كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة
|
تنبيه المغترين في القرن العاشر، على ما خالفوا فيه سلفهم الطاهر
للشيخ: عبد الوهاب بن علي الشعراني. المتوفى: سنة 965، خمس وستين وتسعمائة. ذكر فيه: هدى الصحابة، والتابعين، والعلماء العاملين. وبين فيه: ما نقص من أعلام الدين. |
مقاييس اللغة لابن فارس
|
(قَرَنَ)الْقَافُ وَالرَّاءُ وَالنُّونُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى جَمْعِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَالْآخَرُ شَيْءٌ يَنْتَأُ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ.
فَالْأَوَّلُ: قَارَنْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وَالْقِرَانُ: الْحَبَلُ يُقْرَنُ بِهِ شَيْئَانِ. وَالْقَرَنُ: الْحَبْلُ أَيْضًا. قَالَ جَرِيرٌ: بَلِّغْ خَلِيفَتَنَا إِنْ كُنْتَ لَاقِيَهُ...أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالْمَشْدُودِ فِي قَرَنِ وَالْقَرَنُ: جُعَيْبَةٌ صَغِيرَةٌ تُضَمُّ إِلَى الْجَعْبَةِ الْكَبِيرَةِ. قَالَ: فَكُلُّهُمْ يَمْشِي بِقَوْسٍ وَقَرَنْ وَالْقَرَنُ فِي الْحَاجِبَيْنِ، إِذَا الْتَقَيَا. وَهُوَ مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ بَيِّنُ الْقَرَنِ. وَالْقِرْنُ: قِرْنُكَ فِي الشَّجَاعَةِ. وَالْقَرْنُ: مَثَلُكَ فِي السِّنِّ. وَقِيَاسُهُمَا وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا فُرِقَ بَيْنَهُمَا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ لِاخْتِلَافِ الصِّفَتَيْنِ. وَالْقِرَانُ: أَنْ تَقْرِنَ بَيْنَ تَمْرَتَيْنِ تَأْكُلُهُمَا. وَالْقِرَانُ: أَنْ تَقْرِنَ حَجَّةً بِعُمْرَةٍ. وَالْقَرُونُ مِنَ النُّوقِ: الْمُقَرَّنَةُ الْقَادِمَيْنِ وَالْآخِرَيْنِ مِنْ أَخْلَافِهَا. وَالْقَرُونُ: الَّتِي إِذَا جَرَتْ وَضَعَتْ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا مَعًا. وَقَوْلُهُمْ: فُلَانٌ مُقْرِنٌ لِكَذَا، أَيْ مُطِيقٌ لَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {{سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}} [الزخرف: 13] ;وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِرْنًا لَهُ. وَالْقَرِينَةُ: نَفْسُ الْإِنْسَانِ، كَأَنَّهُمَا قَدْ تَقَارَنَا. وَمِنْ كَلَامِهِمْ: فُلَانٌ إِذَا جَاذَبَتْهُ قَرِينَةٌ بَهَرَهَا، أَيْ إِذَا قُرِنَتْ بِهِ الشَّدِيدَةُ أَطَاقَهَا. وَقَرِينَةُ الرَّجُلِ: امْرَأَتُهُ. وَيَقُولُونَ: سَامَحَتْهُ قَرِينَتُهُ وَقَرُونَتُهُ وَقَرُونُهُ، أَيْ نَفْسُهُ. وَالْقَارِنُ: الَّذِي مَعَهُ سَيْفٌ وَنَبْلٌ. وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: الْقَرْنُ لِلشَّاةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ نَاتِئٌ قَوِيٌّ، وَبِهِ يُسَمَّى عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ الذَّوَائِبُ قُرُونًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ فِي الرُّومِ: " ذَاتُ الْقُرُونِ ". كَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: أَرَادَ قُرُونَ شُعُورِهِمْ، وَكَانُوا يُطَوِّلُونَ ذَلِكَ يُعْرَفُونَ بِهِ. قَالَ مُرَقِّشٌ: لَاتَ هَنَّا وَلَيْتَنِي طَرَفَ الزُّ...جِّ وَأَهْلِي بِالشَّامِ ذَاتِ الْقُرُونِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: الْقَرْنُ: عَفَلَةُ الشَّاةِ تَخْرُجُ مِنْ ثَفْرِهَا. وَالْقَرْنُ: جُبَيْلٌ صَغِيرٌ مُنْفَرِدٌ. وَيَقُولُونَ: قَدْ أَقَرَنَ رُمْحَهُ، إِذَا رَفَعَهُ. وَمِمَّا شَذَّ عَنْ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ: الْقَرْنُ: الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ، وَالْجَمْعُ قُرُونٌ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {{وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا}} [الفرقان: 38] . وَالْقَرْنُ: الدُّفْعَةُ مِنَ الْعَرَقِ، وَالْجَمْعُ قُرُونٌ. قَالَ زُهَيْرٌ: نُعَوِّدُهَا الطِّرَادَ فَكُلُّ يَوْمٍ...يُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِهَا قُرُونُ وَمِنَ النَّبَاتِ: الْقَرْنُوَةُ، وَالْجِلْدُ الْمُقَرْنَى: الْمَدْبُوغُ بِهَا. |
معجم الصحابة للبغوي
|
سويد بن مقرن المزني
سكن المدينة. قال هارون أبو موسى: سويد بن مقرن وكنيته أبو عدي المزني. وقال محمد بن عمر: بنو مقرن سبعة وهم البكاءون. 1151 - حدثنا علي بن الجعد أخبرنا شعبة عن حصين عن هلال بن يساف قال: كنا نبيع البز في دار سويد بن مقرن فخرجت جارية له فقالت لرجل شيئا ما أدري ما هو فلطمها فرأى ذلك سويد بن مقرن فقال: لطمت وجهها ولقد رأيتني سابع سبعة ما لنا إلا خادم فلطمه رجل منا فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعتقه. |
معجم الصحابة للبغوي
|
معقل بن مقرن أبو عمرة المزني
سكن الكوفة وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. أخبرنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن ابن نمير قال أبو عمرة المزني هو معقل بن مقرن. أخبرنا عبد الله قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة , قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن همام قال جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله فقال إني حلفت أن لا أنام على فراشي فقال اذهب فنم عليه فقد نام عليه من هو خير منك. قال أبو القاسم: وقد روى معقل بن مقرن وعبد الله بن معقل جميعا عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الندم توبة. 2160 - أخبرنا عبد الله قال: حدثناه علي بن الجعد//133// قال: أخبرنا سفيان الثوري وشريك عن عبد الكريم عن زياد بن أبي مريم عن ابن |
معجم الصحابة للبغوي
|
معاوية بن سويد بن مقرن المزني
سكن الكوفي وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. 2211 - أخبرنا عبد الله قال: حدثنا قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة , قال: حدثنا عنبر بن القاسم أبو زبيد عن مطرف عن عامر عن معاوية بن سويد بن مقرن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد بها. 2212 - أخبرنا عبد الله قال: حدثني علي بن الجعد المنذر الطريفي قال: حدثنا ابن فضيل عن مطرف عن أبي السفر عن معاوية بن سويد قال كنا بني مقرن لنا غلاما فلطمه بعضنا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه فأعتقه فقيل يا رسول الله إنه ليس لنا خادم غيره قال فلتخدمهم حتى يستغنوا. |
أسد الغابة في معرفة الصحابة
|
3208- عبد الله بن مقرن المزني
عَبْد اللَّه بْن مقرن المزني روى عَنْهُ: ابْنُ سِيرِينَ، وعبد الملك بْن عمير، ويرد نسبه عند إخوته النعمان، وغيره، إن شاء اللَّه تَعَالى. أَخْرَجَهُ ابْنُ منده، وَأَبُو نعيم، وقَالَ أَبُو نعيم: ذكره بعض المتأخرين، يعني ابْنُ منده، ولم يخرج لَهُ شيئًا. 13301: |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة. ذكره الطّبري في الصّحابة، وروى سيف في الفتوح أن خالد بن الوليد أمّره على شيء من العراق حين توجّه إلى الشام في خلافة أبي بكر.
3299 ز- سعيد بن المنذر: بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الأنصاريّ. ذكره ابن حبّان في الصّحابة] «3» . |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة.
قال ابن سعد: له صحبة. وذكره أبو حاتم وابن شاهين وغير واحد في الصّحابة. وقال ابن مندة: له ذكر في المغازي. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة. له ذكر في الفتوح، وبعثه أخوه نعيم بن مقرّن إلى قومس «1» ففتحها صلحا، وكاتبه صاحب جرجان فصالحه على الجزية.
وقيل هو سويد الآتي ذكره قريبا، فلعله لقب بالتصغير. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن عائذ المزني، يكنى أبا عائذ، أحد الإخوة.
روى حديثه مسلم وأصحاب السّنن، ويقال: إنه نزل الكوفة. روى عنه ابنه معاوية ومولاه أبو شعبة وهلال بن يساف وغيرهم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة.
روى عنه محمد بن سيرين، وعبد الملك بن عمير، كذا قال ابن مندة، ولم يخرج له شيئا. وقد وقع له ذكر في الفتوح. قال سيف في كتاب الردة، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: وخرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرّن، وعلى ميسرته عبد اللَّه بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدوّ بصعيد واحد ... فذكر القصة في قتال أهل الردة. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن عائذ المزني.
قال ابن سعد: له صحبة. ويقال كان اسمه عبد عمرو بن مقرن، فغيّره النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
تقدم في عبد الرحمن.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أبو حكيم «1» .
ذكره البخاريّ في الصحابة، وذكره الواقدي فيمن نزل الكوفة منهم. وزعم ابن قانع أنه أبو حاتم. روى حديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه فأنكحوه» . فتصحف عليه كنيته، وذلك معدود من أوهامه. العين بعدها الكاف |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة. ذكره الطّبري في الصّحابة، وروى سيف في الفتوح أن خالد بن الوليد أمّره على شيء من العراق حين توجّه إلى الشام في خلافة أبي بكر.
3299 ز- سعيد بن المنذر: بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح الأنصاريّ. ذكره ابن حبّان في الصّحابة] «3» . |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة.
قال ابن سعد: له صحبة. وذكره أبو حاتم وابن شاهين وغير واحد في الصّحابة. وقال ابن مندة: له ذكر في المغازي. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة. له ذكر في الفتوح، وبعثه أخوه نعيم بن مقرّن إلى قومس «1» ففتحها صلحا، وكاتبه صاحب جرجان فصالحه على الجزية.
وقيل هو سويد الآتي ذكره قريبا، فلعله لقب بالتصغير. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن عائذ المزني، يكنى أبا عائذ، أحد الإخوة.
روى حديثه مسلم وأصحاب السّنن، ويقال: إنه نزل الكوفة. روى عنه ابنه معاوية ومولاه أبو شعبة وهلال بن يساف وغيرهم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة.
روى عنه محمد بن سيرين، وعبد الملك بن عمير، كذا قال ابن مندة، ولم يخرج له شيئا. وقد وقع له ذكر في الفتوح. قال سيف في كتاب الردة، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: وخرج أبو بكر يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرّن، وعلى ميسرته عبد اللَّه بن مقرن، وعلى الساقة سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا وهم والعدوّ بصعيد واحد ... فذكر القصة في قتال أهل الردة. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن عائذ المزني.
قال ابن سعد: له صحبة. ويقال كان اسمه عبد عمرو بن مقرن، فغيّره النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
تقدم في عبد الرحمن.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أبو حكيم «1» .
ذكره البخاريّ في الصحابة، وذكره الواقدي فيمن نزل الكوفة منهم. وزعم ابن قانع أنه أبو حاتم. روى حديث: «إذا أتاكم من ترضون دينه فأنكحوه» . فتصحف عليه كنيته، وذلك معدود من أوهامه. العين بعدها الكاف |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
ذكره ابن فتحون في «ذيل الاستيعاب» ، ولم يذكر مستندا لذكره في الصحابة، وقد قال ابن قتيبة: ليست له صحبة «1» ، ولا إدراك.
وذكره في التّابعين ابن سعد، والعجليّ، والبخاريّ، وابن حبّان، وغيرهم، وله رواية عند أبي داود، وفي «المراسيل» أخرجها من طريق جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عنه، قال: قام أعرابيّ إلى زاوية من زوايا المسجد، فاكتشف فبال، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه وآله وسلم: «خذوا ما بال عليه من التّراب فألقوه وأهريقوا عليه مكانه ماء» ، فإن كان هذا هو مستند ابن فتحون في ذكره لاحتمال أن يكون أدرك النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم فيكون مرسل صحابي، فإنه يرد عليه أن أبا داود ذكر هذا الحديث في كتاب الطهارة من السنن عقب حديث أبي هريرة، وقال بعده هو مرسل، وابن معقل لم يدرك النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلم. انتهى. وروايته عن علي عند البخاري، وروى أيضا عن ابن مسعود، وكعب بن عجرة، وعدي بن حاتم، وغيرهم. وروى عنه أيضا أبو إسحاق السّبيعي، والنسائي، وزياد بن أبي مريم، وغيرهم. قال العجليّ: تابعي ثقة من خيار التابعين وقال ابن حبان في الثقات: مات سنة بضع وثمانين، وأرّخه البخاري سنة ثمان. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
استدركه ابن الأثير «3» على «الاستيعاب» وقال: ذكره الطبري في تفسير قوله تعالى:
وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [التوبة: 99] . قلت: وظاهر سياق الطبري يقتضي أن يكون له صحبة، فإنه أخرج من طريق البختري بن المختار، عن عبد الرحمن بن مغفل بن مقرّن، قال: كنا عشرة ولد مقرن المزني، فنزلت فينا وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: 99] . ومن طريق مجاهد، قال: نزلت في بني مقرن. انتهى. وهذا صحيح في نزولها في بني مقرن. وأما عبد الرحمن فلا صحبة له ولا رؤية، بل هو تابعي، يكنى أبا عاصم. روى عن علي، وابن عباس، وغالب بن أبجر «4» ، روى عنه مع البختري عبد اللَّه بن خالد العبسيّ، وأبو الحسن السوائي. قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبّان في «ثقات التابعين» . وقال ابن سعد: في تابعي أهل الكوفة، وتكلموا في روايته عن أبيه، لأنه كان صغيرا. قلت: وأبوه تأخرت وفاته، يروي «5» عنه أبو الضحى وهو من صغار التابعين، وإذا كان عبد الرحمن في حياة أبيه صغيرا دل على أن أكبر شيخ له علي بن أبي طالب، ولا يلزم من ذلك أن يكون له رؤية فضلا عن الصحبة. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
تقدم كلام ابن عبد البرّ في ترجمة معاوية بن معاوية، وذكره ابن شاهين، وأورد في
ترجمته حديثا أوله: كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم إذا بعث جيشا أوصى أميرهم ... الحديث. واستدركه ابن فتحون. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
المزني «4» ، أبو عمرة.
قال ابن حبّان: له صحبة. وقال البغوي: سكن الكوفة، وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أحاديث. وقال الواقديّ، وابن نمير: كان بنو مقرّن سبعة، كلّهم صحب النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم. قال أبو عمر: ليس ذلك لأحد من العرب غيرهم، كذا قال، وقد ذكر هو في ترجمة هند بن حارثة الأسلمي ما ينقض ذلك. وأخرج الطبري، من طريق البختري، عن المختار بن عبد الرحمن بن معقل بن مقرّن أن ولد مقرن كانوا عشرة نزلت فيهم: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... [التوبة: 99] الآية. وأخرج البغويّ، من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن همام بن الحارث قصة لمعقل ابن مقرّن مع أبي مسعود. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
بن عائذ المزني، أخو سويد وإخوته «3» .
