تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةِ ثَمَانِينَ
فِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبِ، وَأَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيُّ الْفَقِيهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْقَارِيِّ، وَنَاعِمُ بْنُ أُجَيْلٍ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَرِيرٍ الْغَافِقِيُّ، وَجُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ، بِخُلْفٍ فِيهِمَا. وَفِيهَا صَلَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَعْبدًا الْجُهَنِيَّ عَلَى إِنْكَارِهِ الْقَدَرِ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، قَالَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَحَسَّانُ بْنُ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيُّ بالروم. -[777]- وَفِيهَا كَانَ سَيْلُ الْجُحَافِ، وَهُوَ سَيْلٌ عَظِيمٌ جَاءَ بِمَكَّةَ حَتَّى بَلَغَ الْحَجَرَ الأَسْوَدِ، فَهَلَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْحَجَّاجِ. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ نَافِعٍ الْخُزَاعِيَّ، قَالَ: كَانَ مِنْ قِصَّةِ الْجُحَافِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَحَطُوا، ثُمَّ طَلَعَ فِي يَوْمٍ قِطْعَةُ غَيْمٍ، فَجَعَلَ الْجُحَافُ يَضْرِطُ بِهِ، وَيَقُولُ: إِنْ جَاءَنَا شَيْءٌ فَمِنْ هَذَا، فَمَا بَرِحَ مِنْ مَكَانِه حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فَحَمَلَ الْجِمَالَ وَغَرَّقَ الْجُحَافَ. وفيها غَزَا الْبَحْرَ مِنَ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي الْكَنُودِ حَتَّى بَلَغَ قُبْرُسَ. وَفِيهَا هَلَكَ أَلْيُونُ الْمَلِكُ عَظِيمُ الرُّومِ لا رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِيهَا سَارَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالرَّيَّانِ النُّكْرِيُّ بِالْبَحْرَيْنِ، وَمَعَ الرَّيَّانِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَزْدِ تُقَاتِلُ، اسْمُهَا جَيْدَاءُ، فَقُتِلَ هُوَ وَهِيَ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِمَا، وَصُلِبَ هُوَ. وَفِيهَا أَوَّلُ فِتْنَةِ ابْنِ الأَشْعَثِ: وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ شَدِيدُ الْبُغْضِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ الْكِنْدِيِّ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ إِلا أَرَدْتُ قَتْلَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ أَبْعَدَهُ عَنْهُ وَأَمَّرَهُ عَلَى سِجِسْتَانَ فِي هَذَا الْعَامِ بَعْدَ مَوْتِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَفَتَحَ فُتُوحًا، وَسَارَ يَنْهَبُ بِلادَ رُتْبِيلَ وَيَأَسُرُ وَيُخَرِّبُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مَعَ هَذَا كُتُبًا يَأْمُرُهُ بِالْوُغُولِ فِي تِلْكَ الْبِلادِ وَيُضْعِفُ هِمَّتَهُ وَيُعَجِّزُهُ، فَغَضِبَ ابْنُ الأَشْعَثِ وَخَطَبَ النَّاسَ، وكان معه رؤوس أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَكُمْ كَتَبَ إِلَيَّ يأمرني بِتَعْجِيلِ الْوُغُولِ بِكُمْ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَهِيَ الْبِلادُ الَّتِي هَلَكَ فِيهَا إِخْوَانُكُمْ بِالأَمْسِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، أَمْضِي إِذَا مَضَيْتُمْ وَآبَى إذا أَبَيْتُمْ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالُوا: لا، بَلْ نأبى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَلا نَسْمَعُ لَهُ وَلا نُطِيعُ. وَقَالَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ مَا يَرَى بِكُمْ إِلا مَا رَأَى الْقَائِلُ الأَوَّلُ: " احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ "، إِنَّ الْحَجَّاجَ مَا يُبَالِي، إِنْ ظَفِرْتُمْ أَكَلَ الْبِلادِ وَحَازَ الْمَالَ، وَإِنْ ظَفِرَ عَدُوُّكُمْ كُنْتُمْ أَنْتُمُ الأَعْدَاءُ الْبُغَضَاءُ، اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ وَبَايِعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الأَشْعَثِ، فَنَادُوا: فَعَلْنَا فَعَلْنَا، ثُمَّ أَقْبَلُوا كَالسَّيْلِ الْمُنْحَدِرِ، وَانْضَمَّ -[778]- إِلَى ابْنِ الأَشْعَثِ جَيْشٌ عَظِيمٌ، فَعَجَزَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجُ، وَاسْتَصْرَخَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَزِعَ لِذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَجَهَّزَ الْعَسَاكِرَ الشَّامِيَّةَ فِي الْحَالِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ إن شاء الله تعالى. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ
