النظام أكثر انتشاراً في القرى الصغيرة نظراً لعدم وجود عدد كاف من الأطفال يسمح بقيام المدرسة. ولسد هذا النقص، كان المعلم يقيم إقامة كاملة مع إحدى العائلات لتعليم أطفالهم، ثم يحصل على دخله من أطفال العائلات الأخرى التي تُرسل أطفالها للدراسة. وكان المستوى العلمي للمعلمين منخفضاً للغاية، لأنهم فقدوا علاقتهم بالثقافة التلمودية وتأثروا بثقافة الفلاحين السلاف المتخلفة والمشبعة بالخرافات البسيطة. ولذا، فإنهم لم ينجحوا في نقل الثقافة التلمودية بل ساهموا في تهيئة الجماهير اليهودية لتقبُّل الفكر الحسيدي. - تعليم البنات: ولم تكن البنات يتلقين أيَّ تعليم ديني إلا ما كنَّ يحصلن عليه داخل المنزل، حيث كان المنزل كافياً لتعليمهن العادات والطقوس الدينية المهمة. ومع هذا، فقد قامت بعض العائلات الميسورة بإحضار معلمات خصوصيات لتعليم بناتهن تلاوة الأدعية والابتهالات ومقاطع من أسفار موسى الخمسة في ترجمتها اليديشية. ويعود تدنِّي مستوى المرأة التعليمي إلى أن العقيدة اليهودية تُعفي المرأة من إقامة كثير من الشعائر الدينية ومن بينها الصلاة، ولذا لم تكن هناك ضرورة لتعليمها. 2 ـ المرحلة العالية: كانت الدراسة تتم في هذه المرحلة في المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . وكان هدف الدراسة في هذه المدارس إعطاء معرفة متخصِّصة بالتلمود والتفسيرات المرتبطة به والفتاوى التي أعطاها الحاخامات، والقوانين التشريعية المختلفة. انتشرت هذه المدارس في شرق أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فكانت كل جماعة يهودية كبيرة العدد تقيم مدرسة عالية وتدفع لرئيسها راتباً كبيراً حتى يكرس نفسه لدراسة التلمود. وعلاوة على ذلك، قامت الجماعة بإعالة طلاب المدارس العليا الفقراء وإعطائهم منحة مالية أسبوعية، علاوة على أن طلبة المدارس العليا كانوا يتناولون طعامهم من المطبخ العام أو يتناولون وجبات تُموَّل من الأموال المخصصة للأعمال الخيرية. وكان معظم الطلاب يأتون من مدن أخرى، ومن ثم كانوا يقيمون في المدرسة وينامون على المقاعد الخشبية، وعادةً ما كانت المدرسة العليا عبارة عن حجرة واسعة أو عدد من الحجرات بكل منها مناضد طويلة اعتاد الطلاب على الجلوس حولها، يتأرجحون إلى الأمام والخلف وهم ينغمون الدروس بطريقة معينة من أجل حفظها عن ظهر قلب. وكان الطلاب يُقسَّمون إلى طائفتين: الطلاب المبتدئون، والطلاب المتقدمون. وكان مما يتعيَّن على الطلاب المتقدمين، الذين يستطيعون الدراسة بمفردهم، أن يقوموا بتعليم اثنين من الطلاب المبتدئين وإلا حُرموا من تمويل الجماعة. لكن الوصول إلى هذا المستوى في سن صغيرة كان من نصيب القلة. وكان العام الدراسي مُقسَّماً إلى فصلين: الفصل الشتوي، وكان يمتد من أكتوبر إلى يناير. والفصل الصيفي، وكان يمتد من أبريل إلى يوليه. وخلال هذين الفصلين، كان على الطلاب أن يتواجدوا في المدرسة الدينية العليا ليدرسوا تحت إشراف رئيسها، وكان رئيس المدرسة يحدد الجزء الذي يجب إعداده، وفي اليوم التالي كان ينادي على أحد الطلاب للتسميع. أما الطالب، فكان عليه أن يُظهر مدى استيعابه وتمكُّنه من شكل ومحتوى التلمود، وحينذاك كان رئيس المدرسة الدينية العليا ينتهز الفرصة ليعلق على بعض الأجزاء ويصحح بعض الأخطاء في التفسيرات. واشتهرت المدارس العليا في شرق أوربا بطريقة في التدريس عُرفت باسم «بلبول» . وكانت هذه الطريقة قائمة علي محاولة اكتشاف التناقضات الكامنة في التلمود دون التعليق عليه، ثم تُطرَح الحلول التي تفسر هذه التناقضات، وبعد أن يتم ذلك تُكتَشَف التناقضات في الحلول نفسها، ومن ثم تُطرَح حلول جديدة. وتستمر هذه العملية إلى أن يتم توضيح الموضوع (محور المناقشة) تماماً. وتحوَّلت هذه الطريقة إلى ضرب من السفسطة وإلى محاولة لإيجاد توازنات فكرية لا علاقة لها لا بالزيف ولا بالواقع، كما أن محاولة الوصول إلى تفسيرات جديدة أدَّت في كثير من الأحيان إلى تحريف المعنى الأساسي. وأدَّى التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية، في مرحلتيه الأولية والعالية، إلى تدعيم عزلة الجماعات اليهودية حضارياً وثقافياً. ومن ثم، فقد حافظ التعليم على هوية اليهود الدينية وثقافتهم اليديشية التي كانت تشكل قلعة حصينة من التقاليد عملت على استمرار عزلة الجماعات اليهودية عن المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وعن التطورات الثقافية والحضارية التي حدثت في هذه المجتمعات. وحين تدهورت حياة الجماعات اليهودية في بولندا نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد انتفاضة القوزاق بقيادة شميلنكي (1648) ، وتآكلت أُطُر الإدارة الذاتية، لم تَعُد مجالس القهال قادرة على الاضطلاع بوظائفها الاجتماعية والتشريعية والاقتصادية، وتدهورت الأوضاع الثقافية والتعليمية للجماهير اليهودية نتيجة ذلك. كما ازداد بؤس الجماهير وفقرهم ولم تَعُد الثقافة التلمودية، بشكليتها وتعاليمها الجافة، قادرة على الوفاء باحتياجاتهم الروحية، فظهرت الحركة الحسيدية كرد فعل لسيطرة اليهودية الحاخامية المتعالية على جماهير الشعب وكنتيجة لانفصال الدراسات التلمودية الجافة عن الحياة والواقع. ومع تقسيم بولندا للمرة الثالثة عام 1795، انتقل معظم يهود اليديشية إلى الحكم الروسي. التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في إسبانيا الإسلامية والمسيحية والدولة العثمانية Education of Jewish Communities in Moslem and