وللنعمان ذكر كثير في فتوح العراق، وهو الّذي قدم بشيرا على عمر بفتح القادسية، وهو الّذي فتح أصبهان، واستشهد بنهاوند، وقصته في ذلك في البخاري مختصرة، وعند الإسماعيليّ مطولة، وأخرجه أحمد من طريق سالم بن أبي الجعد، عن النعمان بن مقرّن: قال: قدمنا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم في أربعمائة من مزينة، ورجاله ثقات، لكنه منقطع، فإن النّعمان استشهد في خلافة عمر فلم يدركه سالم. وروى عنه ابنه معاوية، ومسلم بن الهيضم، وجبير بن حية، وغيرهم. قال ابن عبد البر: سكن البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وكان معه لواء مزينة يوم الفتح، وكان موته سنة إحدى وعشرين. ذكر ذلك ابن سعد. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: تقدم في النعمان بن عمرو بن مقرن.
|
الإصابة في تمييز الصحابة
|
: أخو النعمان.
قال أبو عمر: هو وإخوته من جلة الصحابة، وهو الّذي خلف أخاه لما استشهد بنهاوند، وأخذ الراية، فدفعها إلى حذيفة، ثم كانت فتوح فارس على يده. |
الإصابة في تمييز الصحابة
|
أحد الإخوة. اسمه عقيل. تقدم.
|
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
أخو النعمان بن مقرن، يكنى أبا عدي، وقيل: يكنى أبا عمرو. روى شعبة، عن حصين، عن هلال بن يساف، قَالَ: كنا نبيع البر في دار سويد بن مقرن، فخرجت جارية وقالت لرجل منا كلمة فلطمها، فغضب سويد، وَقَالَ: لطمت وجهها. لقد رأيتني سابع سبعة من إخواني مع رَسُول اللَّهِ ﷺ، ما لنا خادم إلا واحدة، فلطمها أحدنا، فأمرنا رَسُول اللَّهِ ﷺ فأعتقناها. يعد في الكوفيين، وبالكوفة مات، روى عنه الكوفيون. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
يكنى أَبَا حكيم، أخو النعمان بْن مقرن، وسويد ومعقل، وكانوا سبعة من بني مقرن، كلهم قدم على النَّبِيّ ﷺ وصحبه، وقد ذكرنا الخبر فِي ذَلِكَ فِي باب النعمان بْن مقرن. قال الْوَاقِدِيّ: وممن نزل الكوفة من الصحابة: عُقَيْل بْن مقرن- أَبُو حكيم. وقال الْبُخَارِيّ: عُقَيْل بْن مقرن أَبُو حكيم الْمُزْنِيّ. وكذلك قال أحمد بن سعيد الدارميّ. سيأتي على حسب الترتيب الجديد للكتاب. باب عكاشة |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
له صحبة. وكان أبوه من جلة الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عنهم. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
أخو النعمان بن مقرن، يكنى أبا عمرة. وقد ذكرته فِي باب النعمان وغيره من أخوته، كانوا سبعة إخوة كلهم هاجر، وصحب النَّبِيّ ﷺ، وليس ذَلِكَ لأحدٍ من العرب سواهم- قاله الْوَاقِدِيّ، وَمُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن نمير، وسمى الْوَاقِدِيّ منهم خمسة من أصحاب النَّبِيّ ﷺ، وذكر غيرهم السبعة كلهم. |
الاستيعاب في معرفة الأصحاب
|
ويقال النعمان بْن عَمْرو بْن مُقرن. يُكَنَّى أَبَا عَمْرو وقيل يُكَنَّى أَبَا حكيم، وينسبونه النعمان بْن مقرن بْن عائذ بْن ميجا بْن هجير بن نصر بْن حبشية بْن كعب بْن عَبْد بْن ثور بن هدمة بن لاطم بن عثمان، وَهُوَ مُزينة بْن عَمْرو بْن أد بْن طابخة المزني، كَانَ صاحب لواء مزينة يوم الفتح. قَالَ مصعب: هاجر النعمان بْن مقرن، ومعه سبعة أخوة له، أخبرناه سَعِيد بْن نصر، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وَضَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافَ، قَالَ: عَجِلَ شَيْخٌ فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ: أَعَجَزَ عَلَيْكَ إِلا حُرُّ وَجْهِهَا، لَقَدْ رَأَيْتُنيِ سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلا وَاحِدَةً، فَلَطَمَهَا أَصْغَرُنَا، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَعْتِقَهَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السلام، حدثنا محمد بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ مِثَّلُه، وَقَالَ فِيهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَنْ إِخْوَتِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. وروى عَنِ النعمان بن مقرن أنه قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في أ: منجى. وفي أسد الغابة: ميجا- بكسر الميم وبالياء تحتها نقطتان- قاله ابن ماكولا. وحبشية- بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء تحتها نقطتان وآخره هاء (- ) . أسد الغابة: عُثْمَان بْن عَمْرو بْن أد بْن طابخة المزني. وولد عثمان هم مزينة نسبة إلى أمهم (- ) . فِي أربعمائة من مزينة. ثُمَّ سكن البصرة، وتحول عَنْهَا إِلَى الكوفة، فوجهة سعد إِلَى تُسْتَر فصالح أَهْل زَنْدَوَرْد. وقدم المدينة بفتح القادسية، وورد حينئذ عَلَى عُمَر اجتماع أَهْل أصبهان وهمذان والري وأذربيجان ونهاوند، فأقلقه ذلك، وشاور أصحاب النَّبِيّ ﷺ، فَقَالَ له علي بْن أَبِي طَالِب: ابعث إِلَى أَهْل الكوفة فيسير ثلثاهم ويبقى ثلثهم عَلَى ذراريهم، وابعَث إِلَى أَهْل البصرة. قَالَ: فَمَنْ أستعمل عليهم، أشر علي. فَقَالَ: أنت أفضلنا رأيًا وأعلمنا. فَقَالَ: لأستعملن عليهم رَجُلا يكون لَهَا. فخرج إِلَى المسجد، فوجد النعمان بْن مقرن يصلي فِيهِ، فسرحه وأمره، وكتب إِلَى أَهْل الكوفة بِذَلِك. وقد رُوِيَ أنه كتب إِلَى النعمان بْن مقرن يستعمله ليسير بثلثي أَهْل الكوفة وأهل البصرة، وَقَالَ: إن قُتل النعمان فحذيفة وإن قُتل حذيفة فجرير. فخرج النعمان ومعه حذيفة، والزبير، والمغيرة بْن شُعْبَة، والأشعث بْن قَيْس، وعَبْد اللَّهِ بْن عُمَر، كلهم تحت رايته، وَهُوَ أمير الجيش، ففتح اللَّه عَلَيْهِ أصبهان، فَلَمَّا أتى نهاوند قَالَ النعمان: يَا معشر المسلمين، شهدت رَسُول اللَّه ﷺ إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حَتَّى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر، اللَّهمّ ارزق النعمان شهادةً بنصر المسلمين، وافتح عليهم، فأمن المسلمون. وقال لهم: إن أهز اللواء ثلاث مرات، فإذا هززت الثالثة فاحملوا، ولا يلوي أحد عَلَى أحدٍ، وإن قتل النعمان فلا يلوي عَلَيْهِ أحد، فَلَمَّا هز اللواء الثالثة حمل، وحمل معه الناس، فكان أول صريح، وأخذ الراية حذيفة، ففتح اللَّه عليهم. وكانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين، وَكَانَ قتل النعمان بْن مقرن يوم جمعة، ولما جاء نعيه عُمَر بْن الخطاب خرج، فنعاه إِلَى الناس عَلَى المنبر، ووضع يده عَلَى رأسه يبكى. حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، قَالَ، قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ لِلإِيمَانِ بُيُوتًا، وَلِلنِّفَاقِ بيوتا، وإن بَيْتَ بَنِي مُقَرِّنٍ مِنْ بُيُوتِ الْإِيمَانِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَطَائِفَةٌ مِنَ التابعين، منهم محمد بن سِيرِينَ، وَأَبُو خَالِدٍ الْوَالِبِيُّ باب نعيم |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الجماعات اليهودية في العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر: تعداد
The Jewish Communities in the Arab World since the Mid-Nineteenth Century: Numbers يُلاحَظ أنه، مع بداية العصور الوسطى في الغرب، كان يهود العالم الإسلامي يشكلون أكثر من نصف تعداد يهود العالم. إلا أن عددهم أخذ في التناقص حتى أصبحوا يشكلون أقلية لا تتجاوز 10%. وهذا يرجع إلى الأسباب التالية: 1 ـ تحوَّل كثير من اليهود عن اليهودية الحاخامية إلى اليهودية القرّائية، وهي شكل من أشكال اليهودية التوحيدية تأثر بالإسلام. ويبدو أن أعداداً كبيرة من القرّائين اعتنقوا الإسلام، وهو ما أثر في وجود اليهود العددي. ولا تُوجَد دراسات إحصائية عن هذا الأمر، ولكن من الصعب تفسير اختفاء اليهود القرّائين وتَناقُص عددهم دون اعتبار اعتناق الإسلام كسبب أساسي. 2 ـ تَراجُع العالم الإسلامي ككل، وهو ما أدَّى إلى نزوح كثير من اليهود عنه. 3 ـ يُعَدُّ الريف مصدراً دائماً للزيادة السكانية. ولما كان يهود البلاد الإسلامية من سكان المدن، فلم تكن هناك مصادر لزيادة أعدادهم، ولهذا أخذت أعدادهم في التناقص. وفيما يلي عدد يهود العالم العربي قبل أن تحدث التغييرات العددية الكبرى بعد عام 1950: البلد / عدد السكان اليهود عام 1950 مصر / 75.000 العراق / 120.000 (110آلاف حسب باتاي) لبنان / 6.700 (6 آلاف حسب باتاي) سوريا / 6.000 (13 ألفًاحسب باتاي) البحرين / 400 حضرموت / 2.000 اليمن / 8.000 (غير مؤكد، 50 ألفاً حسب باتاي) عدن / 1.200 ليبيا / 14.000 (38 ألفاً حسب باتاي) تونس / 100.000 الجزائر / 120.000 (130 ألفاً حسب باتاي) المغرب / 225.000 (العدد الكلي حسب باتاي) مراكش الإسبانية / 14.700 (عام 1940) طنجة / 7.000 ويُلاحَظ أن نسبة السكان اليهود إلى التعداد العام في كل بلد كانت ضئيلة جداً. أما في عامي 1958 و1969، فقد كانت الأعداد كالتالي: البلد / عام 1958 / عام 1969 مصر / 40.000 / 1.000 العراق / 6.000 / 2.500 لبنان / 6.000 / 3.000 سوريا / 5.000 / 4000 اليمن / 3.500 / ــــــ ليبيا / 3.750 / 100 تونس / 85.000 / 10.000 الجزائر / 140.000 / 1.500 المغرب / 200.000 / 50.000 وبناءً على هذا الإحصاء، كان عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي عام 1950 يتراوح بين 650 ألف و800 ألف. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند المُصطلَح الذي نستخدمه: هل ينطبق مُصطلَح «يهود البلاد العربية» على اليهود العرب وغير العرب المقيمين في البلاد العربية حتى لو حملوا جنسيات أجنبية، أم يجب أن نقصر استخدام المُصطلَح على اليهود حاملي الجنسيات العربية المختلفة، والذين ينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، أي إلى اليهود المستعربة؟ الواقع أننا حين نتحدث عن مسيحيي البلاد العربية نتحدث عن عرب يؤمنون بالمسيحية، ولا يرد لنا على بال أن نضع ضمن هذه المجموعة أعضاء الإرساليات المسيحية الغربية لمجرد أنهم يقيمون في البلاد العربية. ومن المستحسن أن نميِّز بين «يهود البلاد العربية» من جهة و «اليهود العرب» أو «العرب اليهود» من جهة أخرى. والعدد 800 ألف يشير إلى يهود البلاد العربية، أما العرب اليهود فعددهم أقل من ذلك بكثير، إذ يجب أن نستبعد من هذا الرقم الأغلبية الساحقة من يهود الجزائر ومصر الذين كانوا يحملون جنسيات أجنبية، وإذا طرحنا عددهم يكون الباقي هو 600 ألف تقريباً. أما بالنسبة إلى الباقين، فيمكننا أن نستبعد من هذا العدد نسبة 25 ـ 30% من عدد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أجانب، فنسبة اليهود الأجانب إلى اليهود المستعربة كانت كبيرة جداً في طنجة والمغرب الإسبانية وتونس، بل كانت تقترب من نسبتهم في الجزائر ومصر، ولكنها كانت أقل في المغرب. وهذه البلاد تضم 346.500، أي أكثر من 50% من العدد الباقي. وتقل نسبة اليهود الأجانب بقدر أكبر في العراق، حيث كان يوجد 120 ألفاً، وتكاد تنعدم في اليمن وعدن وهي بلاد تضم بضعة آلاف وحسب. ويُلاحَظ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن بسبب اشتغالهم بالمهن وتركزهم في قطاعات اقتصادية بعينها. فيهود العراق الذين بلغ عددهم 118.000عام 1947 تَركَّز منهم في بغداد 77.542. كما كانت تُوجَد نسبة مرتفعة منهم في البصرة والموصل، أي أن معظم يهود العراق كانوا من سكان المدن، مع العلم بأن هذا يستبعد يهود كردستان البالغ عددهم 18 ألفاً. والوضع نفسه ينطبق على مصر، ففي إحصاء 1937 بلغ عدد يهود مصر 63.550 كانت تعيش أغلبيتهم (59 ألفاً) في القاهرة والإسكندرية، منهم 34.103 في الأولى و24.290 في الثانية. وبقيتهم موزعة على مدن صغيرة مثل المنصورة وطنطا ودمنهور. وفي عام 1947، كان 96% من يهود مصر في القاهرة والإسكندرية. أما في المغرب، فيعيش 80% من اليهود في مراكز حضرية مثل الدار البيضاء والباقون موزعون على مدن أخرى مثل مراكش وفاس. وقد أخذت الجماعات اليهودية في العالم العربي في الاختفاء بعد عام 1950 حتى لم يبق سوى بضع مئات في بلد مثل مصر والعراق وعدة آلاف في المغرب، وذلك للأسباب التالية: 1 ـ ظهور الاقتصاد الوطني الذي ضيَّق الخناق على العناصر الأجنبية، وكانت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية لا تحمل جنسية عربية، وخصوصاً أن الاقتصاد الوطني الجديد تلعب الدولة فيه دوراً كبيراً. 2 ـ ظهور طبقة تجارية ومالية وطنية بدأت تلعب دوراً اقتصادياً نشيطاً وشكلت منافسة قوية وخطيرة للعناصر التي كانت مهيمنة من قبل، كما أن ظهور الدول القومية لعب دوراً مماثلاً. 