فِيهَا مَاتَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ، وَبِشْرُ بن منصور السليمي الْوَاعِظُ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُقْرِئُ، وَرَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ، وَصَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، بِخُلْفٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ الْمَكِّيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الضَّالُّ، وَصَاحِبُ الأَنْدَلُسِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأُمَوِيُّ، وَأَبُو الْمُحَيَّاهِ يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّمِيمِيُّ، وَيُقَالُ: فِيهَا مَاتَ سِيبَوَيْهِ شَيْخُ النَّحْوِ. وَفِيهَا هَاجَتِ الْعَصَبِيَّةُ بَيْنَ قَيْسٍ وَيَمَنَ بِالشَّامِ، وَتَفَاقَمَ الأَمْرُ وَعَظُمَ الْخَطْبُ. وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ إِلَى الرقة فاستوطنها مُدَّةً، وَعَمَّرَ بِهَا دَارَ الْمُلْكِ. وَفِيهَا كَانَتِ الزلزلة العظمى سقط منها رَأْسُ مَنَارَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَفِيهَا خَرَجَ خُرَاشَةُ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا بِالْجَزِيرَةِ، فَقَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ بَكَّارٍ الْعُقَيْلِيُّ. وَفِيهَا خَرَجَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ، هَيَّجَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ زِنْدِيقٌ يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَمْرَكِيُّ، فقتل بأمر الرشيد بمرو. وَفِيهَا اسْتَخْلَفَ الرَّشِيدُ عَلَى بَغْدَادَ وَلَدَهُ الأَمِينَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْعَبَّاسِيُّ، وَاللَّهُ أعلم. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانين ومائتين
توفي فيها: أحمد بن محمد البرتي، وعثمان بْن سَعِيد الدارمي، وأبو إِسْمَاعِيل التّرمِذيّ، وهلال بن العلاء. وَفِي أولها قبض المعتضد على محمد بْن الْحَسَن بْن سهل. وكان أحد قواد صاحب الزنج ثم استأمن إِلَى الموفَّق، فبلغ المعتضد أنه يدعو إِلَى وَلَدِ المهتدي بالله فقرره، وقَالَ: أخبرني عن الرجل الَّذِي تدعو إليه؟ فقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عَنْهُ. فقتله. -[475]- وَفِي صفر، سار المعتضد بجيوشه يريد بني شيبان، وكانوا قد عاثوا وأفسدوا، فلحقهم بالسن، فقتل منهم خلقًا، وغرق خلقًا، وغنم الجيش من أموالهم ما لا يحصى، بحيث أبيعت الشاة بدرهم، والجمل بخمسة دراهم. وأمر المعتضد بحفظ النساء والذراري، وأن لا يتعرض لهم. ثُمَّ وصل إِلَى المَوْصِل. ثُمَّ لقيه بنو شَيْبَان وتذللوا له، فأخذ منهم خمس مائة رَجُل رهائن، ورد عليهم نساءهم وذراريهم. وفيها افتتح محمد بْن أبي الساج مراغة بعد حصار طويل، وأخذ منها مالاً كثيراً. وفيها مات المفوض إلى الله جعفر ابن المعتمد الذي كان ولي عهد أَبِيهِ فِي ربيع الآخر. وكان محبوسًا فِي دار المعتضد لا يراه أحد. وقيل: إن المعتضد كان ينادمه. وفيها وُلِدَ بسلمية القائم أبو القاسم محمد ابن المهدي عبد الله ببلد سلمية. وكان بها أمرهم وأموالهم. وأسلفنا سنة سبعين شيئاً من خبرهم. وفيها دخل داعيهم أبو عبد الله مع بني كتامة إِلَى أرض القيروان فِي ربيع الأول، فاشتهر أمره وتسامعوا به، وأتوه وبالغوا فِي احترامه. فاتصل خبره بإبراهيم بْن أَحْمَد صاحب إفريقية، فبعث يخوفه ويحذره الخروج. فلم يباله. واشتهر زهد الداعي أبي عَبْد الله وعلمه، فَلَمَّا هَمَّ صاحب إفريقية بقبضه استنهض الّذين تبعوه، فالتقى الفريقان، فانتصر أبو عبد الله، وقتل وغنم؛ فحاربه صاحب إفريقية مرات، وأبو عبد الله فِي زيادة، وصاحب إفريقية فِي نقص. ثم إنه في الآخر قتل. وفيها غزا إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَد بْن أسد أمير ما وراء النهر بلاد الترك، وأسر ملكها وزوجته، وأسر عشرة آلاف، وقتل عشرة آلاف. وأصاب أموالًا عظيمة، بحيث أصاب الفارس من الغنيمة ألف درهم. ومات الأمير مسرور البلخي الَّذِي كان مع الموفق في وقت الحصار. ذكر خبر الزلزلة بالدبيل: رُوِيَ أن فِي ذي الحجة ورد كتاب من الدبيل أن القمر انكسف فِي شوال من السنة، وأن الدُّنيا أصبحت مظلمة إِلَى -[476]- العصر، فهبت ريحٌ سوداء، فدامت إِلَى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة. وأنهم أخرجوا من تحت الهدم ثلاثين ألفا إِلَى تاريخ الكتاب. ثُمَّ زلزلت خمس مرات، فكان عدة مَنْ أُخْرِجَ مَنْ تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفاً. وفيها زِيدَ فِي جامع المنصور دار المنصور الّتي كان يسكنها. وغرم على إصلاح ذلك عشرون ألف دينار. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانين وثلاثمائة
فيها زاد أمر العيارين ببغداد وصاروا فئتين، ووقعت بينهم حروب عظيمة، واتصل القتال بين أهل الكَرْخ وباب البصرة، وقُتل النّاس ونهبت الأموال، وتواترت العُملات، وأحرق بعضُهم مَحَالّ بعض وعم البلاء، ووقع حريق كبير في نهر الدَّجاج ذهب فيه شيء كثير. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانين وأربعمائة.