Christian Spain and in the Ottoman Empire 1 ـ إسبانيا (الإسلامية والمسيحية) : لم يختلف نمط التعليم اليهودي الديني في إسبانيا الإسلامية، في القرنين الثامن والتاسع، عن النمط الذي كان سائداً في بابل، حيث كان الأطفال اليهود يتلقون تعليمهم في المدارس الابتدائية التي كان هدفها الأساسي تأهيل الأطفال اليهود للمشاركة في الشعائر الدينية في المعبد. وبالتالي، كانت المدارس تركز على تعليم القراءة والصلوات وعلى دراسة التوراة والتلمود. ومع الوقت، تأسَّست شبكة واسعة من المدارس الابتدائية، كما تأسَّست معاهد للدراسات العليا المهمة. ومع أن برنامج التعليم اليهودي الابتدائي لم يتغير كثيراً عما كان عليه في بابل، إلا أن كتباً جديدة تم إدخالها على هذا المستوى التعليمي من بينها تعليقات راشي. كما أصبح هناك اتجاه للحد من البلبول مقابل التركيز على أعمال إسحق الفاسي وابن ميمون. ومن التجديدات الأخرى، إدخال دراسة اللغة العبرية ونحوها في المناهج، والتركيز بشكل أكثر جدية على دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والشعر العبري. كما اتسعت المناهج، خصوصاً بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود، لتضم مواد عامة غير دينية، ولا سيما اللغة العربية التي كانت معرفتها تشكل عنصراً مهماً من عناصر التقدم المهني والمادي. وظهرت، في تلك الفترة، بعض الأدبيات اليهودية حول التعليم والتي تُبرز لنا مدى اتساع المناهج الدراسية في المدارس اليهودية. ونجد في أعمال يوسف بن عكنين ويهودا بن عباس وغيرهما عرضاً لأهم ما يجب أن تقدمه المدارس اليهودية من مناهج وبرامج. فهذه المدارس، من وجهة نظرهم، لابد أن تضم، إلى جانب دراسة التوراة والتلمود، دراسة النحو والشعر والمنطق والرياضة والهندسة وعلم الفلك والموسيقى والعلوم الطبيعية والطب والخطابة والميتافيزيقا. وكانت هناك اتجاهات تُعارض بشدة اتساع المناهج بهذا الشكل الذي يضم عدداً كبيراً من المواد غير الدينية واللاتينية (وذلك في المدارس اليهودية في المناطق التي استرجعها المسيحيون) ، حيث كان هناك تَخوُّف من تأثير هذه المواد على هوية اليهود الدينية. وبالفعل، وجد يهود إسبانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبخاصة المثقفون، أن عقيدتهم الدينية تآكلت وأن ثقافتهم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية السائدة، وأنهم متأثرون بالفلسفة اليونانية التي تعرفوا عليها من خلال الترجمات العربية. وبالتالي، برز جدل عنيف وانقسام حاد بين معارضي ومؤيدي المناهج الموسَّعة. وقد اتجه سولومون إبراهيم أدرت (حاخام برشلونة وزعيم يهود إسبانيا البارز) إلى منع أية دراسات خارجية أو غير دينية لمن هم أقل من 25 عاماً على أن يُعاقَب من يخالف ذلك بالطرد من حظيرة الدين. وفي القرن الرابع عشر، اكتسب موقف المعارضين قوة بوصول أشر جهيل من ألمانيا إلى إسبانيا (عام 1304) حيث تولَّى منصب الحاخام وعمل على أن يقتصر التعليم اليهودي على دراسة التوراة والتلمود. وبالتالي، غيَّر أشر جهيل مجرى التعليم اليهودي الذي كان سائداً في إسبانيا طوال مدة قرنين أو ثلاثة، لكن الدراسات غير الدينية ظلت سائدة بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود. 2 ـ الدولة العثمانية: اتَّسمت الدولة العثمانية بتنوع وتعدد الجماعات الدينية والإثنية المقيمة داخل حدودها، والتي تمتعت في ظل الحكم العثماني بحرية العبادة وبحرية تكوين مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها. وانعكس هذا التعدد وذلك التنوع واللامركزية على الجماعات اليهودية نفسها والتي اتَّسمت كغيرها بالتنوع وعدم التجانس. وقد انقسمت هذه الجماعات اليهودية إلى جماعات يونانية وإشكنازية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية، وكان لكل جماعة مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها ومن بينها المدارس. وكانت القسطنطينية وأزمير وسالونيكا وصفد والقدس تضم مدارس ابتدائية ومدارس دينية عليا مهمة. وكانت الجماعة اليهودية في سالونيكا تُعَدُّ أهم وأكبر الجماعات في الدولة العثمانية، الأمر الذي ساعد على تحول سالونيكا إلى مركز للتعليم اليهودي بفضل انتشار المدارس والمؤسسات التعليمية اليهودية بها. وساعد على انتعاش المؤسسات التعليمية اليهودية تدفُّق اللاجئين والمهاجرين اليهود الذين فرّوا من إسبانيا إلى الدولة العثمانية واستقروا بها. وقد بدأ تحديث مدارس أعضاء الجماعات اليهودية مع نهاية القرن التاسع عشر حين بدأت الدولة العثمانية في تحديث مؤسساتها، ومنها المؤسسات التربوية. المدرسة الأولية الخاصة (حيدر ( Heder «حيدر» كلمة عبرية معناها «حجرة» ، تُستخدَم للإشارة إلى المدرسة الأولية الخاصة التي ظهرت منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وكانت هذه المدارس مدارس خاصة يمكن أن يقيمها أي شخص ملم بالشريعة بعد الحصول على موافقة الحاخام. وكان معلِّمها (ميلاميد) يحصل على أجره من أولياء أمور التلاميذ، وكانت هذه المدرسة تقع غالباً في منزل المعلم. وكان الأطفال يلتحقون بها بين سن السادسة والثالثة عشرة كما كان التعليم فيها إجبارياً. وكان منهجها يتكون أساساً من قراءة كتب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة بتفسير راشي، وأجزاء من التلمود. ولم تكن هذه المدارس تُدرِّس أيَّ مواد غير دينية. وبوصول التلاميذ إلى سن الثالثة عشرة، كانت الدراسة في هذه المدرسة