3 ـ ظهور الدولة الصهيونية بما خلقته من مشاكل خاصة بولاء يهود البلاد العربية، وهجرة أعداد كبيرة منهم إلى العالم الغربي وإسرائيل. ويصل عدد يهود البلاد العربية حسب إحصاء عام 1986 إلى 26.900، أما عام 1992 فيصل عددهم إلى 13.200على النحو التالي: البلد / عام 1986 / عام 1992 المغرب / 17.000 / 7.500 سوريا / 4.000 / 1.200 تونس / 3.700 / 2.000 اليمن / 1.200 / 1.600 الجزائر / 300 / 300 لبنان / 250 / 200 مصر / 250 / 200 العراق / 200 / 200 المجموع / 26.900 / 13.200 وكما نرى، بلغ العدد الإجمالي عام 1986 نحو 27 ألفاً إن أضفنا بضعة أفراد في ليبيا والسودان وغيرهما من البلاد. وقد انخفض هذا العدد إلى النصف تقريباً في غضون ستة أعوام. وكل هذا يعني أنه لن يوجد في القرن القادم يهود في أيٍ من أنحاء العالم العربي. لكن هذه ليست ظاهرة مقصورة عليه حيث يتوقع الدارسون لأسباب مختلفة أن يختفي أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا الشرقية وإنجلترا وأمريكا اللاتينية وأن تختفي البقية الباقية في الهند، وهي ظاهرة يُطلَق عليها مُصطلَح «موت الشعب اليهودي» . الجماعات اليهودية في العالم العربي: نمط الهجرة The Jewish Communities in the Arab World: Pattern of Migration تدخل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي في إطار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في العصر الحديث، وهي هجرة من البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية إلى البلاد الأكثر تقدماً، ومن البلاد التي تلعب فيها الدولة دوراً اقتصادياً كبيراً إلى بلاد المشروع الحر حيث يمكنهم تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. وقد لاحظنا أن الهجرة اليهودية في العصر الحديث تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الاستيطان الغربي (وخصوصاً الأنجلو ساكسوني) . ولكن يُلاحَظ أن يهود البلاد العربية كانوا يضمون بينهم أعداداً كبيرة من السفارد المتأثرين بالثقافة اللاتينية. كما أن الأليانس، حينما قامت بعملية صبغ لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي بصبغة تغريبية، صبغتهم أيضاً بصبغة فرنسية لاتينية. ويُلاحَظ أن معظم العناصر الثرية وأعضاء النخبة بين يهود البلاد العربية هاجروا إلى فرنسا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية. وهم برفضهم الهجرة إلى إسرائيل يتبعون النمط المذكور نفسه إذ أن مثل هذه الهجرة لا تحقق حراكاً لهذه الشريحة من أعضاء الجماعة بينما يمكن تحقيق هذا الحراك في البلاد الغربية المتقدمة. ولذا، نجد أن حركة هجرة يهود البلاد العربية تتجه أساساً إلى فرنسا وأحياناً أمريكا اللاتينية. ولكن العدد الأكبر اتجه إلى إسرائيل، أي أنها هجرة إلى بلد استيطاني لتحقيق قسط أكبر من الحراك الاجتماعي، هجرة من بلاد أقل تقدماً إلى بلد أكثر تقدماً، ومن بلاد بدأ يظهر فيها اقتصاد قومي أو اشتراكي إلى بلاد فيها مجال أكبر للمشروع الحر. وقد هاجر يهود الجزائر كلهم إلى فرنسا، كما هاجر إليها كثير من يهود تونس ومعظم يهود مصر، وكذلك الجزء الأكبر من يهود المغرب. ويبين باتاي أن عدد يهود المغرب كان عام 1947 نحو 280 ألفاً. فإذا أخذنا في الاعتبار الزيادة الطبيعية ونسبتها 1.8%، يمكن القول بأن بين الـ 250 ألف يهودي مغربي ممن هاجروا خلال الفترة 1947 ـ 1969 نحو 117 ألفاً ذهبوا إلى إسرائيل. ويرى البعض أن أكبر دليل على انتماء يهود البلاد العربية لبلادهم هو الدور الصغير الذي لعبوه في الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين. والواقع أنَّنا لا نجد بين العدد 460 ألفاً الذين دخلوا فلسطين بين عامي 1919 و1948 سوى 42 ألفاً قدموا من البلاد العربية والإسلامية، أي 9% من الهجرة العامة والتي شكَّل الإشكناز النسبة الكبرى منها. ولكننا إذا أخذنا بالعدد الذي يقدر يهود العالم بنحو 16 ـ17 مليوناً ويهود البلاد العربية بنحو 800 ألف، فإننا نجد أنهم كانوا يشكلون 5 ـ 6% من مجموع يهود العالم، وبالتالي تكون نسبة 9% من حاصل الهجرة اليهودية نسبة عالية للغاية مقارنة بالهجرة من أوربا. هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي وتركيا وإيران البلد / 1948-1951 / 1952-1954 / 1955-1957 / 1958-1960 / اجمالي48-1960 المغرب / 30.750 / 15.903 / 70.053 / 9.236 / 125.942 الجزائر / 1.523 / 396 / 2.483 / 529 / 4.931 تونس / 13.139 / 5.902 / 15.267 / 2.149 / 36.475 ليبيا / 30.482 / 1.609 / 198 / 94 / 32.383 مصر / 16.508 / 3.203 / 14.562 / 1.051 / 35.328 اليمن / 45.199 / 698 / 10 / 55 / 45.962 عدن / 3.155 / 151 / 7 / 95 / 3.408 سوريا ولبنان / 2.898 / 461 / ـــــ / ـــــ / 3.359 تركيا / 34.213 / 861 / 2.650 / 1.316 / 39.040 العراق / 121.512 / 1.382 / 361 / 233 / 123.488 إيران / 24.804 / 5.750 / 2.035 / 7.230 / 40.061 الإجمالي / 324.183 / 36.316 / 107.626 / 22.230 / 490.359 ولكن الأرقام هنا مضللة لأنها تتعامل ليس مع العرب اليهود (أي اليهود المحليين) وحسب وإنما تتعامل أيضاً مع يهود البلاد العربية ككل (أي اليهود الوافدين من الغرب) . ولو أن أرقام الهجرة فرَّقت بين اليهود المحليين من حاملي الجنسيات العربية واليهود من حاملي الجنسيات الغربية، لوصلنا إلى نتائج مغايرة قليلاً. وعلى كلٍّ، فإن هذه المناقشة أصبحت مجرد مناقشة أكاديمية إذ أنَّ تأسيس الدولة الصهيونية خلق حركية ضخمة ابتلعت كل يهود العالم العربي، المحليين منهم والوافدين، وأدَّت إلى اختفائهم تماماً، باستثناء المغرب التي هاجر معظم أعضاء الجماعة اليهودية بها إلى الكيان الصهيوني وبقيت فيه أقلية يهودية آخذة في التناقص. ومن المفارقات التي لها أعمق الدلالة أن يهود البلاد العربية كانوا يُشكّلون أقلية صغيرة جداً لا أهمية لها بالنسبة ليهود العالم، وأصبحوا الآن يشكّلون أغلبية سكان إسرائيل. وأكبر المجموعات التي هاجرت هي يهود المغرب، إذ يوجد في الدولة الصهيونية 480 ألف يهودي من المغرب أو من أصل مغربي و125 ألف يهودي من تونس والجزائر و78 ألفاً من ليبيا، أي أن هناك 682 ألف يهودي من المغرب العربي، وهم يشكلون 20% من يهود المستوطَن الصهيوني. ومن أهم الشخصيات اليهودية من أصل مغربي في المؤسسة الحاكمة أهرون أبو حصيرة الوزير السابق ورئيس حزب تامي، والحاخام عوفيديا يوسف، وديفيد ليفي أحد أقطاب حزب الليكود. أما اليهود من أصل عراقي فإن عددهم يبلغ 129.499، ومن أشهرهم شلومو هليل. ويوجد 245 ألف يهودي يمني أو من أصل يمني: (49.500 من مواليد اليمن و161.100 ولدوا لآباء يمنيين و35 ألفاً كانوا في فلسطين عام 1948) . ويهود اليمن هم الوحيدون الذين كانت تُوجَد منهم أعداد كبيرة نسبياً في المستوطَن الصهيوني قبل عام 1948، فلقد أراد المستوطنون الصهاينة أن يحلوا معضلة العمل العبري باستخدام يهود في الاقتصاد الصهيوني الاستيطاني، ولكنهم لم يجدوا العمالة الكافية بين يهود أوربا، فاستوردوا يهود اليمن. ويُوجَد إلى جانب ذلك بضعة آلاف من سوريا، وانضم إليهم 130 ألف يهودي من إيران و100 ألف يهودي كردي. وقد سمحت المغرب، كما سمح العراق، لليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل بالعودة، فعادت أعداد لا يُعتَد بها إحصائياً رغم دلالتها. وتكمن أهمية القرّار في أنه ضربة في الصميم لأسطورة الشرعية الصهيونية التي تطرح فكرة اليهودي الخالص الذي لا ينتمي إلا لوطنه اليهودي، إذ أنَّ القرّار العربي يؤكد عروبة هؤلاء اليهود وانتماءهم وانتماء كل أعضاء الأقليات العربية إلى وطنهم العربي. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسامات الدينية والعرْقية The Jewish Communities in The Arab World: Religious and Ethnic Divisions مع منتصف القرن التاسع عشر، ومع بداية تفكك الدولة العثمانية ودخول الدول العربية في الدائرة الاستعمارية، لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يُشكِّلون وحدة دينية أو ثقافية أو لغوية. ويمكن تقسيم الجماعات اليهودية على النحو التالي: 1 ـ اليهود المستعربة الذين يتحدثون العربية وينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. ويمكن أن نصنف يهود اليمن ضمن هؤلاء رغم خصوصيتهم التي تميِّزهم عن بقية اليهود المستعربة. 2 ـ يهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو. 3 ـ يهود الإشكناز الذين يتحدثون اليديشية. 4 ـ يهود الغرب الذين يتحدثون لغات بلادهم المختلفة: فرنسية وإنجليزية وألمانية. 5 ـ يهود البربر في جبال الأطلس ويتحدثون اللغات البربرية المختلفة. 6 ـ يهود كردستان في العراق وإيران الذين يتحدثون الكردية والآرامية. وكان بعضهم يتحدث العربية، ولذا كانوا يُعدُّون من اليهود المستعربة. وقد عبَّر عدم التجانس هذا عن نفسه في شكل صراع بين الجماعات اليهودية المختلفة. وفي المغرب، كان اليهود السفارد الوافدون إلى المغرب يشيرون إلى اليهود الأصليين على أنهم «توشافيم» ، أي سكان أصليون أو محليون، وهي عبارة تحمل بعض الإيحاءات القدحية. وكان اليهود الأصليون يشيرون بدورهم إلى الوافدين باعتبارهم «مجوراشيم» ، أي المنفيين أو المنبوذين! وكان يهود صنعاء في اليمن ينظرون بعين الاحتقار إلى يهود الجبال ويعتبرونهم أدنى مرتبة منهم. كما لم يكن الفريقان يتزاوجون فيما بينهم. وفي مصر، كان السفارد والإشكناز ينظرون إلى يهود مصر المستعربة بشيء من التعالي. كما كان السفارد يشيرون إلى الوافدين الجدد من الإشكناز على أنهم «شاخت» ، أي الأشرار، بسبب تَورُّط عدد كبير منهم في الأنشطة المشبوهة، وخصوصاً الدعارة، وقد كانوا ينظرون إليهم بقدرٍّ كبير من التعالي. وهذه المواقف كانت في معظم الأحوال انعكاساً لمواقف مشابهة في المجتمع وسائدة بين أعضاء الأغلبية. وقد نشب الصراع الحاد بعد ذلك بين دعاة الصهيونية وأعدائها. والواقع أنَّ انقسام يهود البلاد العربية كان بارزاً في الإطار التنظيمي حيث لم يكن يتسم بأية مركزية أو وحدة إلا إذا قامت الدولة بفرضه كما حدث في مصر. وكان أعضاء الجماعات اليهودية المستعربة مندمجين حضارياً في المحيط الثقافي العربي الإسلامي لكل جماعة. فكان يهود المغرب مغاربةً أو بربراً لهم نفس فلكلور المغاربة أو البربر ونفس المستوى الثقافي والحضاري، فكانوا يزورون أولياء اليهود، بل هناك حالات كثيرة كان فيها المسلمون واليهود يتبركون بوليّ واحد ويقومون بزيارته. وقد طلبت حكومة فيشي الموالية للنازي من الحكومة المغربية تسليم أعضاء الجماعات اليهودية للنازي لإبادتهم كما حدث مع أعداد كبيرة من يهود فرنسا. ولكن العاهل المغربي محمد الخامس تصدَّى لهم، وهو ما أدَّى إلى نجاة الجماعة اليهودية من خطر الإبادة. والشيء نفسه ينطبق على يهود ليبيا والجزائر ومصر وغيرها من البلاد العربية، فكان يهود مصر يزورون مقام سيدي أبو حصيرة الذي كان يزوره معهم المصريون من المسلمين والمسيحيين. وكان يهود متماته في جبال الأطلس بتونس يعيشون في الكهوف مثل المسلمين. ولكن كان هناك بالطبع العناصر اليهودية غير العربية التي كانت مرتبطة أساساً بالتشكيل الحضاري الغربي ثم الاستعماري. وكان السفارد ضمن هذه العناصر. وكذلك، بطبيعة الحال، الإشكناز الذين استوطنوا في العالم العربي مع تَزايُد النفوذ الغربي ومع تَعثُّر التحديث في روسيا ابتداءً من عام 1882. وقد ترك وصول يهود الغرب (الإشكناز والسفارد) آثاراً متنوعة من منطقة إلى أخرى. ففي المغرب، اندمج يهود المدن الساحلية مع السفارد، واصطبغوا بالصبغة السفاردية. أما في المدن الداخلية، فقد احتفظ اليهود بصبغتهم العربية أو البربرية، بحيث كانوا 36.8% من السفارد و30.5% من العرب و6.95% من البربر (في نهاية القرن التاسع عشر) . أما في الجزائر، فقد حدث العكس إذ تم استيعاب السفارد ضمن السكان الأصليين، وأصبح الجميع يهوداً مستعربة. ثم انضم إليهم في القرن السابع عشر الميلادي نخبة سفاردية من ليجورن (وقد سميت «جورينيم» ) قامت بدور الجماعة الوسيطة. وفي تونس، انقسمت الجماعة اليهودية إلى التوانسة وهم اليهود المستعربة، والجرانا أو الغرانا وهم السفارد من غرناطة، والجورينيم من ليجورن أيضاً. ومن الناحية الدينية، ينقسم اليهود إلى: 1 ـ يهود حاخاميين يؤمنون بالتوراة والتلمود، وهؤلاء كانوا هم الأغلبية. ومعظم هؤلاء كان يتبع النهج السفاردي، وكان بعضهم يتبع النهج الإشكنازي، وكان لكل فريق معابده المستقلة. 2 ـ يهود قرّائين، وكانوا يوجدون أساساً في مصر حيث بلغ عددهم عام 1947 نحو 3.486 (مقابل 62.153 يهودي حاخامي) . 3 ـ يهود سامريين. 4 ـ يهود لادينيين وعلمانيين. ويبدو أن التيارات اليهودية الدينية الجديدة (وهي أساساً تيارات إشكنازية) ، مثلها مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة وغيرها، لم تجد طريقها إلى العالم العربي. وكان اليهود يختلفون في درجة تَمسُّكهم بتعاليم دينهم حسب معدلات العلمنة الموجودة في مجتمعهم. فكان مدى تَمسُّك يهود مصر باليهودية يختلف عن مدى تمسك يهود اليمن الذين كانوا معزولين عن العالم ومشهورين بتمسكهم بتعاليم دينهم كما يتضح في طريقة قصهم شعر رأسهم وتركهم السوالف وإطلاقهم اللحى. وقد نشبت صراعات دينية بين أعضاء هذه الفرق، وخصوصاً بين الحاخاميين والقرّائين والسامريين، بحيث كان لكل فرقة دينية معبدها وحاخامها وتنظيماتها. لقد ضمنت دساتير العراق ومصر والمغرب وغيرها من الدول العربية لليهود المساواة في الحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية. وكان لكل جماعة يهودية مدارسها وصحفها، العربية والإنجليزية والفرنسية، ومحاكمها (إلى أن أُلغيت المحاكم الشرعية في بعض الدول العربية) . وكان تنظيم الجماعة اليهودية (الذي كان يترأسه شخص يُقال له الناسي أو الحاخام الأكبر) يشبه منصب بطريرك الأقباط في مصر يساعده مجلس أو لجان معيَّنة أو منتخبة تشرف على كل الشئون الاجتماعية للجماعة التي لا تندرج تحت نفوذ أو سلطان الدولة. وفي معظم الأحيان، كانت كل جماعة يهودية سفاردية أو إشكنازية أو مستعربة ... إلخ تحتفظ باستقلالها عن الجماعات الأخرى، ولكن كان يتم التنسيق بين هذه الجماعات أحياناً بحيث تعترف كلها بسلطة مركزية واحدة كما حدث في مصر. ويُلاحَظ أن ظاهرة الجيتو الغربية ليس لها نظير في العالم العربي إلا في المغرب حيث كان اليهود يعيشون في حي خاص بهم يُسمَّى «الملاح» ، والكلمة مشتقة من كلمة «ملح» ولا يُعرَف السبب هذه التسمية على وجه التحديد، وإن كان يُقال إنه سُمي كذلك لأنه بعد تنفيذ حكم الإعدام في أعداء السلطان كان رأس المعدوم يُفصَل عن جسده ثم يتم تمليحه حتى لا يصاب بالتلف عند عرضه على الجمهور، كما وردت تفسيرات أخرى لا تقل طرافة عن هذا التفسير. أما حارة اليهود، فلم تكن جيتو بأي معنى، وإنما كانت مجرد مكان يتركز فيه أعضاء الجماعة نفسها كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. الجماعات اليهودية في العالم العربي: تحولها إلى عنصر استيطاني The Jewish Communities in the Arab World: Their Trans- formation into a Colonial Settler Element بعد أن نجحت الدول الغربية في القضاء على تجربة محمد علي في النهضة القومية في مصر والعالم العربي، وفي إصلاح الدولة العثمانية ككل، تعاظم النفوذ الغربي في العالم العربي وتراجعت الدولة العثمانية التي أخذت تتنازل للقوى الغربية بالتدريج. وقد أخذ هذا شكل قوانين الامتيازات وحماية الأجانب. وانتهى الأمر إلى القضاء على الدولة العثمانية واقتسام معظم أجزاء العالم العربي بين الدول الغربية، فأصبحت العراق ومصر والسودان وفلسطين وعدن وبعض دول الخليج تابعة للإنجليز، وتونس والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان لفرنسا، وليبيا لإيطاليا، وأجزاء من المغرب لإسبانيا. وقد تَكرَّس هذا الوضع بانتهاء الحرب العالمية الأولى. وحاول الاستعمار الغربي في العالم العربي الإسلامي أن يوسع رقعة نفوذه بين السكان عن طريق فرض الحماية على أعضاء الأقليات وإعطائهم حقوقاً ومزايا لم تكن متاحة لأعضاء الأغلبية بحيث تتحول الأقلية إلى جيب سكاني ترتبط مصالحه وتطلعاته بالقوى الاستعمارية الحامية وتتحول هي إلى جماعة وظيفية وسيطة بين القوة الاستعمارية والسكان المحليين، وكانت هذه العملية تسمى عملية «حماية» الأقليات، وهذا هو النمط الذي يسم علاقة إسرائيل بالعالم الغربي ويسم موقف الحضارة الغربية من اليهود عبر تاريخها. ويبدو أن عملية حماية الأقليات أول شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني عن طريق تحويل أقلية محلية مندمجة إلى عنصر غريب يدين بالولاء لقوة غربية غريبة! ولعبت المؤسسات اليهودية الغربية، وخصوصاً الأليانس ذات الاتجاه الصهيوني، دوراً أساسياً في ذلك. فأسست الأليانس سلسلة من المدارس في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي دخلها أبناء اليهود من الجماعات كافة سواء المحلية أو الوافدة. ولم يتعلَّموا في هذه البلاد لغة بلادهم (العربية) وإنما تعلَّموا الفرنسية أساساً ولغات أوربية أخرى، وهو ما أدَّى إلى صبغ معظم أعضاء الجماعة اليهودية بصبغة غربية فرنسية فاقعة وإلى عزلهم عن بني أوطانهم وتهميشهم من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويُلاحَظ الانجذاب الشديد ليهود البلاد العربية إلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بما في ذلك يهود مصر التي كانت مستعمرة إنجليزية، ويهود ليبيا وكانت مستعمرة إيطالية. ولهذا، اتجه أغلبهم بعد الهجرة من البلاد العربية إلى فرنسا أو إلى القسم الفرنسي في كندا، أو إلى أمريكا الجنوبية ذات الثقافة اللاتينية. ومما عمق هذا الاتجاه نحو التهميش الاقتصادي والثقافي، وجود عناصر يهودية وافدة من الغرب كان يفوق عددها أحياناً عدد اليهود المحليين. فعدد يهود مصر، على سبيل المثال، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان بين ستة آلاف وسبعة آلاف. وفي عام 1897، بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفاً نصفهم من الأجانب الوافدين. وفي عام 1917، بلغ عددهم 60 ألفاً 58% منهم من الأجانب. ومع حلول عام 1947، أي عشية إنشاء الدولة الصهيونية، كانت نسبة المصريين بين أعضاء الجماعة اليهودية لا تتجاوز 20%. وفي دمشق وحلب، كان نصف اليهود «سنيوريس فرانكوس» ، وهي عبارة أسبانية تعني «الأسياد الفرنجة» ، وهو ما كان يعني أنهم وافدون يتمتعون بالامتيازات. وكان العنصر الوافد يشكل، بطبيعة الحال، عامل جذب قوياً للعناصر المحلية إذ كان لدى الوافدين من الكفاءات ما يؤهلهم للتعامل مع القوة الاستعمارية المهيمنة ومع الاقتصاد الحديث الآخذ في التشكل. ولذا، نجد أن العنصر المحلي سرعان ما اكتسب الصبغة الغربية حتى أصبح من الصعب، في كثير من الأحوال، تمييز اليهود المستعربة المحلية عن اليهود الوافدين. ولقد كان يهود العراق استثناء من هذه القاعدة، إذ لم تنضم أعداد كبيرة منهم إلى يهود العالم الغربي واحتفظوا بهويتهم العربية. وكانت هناك شريحة اكتسبت الثقافة الغربية في مدارس الأليانس واعتمدت عليها سلطات الاحتلال البريطانية للخدمة في إدارتها الجديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون كثيراً في سلوكهم هذا عن بعض أعضاء النخبة الحاكمة في البلاد العربية ولا عن بعض أعضاء طبقات المجتمع الهامشية الأخرى الذين يتركون ثقافتهم الوطنية وهويتهم ويكتسبون ثقافة الغازي ويتعلمون لغته. وهم في الواقع يهدفون إلى أن يحققوا حراكاً اجتماعياً، وينتهي بهم الأمر إلى التوحد الكامل مع هذا الغازي ثم الرحيل معه حينما تحين الساعة (كما حدث لبعض أعضاء الطبقات الحاكمة في العالم العربي) . وتجب إضافة أن أعضاء الأقليات أكثر تعرضاً لهذه العملية من أعضاء الأغلبية بسبب هامشيتهم فيما يتعلق بالرموز الأساسية للمجتمع. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن عملية إعتاق يهود العالم العربي وتحديثهم تمت خارج نطاق المجتمع العربي نفسه وبمعدلات مختلفة عن معدلات التحديث فيه، كما أنها تمت من خلال القوى الغازية. ولذلك، فبينما أدَّى الإعتاق والتحديث في الغرب إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم أدَّت العملية السياسية والاجتماعية نفسها إلى نتيجة عكسية تماماً في المجتمع العربي. وقرر كثير من المواطنين اليهود الاستفادة من قوانين الامتيازات، فتجنسوا بإحدى الجنسيات الأوربية حيث كانت بعض الدول الغربية تشجع هذا الاتجاه لخلق رأس جسر لها. وفي الجزائر بالذات، أعطيت الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر في محاولة لزيادة الكثافة البشرية الفرنسية داخل الجزائر، وكان هذا جزءاً من المخطط الاستعماري الاستيطاني. ومع اندلاع الثورة الجزائرية، كانت أغلبية يهود الجزائر العظمى مواطنين فرنسيين. وقد كان العدد أقل في تونس والمغرب نظراً لأن الحكومة الفرنسية لم تشجع هذا الاتجاه هناك. وبعد احتلال بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، سعى أعضاء الجماعة اليهودية في العراق للحصول على الجنسية البريطانية، فقدموا طلبات بهذا المعنى إلى المندوب السامي البريطاني عام 1921 ولكن بريطانيا لم تستجب لطلبهم. ومن العناصر الأخرى التي ساهمت في تعميق الاتجاه نحو التغريب، تركيب أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفي والاقتصادي، وخصوصاً بين الوافدين. فقد تركزوا في مهن تجارية معينة (تجارة دولية) ومالية (الربا والسمسرة وأعمال البورصة) وحرفية (صناعة الخمور) ، وهي مهن حولتهم إلى جماعات وظيفية وسيطة مرتبطة أساساً بالقطاع الاقتصادي الغربي وبالقوة المهيمنة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن معظم قرّارات التعريب أو التأميم كانت دائماً تضر بمصالح أعضاء الجماعة اليهودية والجماعات شبه الأوربية الأخرى، مثل اليونانيين والإيطاليين والمالطيين، من الوافدين أو الذين تم تهميشهم ثقافياً واقتصادياً. لكل هذا، نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهودية ارتبط بمصير الاستعمار في المنطقة، فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهم البنيوية مع تَزايُد الهيمنة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي. وأثناء فترة النضال ضد الفرنسيين في الجزائر، أيَّد 90% من يهود الجزائر بقاء الجزائر فرنسية، ووقفوا إلى جانب منظمة الجيش السري، وأخيراً رحلوا مع المستوطنين الفرنسين، رغم أن هؤلاء المستوطنين كانوا معروفين بكرههم العميق لليهود وعدائهم لهم، كما أنهم عارضوا منحهم الجنسية الفرنسية في بادئ الأمر. أما في تونس والمغرب، فتقول بعض المراجع الصهيونية إن أعضاء الجماعات اليهودية قد وقفوا موقف الحياد من حركة التحرر الوطني، وهي عبارة غير مفهومة وتفترض هامشية اليهود وعدم انتمائهم. وقد ازدادت عملية التهميش هذه مع تَزايُد نشاط الحركة الصهيونية التي حاولت أن تعرِّف اليهود لا باعتبارهم عرباً أو حتى غربيين وإنما باعتبارهم يهوداً يدينون بالولاء للشعب اليهودي ثم للدولة الصهيونية. وفي العشرينيات، قامت الوكالة اليهودية بتكوين شبكة جاسوسية في العالم العربي استخدمت المؤسسات والمنظمات اليهودية الشرعية (مثل نوادي المكابي) واجهات تخفي نشاطها المعادي وغير الشرعي. وفي الثلاثينيات، أسست الوكالة اليهودية جهاز مخابرات يتبعه قسم عربي يترأسه موشيه شاريت. وقد قام الموساد عام 1937 بتأسيس مركز لتدريب بعض اليهود العرب على أعمال الجاسوسية ضد بلادهم أطلقت عليه اسم «الأولاد العرب» . وبعد قيام الدولة، تم تجنيد بعض العناصر العربية اليهودية للقيام بأعمال تخريبية تخدم مصالحها، كما حدث في حادثة لافون حينما جنَّد بعض اليهود المصريين للإساءة إلى العلاقات بين حكومة مصر الثورية الجديدة عام 1952 وحكومات الدول الغربية. ولقد أدَّى تأسيس الدولة الصهيونية التي تدَّعي أنها دولة يهودية تُمثِّل كل يهود العالم، ومنهم يهود العالم العربي، إلى الوصول بعملية التهميش إلى ذروتها. ومع هذا، ظلت أغلبية يهود العراق بمنأى عن عملية التهميش آنفة الذكر لبعض الوقت، ولذلك فقد تمتعوا بقدر كبير من الاستقرّار والرخاء الاقتصادي واستفادوا من الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ولم يتعرض اليهود إلا لبعض الأحداث المتفرقة التي جاءت كرد فعل إما للتطورات الجارية في فلسطين أو لتصاعد المشاعر المعادية لبريطانيا. وقد كانت أخطر هذه الأحداث الاضطرابات التي جرت عام 1941، والتي جاءت في أعقاب هزيمة قوات رشيد عالي الكيلاني أمام القوات البريطانية وسقوط نظامه. وقد راح ضحية هذه الاضطرابات التي عُرفت باسم «فرهود» ما بين 170 و180 يهودياً (وعدد أكبر من غير اليهود) . وبعد هذه الأحداث، عادت الأمور إلى نصابها. ولذلك، فقد وجدت الحركة الصهيونية صعوبة بالغة في تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، واضطرت في نهاية الأمر إلى اللجوء للإرهاب ضدهم حين دفعت بعملائها ليضعوا متفجرات في المعابد اليهودية وفي أماكن تَجمُّع أعضاء الجماعة حتى يبدو الأمر وكأن المجتمع بدأ يتحرك ضد اليهود. ولكن هذا لا يعني أن كل أعضاء الجماعات اليهودية كانوا ممالئىن للاستعمار الغربي وتحولوا إلى وسطاء له، كما كان يهدف المخطَّط الاستعماري. ذلك أن أعداداً كبيرة من يهود سوريا انضمت إلى حركة التحرر الوطني ودعمت المطالب القومية. ومن المعروف أن يعقوب صنوع (أبو نظارة) ، وهو كاتب مصري يهودي، هاجم الاستعمار الإنجليزي ونُفي بسبب ذلك. كما أن المصري اليهودي ليون كاسترو كان، وهو رئيس تحرير جريدة يومية فرنسية، من كبار مؤيدي حزب الوفد المصري، ورافق سعد زغلول أثناء مفاوضاته في لندن (لكنه أسس بعد ذلك تنظيماً صهيونياً في مصر، ولعل تأييده للوفد كان يهدف إلى تعميق التيار الوطني المصري لعزل مصر عن العالم العربي وبالتالي فلسطين) . ويوجد، غير هؤلاء، كثيرون من أثرياء اليهود الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ مما يُطلق عليه مُصطلَح «الرأسمالية الوطنية» والذين ارتبطت مصالحهم ورؤيتهم وتطلعاتهم بالوطن الذي يعيشون فيه. ففي مصر مثلاً، ساهمت عائلتا قطاوي وشيكوريل في تأسيس بنك مصر عام 1920، وهو مشروع كان يهدف إلى تقليص اعتماد مصر على رأس المال الأجنبي وإلى إرساء حجر أساس لصناعة وطنية مستقلة. ومن المعروف كذلك أن يهود العالم العربي لعبوا دوراً ملحوظاً في تأسيس الحركات الشيوعية في العالم العربي. وقد كانت هذه الحركات نشاطات، أياً كان تقييم المرء لها، معادية للاستعمار. فقام هنري كورييل بتأسيس الحركة الشيوعية المصرية (وثمة دراسات تشير إلى دور كورييل المشبوه) . وقد كان هناك وجود يهودي ملحوظ في الحركة الشيوعية في العراق (الصحفي اليهودي نعيم قطان ومراد العماري وغيرهما ممن تبنوا موقفاً معادياً للصهيونية وأسسوا منظمة باسم «عصبة مكافحة الصهيونية» ) . والواقع أنَّ وجود اليهود في هذه النشاطات بأعداد تفوق نسبتهم العددية أمر ليس مقصوراً عليهم، ففي الكثير من الأحيان يوجد أعضاء الأقليات بنسب كبيرة في الحركات الثورية والفوضوية. وعلى كلٍّ، فحينما قررت الحركة الشيوعية العراقية أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في محيطها العربي، طلبت إلى أعضاء القيادة من اليهود الاستقالة، وقد فعلوا ذلك مؤثرين مصلحة الحزب على مصلحتهم الشخصية. ولكن الصورة العامة للجماعات اليهودية في العالم العربي هي أنَّ الاستعمار الغربي قد نجح في عزلها ثقافياً عن الثقافة العربية الإسلامية وربطها بمصالحه الاقتصادية ورؤيته الثقافية ومن ثم تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عالية للهجرة. وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ اختفى يهود البلاد العربية تقريباً. عائلة قورقوس The Corcos Family عائلة يهودية يعود أصلها إلى بلدة قرقوس في كاستيل (قشطالة) بإسبانيا. استقر أغلب أعضائها بعد عام 1492 في إيطاليا ومدينة فاس المغربية. ومن أهم أعضائها: إبراهيم قورقوس (حوالي عام 1275) وهو عالم عاش في كاستيل، أما يهودا بن إبراهيم قورقوس (تُوفي بعد عام 1493) فكان مالياً ثرياً استقر في البرتغال عام 1492. وبعد طرد كثير من يهود إسبانيا إلى المغرب، كان أعضاء عائلة قورقوس من بين المطرودين. ودافع جوشوا (توفي بعد 1552) عن حقوق منفى قشطالة بالنسبة لمسألة تقاليد الذبح الشرعي، كما شارك في وضع القواعد التكميلية (تاكانوت) الخاصة بتنظيم حياتهم الاجتماعية والدينية في المغرب. أما موسى بن إبراهيم قورقوس (توفي حوالي 1575) وهو من فاس، فقد عُرف بالتقوى وبالمعرفة الواسعة واختير قاضياً شرعياً في تونس وتحولت مقبرته بعد وفاته إلى مزار للحجاج. كما كان يوسف قورقوس (توفي حوالي عام 1710) حاخاماً له وزن واحترام، وكان له كثير من التلاميذ. أما يوسف بن جوشوا قورقوس (تُوفي بعد عام 1800) ، فعاش لفترة في جبل طارق وألَّف بعض الأعمال الدينية. كما ترك عالم التلمود إبراهيم بن موسى قورقوس (توفي حوالي 1778) عدداً من المؤلفات والفتاوى الدينية. وكان يوسف قورقوس (تُوفي بعد 1575) عالم تلمود وُلد في إسبانيا وسافر إلى مصر حيث ترأس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) ثم استقر في فلسطين. وكانت له بعض المؤلفات والتعليقات أو الشروح الدينية. أما شقيقه إسحق قورقوس (تُوفي قبل عام 1540) ، فكان حاخاماً في مصر ثم عُيّن قاضياً شرعياً في القدس. أما ميمون بن إسحق قورقوس (تُوفي عام 1799) ، فكان تاجراً ذا نفوذ وأحد دعائم السياسة البريطانية في المغرب. أما سولومون بن أبراهام قورقوس (تُوفي عام 1854) ، فقد كان مصرفياً ومستشاراً للسلطان كما اختارته بريطانيا وكيلاً قنصلياً لها عام 1822. أما ولداه، يعقوب (تُوفي عام 1878) وإبراهيم (توفي عام 1883) ، فكانا مقربين للسلطان وقاما بأعمال مهمة له. وقد عُيِّن إبراهيم عام 1862 قنصلاً للولايات المتحدة في إحدى مدن المغرب حيث نجح بفضل علاقته بالسلطان في تسهيل مهمة موسى مونتفيوري أثناء زيارته للمغرب. واختير أيضاً مائير إبراهيم قورقوس (تُوفي 1929) ، قنصلاً للولايات المتحدة عام 1884. أما جوشوا بن حاييم قورقوس (تُوفي 1929) ، فكان مستشاراً ومصرفياً للسلاطين ولعب دوراً أساسياً هاماً في الفترة ما بين عامي 1885 و1912. أما فرديناند قورقوس (1857 ـ 1956) ، فكان صهيونياً نشيطاً وصدر له بين عامي 1923 و1925 مؤلفات عن الصهيونية. أما ستيلا قورقوس (1857 ـ 1948) ، فوُلدت في نيويورك وتزوجت موسى قورقوس (تُوفي عام 1903) ، ثم استقرت في المغرب حيث أسست مدرسة يهودية حرة وعارضت نشاط البعثات التبشيرية البروتستانتية بين فقرّاء يهود المغرب، وأصبحت ستيلا ممثلة للرابطة الإنجليزية اليهودية. أما مونتفيوري قورقوس (تُوفي عام 1958) ، فكان طياراً في القوات الجوية الملكية البريطانية وخدم خلال الحربين العالميتين. وتاريخ عائلة قورقوس وانتقالهم من النشاط الديني إلى النشاط التجاري، ومن الانتماء للحضارة العربية إلى الانتماء التدريجي للحضارة الغربية، وكذلك تحوُّل كثير من أعضائها إلى قناصل للبلاد الغربية، يعكس تاريخ يهود البلاد العربية وتحولهم