في أوّلها عُرْسُ أمير المؤمنين على بنت السّلطان ملكشاه، عندما ذهب السّلطان للصّيد. فنُقل جهازها إلى دار الخليفة، فيما نقل ابن الأثير، على مائةٍ وثلاثين جَمَلًا مجلَّلة بالدّيباج الروميّ، وعلى أربعة وسبعين بغلًا مجلَّلة بألوان الدّيباج، وأجراسها وقلائدها الذَّهب، فكان على ستة بغال اثنا عشر صندوقًا فيها الحُلِيّ والمَصَاغ، وثلاثة وثلاثون فرساً عليها مراكب الذَّهب مرصّعة بأنواع الجوهر والحُلِيّ، ومهْد كبير كثير الذّهب، وبين يدي الجهاز الأميران كوهرائين وبُرسق. فأرسل الخليفة وزيره أبا شجاع إلى تركان خاتون زوج السلطان، وبين يديه ثلاثمائة مركبيّة، ومثلها مشاعل، ولم يبق في الحريم دكّان إلاّ وقد أوقد فيها الشّمع. وأرسل الخليفة محفّة لم يُرَ مثلها. فقال الوزير لتُرْكان: يقول أمير المؤمنين: إِنَّ اللَّهَ يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وقد أَذِن في نقل الوديعة إليه. فأجابت، وحضر نظام المُلْك فمن دونَه، وكلٌّ معهم الشّمع والمشاعل. وجاءت نساء الأمراء بين أيديهن الشّمع والمشاعل. ثمّ أقبلت الخاتون في محفّةٍ مجلَّلة عليها من الذَّهب والجواهر أكثر شيء، قد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة، فسارت إلى دار الخلافة. وكانت ليلة مشهودة لم يُرَ ببغداد مثلها. وعمل الخليفة من الغد سِماطًا لأمراء السّلطان، يُحكى أنّ فيه أربعين ألف منّ من السُّكّر، وخلع عليهم. وجاءه منها ولد في ذي القعدة سمّاه جعفرًا. وجاء السّلطان في هذه السّنة من تركان خاتون ولده محمود الذي ولي الملك. -[323]- . |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانين وخمسمائة
فِيهَا جعل الخليفة الناصر مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلْق، وحصل بذلك مفاسد. وفي صَفَر راهن رجلٌ ببغداد على خمسة دنانير أن يندفن من غدوة إلى الظّهر، فدفن وأهيل عليه التُراب، ثم كُشِف عَنْهُ وقت الظُهْر، فوُجِد ميتًا وقد عضض سواعده لهول ما رأى. وَفِيهَا كتب زين الدين بن نَجِية الواعظ كتابًا إلى صلاح الدين يشوقه إلى مِصْر ويصف محاسنها، ومواضع أنسها. فكتب إليه السلطان بإنشاء العماد فيما أظن: " ورد كِتَاب الفقيه زين الدين: لَا ريب أنّ الشام أفضل، وأجر ساكنه أجزل، وأن القلوب إليه أميَل، وأن زلاله البارد أغلى وأنْهَل، وأن الهواء فِي صيفه وشتائه أعْدَل، وأن الجمال فِيهِ أجمل وأكمل، وأن القلب به أرْوَح، وأن الروح به أقبَل؛ فدمشق عاشقها مُسْتَهَام، وما على مُحِبها مَلام. وما في ربوتها ريبة، ولكلّ نور فيها شبيبة، وساجعاتها على منابر الورق خطباء تطرب، -[487]- وهزاراتها وبلابلها تُعْجم وتُعْرب، وكم فِيهَا من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وفاكهة ورُمان، وخَيرات حِسان. وكونه تعالى أقَسم به فقال: " وَالتِّينِ والزّيتون " - يدلُ على فضله المكنون. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الشَّامُ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ بِلَادِهِ، يَسُوقُ إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ ". وعامة الصحابة اختاروا به المُقام. وفتْح دمشق بكْر الْإِسْلَام. وما يُنكَر أن اللَّه تعالى ذكر مِصْر، لكنّ ذلك خرج مخرج العَيْب لَهُ والذم؛ ألا ترى أنْ يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ نقل منها إلى الشام؟ ثم المُقام بالشام أقرب إلى الرباط، وأوجب للنشاط. وأين قطوب المقطّم من سنا سنير؟ وأين ذرى منف من ذروة الشرف المنير؟ وأين لُبانة لبنان من الهَرَمَين؟ وهل هما إلَّا مثل السلْعتَين؟ وهل للنيل مع طول نيله وطول ذيله برد بردى في نفع العليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل. وأن فاخرنا بالجامع وفيه النّسر، ظهر بذلك قصَر القَصْر، ولو كان لهم مثل باناس لما احتاجوا إلى قياس المقياس، ونحن لَا نجفو الوطن كما جفوته، وحب الوطن من الْإِيمَان. ونحن لَا ننكر فضل مِصْر، وأنه إقليم عظيم، ولكن نقول كما قَالَ المجلس الفاضلي: إن دمشق تصلُح أن تكون بستانًا لمصر ". وفيها هجم السّلطان نابلس، وكان وصل لنجدته عسكر ديار بَكْر وعسكر آمِد والحصن والعادل من حلب، وتقي الدين من حماه، ومظفر الدين صاحب إربل. هكذا ذكر أَبُو المظفر فِي مرآته. قَالَ: نازل الكَرَك ونصب عليها -[488]- المجانيق، فجاءتها نجدات الفِرَنْج من كل فَج، وأجلبوا وطلبوا. واغتنم السلطان خلوّ السواحل منهم، ورأى أنّ حصارهم يطول، فسار ونزل الغَوْر وهجم نابلس، فقتل وسبى، وطلع على عَقَبة فِيق، ودخل دمشق. وأما ابن الأثير فقال: نازل الكَرَك، ونَصَب المنجنيقات على رَبضه ومَلَكه، وبقي الحصن وهو والربض على سطح واحدٍ، إلَّا أنْ بينهما خندقًا عظيمًا، عمقه نحو ستين ذراعًا. فأمر السلطان بإلقاء الأحجار والتُراب فِيهِ ليطمه، فلم يقدروا على الدُنُو منه لكثرة النشاب وأحجار المجانيق، فأمر أن يلقى من الأخشاب واللّبن ما يمكن الرجال يمشون تحت السقائف، فيلقون فِي الخندق ما يُطمه، ومجانيق المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلًا ونهارًا. فاجتمعت الفرنج عَن آخرها، وساروا عَجِلِين، فوصل صلاح الدين إلى طريقهم يتلقاهم، فقرُب منهم، ولم يمكن الدُنُو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك. فأقام ينتظر خروجهم إليه، فلم يبرحوا منه، فتأخر عَنْهُمْ، فساروا إلى الكَرَك. فعلم صلاح الدين أنه لَا يتمكن منهم حينئذٍ، وَلَا يبلغ غَرَضَه، فسار إلى نابلس، ونهب كلّ ما على طريقة من قرى الفرنج، وأحرق نابلس وأسر وسبى، واستنقذ الأسرى. وبثّ السّرايا يمينًا وشمالًا. قال: وفي شعبان خرج ابْن غانية الملثم وهو علي بْن إِسْحَاق، من كبار الملثَّمين الذين كانوا ملوك المغرب، وهو حينئذٍ صاحب مَيُورقَة - إلى بِجَاية، فَمَلَكَها بقتال يسير. وذلك إثر موت يوسف بْن عَبْد المؤمن، فقويت نفس ابْن غانية وكثُر جموعه، ثم التقاه متولي بِجَاية، وكان غائبًا عَنْهَا. وكَسَرَ علي متولي بجاية، فانهزم إلى مَراكُش، واستولى ابْن غانية على أعمال بِجَاية سوى قسنطينية الهواء، فحصرها إلى أن جاء جيش الموحدين فِي صَفَر سنة إحدى وثمانين فِي البر والبحر إلى بِجاية، فهرب منها أخَوَا ابْن غانية فلحقا به. فترحّل عن قسنطينية، وسار إلى إفريقية، فحشد وجمع، والتف عَلَيْهِ سليم ورياح والترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وبوزبا. وصاروا في جيش عظيم، فتملك بهم ابْن غانية جميعَ بلاد إفريقية سوى تونس والمَهْدية، حفظتهما عساكر الموحدين على شدةٍ وضيقٍ نالهم. وانضاف إلى ابْن غانية كل -[489]- مفسد وكل حرامي، وأهلكوا العباد والبلاد. ونزل على جزيرة باشو وهي بقرب تونس، تشتمل على قُرى كثيرة، فطلب أهلها الأمان فأمنهم. فلما دخل عسكره نهبوها وسلبوا الناس، وامتدَّت أيديهم إلى الحريم والصبيان، والله المستعان. وأقام ابْن غانية بإفريقية الخطْبة العباسية، وأرسل إلى