تنتهي بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ. وقد هاجم دعاة التنوير اليهود هذه المدرسة بسبب عقم منهجها وسوء طرق التدريس فيها. وقامت الحكومة القيصرية بمحاولات في منتصف القرن التاسع عشر لتحديث هذه المدرسة، إلا أنها لم تحقق النجاح الكافي لكونها مؤسسة خاصة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، أنشأ الصهاينة مدارس الحيدر المطوَّرة (بالعبرية: حيدر متوكان) ، حيث جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، إلا أن الدراسات الدينية فيها توجهت توجهاً قومياً. الحيدر Heder (انظر» : المدرسة الأولية الخاصة حيدر ( «. المدرسة الأولية الخيرية تلمود تورا Talmud Tora استُخدمت عبارة «تلمود تورا» التي تعني «دراسة التوراة» للإشارة إلى المدرسة التي تُدرِّس التوراة والشعائر وأجزاء محدودة من التلمود لإعداد التلميذ للالتحاق بالمدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم استُخدمت هذه الكلمة فيما بعد للإشارة إلى المدرسة الأولية التي تخضع لإشراف وتمويل الجماعة اليهودية لتمييزها عن المدرسة الأولية التي كان يديرها المعلم. ولذا، تُسمَّى مدرسة الحيدر «المدرسة الأولية الخاصة» ، أما مدرسة التلمود تورا فكانت تُسمَّى «المدرسة الأولية الخيرية» . وقد اختلفت نوعية تلاميذ هذه المدارس من تجمُّع يهودي إلى آخر. ففي تجمُّعات اليهود في أمستردام والمدن الإيطالية المختلفة، كان يدرس في هذه المدارس التلاميذ الميسورون مادياً والفقراء جنباً إلى جنب. وكان مستوى التعليم في هذه المدارس مرتفعاً. أما في تجمعات يهود شرق أوربا، فكان يحضرها أولاد الفقراء فقط، كما كان التعليم فيها أقل من المستوى، وبالذات بعد تآكل أطر الإدارة الذاتية للجماعات اليهودية. ظلت هذه المدارس، في تجمعات يهود غرب أوربا، محتفظة بطابعها التقليدي حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أما مدارس تجمُّعات يهود شرق أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حينما بدأت الدولة القومية تحديثها وتغيير مناهجها، فقد أدخلت بعض الدراسات غير الدينية والإعداد المهني في برامجها. وفي الوقت الحالي، تُعتبَر المدارس الأولية الخيرية إما مدارس طائفية تُدرِّس كل المواد (دينية وغير دينية) أو مدارس تكميلية تعطي دروساً في التوراة والتلمود بعد أن يلتحق التلاميذ بالمدارس العادية. تلمود تورا Talmud Tora «تلمود تورا» عبارة عبرية تعني حرفياً «دراسة التوراة» وتُستخدَم للإشارة لشيئين مختلفين: 1 ـ تُستخدَم العبارة للإشارة إلى دراسة التوراة التي تشكل حجر الزاوية في النظام التربوي اليهودي الديني. 2 ـ تشير العبارة أيضاً إلى المدرسة الأولية الخيرية. الميلاميد Melammed «ميلاميد» كلمة عبرية تعني «معلِّم» ، وكانت تُطلَق على معلم المرحلة الأولية. الحلقة التلمودية (يشيفا – أكاديمية ( Yeshiva; Academy «الحلقة التلمودية» مؤسسة فقهية وتربوية يهودية يشار إليها في العبرية بكلمة «يشيفا» ، كما تُستخدَم أحياناً كلمة «أكاديمية» ذات الأصل اليوناني أو كلمة «مثبتاه» ذات الأصل الآرامي، وقد وصفناها هنا بأنها «حلقة» . ولم تكن الحلقات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن مؤسسات تُلقَى فيها دروس على الطلبة وإنما كانت تجمعات للمثقفين والمتفقهين في الدين ممن يتدارسون النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، ويجيبون عن الأسئلة ويصدرون الفتاوى، ويقضون بين الناس. وفضلاً عن هذا، كان هناك بعض الطلبة الذين يتلقون الدروس. ويظهر عدم تحدُّد وظيفتها في التسميات العديدة للحلقة حيث تشير كل تسمية إلى وظيفة واحدة دون الأخرى. فقد كانت تُسمَّى «يشيفا» ، أي «بيت الاجتماع» و «بيت هامدراش» أي «بيت الدرس» ، كما كانت تُسمَّى «السنهدرين» و «بيت دين» ، أي «بيت القضاء» . ويعود تاريخ الحلقات إلى ما بعد مرسوم قورش (538 ق. م) وعودة بعض اليهود من بابل. ولكن أهميتها زادت بعد انتشار اليهود ثم هدم الهيكل (70م) لأنها أصبحت مركز الحياة اليهودية داخل كل التجمعات، سواء في فلسطين أو في خارجها. ومن أهم الحلقات حلقة يفنه التي أسسها يوحنان بن زكاي عام 70 ميلادية، وقد قام بعض مريدي هذه الحلقة بتأسيس حلقات أخرى في مدن مختلفة في فلسطين مثل طبرية وصفد. وقامت هذه الحلقات بجمع وكتابة التلمود ومن هنا تسميتنا لها بـ «الحلقة التلمودية» . أما في بابل، فيعود وجود الحلقات إلى القرن الثالث الميلادي، وتوجد أهم حلقتين في سورا ونهاردعه، التي انتقلت إلى بومبديثا في القرن الثالث الميلادي. وقد فقدت هذه الحلقات أهميتها بعد القرن الحادي عشر الميلادي، وإن كانت قد استمرت في الوجود حتى القرن الثالث عشر. وقد نشب صراع على السلطة بين الفقهاء (جاؤنيم) من رؤساء الحلقات ورأس الجالوت (المنفى) ، فكان رؤساء الحلقات يتولون أحياناً جمع الضرائب، وهو ما كان يمثل تحدياً لسلطته. واستمر الصراع عدة قرون. ولكن مع حلول القرن العاشر الميلادي، وبعد انتشار الإسلام، نُقلت الحلقات إلى بغداد. وحُسم الصراع بين حلقتي سورا وبومبديثا في نهاية الأمر لصالح الثانية. وقد وثَّق رؤساء الحلقات علاقتهم مع التجار والصيارفة اليهود الذين كانت لهم علاقات خاصة مع الحاكم. وأصبحت القوى التجارية نخبة قائدة، وأصبحت القيادة الدينية تابعة لها (ويشبه هذا الوضع إلى حدٍّ ما الوضع في الولايات المتحدة) . ومما دعم هذا الاتجاه أن رؤساء الحلقات أنفسهم كانوا من العناصر