بالتدريج إلى جماعة وظيفية تابعة للاستعمار الغربي. عائلة قدوري The Kadoori Family عائلة تجارية ومالية يهودية من أصل عراقي استوطنت في الشرق الأقصى حيث حققت ثروة طائلة من خلال العمل في مجال الأعمال المصرفية والنقل والبناء والتشييد، وساهمت في تطوير شانغهاي وهونج كونج. ومؤسس العائلة هو صالح قدوري الذي كان من أغنياء بغداد. وقد وُلد ابنه سير إليس قدوري (1865 - 1922) في بغداد حيث تلقى تعليمه في مدرسة الأليانس إسرائيليت يونيفرسل. وفي عام 1880، انتقل إلى بومباي بالهند حيث عمل إدارياً في مكاتب عائلة ساسون، ثم بدأ في تأسيس وتطوير تجارته وأعماله الخاصة في هونج كونج والصين وحقق ثروة كبيرة. ومُنح إليس لقب «سير» عام 1917 تقديراً للخدمات التي قدمها للمستعمر البريطاني في الشرق الأقصى. وكانت له مساهمات مالية مهمة لعديد من المؤسسات اليهودية وغير اليهودية، فدعم الأليانس إسرائيليت يونيفرسل والرابطة الإنجليزية اليهودية، وأسس مدرستين زراعيتين لليهود والعرب في بغداد كما ساهم في تأسيس مدارس أخرى في كلٍّ من بغداد وبومباي. وبعد وفاته، أوصى إليس بتخصيص جزء من ثروته لبناء مدارس تحمل اسمه في فلسطين والعراق، فتأسست على ضوء ذلك كلية قدوري الزراعية في فلسطين عام 1931. أما شقيقه سير إللي (إليعازر سيلاس) قدوري (1867 ـ 1944) ، فقد وُلد في بغداد وانتقل مع شقيقه إلى الشرق الأقصى وأسس مؤسسة آي. اس قدوري وشركاه في هونج كونج وشنغهاي، كما كان شريكاً في مؤسسة آي. اس. قدوري وأبنائه. وقد مُنح لقب سير عام 1926. واشترك سير إللي مع شقيقه في دعم وتأسيس العديد من المؤسسات التربوية والمستشفيات في الشرق الأقصى والعراق. ولكنه أعطى اهتماماً خاصاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وبخاصة منذ عام 1900، فترأس صندوق مؤسسة فلسطين في شنغهاي، وساهم في تأسيس عدد من المدارس الزراعية في فلسطين، كما ساهم بمبلغ كبير لبناء الجامعة العبرية في القدس. وتولى ولداه من بعده؛ لورانس (1899 ـ؟) ، وهوراس (1902 ـ؟) ، إدارة أعمال الأسرة في هونج كونج ودعم الجماعة اليهودية الصغيرة بها. ومثل غيرها من العائلات اليهودية الثرية في الشرق الأقصى والهند وبعض دول الشرق الأوسط، كانت عائلة قدوري تقوم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي ارتبطت مصالحها بوجودها في هذه المناطق، وارتبط ذلك بمصالح الاستعمار المترجمة في شكل أنشطة مالية وتجارية وعقارية ونقل وغير ذلك من نشاطات في إطار المشروع الرأسمالي الإمبريالي الغربي الذي كان يسعى إلى استنزاف موارد هذه البلاد وشعوبها والذي وجد في كثير من الأقليات الدينية والإثنية ومن بينها الجماعات اليهودية خير معين لتحقيق أغراضه. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسام الطبقي والتمايز الوظيفي The Jewish Communities in The Arab World: Class Divisions and Professional Differentiation لم تكن الجماعات اليهودية داخل كل بلد عربي تتسم بالتماسك والوحدة، فقد كانت خاضعة للصراعات الطبقية والثقافية التي تسم أي مجتمع إنساني، إذ كان منهم الأغنياء والفقرّاء، ومنهم من استفاد اقتصادياً بدخول الاستعمار وظهور القطاع الاقتصادي الغربي الجديد، ومنهم من سقط ضحيته، ومنهم من استوعب الثقافة الغربية الدخيلة واندمج فيها، ومنهم من أخفق في ذلك وإن كان الفريق الأول أكبر بكثير من الثاني. ويمكن أن نضرب مثلاً بمصر حيث كانت الجماعة اليهودية فيها تشمل ثلاث طبقات. في أعلى السلم الطبقي نجد عدداً من العائلات الأرستقرّاطية الغنية المعروفة بثرائها ومركزها ومكانتها وعلاقتها القوية مع النخبة الحاكمة، ومن بينهم قطاوي باشا وموصيري ورولو وسوارس وهراري ووهبة ومنَسَّى ودي بيتشيوتو وشيكوريل وصيدناوي وعدس وغيرهم من أصحاب البنوك والأعمال التجارية وكبار ملاك الأراضي والبارزين في الحياة العامة. وكان هؤلاء يشكِّلون ما بين 5 و10% من تعداد الجماعة اليهودية في مصر. وتلي هذه الطبقة التي شملت كبار الأثرياء والمموِّلين طبقة متوسطة على رأسها رجال التصدير والاستيراد وأصحاب المحال التجارية والمهن الحرة في الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية وبورسعيد. وينتمي إلى هذه الشريحة أيضاً عدد ضخم من الموظفين اليهود في مكاتب بعض المؤسسات التي كانت تضم نسبة مرتفعة من اليهود. وكانت هذه الشريحة تتنافس مع طبقة كبار الأثرياء، ولكن أعضاء كل من هاتين الطبقتين كانوا متفرنسين تماماً، لغةً وثقافة. وعلى أية حال، كانت أعداد كبيرة منهم من أصل أجنبي إسباني أو إيطالي أو غير ذلك. وكانوا يقطنون الأحياء الثرية، كما كانوا أحياناً يحتلون قطاعاً خاصاً بهم في أحد الأحياء، كما كان حال حي السكاكيني. ثم يأتي أخيراً فقرّاء اليهود، وكانوا من الباعة المتجولين وصغار الحرفيين ومعظمهم من اليهود المستعربة. ويسكن معظم هؤلاء الفقرّاء في القاهرة؛ في حارة اليهود في الموسكي أو في حي الظاهر، وكانوا يشكِّلون حوالي 25% من تعداد الجماعة. وقد حققت بعض عائلات اليهود المستعربة قدراً من الثراء والبروز (مثل عائلة باروخ مسعودة، وعائلتي شماس وعبد الواحد، وكانت من الصياغ) . ولم يكن اليهود المتفرنسون يتزاوجون مع اليهود المستعربين، فلكل عالمه الخاص. ومع هذا، كان أبناء اليهود المستعربين يذهبون إلى مدارس الأليانس ويحصلون على الثقافة الأوربية اللازمة لدخول القطاع الاقتصادي الغربي. ويمكن أن نضيف هنا أنه رغم وجود فقرّاء بين أعضاء الجماعة اليهودية، فلو تمت مقارنة متوسط دخل أعضاء الجماعة اليهودية بمتوسط الدخل في مصر لتبيَّن أن متوسط دخل المصري اليهودي كان أعلى من متوسط دخل غيره من المصريين، ولاتضح أن اليهود لم يعرفوا الفقر المدقع إلا بأعداد صغيرة للغاية. وهذا التقسيم الثلاثي كان نمطاً سائداً في المغرب والعراق أيضاً. أما فيما يتصل بالوضع الوظيفي أو المهني أو الاقتصادي، فإن الصورة كانت مركبة. في المغرب واليمن وفي المناطق ذات الكثافة الكردية من العراق، عمل اليهود رعاةً ومزارعين. ولكن، بشكل عام، يُلاحَظ عدم وجود أعضاء الجماعات اليهودية كعمال أو فلاحين، أي أنهم كانوا بعيدين عن قاعدة الهرم الإنتاجي. وكان منهم الحرفيون الذين عملوا ببعض الحرف اليدوية مثل الصاغة والصباغة والصناعات اليدوية للزجاج، كما اشتغلوا بصناعة الخمور. وكانت هناك أعداد كبيرة منهم، في مهن الطبقة الوسطى، يعملون بالطب والصيدلة والصحافة، وكان منهم أساتذة الجامعات. وقد عملوا موظفين في الحكومة، ووصل أفراد منهم في العراق ومصر والمغرب إلى مناصب الوزراء، وانتُخبوا وعُيِّنوا أعضاء في البرلمان مثل يوسف قطاوي عضو البرلمان ووزير المالية، وأصلان قطاوي عضو مجلس الشيوخ، وساسون هيسكيل عضو البرلمان ووزير المالية في العراق، ومناحم دانييل عضو مجلس الشيوخ في العراق أيضاً. ولكن، ورغم عدم التمايز الواضح بينهم وبين أعضاء المجتمع ككل، نجد أن المجتمع، بحكم تركيبه، يضع قيوداً على أعضاء الأقليات مقارنةً بأعضاء الأغلبية، كما أنه يتيح أمامهم فرصاً ليست متاحة لأعضاء الأغلبية. ومن هنا تركُّز اليهود بنسبة تفوق نسبة عددهم إلى عدد السكان في الأعمال التجارية والمالية، فكان منهم صغار التجار والباعة الجائلون والمرابون. كما كان منهم أيضاً كبار التجار وتجار الجملة وأصحاب شركات العقارات والمشتغلون بالتجارة الدولية (التصدير والاستيراد) ووكلاء الشركات التجارية الأجنبية وشركات التأمين وقطاع الخدمات. كما أن سوق الأوراق المالية كانت تضم عدداً كبيراً من السماسرة اليهود. وتَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في صناعات قريبة من المستهلك (الصناعات الزراعية والقطاع المصرفي) أي أنهم لم يكونوا جزءاً من القطاع الأول في الاقتصاد (الصناعات الثقيلة والزراعة) فيما يُسمَّى «قاعدة الهرم الإنتاجي» . وهذا يعني أنهم كانوا جماعة وظيفية. ولعبت مدارس الأليانس دوراً أساسياً في تزويد أعضاء الجماعة اليهودية بالكفاءات اللازمة للتعامل مع الشركات الأجنبية والاقتصاد الاستعماري الجديد وفي صبغهم بالصبغة الغربية (الفرنسية) ، أي أنها عمقت هويتهم كجماعة وظيفية. وإذا نظرنا إلى مصر لوجدنا أن عدة عائلات يهودية مصرية كانت تساهم في إدارة وتوجيه 103 من الشركات من مجموع 308 في عام 1942، فكانوا يسيطرون على جانب كبير من رؤوس أموالها. كما أنهم احتكروا تجارة القطن وتجارة الصادرات والواردات، وأنشأوا العديد من البنوك (مثل البنك العقاري المصري، والبنك الأهلي المصري) ، والشركات الائتمانية (مثل شركة الشرق للتأمين، وشركة التأمين الأهلية المصرية) ، وشركات الأراضي الزراعية (مثل شركة البحيرة المساهمة، وشركة وادي كوم أمبو، وشركة سموحة) . كما أداروا عدة شركات لتقسيم الأراضي وبيعها وشراء المباني واستغلالها (مثل الشركة العقارية المالية بالقاهرة، والشركة المساهمة المصرية المالية والعقارية) . وساهموا في ميدان النقل البري والبحري وشركات السكك الحديدية (مثل شركة حلوان، وشركة الدلتا، وشركة قنا ـ أسوان للسكك الحديدية، وشركة الأمنيبوس العمومية المصرية، وشركة ترام الإسكندرية، وشركة بواخر البوستة الخديوية) . وساهموا أيضاً في الصناعات الزراعية وصناعة الزيوت والسكر، وأسسوا الشركات في هذا المجال (مثل: شركة المطاحن، وشركة الملح والصودا) . كما أسسوا المحلات التجارية الكبرى (مثل محلات شيكوريل وبنزايون وشملا وعمر أفندي وهانو) ، كما نشطوا في مجال تجارة الذهب والسجائر وفي أعمال الفنادق والمنسوجات وإقرّاض المال. وكانت لهم نشاطات اقتصادية فردية أخرى، ففي ميدان المضاربات المالية كان 98% من العاملين في البورصة في القاهرة والإسكندرية يهوداً. وكان التركيب الوظيفي لليهود في مصر (عام 1947) على النحو التالي: 59% تجار، 18% في الصناعات، 11% خدمات عامة. ولكن، حيث إن معظم هؤلاء كانوا من الأجانب وبينهم 20% فقط من المصريين، فإن قانون الشركات الصادر عام 1947، والذي نص على ضرورة أن يكون 75% من الموظفين و90% من العمال اليدويين في جميع المؤسسات في مصر سواء كانت وطنية أم أجنبية من حاملي الجنسية المصرية، تَسبَّب في خروج أعداد كبيرة منهم، وهو الاتجاه الذي تَزايُد بعد ثورة 1952. كما تَسبَّب في ذلك، العدوان الثلاثي عام 1956 وموجتا التمصير ثم التأميم. أما في العراق، فقد ساهم اليهود في النشاط الاقتصادي التجاري المحلي والدولي وفي النشاط المالي سواء على مستوى صغير ربوي أو على مستوى حديث مصرفي. حيث كانت ثمة بنوك مثل بنك زلخا وبنك كريديه. وقد ظهرت، مع بداية القرن التاسع عشر، بعض الشخصيات المالية والتجارية المهمة في بغداد (مثل الشيخ ساسون بن صالح عميد عائلة ساسون التي استوطنت الهند فيما بعد، وإسحق المصرفي، ومناحم عيني) ، كما ازدهرت الأوضاع الاقتصادية لأعضاء الجماعة اليهودية بعد افتتاح قناة السويس حيث أصبح خط التجارة الواصل بين إنجلترا والهند يمر عبر البصرة. وكان من أهم الشخصيات المالية في البصرة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر خوجا يعقوب، وأدون عبد الله. وسيطر اليهود تقريباً على تجارة الصادرات والواردات وعلى نسبة عالية من تجارة التجزئة، كما احتكروا تجارة أهم البضائع في أسواق العراق (مثل صناعة الأبسطة والحصر والأثاث والأحذية والأخشاب والأدوية والأسلحة والأقمشة والتبغ والأرز والحلويات) . كما كانوا من كبار تجار الأحجار الكريمة والمجوهرات ومن كبار الصاغة. وكان أصحاب أكبر الشركات في بغداد (شركة خضوري وعزرا ميدلاوي) الوكلاء الوحيدين لاستيراد دهون وشحوم شركة موبل أويل الأمريكية للبترول بفروعها في البصرة والموصل وكركوك. وكان يهود البصرة يحتكرون 95% من الأعمال التجارية في البلاد عام 1914. ورغم تَراجُع النسبة قليلاً، ظلت 85 ـ 90% عام 1933، و65 - 75% في عام 1946. وكان 95% من واردات العراق قبل الحرب العالمية الثانية (ولكن 10% فقط من صادراتها) في يد اليهود. وكان أغلبها، وهو ما كان يُسمَّى «بضائع مانشستر» ، وكان يتم استيرادها من مانشستر بإنجلترا. وحقق أعضاء الجماعة اليهودية ثروات كبيرة من خلال إعادة تصدير هذه البضائع إلى إيران. وقد استفاد يهود العراق بشبكة علاقاتهم التجارية والمالية في الخارج، وخصوصاً مع اليهود العراقيين الذين استوطنوا في الهند والشرق الأقصى وإنجلترا (مثل عائلة ساسون وعائلة عزرا) . أما بعد عام 1948، فقد انخفضت النسبة إلى 20% من واردات العراق و2% من صادراتها. ويُلاحَظ الشيء نفسه تقريباً في المغرب وتونس، إذ تَركَّز اليهود في الأعمال التجارية والمالية. وفي إحصاء عام 1947، يتبين أن 46.5% منهم يعملون بالتجارة و36.1% يمارسون المهن الصناعية المتنوعة و7.6% في المهن الحرة و4.1% يعملون بالزراعة. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
الولايات المتحدة: مقدمة عامة