الناصر لدين اللَّه يطلب منه تقليدًا بالسَّلْطَنة. ونازل قفصة فِي سنة اثنتين وثمانين، فتسلمها من نُواب ابْن عَبْد المؤمن بالأمان وحصنها. فجهز يعقوب بْن يوسف بْن عَبْد المؤمن جيوشه. وسار فِي سنة ثلاثٍ لحربه، فوصَلَ إلى تونس، وبعث ابْن أخيه فِي ستة آلاف فارس، فالتقوا، فأنهزم الموحدون؛ لأنهم كان معهم جماعة من الترك، فخامروا عليهم حال المصاف، وَقُتِلَ جماعةٌ من كبار الموحدين. وكانت الوقعة فِي ربيع الأول سنة ثلاثٍ. فسار يعقوب بنفسه، فالتقوا فِي رجب بالقُرب من مدينة قابس فانهزم ابن غانية، واستحر القتل بأصحابه فتمزّقوا، ورجع يعقوب إلى قابس فافتتحها، وأخذ منها أهل قراقوش، فبعثهم إلى مَراكُش. ونازل قفصة فحاصرها ثلاثه أشهر وبها الترك، فتسلّموها بالأمان. وبعث بالأتراك ففرقهم فِي الثغور لِما رَأَى من شجاعتهم. وقتل طائفة من الملثمين، وهدم أسوار قَفْصة، وقطع أشجارها. واستقامت لَهُ إفريقية بعدما كادت تخرج عَن بيت عَبْد المؤمن. وامتدت أيام ابْن غانية إلى حدود عام ثلاثين وستمائة. وفي جُمادى الأولى جمع السلطان الجيوش، وسار إلى الكَرَك فنازلها، ونزل بواديها، ونصب عليها تسعة مجانيق قُدام الباب، فهدمت السور، ولم يبق مانع إلاّ الخندق العميق، فلم تكن حيلة إلَّا ردمه، فضرب اللبن، وجُمِعت الأخشاب، وعملوا مثل درب مسقوف يمرّون فيها، ويرمون التُراب فِي الخندق، إلى أن أمتلأ، بحيث أن أسيرًا رمى بنفسه من السُور إليه ونجا. وكاتبت الفرنج من الكرك سائر ملوكهم وفرسانهم يستمدون بهم، فأقبلوا من كل فجّ في حدّهم وحديدهم، فنزلوا بمضايق الوادي، فرحل السلطان، ونزل على البلقاء، وأقام ينتظر اللقاء. فما تغيّروا، فتقهقر عن حسبان فراسخ، فوصلوا إلى الكَرَك، فقصد السلطان الساحل لخُلُوه، ونهب كل ما فِي طريقه، وأسر وسبى، فأكثر وبدع بسبسطيَة وجينين، ثم قدم دمشق. -[490]- ومن كِتَاب عمادي فِي حصار الكَرَك يقول: لولا الخندق الذي هو وادٍ لسهل المشرع، فعملنا دبّابات قدّمناها، وبنينا إلى شفيره ثلاثة أسراب باللِبن وسقفناها، وشرعنا فِي الطم، وتسارع الناس، ولم يبق إلَّا من يستبشر بالعمل، وتجاسروا حتى ازدحموا نهارًا، كازدحامهم يوم العيد وليلًا كاجتماعهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد، وهم من الجراح سالمون، وبنصر اللَّه موقنون. وإن أبطأ العدوّ عن النجدة فالنصر قريبٌ سريع، والحصن بمن فِيهِ صريع، قد خرقت الحجارة حجابه، وقُطِعت بهم أسبابه، وناولته من الأجل كتابه، وحسرت لثام سوره وحلت نقابه، فأنوف الأبراج مجدوعة، وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الأبدان محزوزة، وحروف العوامل مهموزة، وبطون السقوف مبقورة، وأعضاء الأساقف معقورة، ووجوه الْجُدُر مسلوخة، وجلود البواشير مبشورة، والنصر أشهر من نارٍ على عَلَم، والحرب أقوم من ساق على قدم. وقدم السلطان وبدمشق الرسولان شيخ الشيوخ صدر الدين والطواشي بشير، فمرضا، ومات جماعة من أصحابهما. وكان الشيخ نازلًا بالمنيبع، فكان السلطان يعوده فِي كل يوم. وكان قدومهما فِي الصُلح بين السلطان وبين عز الدين صاحب المَوْصِل، فلم ينبرم أمرٌ. فطلبا العَوْد إلى بغداد، وعادا، فمات بشير بالسخنة، وشيخ الشيوخ بالرحبة. وأذن السلطان للجيوش بالرجوع إلى أوطانهم، وخلع على نور الدين بْن قُرا رسلان صاحب حصن كيفا الخِلْعة التي جاءته هذه المرة من الخليفة بعد أن لبسها السلطان. ثم كتب لزين الدّين يوسف ابن زين الدين علي