التجارية. وقد لعبت هذه النخبة دوراً أساسياً بوصفهم صيارفة بلاط (أو حكومة) ذوي نفوذ، وهو ما مكن سعيد بن يوسف الفيومي من أن يظل رئيساً لحلقة سورا مدة عامين، حتى بعد أن طرده رأس الجالوت. ويُلاحَظ أنه في الصراع الدائر بين الحلقات، كانت طبقة التجار تتحد مع الفقهاء باعتبارهم نخبة تستند إلى المال والثقافة المكتسبَين، على عكس رأس الجالوت الذي كان يستند منصبه إلى الميراث (وهذا صدى للصراع الدائر في الحضارة الإسلامية بين العرب والموالي، فالعرب كانوا نخبة تستند إلى الميراث، أما الموالي فكانوا يحققون مكانتهم من خلال الثروة والثقافة) . وفي نهاية الأمر، زاد نفوذ التجار حتى أن رأس الجالوت نفسه خضع لهم، فكانوا يعينونه، ثم أصبحح لقباً شرفياً، ثم اندمج منصب رأس الجالوت مع منصب رئيس الحلقة. ومما يجدر ذكره أنه، بسبب التحام العناصر التجارية والثقافية، كانت الحلقات نفسها قنوات لانتقال رأس المال والخدمات المصرفية. مثبتاه Methbeta «مثبتاه» كلمة آرامية تُستخدَم للإشارة إلى مجالس الفقه والدراسة والتي كان يُشار إليها أيضاً باسم «يشيفا» و «أكاديمية» . وكان يُطلَق على رأس الجالوت اسم «رأس المثبتاه» ، نسبة إلى كلمة «مثبتاه» . المدرسة التلمودية العليا (يشيفا ( Yeshiva «المدرسة التلمودية العليا» ترجمة للكلمة العبرية «يشيفا» وجمعها «يشيفوت» ، وهي مؤسسة تعليمية للدراسات التلمودية المتقدمة يلتحق بها الطالب بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية. وقد اقتصر منهجها على دراسة التلمود والتفسيرات والتعليقات (الهوامش) المرتبطة به. وغالباً ما كان يحصل الحاخامات على تعليمهم داخلها، إلا أنها لم تكن مدارس لتخريج الحاخامات. ومنذ القرن الثامن الميلادي، وُجدت مدارس تلمودية في مدينة القيروان وفاس وتلمسان في الجزائر، وفي مدينة الفسطاط في مصر، وفي إسبانيا، وُجدت مدارس تلمودية عليا في عدد من مدنها، وكانت أهمها تلك التي أسسها موسى بن حانوخ في القرن العاشر الميلادي. كما وُجدت مدارس تلمودية عليا في لوسينا وبرشلونة. وأُسِّست مدارس تلمودية إشكنازية عليا في بلدان أوربا، كان أهمها في فرنسا وألمانيا منذ القرن العاشر الميلادي. وكان من أهم العلماء التلموديين الذين تخرجوا في هذه المدارس في العصور الوسطى جرشوم بن يهودا والفقهاء المعروفون باسم «توسافوت» . وقد قامت الدراسة في هذه المدارس حول أحد العلماء المتعمقين في التلمود والشريعة الشفهية بشكل عام، فيكون رئيسها والمعلم الوحيد فيها. ولم تعرف هذه المدارس الفصول الدراسية، فكان الجميع يدرسون نفس النص التلمودي. كما أن ساعات الدراسة كانت طويلة، ولم يكن الدارسون يُعطَون إجازات إلا نادراً. وكان العام الدراسي ينقسم إلى فصلين دراسيين تفصل بينهما عطلة. وعُرف نظام منح الدرجات الجامعية في المدارس العليا في شمال فرنسا، فكان لقب «الزميل» (بالعبرية: حابير) هو بمنزلة اعتراف بإنجاز الطالب ويعادل درجة الليسانس. أما لقب «معلمنا» (بالعبرية: مورينو) فيعادل درجة الدكتوراه، وكان يشير إلى أن الدارس أصبح عالماً بالتلمود معلماً له، ومن المسموح له فتح مدرسته إن أراد. وكان رئيس المدرسة التلمودية العليا مسئولاً عن تمويلها بمساعدة الجماعة، إلا أن الطلبة الميسورين كانوا يدفعون نفقات تعليمهم. ومنذ منتصف القرن السادس عشر، ظهر نوع جديد من المدارس التلمودية العليا الخاضعة لإشراف التنظيمات الإدارية للجماعات اليهودية، وقامت مؤسسة القهال بإصدار القواعد التنظيمية للمدارس وحدَّدت المؤهلات الواجب توافرها في رئيس المدرسة وشروط قبول الطلاب والمنهج والكتب المستخدمة، كما قامت باتخاذ الإجراءات الخاصة بتوزيع الطلاب الفقراء على الأسر اليهودية في المنطقة بالتناوب حتى يمكن تزويدهم بالوجبات اليومية. ووُجد في إيطاليا وألمانيا نظام عُرف باسم «كلاووس» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «بيت الدراسة» ، حيث كان عدد من العلماء التلموديين وعدد قليل من الطلاب يدرسون معاً في المعابد الصغيرة، واقتصرت الدراسة فيه على الحوار والجدل، ومن ثم تركزت على تفسيرات وشروح التلمود. ومنذ القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، أصبحت بولندا وليتوانيا أهم مركز للدراسات التلمودية في العالم، ومن ثم وُجدت فيها أهم المدارس التلمودية العليا مثل مدرسة لوبلين وكراكوف وبراج وبرست ليتوفسك ومنسك. واستُخدمت داخل هذه المدارس طريقة للحوار عُرفت باسم «بلبول» تقوم أساساً على محاولة اكتشاف التناقضات الحقيقية واللفظية الكامنة في أي نص والفروق الدقيقة بين الكلمات، ثم يُطرَح حل لهذا التناقض، وتُعاد الكرَّة مرةً أخرى إن كان الحل نفسه ينطوي على تناقض فيُنظَر فيه من جديد. وقد تدهورت المدارس التلمودية في شرق أوربا منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر نتيجة انتفاضة شميلنكي (1648) التي قضت على عدد من التجمعات اليهودية، بسبب الصعوبات المادية التي كان يعاني منها أعضاء الجماعات اليهودية. كما أن انتشار الحسيدية، التي أخذت موقفاً معادياً من الدراسات التلمودية، لم يساعد على عملية إحياء هذه المدارس. وفي بداية القرن التاسع عشر، قامت محاولات لتحديث هذه المدارس وتطوير مناهجها، فنبذت هذه المدارس التلمودية طريقة النقاش العقيمة. وحينما زاد عدد تلاميذها أنشئ مبنى خاص بها، ولحل مشكلة التمويل أُرسل مبعوثون لجمع التبرعات في أنحاء روسيا والولايات المتحدة، كما ظهرت بعض المدارس التلمودية