United States: General Introduction يمكن القول بأن تاريخ الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة، التي صارت جماعة واحدة فيما بعد، جزء لا يتجزأ من التاريخ الغربي بشكل عام والتاريخ الأمريكي بشكل خاص، ذلك أن أصولها تعود إلى هجرة الشعوب الأوربية إلى العالم الجديد. وتعكس تجربة أعضاء الجماعة في الولايات المتحدة كل الإيجابيات والسلبيات التي تسم تجربة الإنسان الأمريكي. ويُعدُّ وصول الإنسان الغربي إلى الأمريكتين (فيما يُسمَّى «اكتشاف العالم الجديد» ) من أهم الأحداث التي أثرت في تاريخ الإنسان في العصر الحديث إذ فتح مجالات جديدة للاستثمار أمام الإنسان الغربي وزاد ثروته بشكل مذهل بعد أن كان الغرب من أفقر مناطق العالم. ومن هنا، اتجه الفائض السكاني الغربي (كما كان يشار إلى الأفراد الذين لم يحققوا شيئاً من الحراك الاجتماعي ولم يتمكنوا من تحقيق هوياتهم الدينية والثقافية) إلى العالم الجديد ليحقق أعضاؤه من خلال التشكيلات الاستعمارية الغربية ما فشلوا في تحقيقه داخل التشكيلات القومية الغربية. ولكن كل عملية هجرة لها قطبان: أحدهما إيجابي هو عنصر الجذب إلى الوطن الجديد، والآخر سلبي هو عنصر الطرد من الوطن القديم. وقد ذكرنا بعض عناصر الطرد الخاصة بالمجتمع الغربي ككل حينما تحدثنا عن الفائض السكاني، وهي تنطبق على أعضاء الجماعات اليهودية انطباقها على الآخرين. ولكن عملية الهجرة إلى العالم الجديد تزامنت مع عدة عناصر طاردة خاصة بالجماعات اليهودية وحدها جعلت نسبة اليهود المهاجرين أعلى من نسب الجماعات الأخرى (ربما باستثناء الأيرلنديين) . ونوجز هذه العناصر فيما يلي: 1 ـ طرد اليهود السفارد من إسبانيا، ثم استيطانهم في أنحاء العالم الغربي والدولة العثمانية. 2 ـ هجمات شميلنكي في منتصف القرن السابع عشر في بولندا والتي كانت تضم الجزء الأكبر من يهود العالم. 3 ـ تقسيم بولندا في نهاية القرن الثامن عشر بما نتج عنه من توزيع اليهود فيها على روسيا وألمانيا والنمسا، وما نجم عن ذلك من قلقلة وعدم استقرار. 4 ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا، ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وكان يضم آنذاك يهود اليديشية وهم أغلبية يهود العالم الساحقة، بل ووصول عملية التحديث إلى طريق مسدود في نهاية الأمر. وترك ذلك أثراً عميقاً في أعضاء الجماعات اليهودية إذ خلق لديهم إحساساً عميقاً بالإحباط، وخصوصاً أعضاء الطبقة الوسطى. 5 ـ لكن من أهم الأسباب التي تهم اليهود، أكثر من أية جماعة أوربية أخرى، أن المجتمع الأمريكي مجتمع علماني تماماً. ومع أن الديباجات والرموز الدينية المسيحية كانت منتشرة في المراحل الأولى، إلا أن كل هذه الأشياء ضمرت سريعاً وهيمنت الرؤية البرجماتية المادية النفعية حيث أصبح الحكم على كل شيء في الواقع، وضمن ذلك الإنسان، يَصدُر عن منظور مدى نفعه (المادي) . وينطلق دستور الولايات المتحدة من أطروحات الاستنارة والإيمان بالمساواة بين البشر ومن أن هدف الحياة هو البحث عن السعادة أو المتعة. وفي عام 1840، اعترض المواطنون على حاكم جنوب كارولينا لأنه أشار إلى الثالوث المسيحي في دعاء عيد الشكر. وكان هذا الحادث من أهم الوقائع التي تدل على تراجع المسيحية حتى على مستوى الرموز العامة، وهو أمر يشكل جاذبية خاصة للمهاجر اليهودي. 6 ـ يجب أن نتذكر أن المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني، وأن أسطورة الاستيطان الغربية أسطورة عبرانية. فالولايات المتحدة كان يُنظر إليها باعتبارها صهيون الجديدة (والمستوطنون البيوريتان هم العبرانيون) ،أما السكان المحليون أو الأصليون فهم الكنعانيون والعماليق من أجداد العرب. بل قُدِّم اقتراح بأن تكون العبرية لغة البلد الجديد بدلاً من الألمانية أو الإنجليزية. وهذا جزء من ميراث الإصلاح الديني في الغرب حيث زاد الاهتمام بالعهد القديم وحوادثه التاريخية. ومن المؤكد أن هذا خلق تعاطفاً كامناً مع المهاجرين اليهود وجعل الولايات المتحدة ذات جاذبية خاصة لهم إذ أن النسق الرمزي لا يستبعدهم. 7 ـ المجتمع الأمريكي مجتمع استيطاني بناؤه الطبقي في حالة سيولة وانفتاح شديدين ولا يضع أية عقبات أمام المهاجر اليهودي. 8 ـ ساهم أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الجماعات المهاجرة، في صياغة رؤية أمريكا لنفسها كمجتمع تعددي، وفي تشكيل الواقع الأمريكي كواقع لا تتحكم فيه مؤسسات وسيطة (قبائل أو كنيسة مركزية) . لكل هذا أصبحت الولايات المتحدة «الجولدن مدينا» بحق أي «البلد الذهبي» وملجأ الغالبية الساحقة من يهود العالم ووطنهم. لكل هذه الأسباب، سواء الجاذبة أم الطاردة، لم يكن من الغريب انتقال الكتلة البشرية اليهودية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة أساساً أو إلى غيرها من المجتمعات الاستيطانية الجديدة مثل أستراليا وكندا وجنوب أفريقيا والأرجنتين، إذ أن الهجرة اليهودية هي في نهاية الأمر جزء لا يتجزأ من الهجرة الاستيطانية الغربية. ويمكن تقسيم تاريخ الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى المراحل التالية: 1 ـ المرحلة الكولونيالية: السفارد وبداية وصول الإشكناز الألمان. أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1764) . ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) . 2 - المرحلة الألمانية: أ) الفترة الأولى (1776 ـ 1820) . ب) الفترة الثانية (1820 ـ 1880) . 3 ـ بداية المرحلة اليديشية أو مرحلة الهجرة اليديشية الكبرى (1880 ـ 1929) . 4 ـ نهاية المرحلة اليديشية (1929ـ 1945) ، وظهور اليهود الأمريكيين. 5 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (من بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1970) . 6 ـ اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1971 - حتى الوقت الحاضر) . وإن تكن هناك وحدة ما في تاريخ الجماعة اليهودية فهي وحدة أمريكية خاصة وليست يهودية عامة، ولا يمكن فهم هذا التاريخ إلا في هذا الإطار إذ أننا لو اكتفينا بالإطار اليهودي فسنلاحظ اختلافات حادة وعميقة. وقد حاول السفارد إيقاف هجرة الإشكناز الألمان الذين حاولوا بدورهم استصدار تشريعات لوقف هجرة يهود اليديشية. وقد نشبت الصراعات الدينية العميقة بين الأرثوذكس من جهة والفرق الدينية الأخرى مثل المحافظين والإصلاحيين والتجديديين من جهة أخرى، وبين الصهاينة الاستيطانيين والصهاينة التوطينيين. ولو نظرنا إلى هذه الخلافات بمعزل عن التاريخ الأمريكي وداخل إطار التاريخ اليهودي لتحوَّلت إلى مجموعة من الأحداث المتناقضة التي لا يحكمها أي منطق داخلي. ولكن، في ضوء مسار التاريخ الأمريكي، يمكن النظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية باعتبارهم مجموعات من المهاجرين أتوا من بلاد مختلفة، لهم انتماءات حضارية ودينية غير متجانسة وتمت أمركتهم ثم دمجهم تماماً في المجتمع مع توقُّف الهجرة من الخارج. ويمكن فهم هيمنة الصهيونية عليهم واحتجاجهم عليها، ورفضهم لها أحياناً ومحاولتهم التملص منها أحياناً أخرى في ذلك الإطار نفسه. وتجب الإشارة إلى أن تجربة المهاجرين اليهود مع الولايات المتحدة كانت تجربة فريدة بالنسبة لهم (ولغيرهم من المهاجرين) إذ فتحت الأبواب أمامهم وأتاحت لكل منهم تحقيق قدر من الحراك الاجتماعي يتناسب مع كفاءته وشراسته. ومع أن المهاجرين باعتبارهم أعضاء في جماعات وظيفية حملوا معهم ميراثهم الاقتصادي الذي حد من الوظائف التي يمكنهم شغلها، كما أن كونهم مهاجرين كان يفرض حدوداً معينة عليهم، فإنهم مع هذا لم يضطروا إلى لعب دور الجماعة الوظيفية الوسيطة وهو الدور الذي اضطروا إلى الاضطلاع به في المجتمعات الغربية قبل الثورة الفرنسية. ولذا، فلا غرو أن الولايات المتحدة تضم أكبر تجمُّع يهودي في العالم بل في التاريخ، فالعبرانيون في فلسطين لم يتجاوز عددهم مليونين. ورغم أن عدد يهود روسيا القيصرية كان يصل أحياناً إلى سبعة ملايين، إلا أنهم كانوا موزعين بين تشكيلات حضارية وسياسية وجغرافية مختلفة داخل الإمبراطورية. أما يهود بولندا، وهم أهم الجماعات اليهودية طراً، فلم يزد عددهم قط عن 3.300.000، كما أنهم لم يتمتعوا بحقوق يهود الولايات المتحدة أو قوتهم. وفيما يلي جدول يبيِّن تعداد يهود الولايات المتحدة في الفترة من 1650 حتى 1989. السنة / العدد / النسبة المئوية إلى عدد السكان 1650 /244 / ــــ 1790 / 2.500 / ــــ 1818 / 3.000 / ــــ 1826 / 6.000 / ــــ 1830 / 10.000 / ــــ 1840 / 15.000 / ــــ 1850 / 50.000 / 0.5 1877 / 230.000 / 0.2 1887 / 400.000 / 1.3 1897 / 938.000 / 0.7 1907 / 1.777.000 / 3.2 1919 / 3.389.000 / 3.7 1927 / 4.228.000 / 3.1 1937 / 4.771.000 / 2.0 1947 / 5.000.000 / 2.8 1957 / 5.200.000 / 3.7 1967 / 5.800.000 / 3.5 1970 / 6.000.000 / 2.5 1980 / 5.800.000 / 2.9 1989 / 5.920.000 وحسبما جاء في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1992، يبلغ تعداد يهود الولايات المتحدة 5.515.000 فقط، من مجموع السكان البالغ عددهم 247.341.000، أي أنهم حوالي 2.23%. المرحلة الكولونيالية The Colonial Era أ) الفترة الهولندية: السفارد (1654 ـ 1664) : يعود تاريخ استقرار أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى عام 1654 حين استقر في مدينة نيو أمستردام (نيويورك فيما بعد) مجموعة من اليهود السفارد (المارانو) يبلغ عددهم ثلاثة وعشرين يهودياً هاربين من محاكم التفتيش البرتغالية في البرازيل. وكان هؤلاء يعملون بالتجارة، فاستمروا في مهنتهم دون أية عوائق. وقد ساد آنذاك في الأوساط الهولندية فكر تجاري يغلِّب المصلحة المادية على الانتماءات الدينية، الأمر الذي هيأ الجو لأن يحصل اليهود على حقوقهم، كعناصر نافعة، ويمارسوا نشاطهم التجاري دون قيود. ولكن الجماعة اليهودية اختفت بعد قليل نظراً لظهور فرص أعظم في أجزاء أخرى من الأطلنطي، وخصوصاً في جزر الهند الغربية. ب) الفترة الإنجليزية: بداية وصول الإشكناز الألمان (1664 ـ 1776) : بعد أن استولى الإنجليز على نيو أمستردام وأصبحت تُسمَّى نيويورك (عام 1664) ، وبعد تصفيتهم للجيب الهولندي في شمال أمريكا، ازداد النشاط التجاري في هذا الجزء من العالم وبدأ اليهود يتجهون نحوه بشكل متزايد. ولم يحل عام 1700 إلا وكان هناك ما بين مائتي وثلاثمائة يهودي، ثم بلغ عددهم 2500 عام 1776. وكان معظم المستوطنين من الأثرياء. وقد ظل العنصر السفاردي (من إسبانيا والبرتغال) هو الغالب حتى عام 1720 حيث بدأ العنصر الإشكنازي (الألماني أساساً) يصبح غالباً. وهذا هو النمط الأساسي للاستيطان اليهودي في الغرب بعد القرن الخامس عشر إذ كان السفارد يشكِّلون دائماً النواة الأولى ثم يتبعهم الإشكناز حتى يصبحوا العنصر الغالب بكثافتهم البشرية. وقد تكونت جماعات يهودية في نيوبورت وفيلادلفيا ونيويورك وتشارلستون (في ساوث كارولينا) وأتلانتا (في جورجيا) . وكان أعضاء الجماعة اليهودية يعملون أساساً بالتجارة، فكان هناك الأرستقراطية الثرية التي كانت تتاجر في المنتجات الزراعية وتُصدِّرها إلى الخارج. وكان منهم مُلاَّك السفن والمتعهدون العسكريون الذين كانوا يزودون الجيش البريطاني بما يحتاج إليه من مؤن وتموينات. وكان هناك عامة اليهود من تجار متجولين يتاجرون مع الهنود وغيرهم. وكان منهم بعض الحرفيين من إسكافيين ومقطري خمور وصانعي لفائف التبغ والصابون وسروج الخيل والحقائب الجلدية والمشتغلين في سك الفضة وتصنيعها. واشتغل بعض كبار المموِّلين من أعضاء الجماعة اليهودية بأهم تجارة آنذاك وهي تجارة الرقيق، حيث كانت نسبة اليهود المركزين في هذه التجارة عالية. وكان من بين التجار حاخام (رئيس الجماعة اليهودية في مدينته) وهو ما يعني القبول الاجتماعي لهذه التجارة. واليهود في هذا لا يختلفون عن كل الأمريكيين الذين استفادوا من استيراد العبيد وتشغيلهم. أما الأعمال الزراعية وأعمال الري، فقد اقتصرت على عدد قليل جداً من اليهود. وكل هذا يبيِّن أن أعضاء الجماعة حملوا معهم إلى العالم الجديد ميراثهم الاقتصادي (الوظيفي والمهني) الأوربي. ومع هذا، لا يمكن القول بأنهم كانوا جماعة وظيفية وسيطة، وهو أمر غير وارد في المجتمعات الرأسمالية التي يُعَد النشاط التجاري والمالي فيها نشاطاً أساسياً. وقد استمر هذا الوضع حتى الأربعينيات من القرن العشرين، مع توقُّف تدفق الهجرة من أوربا، وأصبح أعضاء الجماعة اليهودية أمريكيين خاضعين لحركيات المجتمع الأمريكي والغربي المتاحة لهم. وقد تم تأسيس أول جماعة دينية في نيويورك عام 1658 (الأبرشية اليهودية) وتبعتها جماعات دينية أخرى. ويُلاحَظ أن الأشخاص العاديين، الذين لم يتلقوا أيَّ تعليم حاخامي تلمودي كانوا هم المتحكمين في المعبد اليهودي، على عكس الوضع في أوربا حيث نجد أن الحاخام هو الشخصية الأساسية. وقد استأجرت أول أبرشية يهودية حاخاماً عام 1840 وكانت صلاحياته دينية وحسب، إذ لم تكن هناك أية محاكم دينية لها صلاحيات قضائية. وظل هذا أحد ثوابت وضع اليهود في العالم الجديد. وكانت الأطر التنظيمية اليهودية الأخرى مسألة اختيارية طوعية، على خلاف القهال في شرق أوربا حيث كان على اليهود أن ينضموا إليه ويمارسوا حقوقهم وواجباتهم من خلاله. وكانت جهود الجماعة تتجه نحو رعاية فقراء اليهود من بين المهاجرين الجدد والعجزة والعجائز، كما كانت تتجه إلى مساعدة المدارس اليهودية. وقد حصل اليهود على جميع الحقوق التي حصل عليها غيرهم من المستوطنين، فكانوا يقومون بالخدمة في الميليشيا ويتمتعون بحق الملكية والسفر والسكنى في أي مكان. ففي هذا المجتمع التجاري الجديد، لم تكن للقيم التقليدية الدينية فعالية كبيرة إذ سادت القيم النفعية والعملية. وفي هذا الإطار، كان يُنظر إلى العنصر اليهودي باعتباره عنصراً نافعاً يساهم في تطوير المستعمرات الجديدة. ولم يكن هناك قطاع اقتصادي يهودي مستقل عن القطاع المسيحي، كما لم تكن هناك حرف أو وظائف يهودية رغم أن الموروث الاقتصادي الأوربي لليهود وخبراتهم السابقة كانت تحدِّد اختياراتهم الاقتصادية في كثير من الأحيان وتحدُّ منها في بعض الأحيان. ولم يكن هناك نظام تعليمي يهودي مستقل، باستثناء بضع مدارس لتعليم اليهود الذين يضطلعون بوظائف المؤسسة الدينية أو لتعليم أطفال اليهود تعاليم دينهم أو تدريبهم على احتفالات بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) التي أصبحت من أهم ملامح الحياة اليهودية في الولايات المتحدة. وكانت المدارس العلمانية مفتوحة على مصراعيها أمامهم، فكان أبناء أثرياء اليهود يلتحقون بها. ولكن لم تُبد أغلبية أعضاء الجماعة اليهودية آنذاك اهتماماً كبيراً بالتعليم العالي بسبب توجُّههم الاقتصادي. ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يتميزون بأزياء أو لغة خاصة بهم، بل كانوا يسلكون سلوك بقية أعضاء المجتمع. وأدَّى كل هذا إلى اختفاء كثير من القيم التقليدية اليهودية التي حملها المهاجرون معهم من أوطانهم الأصلية، بل كان أبناؤهم يسخرون منها تماماً. كما أن كثيراً من الشعائر الدينية أخذ يطويها النسيان والإهمال، ولم يكن أعضاء الجماعة اليهودية يشعرون بأن وطنهم الجديد هو المنفى (جالوت) الذي تتحدث عنه الكتب الدينية، بل اعتبروه وطنهم النهائي والقومي والوحيد (تماماً كما فعل أعضاء الجماعة في بابل من قبل) . ويمكن القول بأن الملامح الأساسية للجماعة اليهودية، وكذلك ثوابت تاريخها، تحدَّدت في تلك المرحلة بحيث وسمت تطورها اللاحق بميسمها. ولم تشهد مراحل التطور اللاحقة سوى تعديل بعض السمات وتعميق البعض الآخر. وقد أدَّى هذا المناخ الجديد إلى اندماج اليهود سريعاً، بل وإلى انصهارهم. وعلى سبيل المثال، تزوج كل وجهاء اليهود في ولاية كونتيكت من غير اليهود، وكان الزواج المُختلَط أمراً مألوفاً في المدن الكبيرة بكل ما ينتج عنه من انصهار كامل. المرحلة الألمانية الأولى (1776-1820) (The First German Era (1776-1820 عند إعلان استقلال الولايات المتحدة، لم يكن عدد أعضاء الجماعة اليهودية يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن عددهم وصل إلى أربعة آلاف عام 1820. وقد تحدَّدت مواقفهم حسب مواقف الجماعات غير اليهودية التي كانوا يعيشون بين ظهرانيها أو الطبقة التي كانوا ينتمون إليها. ولما كانت أغلبيتهم من التجار الذين لا تربطهم علاقة كبيرة بالوطن الأم (إنجلترا) ، فقد كانوا من مؤيدي إعلان الاستقلال. ومع هذا، كانت هناك أقلية ضمن الحزب الموالي لإنجلترا. وقد أكد إعلان استقلال أمريكا، وكذلك دستورها، المساواة الكاملة بين الأفراد، فأُلغي كل ما تبقَّى من تفرقة، مثل فرض القَسَم المسيحي على أيّ طالب وظيفة. ولم يكن اليهود مجموعة من الناس الذين يتم التسامح معهم أو استبعادهم كما كان الحال في أوربا، وإنما كانوا مواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات، ولم يكونوا أيضاً جماعة وظيفية وسيطة. وقد نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على الفصل الفوري للدين عن الدولة. ولكن يُلاحَظ أن بعض الولايات الأمريكية لم تطبق الدستور، الأمر الذي كان يعني التفاوت في وضع أعضاء الجماعة اليهودية من ولاية إلى أخرى. ولكن الوضع، بشكل عام، كان يتسم بالمساواة وبتطبيق مُثُل الاستنارة والانعتاق. وأدَّى التوسع في زراعة القطن إلى أن أصبح بعض أعضاء الجماعة اليهودية من أصحاب الأراضي وكبار التجار. كما اتجه بعضهم إلى الاشتغال في مجال النشاطات المالية والعقارية، فأنشأوا شركات تأمين، وعملوا في أسواق الأسهم والسندات وفي قطاع الصناعة، وفتحوا المصارف. كذلك دخل بعض أعضاء الجماعة اليهودية (عام 1820) مهناً جديدة، مثل: القانون والطب والهندسة والتربية والصحافة. وكان اليهود موزعين على معظم مدن الولايات المتحدة. أما من ناحية تنظيم الجماعة اليهودية، فيُلاحَظ أن الهيمنة كانت ولا تزال للعناصر غير الدينية. ولم يكن المعبد اليهودي والحاخام سوى جزء من كلٍّ يدار حسب القيم العامة للمجتمع الأمريكي وليس حسب القيم الدينية أو التقليدية اليهودية الخاصة. ومن الناحية الثقافية، لم يكن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية الثقافي في الحضارة الأمريكية إسهاماً ذا بال. وعلى كلٍّ، فقد كانت التقاليد الثقافية الأمريكية نفسها لا تزال آنذاك تابعة لأوربا، ولم يكن هناك بعد إبداع أمريكي مستقل. لقد كان أعضاء الجماعة اليهودية بشكل عام مندمجين في مجتمعهم الأمريكي، ولم تكن لهم ثقافة مستقلة. وكان انتماؤهم إلى ثقافتهم اليهودية (الدينية أو الإثنية) مسألة شكلية وحسب. وفي هذه الفترة، أصبح العنصر الإشكنازي الألماني العنصر الغالب تماماً. المرحلة الألمانية الثانية (1820-1880) (The Second German Era (1820-1880 لا شك في أن التطور الأساسي الذي طرأ على أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هو ازدياد عددهم وتحوُّل الجماعة من أقلية صغيرة إلى واحدة من أكبر الجماعات اليهودية خارج شرق أوربا. وعند بداية هذه المرحلة، كان عدد أعضاء الجماعة اليهودية نحو أربعة آلاف، زاد إلى ستة آلاف عام 1826 ثم إلى 15 ألفاً عام 1840. وقُدِّر عدد اليهود بمائة وخمسين ألفاً عام 1860، ويُقال إنه وصل إلى مائتين وثمانين ألفاً مع نهاية هذه الفترة (عام 1880) . وكان المهاجرون، أساساً، من أصل ألماني، وخصوصاً من منطقة بافاريا وبوزنان بعد ضمها من بولندا، أو كانوا من اليهود الألمان أو من بوهيميا والمجر جاءوا مع موجة الهجرة الألمانية إذ هاجر خمسة ملايين ألماني من بينهم مائتا ألف يهودي (1825 ـ 1890) . وكانت أغلبية المهاجرين من الفلاحين الألمان الذين اضطروا إلى الهجرة، فهاجر معهم صغار التجار اليهود الذين كانوا مرتبطين اقتصادياً بهم واستوطنوا على مقربة منهم في الولايات المتحدة. وقد وصلت الهجرة إلى ذروتها بعد إخفاق ثورات 1848 ـ 1849 في أوربا وبعد الكساد الاقتصادي. وقد كان يهود ألمانيا ألمانيين، تماماً مثلما كان السفارد إسبانيين وبرتغاليين. وقد استقر أكبر عدد من أعضاء الجماعة اليهودية في نيويورك، فبلغوا أربعين ألفاً عام 1860، وتجئ بعدها مدن أخرى مثل فيلادلفيا وبالتيمور. كما تمركزوا في المراكز التجارية بالداخل، على الأنهار وعلى ضفاف البحيرات الكبيرة، واتجهوا نحو الغرب في سيراكيوز وبفالو وكليفلاند وشيكاغو وديترويت، وفي سينسناتي ومنيابوليس وسانت لويس ونيو أورليانز. وتدافعت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا في الأعوام 1849 ـ 1852 مع حُمَّى الاندفاع نحو الذهب، إذ بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين استوطنوا سان فرانسيسكو وحدها عشرة آلاف. وقد عمل أعضاء الجماعة اليهودية موردين لحاجات الباحثين عن الذهب في كاليفورنيا، ولم يعمل منهم في الزراعة سوى قلة نادرة. وكانت نسبة العاملين في مهن مثل الطب والقانون صغيرة، إذ كانت الأغلبية العظمى تعمل بالتجارة. ورغم أن كثيراً من المهاجرين عملوا حرفيين في أوربا، فإنهم فضلوا أن يعملوا تجاراً متجولين بسبب ارتفاع الأرباح التي كان بوسعهم تحقيقها. ومع هذا، قد يكون من الأدق أن نذكر أنهم كانوا حرفيين يعملون تجاراً متجولين أيضاً إذ أن بعض السلع التي كان يسوِّقها هؤلاء، مثل الملابس والأحذية، كانت من صنعهم. وقد بدأ التجار من أعضاء الجماعة اليهودية في عملية التسويق سيراً على الأقدام، فتحولوا إلى تجار يتجولون بعرباتهم التي تجرها الخيول، ثم إلى تجار يفتحون دكاكين صغيرة على مفارق الطرق، ثم إلى تجار كبار. واستمر هذا الاتجاه حتى العصر الحديث حيث نجد أن تجارة التجزئة والمتاجر الكبرى ذات الأقسام المتعددة (بالإنجليزية: دبارتمنت ستورز department stores) يمتلكها بعض أعضاء الجماعة اليهودية. كما قاموا بالبيع من خلال الكتالوج، وهو البديل الحديث للبائع المتجول. بل إن الصناعات التي تركز فيها أعضاء الجماعة اليهودية هي الصناعات الخفيفة التي يلتقي فيها التاجر بالصانع. ومن أهم الباعة الجائلين الذين تحولوا إلى تجار كبار أبراهام شتراوس وجمبل، وهما من أصحاب المحال التجارية الشهيرة. وقد حقق أعضاء الجماعة اليهودية معدلاً عالياً من الاندماج في معظم مناطق الولايات المتحدة، ولكن يُلاحَظ أن اندماجهم في مجتمع الجنوب كان أعلى بكثير منه في الشمال. ويعود هذا إلى أن معيار التضامن في الجنوب كان اللون وحسب. ومن هذا المنظور، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً لا يتجزأ من الجماعة البيضاء المهيمنة. وذلك على عكس الشمال حيث كان الدين واللون هما الأساس، ومن ثم كانت النخبة من المسيحيين البروتستانت البيض من أصل أنجلو ساكسوني (الذين يقال لهم الواسب) . وقد تبنَّى أعضاء الجماعة اليهودية أزياء أعضاء النخبة الجنوبية البيضاء ولغتهم وعاداتهم ومهنهم، وامتلكوا العبيد وتاجروا فيهم، وكان هناك عدد من كبار تجار العبيد من اليهود. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في تأسيس مؤسسة الرقيق ولا يختلف وضعهم هذا عن وضعهم في الولايات المتحدة حتى الوقت الحاضر، فهم قد يوجدون في أهم المؤسسات وأكثرها حيوية، مثل المصارف، مع بقاء دورهم تابعاً مهما زاد عددهم ونفوذهم. وقد شهدت هذه الفترة اندلاع الحرب الأهلية (1861 ـ 1865) . ومن المعروف أن أعضاء الجماعة اليهودية ظلوا بمنأى عن الحوار الذي دار حول مؤسسة الرقيق باستثناء حالات فردية، الأمر الذي أثار حنق الأوساط الليبرالية ضدهم. ويُلاحَظ أن الحاخام إسحق وايز، أهم شخصية يهودية آنذاك، قد لزم الصمت تماماً بشأن هذه القضية. ولعله كان، في موقفه هذا، لا يختلف كثيراً عن موقف بقية المواطنين في مدينة سينسناتي، وهي مدينة تقع على الحدود بين الفريقين المتصارعين في الشمال والجنوب. ولابد أن نذكر هنا أن أعضاء الجماعة اليهودية ككل لم يكن لهم موقف «يهودي» مستقل، وإنما تحددت ولاءاتهم بحسب موقعهم الجغرافي، فكان يوجد سبعة آلاف جندي يهودي في جيوش الشمال وثلاثة آلاف في جيوش الجنوب، الأمر الذي يعكس اندماجهم في المجتمع وتقبُّلهم المواقف السياسية السائدة فيه. وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة. وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام 1843 وجمعية الشباب العبريين عام 1874، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام 1885، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام 1873، وكلية الاتحاد العبري عام 1875، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات. ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (1849 ـ 1887) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات. |
موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية - المسيري
|
بداية المرحلة اليديشية (1880-1922)
The Beginning of the Yiddish Era 1880-1922 أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (1880 - 1929) : تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة..... ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام 1918) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من 280 ألفاً من مجموع سكان تعداده 50.155.000 عام 1880 إلى 4.500.000 من مجموع سكان تعداده 115.000.000عام 1925. وبلغ عدد المهاجرين 2.378.000 بين عامي 1880 و1925، وكانت أعوام الذروة هي أعوام 1904 ـ 1908 حينما وصل 642 ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد. وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام 1880، بلغت النسبة 25%، وانخفضت إلى 8% عام 1908، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام 1919. وكان عمر المهاجرين بين 15 و40 سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية. وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام 1918 نحو 1.603.923، وفي ولاية ماساشوسيتس 189.671 نسمة، وفي ولاية نيوجرسي 149.476نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا 322.406 نسمة، وفي ولاية أوهايو 166.361نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا 63.562 نسمة. وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر. وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام 1914 حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام 1913 ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة 1909 ـ 1916، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة. أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو 500 ـ 600 ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام 1927) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت. وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) . وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام 1915 في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية. ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان 74% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل 64% من البولنديين و46% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع. ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية. وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام 1889. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام 1898، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام 1902، ومجلس أمريكا الحاخامي عام 1913. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية. وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام 1886، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام 1900، ومعبد أمريكا الموحَّد عام 1913 (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى. وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل. ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام 1925، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام 1940. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام 1930، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية. وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين. ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى. وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام 1884، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام 1893. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام 1897، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة. كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام 1906 اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام 1917. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام 1914. نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (1929-1945) (The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (1929-1945 كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين) ، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع. بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق. تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان 49% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي 9% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها. وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام 1924. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام 1933 حتى عام 1937، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى 124 ألفاً في الفترة بين 1938 و1941. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1933 إلى 1945، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو 174.678 فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية. وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين 85 و90% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة 1933 ـ 1945. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار. ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن 50% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء. ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام 1941) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم. ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ 10.500 منهم حياتهم وجرح 24 ألفاً وحصل 36 ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي. وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام 1942 في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق. اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (1945-1970) (Neo-Jews or Jewish Americans (1945-1970 تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام 1947 أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة. وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من 1944 حتى 1959 لا يزيد على 191.693 إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام 1965. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من 1960 إلى 1968 نحو 73 ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام 1957، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي. ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى 5.200.000 عام 1957، ووصل إلى 6.000.000 عام 1970، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من 1945 حتى عام 1969، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو 700 ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين) . وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط. وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام 1900. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو 75% من كل أعضاء الجماعة اليهودية. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى. ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام 1945 كان عددهم يبلغ 150 ألفاً، زاد إلى 510 آلاف عام 1968. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من 7500 عام 1937 إلى 40 ألفاً عام 1948 و150 ألفاً عام 1970، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من 333 ألفاً عام 1946 إلى 285 ألفاً عام 1969. وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام 1945 تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام 1948، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من 1941 إلى 1959 من 11% إلى 25%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية. ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام 1960، بلغ عدد المهنيين بين اليهود 25% (مقابل 23% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل 30% (مقابل 10.7% بين الأمريكيين ككل) ، و25% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ 20% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى. ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية. وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه. وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام 1948 لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى. وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته. ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام 1939، وسندات إسرائيل عام 1950، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام 1950. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً. ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة. ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي. ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام 1945) ، جاء أن 18% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل 65% من البروتستانت و83% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام 1958 ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت 40% من البروتستانت و74% بالنسبة إلى الكاثوليك. ولكن نسبة 18% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو 10% أو 20% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني. ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على 60%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي. ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (10% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى. |
الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي
|
*القرن الإفريقى منطقة تقع فى شرق إفريقيا تضم ثلاث دول هى الصومال وأثيوبيا وجيبوتى، وتعتبر حلقة الاتصال بين أجزاء الوطن العربى فى إفريقيا وآسيا، ويتحكم هذا القرن فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر من خلال سيطرته على مضيق باب المندب.
ويحد منطقة القرن الإفريقى من الشمال البحر الأحمر وخليج عدن ، ومن الشرق المحيط الهندى ومن الجنوب كينيا ومن الغرب والشمال الغربى السودان. وتبلغ مساحة القرن الإفريقى ( 1882557 كم2). وتتمتع هذه المنطقة بأهمية استراتيجية كبيرة؛ لتحكمها فى طريق التجارة الدولية بين المحيط الهندى والبحر الأحمر من ناحية والمحيط الأطلنطى والبحر المتوسط من ناحية أخرى؛ وقد ازدادت أهمية هذه المنطقة بعد اكتشاف البترول فى منطقة الخليج العربى. وكانت هذه المنطقة مَحَط أطماع الدول العظمى والاستعمارية فسيطر عليها العرب البرتغاليين والإسبان والعثمانيون والبريطانيون والإيطاليون وغيرهم، بالإضافة إلى التنافس بين الاتحاد السوفييتى - سابقًا - والولايات المتحدة لإثبات النفوذ وإقامة القواعد العسكرية، فنجد أن الولايات المتحدة حصلت على استخدام قاعدة كاغنيوم الأثيوبية منذ عام (1953م) ولمدة (25) سنة، وعمق السوفييت نفوذهم فى الصومال، كما أن اسرائيل لها نفوذ كبير فى هذه المنطقة الحيوية فى ظل علاقاتها مع أثيوبيا. |
الموسوعة الفقهية الكويتية
|
انظر معناه في (القرون الخيرية).
|
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة أبي الحسن ثابت بن سنان بن قرة أحد أعلام النهضة العلمية في القرن الرابع الهجري.
365 ذو القعدة - 976 م جمع "ثابت بن سنان" بين عدد كبير من العلوم الإنسانية والتطبيقية، فكان مؤرخًا فيلسوفًا وأديبًا، كما كان طبيبًا وفلكيًا ورياضيًا، وكانت له بصمات واضحة في تلك العلوم والفنون، بالرغم من أنه لم يحقق قدرًا كبيرًا من الشهرة، ولم يبلغ ما بلغه جده "ثابت بن قرة الحراني" من الشهرة والذيوع. ولد "أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة" في أسرة عريقة، اشتهرت بالعلم والطب، ونشأ في بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية، وموطن العلم وقبلة العلماء، كان أبوه "سنان" طبيبًا ماهرًا، وقد خوله الوزير "أبو عيسى بن الجراح" مهمة الإشراف على علاج المساجين في سجون الدولة، وتوفير الدواء والرعاية الصحية لهم. كما قلده البيمارستانات ببغداد وغيرها، فكان يقوم بعمله بمهارة وإتقان جعلته موضع ثقة الوزير "علي بن عيسى" والخليفة "المقتدر بالله العباسي". وكان جده هو الطبيب المعروف "ثابت بن قرة" الذي برز كواحد من أكبر الأطباء والمترجمين في القرن (3هـ = 9م)، والذي كان يتميز بالبراعة والذكاء. وقد عاصر "ثابت بن سنان" عددًا كبيرًا من الخلفاء العباسيين، وكانت له مكانة وحظوة في بلاط كثير منهم، وجعل علمه وخبرته ومهارته في خدمتهم، فاتصل بالخليفة "الراضي"، كما خدم الخليفة "المتقي بالله"، وكذلك الخليفة "المستكفي بالله"، والخليفة "المطيع". وتولى "ثابت بن سنان" إدارة بيمارستان بغداد فترة طويلة من الزمان. وكان "ثابت" طبيبًا نبيلاً، اطلع على كتب الأقدمين، وأضاف إليها العديد من خبراته ومشاهداته، وقد ساعده على التبحر في علوم الطب أنه نشأ في أسرة توارثت هذا العلم، وقد سلك فيه مسلك جده "ثابت" في نظره في الطب والفلسفة. ولم يمنع اشتغال ثابت بالطب من اشتغاله بعلم آخر بعيد تمامًا عن مجال الطب، وهو علم التاريخ، وقد وضع "ثابت" كتابًا مشهورًا في التاريخ، أخذ عنه كثير من المؤرخين الذين جاءوا من بعده، وكان كتابه هذا يسجل فترة مهمة من التاريخ الإسلامي في العصر العباسي، بدأه من خلافة المقتدر بالله العباسي سنة [295هـ = 908م] وانتهى قبيل وفاته بنحو عامين سنة [363هـ = 974م]، وقد جعله ذيلاً على "تاريخ الطبري"، ونسج فيه على منواله، واتبع طريقته في التصنيف، إلا أن هذا الكتاب فُقد، ولم يصلنا منه سوى بعض النقول ولكن تظل مهنة الطب هي المسيطرة على فكر ابن سنان وثقافته فهي تطل من ثنايا كتاباته في التاريخ. وكان "ثابت بن سنان" أستاذًا للعديد من الدارسين والأطباء، وكان يدرس كتب أبقراط وجالينوس، وكان أحمد وعمر ابنا يونس بن أحمد الحراني ممن قرأ عليه كتب جالينوس في بغداد، كما شارك في ترجمة كثير من الكتب الطبية من اللغات السريانية واليونانية وشرحها وأضاف معلومات جديدة إليها. وكان لبراعته ومهارته وعلمه أكبر الأثر في توليه رئاسة بيمارستان بغداد خلفًا لأبيه ليكون عميدًا لأطباء بغداد. وتوفي "ابن سنان" في [11 من ذي القعدة 365هـ = 11 من يوليو 975م]. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
وفاة أمير الدرعية محمد بن مقرن بن مرخان، جد آل سعود.
1106 - 1694 م توفي أمير الدرعية وجد آل سعود محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة المريدي وينتهي نسبه إلى بكر بن وائل من بني أسد بن ربيعة. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
حدوث أول كسوف جزئي للشمس خلال القرن الخامس عشر الهجري.
1426 صفر - 2005 م حدث أول كسوف جزئي للشمس في خلال القرن الخامس عشر هجري / الحادي والعشرين الميلادي. وقد شاهد الكسوف آلاف السكان بالعاصمة الكولومبية بوجوتا. ويحدث الكسوف الشمسي عندما يتوسط القمر بين الأرض والشمس حاجبا بذلك نورها عن الأرض. |
الموسوعة التاريخية - الدرر السنية
|
مؤتمر القمة الإسلامي الطارئ الثالث (قمة مكة المكرمة) (مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل).
1426 ذو القعدة - 2005 م عقد مؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي الثالث الذي عرف بـ "مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل" في مكة المكرمة في 5 - 6 ذي القعدة 1426هـ الموافق 7 - 8 ديسمبر 2005م، تلبية لدعوة من الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أكد المؤتمر أن الإسلام هو دين الوسطية ويرفض الغلو والتطرف والانغلاق، وأكد في هذا الصدد أهمية التصدي للفكر المنحرف بكافة الوسائل المتاحة، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية بما يرسخ القيم الإسلامية في مجالات التفاهم والتسامح والحوار والتعددية. وأكد المؤتمر على أن حوار الحضارات المبني على الاحترام والفهم المتبادلين والمساواة بين الشعوب أمر ضروري لبناء عالم يسوده التسامح والتعاون والسلام والثقة بين الأمم. ودعا المؤتمر إلى مكافحة التطرف المتستر بالدين والمذهب، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية، وأكد تعميق الحوار بينها وتعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح، وندد بالجرأة على الفتوى ممن ليس أهلا لها. أكد المؤتمر أهمية قضية فلسطين، باعتبارها القضية المركزية للأمة الإسلامية، وعليه فإن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967م، بما فيها القدس الشرقية والجولان السوري، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من باقي الأراضي اللبنانية المحتلة وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، يعتبر مطلباً حيوياً للأمة الإسلامية قاطبة، وناقشت القمة الوضع في العراق حيث أعربت عن ترحيبها بالمبادرة العربية للوفاق الوطني بين الفئات العراقية، وأعرب المؤتمر عن التضامن مع الشعب القبرصي التركي المسلم وحقه المشروع، بتأكيد القرارات الصادرة عن المؤتمرات الإسلامية بشأن قبرص وجدد المؤتمر ترحيبه باتفاق السلام الشامل في السودان والقرار الصادر عن القمة العاشرة بإنشاء صندوق لإعادة إعمار المناطق المتأثرة بالحرب في السودان، وحث الدول الأعضاء على المساهمة الفعالة في الصندوق. وأعرب المؤتمر عن قلقه إزاء تنامي الكراهية ضد الإسلام والمسلمين وندد بالإساءة إلى صورة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في وسائل إعلام بعض البلدان، وأكد المؤتمر ضرورة قيام وسائل الإعلام في العالم الإسلامي بعرض الوجه الحقيقي المشرق لعقيدتنا الإسلامية والتعامل مع الإعلام الدولي بكيفية فعالة تحقق هذا الهدف. وأكد المؤتمر على أهمية إصلاح مجمع الفقه الإسلامي ليكون مرجعية فقهية للأمة الإسلامية. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-ع: النُّعْمَان بْن مقرن المزني، أَبُو عمرو، ويقال: أَبُو حُكَيْم [المتوفى: 21 ه]
من سادة الصحابة، كان معه لواء مُزَيْنَةَ يوم الفتح. رَوَى عَنْهُ: ابنه معاوية، ومَعْقِلُ بْن يسار، ومسلم بْن الهيصم، وجبير حية الثقفيّ. وكان أمير الجيش يوم فتح نهاوند، فاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ، ونعاه عُمَر على المنبر وبكى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
85 - ع سوى د: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ، أَبُو الْوَلِيدِ الْكُوفِيُّ. [الوفاة: 81 - 90 ه]
لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ. وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ. رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. رَوَى عَنْهُ: أبو إسحاق، وعبد الملك بن عمير، ويزيد بن أبي زياد، وأبو إسحاق الشيباني وغيرهم. قَالَ أَحْمَد العجلي: ثقة من خيار التابعين، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
211 - ع: مُعَاوِيَةُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ الْكُوفِيُّ [الوفاة: 91 - 100 ه]
رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. رَوَى عَنْهُ: سلمة بن كهيل، وأشعث بن أبي الشعثاء، وأبو السفر، وعمرو بن مرة. واسم أبي السفر سعيد بن يحمد. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
145 - ت ن: عَبْد الله بْن الوليد بْن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ الكوفيُّ، وقد يقال لَهُ العِجْليُّ [الوفاة: 151 - 160 ه]
لنزوله فيهم. رَوَى عَنْ: أَبِي جعفر الباقر، وأبي صخرة جامع بْن شداد، وعاصم بْن كليب، وبكير بْن شهاب، وَعَنْهُ: ابن المبارك، وابن عيينة، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَأَبُو أَحَمْدَ الزُّبَيْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ. وَثَّقَهُ النسائي. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
430 - محمد بن سعد بن مُقَرِّن أبو عبد الله الأصبهانيّ الْمُعَدَّلُ. [الوفاة: 291 - 300 ه]
سَمِعَ: سليمان الشّاذكُونيّ، وسهل بن عثمان العسكريّ، وأبا الرّبيع الزُّهْرانيّ. وَعَنْهُ: أبو إسحاق بن حمزة، ومحمد بن عُبَيْد الله بن المَرْزُبان حدَّث سنة ثلاثمائة. |