صاحب إربل منشورًا بإربل وأعمالها لمّا اعتزى إليه، وفارق صاحب الموصل. ثم وصلت رُسُل زَين الدين يوسف إلى السلطان بأن عسكر الموصل وعسكر قزل صاحب العجم نازلوا إربل مع مجاهد الدين قيماز. وأنهم نهبوا وأحرقوا، وأنه نُصِر عليهم وكسرهم، فكان هذا مما حرَك عزْمَ السلطان على قصد الموصل هذه المرَّة. فسار السلطان على طريق البقاع وَبَعْلَبَكَّ، ثم حمص وحماه، فأقام بحماه إلى انسلاخ السّنة. وَفِيهَا مات صاحب ماردِين قُطْب الدين إيلغازي ابن نجم الدّين الأرّتقيّ. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي
|
-سنة ثمانين وستمائة
فِي أوائل المحرَّم هادن السّلطان أَهْل عكا ونزل اللَّجُون وقبض على الأمير سيف الدّين كَوُنْدُك الظاهري وعدّة أمراء بحمراء بيسان. فَقِيل: إنّ كَوُنْدُك وأيْتِمش السَّعْديّ وسيف الدّين الهارونيّ وطائفة اتّفقوا على الفتْك بالسّلطان، وعرف ذلك البَيْسَريّ، فأعلمه، فقبض على كَوُنْدُك وغيره وهرب الباقون؛ الهاروني والسعدي ونحو ثلاثمائة فارس على حَمِيّةٍ إِلَى عند سُنْقر الأشقر. وأهلك كَوُنْدُك، فَقِيل: إنّه غُرِّق ببُحَيْرة طبريّة. وساق طقصُو فِي عسكر وراء أيْتمِش السَّعْديّ، فجرح ورد. ويوم سابع عشر المحرَّم وصل المحمَّديّ مقدَّم البحريّة إِلَى دمشق ومعه جماعةُ أمراء ممسوكين، فحبسهم بقلعة دمشق ودخل السّلطان دمشق يوم تاسع عشر المحرَّم وحمل الْجَتَر البَيْسريُّ يومئذٍ، فعزل ابن خَلِّكان عن القضاء بابن الصّائغ وولي قضاء الحنابلة نجم الدين أحمد ابن الشَّيْخ شمس الدّين، وذلك بعد خُلُوّ الشّام من قاض حنبلي مدة. ثُمَّ جهزت المجانيق وطائفةٌ لحصار شَيْزَر، فنازلوها وتسلّموها وذلك أنّ الرُّسُل ترددت فِي الصلح بين السّلطان وبين سُنْقر الأشقر ووصل من جهته الأمير علم الدّين الدَّواداريّ والأمير خَزْنَدَار سنقر الأشقر. فحلف له السلطان ونودي من دمشق باجتماع الكلمة ودُقّت البشائر لذلك، وسيّر إليه فخر الدّين المقري الأمير ليحلّفه وحينئذٍ سلّم سُنْقر الأشقر قلعةَ شَيزر للسّلطان، فعوّضه عنها كفر طاب وفامية وأنطاكية والسُّوَيْديّة وشَغَرَ وبَكّاس ودركوش، بضياعها، على أن يقيم ستمائة فارس على جميع ما تحت يده من البلاد وذلك ما ذكرناه، وصهيون وبلاطُنُس وجَبَلَة وبرزية واللّاذقية؛ وخوطب فِي ذلك بالمقرّ العالي، المولوي، السيدي، العالمي، العادِليّ، الشّمسيّ، ولم يصرَّح له فِي ذلك بالملك ولا بالأمير. وَفِي ربيع الأول أُديرت الجهة الملعونة والخمور بدمشق وكانت بطّالةً من خمس عشرة سنة، وأديرت بالديار المصريّة أيضًا قبل هَذَا التاريخ بمدّة، فلا قوّة إلّا بالله، وبقيت دائرةً بدمشق أياما، ولطف الله وبطلت وأريقت -[219]- الخمور. وطُهِّر البلد من ذلك. ولله الحمد. ووقع الصُّلح بين صاحب الكَرَك الملك خضِر وبين السلطان، ثُمَّ جاءت امْرَأَة الملك الظاهر بِنْت بركة خان ومعها تابوت ولدها الملك السعيد، ثُمَّ استبقوا التّابوت باللّيل من الصّور ودُفن إِلَى جانب والده. وأدخله القبر قاضي القضاة عزُّ الدّين ابن الصائغ، ونزلت أمّه بدار صاحب حمص وعُقِد العزاء من الغد بالمدرسة الظاهرية، وحضره السّلطان والأمراء والأعيان والوعاظ. وعُزِل تقيّ الدّين البيِّع من الوزارة وباشر عوضه تاج الدين ابن السنهوري. وَفِي جُمَادَى الأولى جاءت الأخبار بأن التّتار على عزْم المجيء. وقعة حمص انجفل أَهْل البلاد الشّماليّة وقويت الأخبار واهتّم السّلطان بدمشق