العليا التي تتبع حركة الموزار حيث كرَّست هذه المدارس بعض الوقت لدراسة نصوص أخلاقية. وقد اعتُبر هذا ثورة فكرية آنذاك في وقت كرَّست فيه معظم المدارس الأخرى جُلَّ وقتها لدراسة التلمود. ولكن، مع تزايد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية، ومع تراجع اهتمامهم بالدراسات التلمودية، ومع انتشار مُثُل حركة التنوير، تناقص عدد المدارس التلمودية العليا. أما ما كان قائماً منها، فقد أخذ شكلاً مغايراً تماماً للشكل التقليدي. فعلى سبيل المثال، لم تَعُد الدراسة في المدارس التلمودية العليا مقصورة على الدراسات التلمودية الفقهية إذ أصبح من أهدافها إعداد الحاخامات للاضطلاع بمهامهم، بما في ذلك تزويدهم بقدر من الثقافة العامة، وتضمنت مقررات كثير من المدارس بعض المواد غير الدينية. وتحوَّلت هذه المدارس، فيما بعد، إلى معاهد وكليات للدراسات الدينية. ونظراً لتغيُّر نوعية تعليم الطلاب الذين انضموا إلى هذه المعاهد، والذين لم يتلقوا إعداداً كافياً في الدراسات الدينية، أُنشئت مدارس تلمودية متوسطة انضم إليها الطلاب من سن الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة لإعدادهم للدراسة في المدارس التلمودية العليا. وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن تُوجَد في أمريكا الشمالية مدارس تلمودية عليا. ولكن، بعد هذا التاريخ، أُسِّست بعض المدارس مثل معهد الدراسات العليا الذي أسسه آرون كوستلر في مدينة ليك وود بولاية نيوجرسي، ونير إسرائيل في بلتيمور. ويجمع طلاب هذه المدارس بين الدراسات الدينية المتخصصة في هذه المدارس والدراسة العامة في الجامعات الأخرى. وقد بدأ تأسيس المدارس التلمودية العليا في فلسطين منذ القرن السادس عشر وكانت سفاردية. وفي عام 1840، أُسِّست أول مدرسة تلمودية إشكنازية. ثم زاد عدد المدارس التلمودية العليا في إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة هجرة اليهود إليها. وتُعتبَر إسرائيل أهم مركز للدرسات الدينية العليا حالياً. ونظراً لأن دولة إسرائيل تؤجل تجنيد الطلبة في هذه المدارس، فقد زاد عدد الطلبة الذين سجلوا للدراسة فيها. وطبقاً للإحصاءات الحكومية، كان عدد هؤلاء الطلاب 18 ألف طالب في أواخر الثمانينيات. ومن أهم القضايا التي تُثار في إسرائيل، في الوقت الحالي، الإعفاء من التجنيد الذي يتمتع به طلبه المدارس التلمودية العليا. وتُعتبَر هذه نقطة احتكاك وتوتر بين القطاعات الدينية والقطاعات اللادينية في الدولة الصهيونية. اليشيفا Yeshiva «يشيفا» كلمة عبرية تعني حرفياً «الجلوس» ، ويرجع استخدامها إلى نظام جلوس علماء الشريعة وتلاميذهم الذين كانوا يشاركون في تفسير ومناقشة الشريعة واستخراج التشريعات المختلفة، كما تشير الكلمة إلى مؤسسات تعليمية وُجدت بين التجمعات اليهودية في أزمنة وأماكن مختلفة. فهي تُستخدَم للإشارة إلى: 1 ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، والتي يُطلَق عليها في اليونانية والإنجليزية «الأكاديميات» وفي الآرامية «المثبتاه» ، وهي المؤسسة التي تم من خلالها جَمْع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي. 2 ـ المدارس التلمودية العليا التي وُجدت بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وكان الطالب يلتحق بها بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية لدراسة التلمود والتفاسير المرتبطة به. أي أن كلمة «يشيفا» تشير إلى مدلولين مختلفين ينتميان إلى أماكن وأزمنة مختلفة ويضطلع كل واحد منهما بوظائف مختلفة: الحلقة التلمودية والمدرسة التلمودية. فبينما تُعنَى الحلقة التلمودية بدراسة الفقه والإفتاء والقضاء مضافاً إليها الدراسة، فإن المدرسة التلمودية العليا مؤسسة تعليمية وتربوية. ولذا، فقد قمنا باستخدام مُصطلَحين مختلفين بدلاً من كلمة واحدة (أي «يشيفا» ) لنميز بين الظاهرتين. إلا أننا احتفظنا برابطة بينهما وهي كلمة «تلمودية» . ومن ثم، فإننا نرى شكلاً من أشكال الاستمرار داخل إطار من التنوع والاختلاف. فالحلقات التلمودية هي الحلقات التي أصدرت الفتاوى والتفاسير التي تراكمت ثم جُمعت لتصبح المشناه فالجماراه وكلاهما عنصران يكوِّنان التلمود. فالحلقة «تلمودية» باعتبار أن أصول التلمود وتكوينه يعودان إليها. أما المدرسة التلمودية العليا، فهي «تلمودية» باعتبار أن التلمود يشكل جوهر الدراسة فيها. الأكاديمية Academy «أكاديمية» كلمة من أصل يوناني وتعني «مدرسة عليا» أو «حلقة نقاش» ، وتُستخدَم الكلمة في الدراسات العبرية واليهودية باعتبارها مرادفة لكلمة «يشيفا» العبرية. وتشير الكلمتان إلى مؤسستين تربويتين مختلفتين تمام الاختلاف وينتميان إلى فترات زمنية مختلفة: 1 ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، حيث جُمع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي. 2 ـ المدارس الدينية العليا التي أُسِّست بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وإن كان هذا المدلول غير شائع. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
الفصل الثامن *الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى غرب إفريقيا (السودان الغربى والأوسط): يهمنا الآن أن نتحدث عن الطابع الإسلامى ومظاهر الحضارة فى غربى إفريقيا، وعن المراكز التى نهضت بهذا العمل وحفظت للإسلام نقاءه وقوته حتى بداية تعرض المنطقة للكشوف الجغرافية الأوربية والاستعمار الأوربى فى العصر الحديث.
ونلاحظ أن الامتزاج الكامل بين التقاليد الإسلامية والتقاليد السودانية الزنجية فى بداية هذا الدور قد تم، كما تمت المواءمة بين هذين العنصرين، وظهرت تقاليد إسلامية الشكل والطابع، إفريقية الروح، وروايات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين العرب مثل: «ابن بطوطة» و «الحسن الوزان» و «القلقشندى» وغيرهم، ومن مؤرخى «السودان» مثل «السعدى» صاحب كتاب «تاريخ السودان»، و «محمود كعت» صاحب كتاب «الفتاش» وغيرهما؛ تشعرنا بأننا نتعامل مع مجتمع إفريقى صميم، اكتسب الثوب والصبغة الإسلامية الواضحة. فالقلقشندى يتحدث عن تقاليد البلاط فى سلطنة «مالى»، فيشير إلى جلوس السلطان على مصطبة كبيرة عليها دكة أو كرسى من خشب الأبنوس، تحيط بها أسنان الفيلة من كل صوب، ويتحدث عن رجل مهمته أن يكون سفيرًا بين السلطان والناس اسمه أو لقبه الشاعر، وعن المحيطين بالسلطان وهيئة الداخلين عليه، وغير ذلك. ورواية «ابن بطوطة» لا تبعد كثيرًا عن هذا الوصف، وهو يشير إلى دار السلطان التى تطل على المشور (دار الشورى)، ويصف السلطان وترتيب الجالسين فيشير إلى نائبه، ثم الفرارية، وهم الأمراء، ثم الخطيب، والفقهاء. ولم ينفرد سلاطين «مالى» بهذا اللون الفريد من الحياة، فقد شاركهم فيه أهل «صنغى» وغيرهم من شعوب «السودان الغربى» والأوسط، فى إمارات «الهوسا» السبع فى شمالى «نيجيريا» وفى بلاد «الكانم والبرنو». وكانت العلاقة بين السلاطين والرعية تقوم على الخضوع الشديد لهؤلاء السلاطين، يدل على ذلك العادات التى كانت منتشرة فى بلاد «السودان الغربى»، والأوسط. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
الفصل العشرون *طابع الإسلام والثقافة الإسلامية فى شرق إفريقيا بعد الحديث عن السلطنات الإسلامية وحركات الجهاد فى بلاد الحبشة والصومال وعلى طول الساحل الشرقى الجنوبى حتى نهر «زمبيزى» فى «موزمبيق» نلقى نظرة على طابع الإسلام فى تلك الجهات وعن مدى انفعال تلك الشعوب بالإسلام، ومدى انتشار الثقافة الإسلامية فى هذه المناطق.
تميزت الإمارات الإسلامية فى هذه المنطقة بطابع أثر فى كيانها السياسى وفى موقفها ضد الأحباش والبرتغاليين وفى عطائها الحضارى والثقافى. هذا الطابع تمثل فى أن هذه السلطنات والممالك لم يكن بينها أى نوع من أنواع الوحدة السياسية، وكان من أثر ذلك خضوع معظم هذه الإمارات للأحباش فى النهاية رغم حركات الجهاد التى استمرت نحو أربعة قرون من الزمان. وترجع هذه الفرقة السياسية إلى أن هذه السلطنات تكونت من بطون عربية مختلفة فضلا عن اختلاف المذاهب الدينية فيما بينها. فكانت هذه المدن والسلطنات تستقل كل واحدة منها عن الأخرى بنشاطها التجارى، وكانت العداوات لاتفتأ تشتعل فيما بينها، مثل النزاع بين «مالندة» و «ممبسة» والذى استمر حتى قدوم البرتغاليين الذين استغلوه فى السيطرة على هذه المنطقة، وقد بلغت البغضاء بين هذه المراكز الإسلامية حدا جعل بعضها يتعاون مع البرتغاليين نكاية فى الآخرين. إذن كان طابع هذه الإمارات اقتصاديا صرفًا، فتنوعت مشروعاتها الاقتصادية، واشتغلت بالزراعة فى المناطق الخصبة، وجلبت مزروعات جديدة لم تألفها البلاد من قبل مثل البرتقال والذرة والفلفل والأرز والقرنفل. وكان لها أيضًا نشاط صناعى، فقد عرفت «مقديشيو» بصناعة المنسوجات الرفيعة التى كانت تصدر إلى العالم الإسلامى كما عرفت «سوفالة» باستخراج الذهب إلى جانب التجارة فى العاج وجوز الهند والرقيق. وقد أدى ذلك إلى ثراء هذه المدن والسلطنات ثراءً كبيرًا ظهر فى وصف الرحالة العرب وغيرهم لها. |
|
في الفرنسية/ Culture
في الانكليزية/ Culture في اللاتينية/ Cultura ثقف الرجل ثقافة صار حاذقا، وثقفت الشيء حذفته، والرجل المثقف: الحاذق الفهم، وغلام ثقف: أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. والثقافة بالمعنى الخاص هي تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل، وتثقيف البدن. ومنها الثقافة الرياضية، والثقافة الأدبية، أو الفلسفية. والثقافة بالمعنى العام هي ما يتصف به الرجل الحاذق المتعلم من ذوق، وحسّ انتقادي، وحكم صحيح، أو هي التربية التي أدّت إلى إكسابه هذه الصفات. قال (روستان) العلم شرط ضروري في الثقافة، ولكنه ليس شرطا كافيا، إنما يطلق لفظ الثقافة على المزايا العقلية التي أكسبنا إياها العلم، حتى جعل أحكامنا صادقة، وعواطفنا مهذبة ( Roustan. D vie la de cours au culture La) ومن شرط الثقافة بهذا المعنى أن تؤدي إلى الملاءمة بين الإنسان والطبيعة، وبينه وبين المجتمع، وبينه وبين القيم الروحية الإنسانية. وإذا دلّ لفظ الثقافة على معنى الحضارة ( Civilisation) كما في اللغة الالمانية، كان له وجهان: وجه ذاتي، وهو ثقافة العقل، ووجه موضوعي، وهو مجموع العادات، والأوضاع الاجتماعية، والآثار الفكرية، والاساليب الفنية والأدبية، والطرق العلمية والتقنية وانماط التفكير، والاحساس، والقيم الذائعة في مجتمع معين، أو هو طريقة حياة الناس وكل ما يملكونه ويتداولونه اجتماعيا لا بيولوجيا. (قاموس التربية وعلم النفس التربوي للدكتور فريد جبرائيل نجار، بيروت 1960) والأولى اطلاق هذا اللفظ على مظاهر التقدم العقلي وحده. تقول بهذا المعنى: الثقافة اليونانية، والثقافة العربية، والثقافة اللاتينية، والثقافة المدرسية (الكلاسيكية)، والثقافة الحديثة. وتقول أيضا: امتزاج الثقافات، والنشاط الثقافي، والعلاقات الثقافية، والتخلف الثقافي الخ ... ومذهب الحتمة الثقافية هو القول ان الحضارة تولد الحضارة بمعزل عن العوامل الطبيعية المؤثرة في سلوك الإنسان وعمله. (راجع: لفظ الحضارة). الثلاثيات muivirT الثلاثيات عند علماء القرون الوسطى هي المرحلة الاولى من الدراسات الجامعية في كلية الآداب والعلوم، أو كلية الفلسفة، وتشتمل على النحو، والبلاغة، والجدل. (راجع: الرباعيات- Quadrivium) |
الموسوعة الفقهية الكويتية
موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة
|
3 - الثقافة
لغة: ثَقِفَ الرجل: صار حاذقا فطنا، والثقافة: العلوم والمعارف والفنون التى يطلب الحذق فيها، كما فى الوسيط (1). واصطلاحا: مجموعة الأعراف والطرق والنظم والتقاليد التى تميز جماعة أو أمة أو سلالة عرقية عن غيرها. وعلى مستوى الفرد يطلق اللفظ على درجة التقدم العقلى التى حازها، بصرف النظر بالطبع عن مستويات الدراسة التى أنجزها. ومنذ وقت طويل تتعدد التعريفات لهذا اللفظ حتى إنه فى مطلع الخمسينات حصر عالمان أمريكيان من علماء الأنثروبولوجيا مائة وخمسين تعريفا للثقافة، وتلقى التعريفات المختلفة أضواء على المراد باللفظ الذى يفهمه العامة بأكثر مما يفهمون تعريفه، ويمكن لنا تأمل ما توحى به من تعريفات مهمة من قبيل أن مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما يصدر عن الإنسان من إبداع أو إنجاز فكرى أو أدبى أو علمى أو فنى. أما المفهوم الأنثروبولوجى للثقافة فهو أكثر شمولا، ويعد الثقافة حصيلة كل النشاط البشرى الاجتماعى فى مجتمع معين، ويستتبع هذأ أن لكل مجتمع ثقافته الخاصة المميزة، بصرف النظر عن مدى تقدم ذلك المجتمع أو تأخره. ويتميز هذا المفهوم ببعده عن تحميل الثقافة بالمضمونات القيمية، وإن اعترف بأن لكل ثقافة نسقها الخاص من القيم والمعايير. وفى مقابل هذا المفهوم الأنثروبولوجى الواسع نجد مفاهيم كثيرة أكثر تحديدا، فكثيرا ما تستخدم الثقافة للإشارة إلى النشاط الاجتماعى الذهنى والفنى، وفى أحيان أخرى إلى النشاط الفنى وحده، أو النشاط الأدبى والفنى دون النشاط العلمى الذى يعده البعض غير خاضع لأنساق الثقافات، باعتباره مرتكزا على حقائق مطلقة بعيدة عن التأثر بإلذوق أو البيئة أو الموروثات جميعا. ويتضح هذا المفهوم بطريقة بيروقراطية فى مصر حين تمنح أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا ومن قبل (المجلس الأعلى للعلوم) جوائز الدولة فى العلوم، على حين يمنح المجلس الأعلى للثقافة نفس الجوانز فى الآداب والفنون، وتضاف إليها العلوم الاجتماعية، (وقد كان هذا قائما منذ كان المجلس السابق مجلسا للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية). وتأخذ كثير من البلدات الإسلامية بمثل هذا التقسيم مع اختلافات طفيفة، فعلى حين تعد العمارة فنا من الفنون، فإنها فى أحيان كثيرة تعامل على أنها علم هندسى يتبع بالتالى العلوم ومجالسها لا الفنون. وقد ذكرنا العمارة بالذات لأنها أحد المكونات البارزة للثقافة القومية، بل ربما كانت بمثابة أولى مقومات تكوين الفكرة عن الثقافة لدى الآخرين الذين يطلعون عليها للوهلة الأولى. ومن تعريفات الثقافة الأخرى التى تلقى الضوء على معناها أنها مجموع العادات والفنون والعلوم والسلوك الدينى والسياسى منظورا إليها ككل متمايز يميز مجتمعا عن آخر. ومن ثم يمكن فهم تعبيرات مثل "الصراع الثقافى" للتعبير عن الصراع أو التسابق بين ثقافتين متجاورتين، أو التغير والارتقاء فى عدة جوانبه من النمط الثقافى. كما يمكن استخدام لفظ الثقافة للدلالة على الجوانب العقلية والفنية للحياة، فى مقابل الجوانب المادية والتكنولوجية لها، ومن ثم تصبح الثقافة بمثابة نمط كل الترتيبات -المادية أو السلوكية- التى يحقق -من خلالها- مجتمع معين لأعضائه إشباعات أكبر مما يستطيعون فى حالة مجرد الطبيعة. ويميز بعض الباحثين بين ثقافة مادية تشمل العدد والأدوات والسلع الاستهلاكية والتكنولوجيا وثقافة غير مادية تشمل القيم والتقاليد والتنظيم الاجتماعى، وتنطوى الثقافة على اكتساب وسائل اتصال (اللغة، المطالعات، الكتابات) وأدوات عمل معينة، وافكار وأعمال مثل الحساب، وعلى زاد ضخم من المعرفة والاعتقاد، وعلى منظومة من القيم، وعلى توجه ميول خاص ملازم، ويمكن لكل هذا أن يكتمل ويرتقى بتربية متخصصة قليلا أو كثيرا، وتدريب يسمح باستفادة اجتماعية بالأنشطة الفردية. ويرى الأنثربولوجيون أن الثقافة تتمايز وتستقل عن الأفراد الذين يحملونها ويمارسونها فى حياتهم اليومية، فعناصر الثقافة تكتسب بالتعلم من المجتمع المعاش، على اعتبار أن الثقافة هى جماع التراث الاجتماعى المتراكم على مر العصور. وعلى هذا يبعد هؤلاء عن الثقافة كل ما هو غريزى أو فطرى أو موروثا بيولوجيا. وللسمات الثقافية قدرة هائلة على البقاء والانتقال عبر الزمن، وكثير من هذه السمات والملامح التى تتمثل بوجه خاص من العادات والتقاليد والعقائد والخرافات والأساطير تحتفظ بكيانها لعدة اجيال. ويهتم علماء الاجتماع بدراسة تاريخ ثقافات الشعوب المختلفة من باب أن معرفة الماضى تساعد على فهم الحاضر. وليس من شك فى أن الثقافة الإسلامية ككل وثقافات الشعوب الإسلامية المختلفة، تمثل أنماطا بارزة للثقافة المتصلة والممتدة بجذور قوية فى الماضى، بل يكاد المراقبون ينظرون إلى الثقافات الإسلامية اليوم على أنها أقدم الثقافات التى لا تزال موجودة فى عالم اليوم دون تقلبات أو تغيرات حادة فى مفاهيمها الأولى، ويرجع هذا بالطبع إلى سمو التعليمات الإسلامية، التى تستمد وجودها من الخالق جل وعلا من خلال تشريع سماوى لم يقتصرعلى العبادات وإنما تكفل بتوجيه السلوك الإنسانى فى المعاملات والعادات ونمط الحياة اليومية على مستوى الفرد والمجتمع على نحوما نعرف جميعا. أ. د/محمد محمد الجوادى __________ الهامش: 1 - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار المعارف، ط3، مادة (ثقف) 1/ 102. مراجع الاستزادة: 1 - دائرة معارف القرن العشرين (مادة ثقف) محمد فريد وجدى |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
الفصل الثامن *الطابع الإسلامى والثقافة العربية فى غرب إفريقيا (السودان الغربى والأوسط): يهمنا الآن أن نتحدث عن الطابع الإسلامى ومظاهر الحضارة فى غربى إفريقيا، وعن المراكز التى نهضت بهذا العمل وحفظت للإسلام نقاءه وقوته حتى بداية تعرض المنطقة للكشوف الجغرافية الأوربية والاستعمار الأوربى فى العصر الحديث.