للعَرْض، وجاء أَحْمَد بْن حجّي بخلقٍ من العربان وكثُرت الأراجيف وكثُرت الْجُفّال، وعدّى التّتار الفُرات من ناحية حلب، ونازل الرّحبَةَ منهم ثلاثة آلاف، منهم القان أبْغا، فخرج السّلطان بسائر الجيوش، وقَنت الأئمّةُ فِي الصَّلوات، وحضر سُنْقر الأشقر وأيْتمش السَّعْديّ، والحاجّ أزْدمر، وبالغَ السّلطان في احترام سُنْقر الأشقر، وأقبل منكوتمر يطوي البلاد، فالتقى الجمعان ووقع المَصَافّ ما بين مشهد خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى قريب الرَّسْتن، وذلك بشمالي حمص، فِي يوم الخميس رابع عشر رجب. ويوم الأربعاء قلق العالم بدمشق وأحسّوا بقرب اللّقاء، وفزِعوا كافّةً إِلَى جامع دمشق بالشّيوخ والأطفال واستغاثوا إِلَى الله، ثُمَّ خرج الخطيب بالمُصْحَف العثمانيّ إِلَى المُصَلّى ومعه خلائق يتضرعون إلى الله، وكان يوما مشهودا، شهده مع السلطان ممالكيه، مثل طرنطية وبيدرا، وكتبغا، ولاجين، وقبجق، وقراسنقر، وسنْجر الشِّجاعيّ، والطّبّاخيّ، وسَنْدَمُر، وعدّةٌ كلهم أمراء، وفيهم من تَسَلْطَن، وسُنْقُر الأشقر، والحاجّ أزْدَمر الَّذِي قيل إنّه طعن طاغية العدو، وعلم الدّين الدّواداريّ، والمنصور صاحب حماة فِي أَمرائه، فكان رأس الميمنة ويليه -[220]- البَيْسَريّ، ثُمَّ طَيْبَرس الوزيريّ وعزّ الدّين الأفرم ونائب دمشق لاجين المذكور فِي عسكر دمشق. وكان رأس الميسرة سُنْقر الأشقر المذكور، ثُمَّ الأيْدمريّ، ثُمَّ بكتاش أمير سلاح. وكان فِي طرف الميمنة العرب، وفي طرف الميسرة التركمان، وشاليش القلب طرنطية، وكانت المُغْلُ خمسين ألفًا، والمجمَّعة ثلاثين ألفًا. قلت: وكان الملتقى يوم الخميس، كما ذكرنا، طلوع الشمس. وكان عدد التّتار على ما قيل مائة ألف أو يزيدون. وكان المسلمون على النّصف من ذلك أو أقل. وكانت ملحمة عظيمة، واستظهر التّتار فِي أول الأمر واضطّربت ميمنة المسلمين، ثُمَّ حملت التّتار على الميسرة فكسروها وهزموها مع طرف القلب. وثبت السّلطان بمن معه من أبطال الإِسْلَام، وكان القتال يعمل من ضحوةٍ إِلَى المغيب. وساق طُلُبٌ من التّتار وراء الميسرة إِلَى بُحَيْرة حمص، وقتلوا خلقًا من المطّوّعة والغلمان وأشرف الإِسْلَام على خطّهِ صَعْبة. ثُمَّ إنّ الكبار مثل البَيْسريّ وسُنْقُر الأشقر وعلاء الدّين طيبرس وأيْتمِش السَّعْديّ وبكتاش أمير سلاح وطرنطيه ولاجين وسنْجر الدّواداريّ لمّا رأوا ثبات السّلطان حملوا على التّتار عدّة حملات، ثُمَّ كان الفتح ونزل النصر وجُرح مقدَّم التّتار منكوتمر بْن هولاكو، وجاءهم الأمير عِيسَى بْن مُهَنّا عَرْضًا، فتمّت هزيمتهم واشتغلوا بما دَهَمُهم من جرح مقدَّمهم. وركب المسلمون أقفيتهم وقتلوا منهم مقتلة هائلة، وساقوا وراءهم حَتَّى بقي السّلطان فِي نفرٍ قليل من الخاصكيّة ونائبه طرنطاي قُدّامه بالصناجق. وردّت ميمنة التّتار الّتي كسرت ميسرة المسلمين، فمرّوا بالسلطان وهو تحت العصائب والكوسات تضرب وحوله من المقاتلة أقلّ من ألف، فَلَمَّا جاوزوه ساق وراءهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وتمّ النّصر بعد العصر، وانهزموا عن آخرهم قبل الغروب وافترقوا، فأخذت فرقة على سَلَمية والبرّيّة، وأخرى على ناحية حلب. وعاد السلطان إلى منزلته بليل، وجهز من الغد وراءهم الأيْدمريّ فِي طائفةٍ كبيرة وجاءت يوم الجمعة بطاقة بالنّصر، فضُربت البشائر وزُيّنت دمشق، فلما كان -[221]- نصف اللّيل وصل إِلَى ظاهر دمشق المنهزمون من