ونلاحظ أن الامتزاج الكامل بين التقاليد الإسلامية والتقاليد السودانية الزنجية فى بداية هذا الدور قد تم، كما تمت المواءمة بين هذين العنصرين، وظهرت تقاليد إسلامية الشكل والطابع، إفريقية الروح، وروايات الرحالة والجغرافيين والمؤرخين العرب مثل: «ابن بطوطة» و «الحسن الوزان» و «القلقشندى» وغيرهم، ومن مؤرخى «السودان» مثل «السعدى» صاحب كتاب «تاريخ السودان»، و «محمود كعت» صاحب كتاب «الفتاش» وغيرهما؛ تشعرنا بأننا نتعامل مع مجتمع إفريقى صميم، اكتسب الثوب والصبغة الإسلامية الواضحة. فالقلقشندى يتحدث عن تقاليد البلاط فى سلطنة «مالى»، فيشير إلى جلوس السلطان على مصطبة كبيرة عليها دكة أو كرسى من خشب الأبنوس، تحيط بها أسنان الفيلة من كل صوب، ويتحدث عن رجل مهمته أن يكون سفيرًا بين السلطان والناس اسمه أو لقبه الشاعر، وعن المحيطين بالسلطان وهيئة الداخلين عليه، وغير ذلك. ورواية «ابن بطوطة» لا تبعد كثيرًا عن هذا الوصف، وهو يشير إلى دار السلطان التى تطل على المشور (دار الشورى)، ويصف السلطان وترتيب الجالسين فيشير إلى نائبه، ثم الفرارية، وهم الأمراء، ثم الخطيب، والفقهاء. ولم ينفرد سلاطين «مالى» بهذا اللون الفريد من الحياة، فقد شاركهم فيه أهل «صنغى» وغيرهم من شعوب «السودان الغربى» والأوسط، فى إمارات «الهوسا» السبع فى شمالى «نيجيريا» وفى بلاد «الكانم والبرنو». وكانت العلاقة بين السلاطين والرعية تقوم على الخضوع الشديد لهؤلاء السلاطين، يدل على ذلك العادات التى كانت منتشرة فى بلاد «السودان الغربى»، والأوسط. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
الفصل العشرون *طابع الإسلام والثقافة الإسلامية فى شرق إفريقيا بعد الحديث عن السلطنات الإسلامية وحركات الجهاد فى بلاد الحبشة والصومال وعلى طول الساحل الشرقى الجنوبى حتى نهر «زمبيزى» فى «موزمبيق» نلقى نظرة على طابع الإسلام فى تلك الجهات وعن مدى انفعال تلك الشعوب بالإسلام، ومدى انتشار الثقافة الإسلامية فى هذه المناطق.
تميزت الإمارات الإسلامية فى هذه المنطقة بطابع أثر فى كيانها السياسى وفى موقفها ضد الأحباش والبرتغاليين وفى عطائها الحضارى والثقافى. هذا الطابع تمثل فى أن هذه السلطنات والممالك لم يكن بينها أى نوع من أنواع الوحدة السياسية، وكان من أثر ذلك خضوع معظم هذه الإمارات للأحباش فى النهاية رغم حركات الجهاد التى استمرت نحو أربعة قرون من الزمان. وترجع هذه الفرقة السياسية إلى أن هذه السلطنات تكونت من بطون عربية مختلفة فضلا عن اختلاف المذاهب الدينية فيما بينها. فكانت هذه المدن والسلطنات تستقل كل واحدة منها عن الأخرى بنشاطها التجارى، وكانت العداوات لاتفتأ تشتعل فيما بينها، مثل النزاع بين «مالندة» و «ممبسة» والذى استمر حتى قدوم البرتغاليين الذين استغلوه فى السيطرة على هذه المنطقة، وقد بلغت البغضاء بين هذه المراكز الإسلامية حدا جعل بعضها يتعاون مع البرتغاليين نكاية فى الآخرين. إذن كان طابع هذه الإمارات اقتصاديا صرفًا، فتنوعت مشروعاتها الاقتصادية، واشتغلت بالزراعة فى المناطق الخصبة، وجلبت مزروعات جديدة لم تألفها البلاد من قبل مثل البرتقال والذرة والفلفل والأرز والقرنفل. وكان لها أيضًا نشاط صناعى، فقد عرفت «مقديشيو» بصناعة المنسوجات الرفيعة التى كانت تصدر إلى العالم الإسلامى كما عرفت «سوفالة» باستخراج الذهب إلى جانب التجارة فى العاج وجوز الهند والرقيق. وقد أدى ذلك إلى ثراء هذه المدن والسلطنات ثراءً كبيرًا ظهر فى وصف الرحالة العرب وغيرهم لها. |
|
- بتخفيف الفاء- جمع: قائف، عن الجوهري وغيره.
وقال القاضي عياض: هو الذي يتبع الأشباه والآثار ويقفوها: أى يتبعها فكأنه مقلوب من القافى، وهو: المتبع للشيء. قال الأصمعي: هو الذي يقفو الأثر، ويقتافه. قال صاحب «المغني» : القافة: قوم يعرفون الأنساب بالشبه ولا يختص ذلك بقبيلة معينة، بل من عرفت منه المعرفة بذلك، وتكررت منه الإصابة فهو: قائف، وقيل: أكثر ما يكون هذا في بني مدلج، وكان إياس بن معاوية قائفا، وكذلك شريح. وظاهر كلام أحمد- رحمه الله- أنه لا يقبل إلا قول اثنين. وقال القاضي: يقبل قول واحد، والله أعلم. «المطلع ص 284». |
معجم المصطلحات الاسلامية
|
الحضارة الثقافة Culture
|