الميسرة أمراء وأجناد، ولم يعلموا بما تجدّد من النّصر، فقلق الخلْق، وماج البلد وشرع خلْقٌ فِي الهروب. ثُمَّ وصل وقت الفجر بريدي بالبشارة بعد أن قاسى الخلْق ليلةً شديدة وتودّعوا من أولادهم واستسلموا للموت، فإنّ أولئك التّتار كانوا يبذلون السّيف من غير تردُّد. ورأسهم كافر وأكثرهم على الكُفر، فللّه الحمدُ على السلامة. وكان للصبيان والنسوان فِي تلك الليلة فِي الأسطحة ضجيجٌ عظيمٌ وبُكاء والتجاء إلى الله تعالى لا يعبر عنه. وكان رُكْنُ الدّين الجالق من جملة المنهزمين ولم يعنّفْه السّلطان لأنّه رَأَى ما لا قِبَل له به. فَلَمَّا صُليّت الصُّبْح قُرِئ الكتاب السلطاني بكسرة التّتار وأنّهم كانوا مائة ألفٍ أو يزيدون. ثُمَّ جاء كتاب آخر قبل الظُّهْر فِي المعنى وزُيّنت دمشق. واستشهد نحو مائتي فارس منهم الحاجّ أزْدمر، وسيف الدّين الرُّوميّ، وشهاب الدّين توتل الشَّهْرَزُوريّ، وناصر الدّين ابن جمال الدّين الكامليّ، وعزّ الدين ابن النصرة المشهور بالقوة المفرطة والعرامة. ودخل السّلطان دمشق يوم الجمعة المقبلة وبين يدي موكبه أسرى التتار يحملون رماحا على شعف القتلى، وقدِم فِي خدمته مِمَّنْ كان انضم إِلَى سُنْقر الأشقر أيْتمش السَّعْديّ، وسيفُ الدّين بلبان الهارونيَ، وعلم الدّين الدّواداريّ وودّعه سُنْقر الأشقر من حمص وعاد إِلَى صهيون، وترحّل أولئك الّذين نازلوا الرَّحبَة. ثُمَّ قدِم بعد جمعة بدر الدين الأيدمري وقد أنكى في التّتار، وتبعهم إِلَى قريب الفرات، وهلك منهم خلقٌ عند تَعْدِيتهم الفرات، ونزل إليهم أَهْل البيرة، فقتلوا فيهم وأسروا، وتمزقوا وتعثروا، وتوصّلوا إِلَى بلادهم فِي أسوأ حال، فلله الحمد على كل حال. ودخل السلطان إلى القاهرة يوم الأحد ثاني شعبان، فوصل فِي عشرين يوما إلى القاهرة. وترتب في شد دمشق علم الدين الدواداري. -[222]- ومات بين العيدين ملك التتار أبغا. وفي شعبان قبض بمصر على الأميرين: رُكن الدّين أباجو الحاجب وبهاء الدّين يعقوبا. وَفِي رمضان فُتِحت المدرسة الجوهريّة ودّرس بها القاضي حسامُ الدّين الحنفيّ بحضرة واقفها الصَّدر نجم الدين. وجاء فِي رمضان ثلجٌ مُفْرِط، وطال بقاؤه، واشتدّ البرد وجلّد ببْعلَبَكّ الفُقّاع وذلك غير منكر بها. وفي جمادى الآخرة من هذه السُّنّة رسم الملك المنصور بعرض الدّواوين من أَهْل الذِّمة على السّيف أو يُسْلِمون، فأبّوا، فأخرجوهم بدمشق إِلَى سوق الخيل، وجُعلت الحبال فِي أعناقهم للشَّنْق، فأسلموا حينئذٍ وأُحضِروا إِلَى الحاكم فأسلموا على يده، فَلَمَّا كان فِي شوّال من السّنة فكّروا فِي أنفسهم واستفتوا الفقهاء. ثُمَّ عُقِد لهم مجلسٌ ورُسم للقاضي المالكيّ أن يسمع كلامهم ويحكم بما يوافق مذهبهم، فأثبتوا ذلك، وعاد أكثرهم إِلَى دِينهم وغرموا مبلغا من المال على ذلك. وَفِي ثاني عشر آذار فِي شهر ذي القعدة خرج النّاس ونائب السلطنة إِلَى الصحراء بدمشق يستسقون. وفيه بعث السّلطان الملك المنصور بنات الملك الظاهر وسلامش وخدمهم إلى قلعة الكرك. وَفِي هَذِهِ السّنة تُرِّبَتْ جزيرةٌ هائلة تجاه بولاق وبَعُدَ البحرُ عن القاهرة وغلا سعر الماء. ويوم عَرَفَه أُفرِج عن البُرهان السّنْجاريّ الوزير ولزم بيته بعد مشاق شديدة. وفي رجب درس بالأمينية الشيخ علاء الدين ابن الزَّمْلَكَانيّ، شدّ منه الشّمسيّ، وتعجّب الفُضلاء، فإنّه كان قليل الفقه، مليح الشَّكْل، ثُمَّ أُخذت منه، ثمْ وليها. |
تاريخ الإسلام للإمام الذهبي